مخاوف رسمية من تمدد أعمال الشغب والعنف في فرنسا

الحكومة تريد وأد الحركة الاحتجاجية في المهد وتجنب سيناريو العام 2005

رجل إطفاء يخمد نيرانا اشتعلت خلال المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في 28 يونيو (رويترز)
رجل إطفاء يخمد نيرانا اشتعلت خلال المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في 28 يونيو (رويترز)
TT

مخاوف رسمية من تمدد أعمال الشغب والعنف في فرنسا

رجل إطفاء يخمد نيرانا اشتعلت خلال المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في 28 يونيو (رويترز)
رجل إطفاء يخمد نيرانا اشتعلت خلال المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في 28 يونيو (رويترز)

تسعى باريس لخنق الحركة الاحتجاجية التي ترافقها أعمال شغب، احتجاجا على مقتل فتى في السابعة عشرة من عمره بالرصاص على يدي رجل شرطة بسبب عدم انصياعه لأوامره بوقف محرك سيارته والترجل منها. وفي الليلتين الماضيتين، شهدت مدينة نانتير الواقعة على مدخل باريس الغربي، حيث حصلت الحادثة صباح الثلاثاء، أعمال شغب واشتباكات وإحراق سيارات وإغلاق طرق قبل أن تمتد إلى ضواحي العاصمة الأخرى وإلى مدن رئيسية منها، ليون وتولوز وليل وديجون.

وأفاد جيرالد درامانان، وزير الداخلية، بأن ليلة الأربعاء إلى الخميس شهدت توقيف 150 شخصا في أنحاء مختلفة من البلاد، وأن عشرات منهم تم سوقهم أمام القضاء للمثول المباشر.

موظفو قطاع النقل يستعدّون لإزاحة عربة قطار محترقة في 29 يونيو (أ.ف.ب)

ويبدو أن الرئاسة والحكومة قلقتان من تطوّر الأحداث وأن تكون هذه المرة نسخة عما شهدته فرنسا، في ظروف مشابهة، في العام 2005 حيث أفضت وفاة مراهقين كانت تلاحقهما الشرطة، إلى ثلاثة أسابيع من أعمال العنف والشغب. ومن أجل احتوائها، عمدت السلطات وقتها إلى إعلان حالة الطوارئ في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) في 25 مقاطعة، وأبرزها الضواحي والمدن المحيطة بالعاصمة باريس والمعروفة بـ«إيل دو فرانس».

وثمّة ثلاثة مؤشرات تدلّ على قلق الحكومة وخطورة الوضع، أولها دعوة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى اجتماع طارئ لخلية الأزمات في وزارة الداخلية صباح الخميس لتدارس الوضع واتخاذ القرارات المناسبة. وثانيها قرار رئيسة الحكومة إليزابيث بورن إلغاء زيارة رسمية داخل فرنسا وطلبها من الوزراء عدم مغادرة البلاد إلا في حالة الضرورة. وثالثها، تأكيد وزير الداخلية قرار الحكومة نشر 40 ألف رجل شرطة في أنحاء البلاد مساء الخميس، منهم خمسة آلاف في المنطقة الباريسية وحدها لـ«إبراز حزم الدولة» في التعاطي مع المشاغبين، ما يعني أن وزير الداخلية سينشر أربعة أضعاف أعداد القوى الأمنية التي نشرت مساء الأربعاء والتي لم يزد عديدها على تسعة آلاف رجل.

ويمكن فهم أن الغرض الحقيقي الذي تسعى إليه الحكومة، وهو وأد الحركة الاحتجاجية في المهد ومنع تمدّدها إلى كافة أنحاء البلاد، علما أنها عرفت انتشارا سريعا ليل الأربعاء إلى الخميس، حيث لم يتردد المتظاهرون والمشاغبون في إغلاق بعض الطرق والاشتباك مع القوى الأمنية وإطلاق المفرقعات باتجاهها وإحراق عشرات السيارات ومهاجمة سجن قريبا من باريس وإحراق مقر للشرطة.

جانب من المسيرة البيضاء في نانتير في 29 يونيو (أ.ف.ب)

ولعل أحد أبرز معالم التشدد لجوء القوى الأمنية في مدينة نانتير، بعد ظهر الخميس، إلى إطلاق الغاز المسيل للدموع على متظاهرين كانوا يشاركون في «مسيرة بيضاء» دعت إليها والدة الشاب القتيل تكريما لذكرى ابنها «نائل م» الذي قضى برصاص رجل شرطة أطلق النار عليه من مسافة قريبة. وقد شارك في المسيرة التي أريد لها أن تكون سلمية حوالي ستة آلاف شخص. وبدأ عدد من المتظاهرين برشق الشرطة بمقذوفات أمام المبنى الرئيسي للإدارة المحلية في نانتير، التي ردت بإطلاق الغاز المسيل للدموع لغرض تفريقهم.

بيد أن الحدث الأبرز حصل ظهر الخميس مع المؤتمر الصحافي الذي عقده ممثل النيابة العامة في مدينة نانتير، حيث كذّب فيه رواية الشرطي مطلق النار ورفيقه الشرطي الثاني. وقال باسكال براش، النائب العام في المدينة المذكورة، في إعلان للصحافة قبيل ظهر الخميس، إن «الشروط القانونية المفترضة لإطلاق النار لم تكن متوافرة»، ما يعني تكذيب رواية الشرطيين اللذين أكدا أنهما شعرا بالخطر معتبرين أن السائق يشكل تهديدا لهما وللسلامة العامة. وأكثر من ذلك وصف النائب العام ما حصل بأنه «عملية قتل غير متعمد». وبسبب هذه الخلاصة التي توصل إليها النائب العام، فقد أمر بفتح تحقيق قضائي عهد به إلى قاضيين سارعا لاستجواب أولي لمطلق النار ولزميله. وأفاد براش بأنه طلب وضع الأول قيد التوقيف الاحتياطي.

مواجهات بين متظاهرين والأمن الفرنسي في نانتير في 29 يونيو (أ.ب)

وتفيد التفاصيل التي كشف عنها المدعي العام أن الشاب المراهق الذي لم يكن قد بلغ سن الرشد القانونية (18 عاما) كان يقود سيارته بسرعة عالية في نانتير صباح الثلاثاء، يرافقه راكبان. وفشلت محاولة أولى قام بها رجلا شرطة على دراجتين ناريتين في إيقافه عند إحدى إشارات المرور، وأن السائق واصل الفرار على الأرصفة. وما أثار شكوك رجلي الأمن أن السيارة، وهي من نوع مرسيدس رياضية مسجلة في بولندا، يقودها سائق لا يحترم إشارات السير ولا يصغي لأوامر الشرطة. وبعد أن تمكن الشرطيان من اللحاق بالسيارة وأوقفاه، طلبا منه إيقاف محركها، لكنه، بدل ذلك، عمد فجأة للانطلاق بها مجددا، ما دفع أحد الشرطيين إلى إطلاق رصاص.

وبعكس رواية الأخيرين، أكّد المدعي العام أن حياتهما لم تكن أبدا مهددة وبالتالي فإن ادعاءاتهما بأن السائق حاول دهسهما غير صحيحة. ومن الواضح أن المدعي العام استند إلى صور الفيديو التي انتشرت سريعا منذ الاثنين، وتظهر تماما كيف انطلق السائق، وكيف أطلق أحد الشرطيين وعمره 38 عاما النار عليه من مسافة قريبة. ومن التفاصيل التي أوردها النائب العام أن مطلق النار حاول إسعاف الضحية بعد أن توقفت السيارة المسروقة عقب ارتطامها بحاجز. ورغم وصول الإسعاف سريعا، فإن الشاب نائل توفي في مكان الحادث.

وأفاد النائب العام بأن الشرطي الثاني أخلي سبيله بعد أن كان قد أوقف مع مطلق النار. وبينت الفحوص المخبرية أن الأخير لم يكن، عند حصول الحادثة، تحت تأثير المخدرات أو الكحول. ووفق تصريحات براش، فإن الشاب القتيل الذي لم يكن قد بلغ سن الرشد وفق القانون الفرنسي، أصيب برصاصة واحدة اخترقت ذراعه اليسرى ووصلت إلى القفص الصدري وقد تسببت بوفاته.

شرطة مكافحة الشغب اصطدمت بمتظاهرين في نانتير في 29 يونيو (إ.ب.أ)

وكان جيرالد درامانان قد كتب في تغريدة صباح الخميس، أن الأمن أوقف 150 شخصا خلال الليلة المنقضية، منددا بأعمال العنف التي تستهدف «رموز الجمهورية الفرنسية» من بلديات ومدارس ومراكز شرطة. وصباحا أيضا، سارع رئيس الجمهورية إلى الدعوة إلى اجتماع للخلية الأمنية عقد في مقر وزارة الداخلية المقابل للقصر الرئاسي بحضور رئيسة الحكومة إليزابيث بورن ووزير الداخلية والوزراء المعنيين وقادة الأجهزة الأمنية، لتقييم الوضع واتخاذ الإجراءات الضرورية لمواجهة موجة العنف الجديدة.

وبعد أن كان إيمانويل ماكرون قد عد الأربعاء أن مقتل الشاب نائل «عمل لا يمكن تفسيره» أو «التسامح إزاءه»، تغيرت لهجته صباح اليوم حيث اعتمد لغة متشددة. ووفق ما نقل عنه، فإنه ندد بأعمال العنف والشغب التي «لا يمكن تبريرها»، وأعرب عن «شجبه» لما جرى في الساعات الماضية التي تميزت بـ«مشاهد عنفية» استهدفت «مؤسسات الجمهورية». إلا أنه دعا كذلك إلى «الهدوء الكامل» ووضع حد لأعمال العنف، بيد أن هذه الدعوة لم تلق ولن تلقى على ما يبدو آذانا مصغية، والدليل ما حصل إبان «المسيرة البيضاء» التي شهدت، كما في الليلة السابقة في نانتير، اشتباكات مع الشرطة وأعمال عنف.

شرطيان يتفقدان سيارة محترقة بعد صدامات بشمال فرنسا في 29 يونيو (أ.ف.ب)

ويبدو أن التخوف الحكومي يتجاوز أعمال العنف إلى ما تعده السلطات «محاولة لتسخيرها لأغراض سياسية». وبالفعل، لم تتأخر الحكومة في التنديد بمن يسعون لهذا الغرض، فيما شنت قوى اليمين التقليدي واليمين المتطرف هجوما واسعا على اليسار، وتحديدا على حزب فرنسا المتمردة. وكما في كل مرة، أدلى السياسيون بدلوهم وثار الجدل بين اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف وبين اليسار، خصوصا حزب «فرنسا المتمردة» الذي يقوده المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون.

من جانب آخر، أثارت الحادثة الأخيرة الجدل بشأن القانون الذي يتيح لرجال الأمن إمكانية إطلاق النار عند «الشعور بالتهديد أو رفض الانصياع». وخلال العام الماضي، قتل 12 شخصا من السائقين لرفضهم الانصياع، وفق الشرطة.


مقالات ذات صلة

مسيرة في تونس مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين

شمال افريقيا مهاجرون أفارقة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

مسيرة في تونس مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين

شارك مئات التونسيين، من بينهم نشطاء وممثلون عن المجتمع المدني، في مسيرة مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين في العاصمة تونس اليوم السبت.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)

موريتانيا: أحزاب معارضة تدعو للتظاهر رفضاً لإجراءات الحكومة

دعا حزب معارض في موريتانيا إلى التظاهر يوم الأحد المقبل احتجاجاً على إجراءات اتخذتها الحكومة بسبب تداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران 

الشيخ محمد (نواكشوط)
الولايات المتحدة​ مظاهرة احتجاجية ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في العاصمة واشنطن (أ.ف.ب)

مظاهرات واسعة النطاق ضد ترمب في الولايات المتحدة (صور)

خرج محتجون مناهضون لسياسات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى الشوارع في أنحاء الولايات المتحدة، أمس (السبت)، في إطار أحدث حملات حركة «لا ملوك».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ متظاهر يحمل لافتة كُتب عليها «لا للملوك» مع رسم تاج مشطوب خلال احتجاج ضد سياسات ترمب أمام مبنى بلدية لوس أنجليس في 18 أكتوبر (رويترز)

رفضاً لـ«نزعته السلطوية»... ترقب لاحتجاجات أميركية واسعة ضد ترمب اليوم

يتوقع أن تشهد الولايات المتحدة اليوم (السبت) احتجاجات واسعة النطاق ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ثالث تحرك من نوعه في أنحاء مختلفة من البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)

الجزائر: ملف معتقلي الرأي يتصدر المشهد السياسي في سياق «عفو رئاسي»

أفادت مصادر حقوقية في الجزائر بإطلاق سراح نحو 50 سجيناً من معتقلي الرأي، عشية عيد الفطر المبارك، بموجب عفو رئاسي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

تضامن سياسيون ورجال دين إيطاليون مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، الاثنين، بعد انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب له، ما جعل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في حاجة إلى الموازنة بين علاقات إيطاليا الوثيقة بالفاتيكان وتحالفها مع ترمب، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وأثار ترمب ضجة كبيرة بعد أن وصف البابا ليو بأنه «فظيع»، ما تطلب رداً مباشراً ونادراً من البابا الذي أكد أنه «لا يخشى» الإدارة الأميركية، وسيواصل التنديد بالحرب التي تقودها الولايات المتحدة على إيران، والدفاع عن المهاجرين.

وأصدرت ميلوني، التي وطدت علاقاتها مع ترمب خلال السنوات القليلة الماضية، بياناً تدعم فيه البابا ليو الذي انطلق في جولة لزيارة أربع دول أفريقية، لكنها لم تشر بشكل مباشر إلى انتقادات الرئيس الأميركي.

وقالت: «نسأل الرب أن تساعد خدمة الأب الأقدس في تعزيز حل النزاعات وعودة السلام، داخل الدول وفيما بينها»، موضحة دعمها للبابا دون توجيه انتقادات صريحة لترمب.

واستغل معارضون سياسيون هذا التجاوز، ويعتقد هؤلاء أن قرب ميلوني من ترمب بات يشكل عائقاً انتخابياً في بلد ينظر 66 في المائة من سكانه بشكل سلبي للرئيس الأميركي بسبب سياسته الخارجية العدوانية.

وقال أنجيلو بونيلي، وهو شخصية بارزة في حزب «الخضر» المنتمي لليسار: «بصفتي كاثوليكياً، يتملكني شعور بالغضب من رئيسة وزراء تستحضر القيم المسيحية، لكنها لا تملك القوة والشجاعة للتنديد بإساءة ترمب غير المقبولة بحق البابا والعالم الكاثوليكي». وأشار بونيلي إلى منشور لترمب في وقت لاحق ظهرت فيه صورة له مولدة بالذكاء الاصطناعي تصوره في هيئة السيد المسيح.

غير أن نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني، الذي كان أيضاً مرتبطاً بعلاقات جيدة مع ترمب في السابق، كان أكثر صراحة في انتقاده للرئيس الأميركي، وسلّط الضوء على محاولات اليمين المتطرف في أوروبا النأي بنفسه عن دائرة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» الأميركية الموالية لترمب.

وقال رئيس الوزراء السابق ماتيو رينتسي المنتمي لتيار يسار الوسط: «لم نشهد منذ قرون مثل هذا التصرف العدائي الصارخ ضد بابا الفاتيكان»، مضيفاً أنه من الضروري أن يدافع الكاثوليك وغيرهم على حد سواء عن البابا ليو.


ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

TT

ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)
بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)

دعا الفائز في الانتخابات المجرية، بيتر ماغيار، الرئيس المجري إلى دعوة البرلمان للانعقاد من أجل تشكيل حكومة جديدة «في أسرع وقت ممكن»، آملاً في أن يتولى منصب رئيس الوزراء خلفاً لـ فيكتور أوربان ابتداءً من الخامس من مايو (أيار)، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وقال ماغيار خلال مؤتمر صحافي عقده الاثنين عقب الفوز الساحق الذي حققه حزبه في انتخابات الأحد، إن حزبه «تيسّا» حصل على «تفويض غير مسبوق». وأضاف: «لم يصوّت الشعب المجري من أجل مجرد تغيير حكومة، بل من أجل تغيير كامل في النظام». ويتيح هذا التفويض الكبير لحزب «تيسّا» إطلاق برنامج إصلاحي واسع وطموح.

زلزال انتخابي يطيح أوربان

بعد الزلزال الانتخابي الذي رفض فيه الناخبون بأغلبية ساحقة رئيس الوزراء القريب من روسيا فيكتور أوربان، بدأ المجريون يتساءلون عما ينتظرهم في عهد زعيمهم الجديد بيتر ماغيار، الإصلاحي المؤيد لأوروبا الذي تعهّد بإحداث تحوّل جذري في الثقافة السياسية للمجر.

وخلال حملته الانتخابية، وعد ماغيار بإنهاء انجراف المجر نحو روسيا وإعادة توثيق علاقاتها مع حلفائها الأوروبيين. كما تعهّد للناخبين بأنه بعد 16 عاماً من الحكم السلطوي وتراجع سيادة القانون في عهد أوربان، سيكافح الفساد ويؤسس لـ«مجر مسالمة وفعالة وإنسانية».

إلا أن طبيعة هذه التغييرات ما زالت غير واضحة بالكامل. فخلال سنوات حكمه الطويلة، حكم أوربان بأغلبية برلمانية تبلغ الثلثين؛ ما مكّنه من تمرير دستور جديد، وإعادة صياغة النظام الانتخابي، وإعادة تشكيل السلطة القضائية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في البيت الأبيض 7 نوفمبر 2025 (أ.ب)

أغلبية دستورية تتيح تفكيك إرث أوربان

حصل حزب «تيسّا» على تفويض مماثل، الأحد، بعدما فاز بـ138 مقعداً من أصل 199 في البرلمان؛ ما يمنحه سلطة واسعة لإلغاء كثير من التشريعات التي سمحت لأوربان بتكديس الموالين له في المحاكم، والتلاعب بالنظام الانتخابي، وتقييد حرية الصحافة، وفق «أسوشييتد برس».

ورغم ذلك، تبرز عقبات محتملة قد تحُول دون تحقيق التغييرات الجذرية التي يأمل بها كثير من المجريين.

احتفالات تاريخية في بودابست

استُقبل فوز ماغيار بموجة احتفالات عارمة في شوارع بودابست مساء الأحد، حيث احتشد عشرات الآلاف، كثير منهم من الشباب؛ احتفالاً بما عدّوه بارقة أمل ستجعل المجر أكثر حرية وسعادة وأكثر اندماجاً في منظومة الديمقراطيات الأوروبية.

وفي أنحاء العاصمة، أطلق السائقون أبواق سياراتهم وشغّلوا أغاني مناهضة للحكومة، في حين ردد المتظاهرون هتافات في الشوارع.

وقال أدريان ريكسير خلال الاحتفالات إنه عاد من منزله في لندن إلى المجر «لأنني أردت حقاً أن يكون لصوتي أثر، وأنا في غاية السعادة».

وأضاف: «أخيراً يمكنني أن أقول إنني مجري فخور، أخيراً بعد 16 عاماً».

مخاوف من أغلبية الثلثين

كان كثير من المجريين ومراقبين أوروبيين قد خشوا أن تكون الأغلبية البسيطة غير كافية لتفكيك نظام أوربان بالكامل.

لكن آخرين ما زالوا مترددين بشأن ما قد تعنيه أغلبية الثلثين في يد حكومة جديدة، مع وجود مخاوف من نقل هذه السلطة الواسعة ببساطة من أوربان إلى خصمه.

وقال المحتفل دانييل كوفاتش: «من الصعب تصور أن حكومة تملك ثلثي البرلمان ستكون عادلة بالكامل، لكننا سنرى. نأمل أن تكون أربع سنوات واعدة».

أنصار حزب «تيسّا» الفائز بالانتخابات البرلمانية المجرية لعام 2026 خلال مسيرة النصر في بودابست 13 أبريل 2026 (د.ب.أ)

المؤسسات لا تزال بيد موالين لأوربان

شكّل فوز ماغيار وحزب «تيسّا» سابقة في تاريخ المجر ما بعد الشيوعية؛ إذ حصلا على عدد أصوات ومقاعد لم يسبق أن حققه أي حزب.

وقال بولتشو هونيادي، المحلل في مركز الأبحاث «بوليتيكال كابيتال» في بودابست، إن الأغلبية الدستورية لحزب «تيسّا» تمنحه صلاحيات واسعة للتراجع عن كثير من سياسات أوربان، لكن «المؤسسات الأساسية في البلاد يقودها أشخاص مثبتون في مواقعهم لسنوات طويلة».

وفي إطار جهوده لترسيخ سيطرته على النظام الديمقراطي المجري، عيّن أوربان حلفاء موالين له على رأس مؤسسات رئيسية، من هيئة الإعلام إلى مكتب الادعاء العام والمحكمة الدستورية.

وفي حالات عدة، مُدّدت ولايات مسؤولين أو جرى تعيين آخرين قبل انتهاء ولايات من سبقوهم، بما أبقى القيادات الموالية له في مواقعها لسنوات تتجاوز أي تغيير حكومي محتمل.

وكان ماغيار قد دعا في خطاب النصر، الأحد، هؤلاء المسؤولين، بمن فيهم الرئيس المجري، إلى التنحي طوعاً. وقال هونيادي: «بخلاف ذلك، لا يملكون فعلياً أدوات أخرى لإزاحتهم».

وعود بمكافحة الفساد واستعادة الأموال

يتهم ماغيار أوربان وحكومته بسوء إدارة الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، والإشراف على فساد غير مضبوط أدى، حسب قوله، إلى تراكم ثروات هائلة لدى دائرة ضيقة من المقربين من السلطة.

وتعهّد بمحاسبة المسؤولين عن هذه التجاوزات، وإنشاء «مكتب استعادة وحماية الأصول الوطنية» لاسترجاع ما وصفه بالمكاسب غير المشروعة لحلفاء أوربان.


القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
TT

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها بسوريا.

وخلصت المحكمة إلى أن «لافارج» التي استحوذت عليها مجموعة «هولسيم» السويسرية دفعت ملايين الدولارات بين عامي 2013 و2014 عبر فرعها «لافارج سيمنت سوريا»، لجماعات متطرفة ووسطاء لحماية مصنع الأسمنت في الجلبية بشمال سوريا.

وقالت رئيسة المحكمة القاضية إيزابيل بريفوست-ديسبريز: «كانت هذه الطريقة في تمويل المنظمات الإرهابية، وخصوصاً تنظيم (داعش)، أساسية في تمكين المنظمة الإرهابية من السيطرة على الموارد الطبيعية في سوريا؛ ما أتاح لها تمويل الأعمال الإرهابية داخل المنطقة وتلك المخطط لها في الخارج، وخصوصاً في أوروبا»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويأتي الحكم بعدما أقرّت «لافارج» عام 2022 في الولايات المتحدة بالذنب بتقديم دعم ماديّ لمنظّمات مصنّفة في واشنطن «إرهابية» ووافقت على دفع غرامة قدرها 778 مليون دولار، في تهمة غير مسبوقة لأي شركة.

وأتمّت «لافارج» بناء معمل الجلبية البالغة تكلفته 680 مليون دولار في عام 2010، قبل اندلاع الحرب الأهلية السورية في العام التالي بعد القمع الوحشي لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد للاحتجاجات المناهضة للحكومة حينذاك.

وسيطر عناصر تنظيم «داعش» على أجزاء واسعة من سوريا والعراق المجاور في عام 2014، حيث أعلنوا تأسيس «خلافة».

وبينما غادرت شركات أخرى متعددة الجنسيات سوريا في 2012، اكتفت «لافارج» بإجلاء موظفيها الأجانب وأبقت السوريين منهم حتى سبتمبر (أيلول) 2014 عندما سيطر عناصر تنظيم «داعش» على المصنع.

واتُهمت «لافارج سيمنت سوريا» بدفع أموال في عامي 2013 و2014 لوسطاء من أجل الحصول على المواد الأولية اللازمة لتشغيل المصنع من تنظيم «داعش» وغيره من الجماعات، ولتأمين حرية تنقّل شاحنات الشركة وموظفيها.

برونو لافون الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لافارج» يصل إلى المحكمة في باريس 13 أبريل 2026 (أ.ب)

«هدف واحد هو الربح»

وإلى جانب «لافارج»، تشمل لائحة المتّهمين الرئيس التنفيذي السابق للشركة برونو لافون وخمسة مسؤولين سابقين في الأقسام التشغيلية أو الأمنية، ووسيطين سوريين، أحدهما لم يكن حاضراً في جلسات المحاكمة. وهم متّهمون بـ«تمويل الإرهاب» وانتهاك العقوبات الدولية.

وقال مكتب المدعي العام الوطني الفرنسي لمكافحة الإرهاب في مرافعته الختامية في ديسمبر (كانون الأول)، إنّ «لافارج» مذنبة بتمويل منظمات «إرهابية» بـ«هدف واحد هو الربح».

وطالب المدعون العامون بفرض أقصى غرامة على شركة «لافارج» بقيمة 1.12 مليون يورو (1.3 مليون دولار) ومصادرة أصول بقيمة 30 مليون يورو.

كذلك، طالبوا بسجن لافون (69 عاماً) لمدة ست سنوات، في حين ينفي أي علم له بالمدفوعات غير المشروعة.

وقال المدعون إنّ الرئيس السابق للشركة «أعطى تعليمات واضحة» للحفاظ على تشغيل المصنع في قرار وصفوه بأنّه «صادم».

وخلال المحاكمة، قال كريستيان هارو، وهو نائب المدير الإداري السابق، إنّ قرار إبقاء المصنع مفتوحاً تم اتخاذه بسبب القلق على الموظفين المحليين.

وأضاف: «كان بإمكاننا أن نتنصل من المسؤولية ونبتعد، ولكن ماذا كان سيحدث لموظفي المصنع؟».

ووفق مكتب المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، فقد بلغت المدفوعات للجماعات المصنّفة منظمات «إرهابية» ما لا يقل عن 4.7 مليون يورو (5.5 مليون دولار).

شعار شركة «لافارج» الفرنسية للأسمنت على أحد مصانعها في باريس 7 أبريل 2014 (أ.ف.ب)

السعي للحصول على مساعدة «داعش»

من جانبها، قالت شركة «هولسيم» التي استحوذت على «لافارج» في عام 2015، إنّها لم تكن على علم بالتعاملات في سوريا.

أما القضية الأخرى المتعلّقة باتهامات بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، فهي لا تزال جارية.

وفي عام 2019، تمكنت «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد وتدعمها واشنطن، من دحر تنظيم «داعش» من آخر مناطق سيطرته في سوريا.

وفي عام 2017، فُتح تحقيق في فرنسا بعد تقارير إعلامية عدة وشكويين قانونيتين في عام 2016، إحداهما من وزارة المالية بسبب انتهاك مفترض لعقوبة اقتصادية والأخرى من جماعات غير حكومية و11 موظفاً سابقاً في «لافارج» بسبب «تمويل الإرهاب».

وفي قضية مرفوعة في الولايات المتحدة، قالت وزارة العدل إنّ «لافارج» سعت للحصول على مساعدة من تنظيم «داعش» لإقصاء المنافسين، من خلال تطبيق «اتفاقية تقاسم الإيرادات» الفعّالة معهم.

وفي ذلك الوقت، ندد لافون الذي كان رئيساً تنفيذياً منذ عام 2007 إلى عام 2015 عندما تمّ دمج «لافارج» ضمن «هولسيم»، بتحقيق وصفه بـ«المنحاز».