للمرة الأولى في تاريخها، أصبح لألمانيا استراتيجية للأمن القومي لا ترتكز فقط على الدفاع، ولكن تتضمن نقاطا مختلفة تتعلق بالأمن الداخلي والخارجي للبلاد. وفي إشارة إلى مدى توسع الاستراتيجية، ظهر المستشار الألماني أولاف شولتس في مؤتمر صحافي إلى جانب 4 وزراء في حكومته للإعلان عنها، هم وزراء الخارجية والدفاع والمالية والداخلية.
وتظهر الاستراتيجية الجديدة أن ألمانيا تريد البناء على أخطائها في السنوات الماضية، خاصة لجهة علاقتها بروسيا واعتمادها عليها بوصفها مزودا أساسيا للغاز قبل الحرب في أوكرانيا. ورغم أن الحكومة الائتلافية تعهدت لدى تشكيلها في البيان الحكومي بالعمل على هذه استراتيجية، فإنها خرجت في إطار مختلف تماما بعد الحرب في أوكرانيا. وتشير الورقة إلى أن «نقطة التحول» التي شهدتها ألمانيا بعد الحرب الروسية في أوكرانيا «شكّلت عاملا رئيسيا» للاستراتيجية التي تبنّتها الحكومة بعد أشهر من الخلافات التي تسببت في تأجيل الإعلان عنها عدة مرات.
تحدي الصين
وكانت تأمل الخارجية التي تسلمت سنّ الاستراتيجية الجديدة، الإعلان عنها في فبراير (شباط) الماضي خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، ولكن الخلافات مع المستشارية حول مدى التشدد في سن السياسة الاستراتيجية مع الصين أخّرت إصدارها. وتصف الاستراتيجية الأمنية الأولى في تاريخ ألمانيا، الصين بأنها تستخدم «ثقلها الاقتصادي للوصول إلى أهدافها السياسية»، محذّرة من أن «المنافسة مع الصين ازدادت في وقت تحاول فيه بكين تغيير النظام الدولي». ومع ذلك، حرصت الحكومة على التأكيد أن الصين ما زالت «شريكا لا يمكن من دونه حل كثير من التحديات الدولية». وتستعد الحكومة بحسب ما أعلن شولتس للإعلان عن استراتيجية أكثر تفصيلا حول الصين في الأسابيع المقبلة. ومنذ الحرب في أوكرانيا، ازدادت المخاوف من أن تكرر ألمانيا مع الصين الأخطاء نفسها التي ارتكبتها مع روسيا، خاصة لناحية اعتماد جزء كبير من صناعاتها على الصين في قطع أساسية.

وحذّر خبراء وحزب الخضر الذي تنتمي إليه بيربوك من ذلك، داعين إلى تقليص الاعتماد على الصين في التجارة، مذكّرين بالأزمة التي لفت ألمانيا بعد وقف خط أنابيب «نورد ستريم»، والعقوبات الأوروبية على روسيا التي أوقفت الغاز الروسي إلى ألمانيا. وكانت روسيا المزوّد الرئيسي للغاز لألمانيا طوال السنوات الماضية، وقد اضطرّت للبحث عن أسواق جديدة سريعا بعد انقطاع الغاز الروسي، وخطّت سياسة طاقة أكثر تنوعا نجحت في تطبيقها منذ العام الماضي.
ورغم إعلان شولتس أن سياسة مختلفة حول الصين ستصدر قريبا، حرصت بيربوك التي دخلت في جدل علني مع المستشار العام الماضي حول الصين، على التأكيد بأن الاستراتيجية الجديدة تركز على تقوية الأمن السيبراني لمواجهة التنصت الصيني. وقالت إن الأمن «في القرن الحادي والعشرين يعني ألا تتنصت الصين على المحادثات بين الأصدقاء، أو أن تتلاعب بنا (بوتات) روسية ونحن نبحث في وسائل التواصل الإعلامي». وأضافت أن الشركات الألمانية «توصّلت للاستنتاجات نفسها مثل الحكومة حول الاعتماد الكبير» على الصين. وفي نوفمبر الماضي، زار شولتس بكين والتقى الرئيس الصيني شي جينبينغ بعد انتخابه لولاية ثالثة أمين عام الحزب الشيوعي الحاكم، وكان برفقته وفد ضخم من رجال الأعمال الألمان. وتعرض شولتس لانتقادات من بيربوك وأعضاء من حزب الخضر، بسبب ما قالوا إنها «الرسالة الخطأ» التي يبعث بها للصين بتركيزه على الاقتصاد والتبادل التجاري، في وقت تتزايد الدعوات لتقليص الاعتماد على الصين.
تعزيز الإنفاق الدفاعي
وتعهدت الحكومة كذلك في الاستراتيجية الجديدة بزيادة الإنفاق الدفاع ليصل إلى 2 في المائة من ناتجها الإجمالي بحسب توصيات الناتو لأعضائه، على أن تصل لهذه النسبة في عام 2024. وكان المستشار الألماني تعهد بذلك في خطابه الشهير بعيد الحرب في أوكرانيا الذي تحدث فيه عن «نقطة تحول»، ولكن هذه المرة الأولى التي تخط فيها الحكومة هذه السياسة في ورقة استراتيجية. واعتبرت الورقة أن «روسيا تشكل التهديد الأكبر لأوروبا»، وأنها تحاول «زعزعة الديمقراطيات في أوروبا وإضعاف الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو». ودعت الحكومة كذلك إلى ضرورة الاستمرار «بمناقشة الضمانات الأمنية لأوكرانيا حتى بعد انتهاء الحرب».
البنى التحتية
تناولت الورقة كذلك المخاطر حول البنى التحتية في ألمانيا، ودعت إلى ضرورة «تقليص الاعتماد الأحادي في الطاقة، وإمدادات المواد الخام عبر تنويع المصادر».
Für die gemeinsame #NationaleSicherheitsstrategie unserer Bundesregierung sind drei Dinge entscheidend:1. Die Stärke unserer demokratischen Institutionen.2. Die Stärke unserer Wirtschaft. Und3. Der Zusammenhalt unserer Gesellschaft.Darum muss es uns gehen. Immer. pic.twitter.com/tgE6c6tEYl
— Bundeskanzler Olaf Scholz (@Bundeskanzler) June 14, 2023
وأشارت إلى «ضرورة الاستمرار في مراقبة الاستثمارات لتفادي الاعتماد على طرف معين في البنى التحتية الأساسية، ومواجهة مسألة نقل التكنولوجيا الحساسة». وفي العام الماضي، أثارت مسألة مساعي استحواذ شركة «كوسكو» الصينية، المرتبطة بالحكومة، على جزء من مرفأ هامبوغ أزمة داخل الحكومة دفعت بشولتس إلى التراجع عن السماح للشركة باستحواذ أكثر من 25 في المائة من حاويات في المرفأ تفاديا لأن تصبح قوة قادرة على عرقلة قرارات بنيوية.
الهجمات السيبرانية
وفي النقطة الدفاعية، أعلنت الحكومة عن تشكيل وكالة لمواجهة الهجمات السيبرانية وسط ازدياد المخاوف من حروب هجينة قد تشنها دول مثل روسيا عليها. وشدّدت الحكومة على أن الوكالة ستتعاون مع الاتحاد الأوروبي والشركاء في الناتو ودول أخرى لتحقيق فاعلية أكبر.
إلى ذلك، ذهبت الاستراتيجية أبعد من تناول النقاط الدفاعية التقليدية، وعدّدت نقاطا تتعلق بالأمن الغذائي وزيادة القدرات على مواجهة أوبئة عبر تأمين سلسلة المواد الطبية. وتحدّثت عن بناء قدرة الدولة على «الصمود» عبر تقوية سلسلة التزويد على المدى البعيد، تفاديا لتكرار نقص في المواد خلال وبعد أزمة كورونا. وشددت بيربوك خلال المؤتمر الصحافي على أن هذه الاستراتيجية تتماشى مع الاستراتيجية الأوروبية والأميركية، وأصرت على أن نجاحها يعتمد على التعاون مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشكل أساسي.


