أنهى الاستيلاء الروسي على مدينة باخموت في مايو (أيار) الماضي أطول معركة في الحرب الروسية الأوكرانية، مما يمثل انتصاراً ليفغيني فيكتوروفيتش بريغوجين، مؤسس مجموعة «فاغنر» الروسية شبه العسكرية.
بالنسبة لبريغوجين، الذي قاد مرتزقته الهجوم على باخموت، فإن الاستيلاء على المدينة الواقعة في شرق أوكرانيا يمثل هاجساً شخصياً. ومن شأنه أن يشكل أحد جوانب إرث المعركة من زاوية العداء العام الذي ثار بينه، وهو الرجل الذي كان معروفاً سابقاً باسم «طباخ بوتين»، وبين وزارة الدفاع الروسية.

بريغوجين رجل أعمال جمع ثروته جزئياً من خلال حيازة تعاقدات التموين من الكرملين، مما أسفر عن إطلاق لقب «الطباخ» الذي اشتهر به. وقد بسطت مجموعة «فاغنر»، قوة المرتزقة التابعة له، نفوذاً لصالح موسكو في كل من سوريا، وليبيا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، والسودان، ومالي، وموزمبيق، وهي الآن قوة ضرورية وحاسمة تقاتل بالنيابة عن روسيا في أوكرانيا، برغم أن بريغوجين لم يعترف علناً بصلته بمجموعة «فاغنر» إلا في سبتمبر (أيلول) الماضي فقط.
منذ ذلك الحين، أرسى ركائز حضور عدواني بارز عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وصوّر نفسه وقواته بأنهم مقاتلون أكثر قسوة وفاعلية من الجيش الروسي نفسه، وشجب بيروقراطية المؤسسة الدفاعية في موسكو، كل ذلك مع الحفاظ على تحالف وثيق مع الرئيس فلاديمير بوتين.
كانت اتهامات بريغوجين بشأن كفاءة وزارة الدفاع الروسية مقترنة بالتقدم الذي أحرزه مقاتلوه في معركة باخموت الطاحنة، قد حولته من شخصية كانت سرية ذات يوم إلى لاعب ذي شأن في السلطة السياسية على المسرح العام.
أصبح الخلاف بين بريغوجين ومسؤولي الدفاع الروس أكثر انكشافاً مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى للحرب، في فبراير (شباط) من العام الحالي. في ذلك الوقت، كانت مجموعة المرتزقة التابعة لبريغوجين تفقد قدرتها على تجديد صفوفها. وقد مكّنت الأعداد الهائلة لقواته، التي عززها نزلاء السجون الذين جنّدهم بريغوجين شخصياً، من شن هجمات «فاغنر» المتكررة والمكلفة في باخموت. لكن الأنباء عن معدل الإصابات لمرتزقة «فاغنر» كانت تصل إلى السجون الجنائية الروسية، وقال بريغوجين في أوائل فبراير، إنه سيتوقف عن تجنيد المزيد من السجناء، من دون الإفصاح عن أسباب ذلك.
لم يمض وقت طويل بعد ذلك، حتى استهدف بريغوجين بانتقاداته شخصيات قريبة من قمة هيكل القيادة في روسيا، متهماً وزير الدفاع وأكبر جنرال عسكري في البلاد بالخيانة، في رسائل صوتية تحمل عبارات نابية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
زعم بريغوجين أن المسؤولين العسكريين كانوا يتعمدون حجب الذخيرة والإمدادات عن مقاتلي «فاغنر» في باخموت لتقويض جهوده هناك، في حين أن القوات الروسية في أماكن أخرى واجهت فشلاً عسكرياً تلو الآخر.

بحسب وثيقة سرية صادرة عن الاستخبارات الأميركية سُربت عبر الإنترنت في أبريل (نيسان) الماضي، تفاقمت حدة النزاع إلى درجة أنها وصلت إلى بوتين بصفة شخصية، داعياً بريغوجين، ووزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، إلى اجتماع يُعتقد أنه عُقد في 22 فبراير (شباط) الماضي. وجاء في الوثيقة المسربة أنه «من شبه المؤكد أن الاجتماع كان يتعلق، بصفة جزئية على الأقل، باتهامات بريغوجين العلنية وما نتج عنها من توتر مع شويغو»، وذلك باستخدام كلمات بديلة (استنساخ) لاسم الوزير.
تراوحت حدة النزاع العلني مع مرور الوقت. وفي نهاية المطاف، قال بريغوجين إن مقاتليه في باخموت حصلوا على الذخيرة التي يحتاجون إليها، وفي أبريل (نيسان)، قدمت وزارة الدفاع الروسية اعترافاً نادراً بتعاونهم، قائلة إن وحدات المظليين الروسية كانت تغطي مجموعة «فاغنر» في الجزء الغربي من المدينة.
لكن على مدى ثلاثة أسابيع في مايو (أيار)، أصدر بريغوجين سلسلة من التصريحات التحريضية. ووجه اتهاماته مجدداً بحق الجهاز البيروقراطي العسكري الروسي بحرمان قوات «فاغنر» من الذخيرة التي تحتاج إليها للاستيلاء على باخموت بالكامل، وهدد هذه المرة بانسحاب قواته من المدينة في 10 مايو (أيار). وبدا أنه تراجع بعد يومين، كما فعل من قبل، وقال هذه المرة إنه تلقى وعوداً مُرضية بالحصول على المزيد من الأسلحة. وقد قوّض مزاعم الجيش الروسي بشأن «إعادة تجميع» جزئية لقواته في المدينة بإعلانها «هزيمة ساحقة»، ونفى تقريراً يُفيد بأنه عرض الكشف عن مواقع الجيش الروسي حول باخموت إذا وافقت كييف على الانسحاب من المنطقة. وفي أواخر مايو (أيار)، أعلن أن باخموت كانت تحت سيطرة قوات «فاغنر» بالكامل.
نفت كييف هذه المزاعم على وجه السرعة. وبعد عدة ساعات، أصدرت وزارة الدفاع الروسية بياناً جاء فيه أن الاستيلاء على المدينة «اكتمل» نتيجة لأعمال «فاغنر» بدعم من القوات الروسية النظامية. على الرغم من الاعتراف، سرعان ما عاد بريغوجين إلى إلقاء اللوم على القيادة العسكرية الروسية، وبلغ الأمر ذروته في مزاعمه يوم الجمعة بأن جنرالات موسكو قالوا إن ذلك يرقى إلى مستوى الانقلاب.
*خدمة «نيويورك تايمز»
