هجوم المسيرات على موسكو يفتح أبواب توسيع نطاق الحرب

تغييرات في خطط الكرملين واستعداد لمواجهة محاولات فرض «توازن الرعب»

TT

هجوم المسيرات على موسكو يفتح أبواب توسيع نطاق الحرب

جانب من الدمار جراء الهجوم الروسي بالمسيّرات على كييف فجر اليوم (رويترز)
جانب من الدمار جراء الهجوم الروسي بالمسيّرات على كييف فجر اليوم (رويترز)

لم يطل انتظار رد الفعل الأولي للكرملين، بعد هجوم المسيرات الذي استهدف العاصمة الروسية في وقت مبكر من صباح اليوم (الثلاثاء). على الفور تم إبلاغ الرئيس فلاديمير بوتين بالتطور، الذي ربطه الديوان الرئاسي مباشرة بالضربات الروسية المركزة التي استهدفت خلال الأيام الأخيرة مطارات ومنشآت البنى التحتية في العاصمة الأوكرانية. والأهم من ذلك أنها تعمدت للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب استهداف مراكز صنع القرار في أوكرانيا.

لم يعد هذا الربط مجرد تكهنات انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحدثت عن تحول مهم في المعركة ينذر بتوسيع استهداف العمق الروسي من جانب القوات الأوكرانية. وهو أمر أشار إليه بوضوح الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف عندما قال إن «هجوم الطائرات المسيرة على موسكو وضواحيها هو رد فعل نظام كييف على الضربات الفعالة للاتحاد الروسي منذ يوم الأحد».

وأوضح بيسكوف أن إحدى الضربات الروسية «استهدفت مباشرة أحد أهم مراكز صناعة القرار في العاصمة الأوكرانية». وزاد بأن «ظهور الطائرات من دون طيار في موسكو هو هجوم مباشر من قبل نظام كييف، يجب فهم ذلك»، هذه العبارة تعني تمسك الكرملين بروايته حول أن الهجمات في العمق الروسي ليست من صناعة فيالق روسية معارضة أو منشقة. بل يتم تنسيقها وتنفيذها من جانب الأجهزة الأوكرانية وبرعاية الغرب.

لكن اللافت أكثر في ردود الفعل الروسية الأولى على هجوم المسيرات الذي أصاب مباني سكنية بأضرار طفيفة وفقا للرواية الرسمية، تمثل في تعمد عدم تسريب معلومات عن أماكن انطلاق هذه المسيرات. وهو أمر له أيضا أهمية خاصة، إذ يصعب تبرير أن تكون المسيرات الأوكرانية عبرت مسافة تبلغ نحو 500 كيلومتر من المناطق الحدودية الأوكرانية إلى قلب العاصمة الروسية من دون أن توقفها المضادات الجوية الروسية. وفي هذا الشأن بدأت بعض شبكات التواصل تتحدث عن إخفاق أمني روسي كبير.

ترجح تعليقات خبراء أن تكون الهجمات شنت من داخل الأراضي الروسية وبتنسيق مع عملاء لأوكرانيا، وهي رواية إن صحت ستكون لها تداعيات خطرة، فهي أولا تهدم القناعة التي يروج لها الكرملين بعدم وجود فيالق روسية معارضة تنشط داخل الأراضي الروسية، وثانيا تزعزع النظرية التي تؤكد التفاف الشعب الروسي بشكل كامل تقريبا حول القيادة السياسية في دعم استمرار العمليات العسكرية.

تضرر أحد الأبنية جراء الهجوم الأوكراني بالمسيّرات على موسكو فجر اليوم (رويترز)

رفض بيسكوف الإجابة عن سؤال حول ما إذا كان معروفا من أين أطلقت الطائرات من دون طيار. وقال: «لا أستطيع أن أقول ذلك، هذه معلومات للمتخصصين، للجيش، للخدمات الخاصة... ليس لدي مثل هذه المعلومات». الواضح أنه، إذا كان معارضو الكرملين باتوا يمتلكون طائرات مسيرة وكميات ضخمة من المتفجرات والأسلحة التي تستهدف بشكل متزايد محطات قطارات ومنشآت نفطية ومخازن للمؤن في مناطق روسية عدة، بما في ذلك في موسكو العاصمة، فهذا يشكل تطورا سيئا للغاية بالنسبة إلى الكرملين.

من ناحية ثانية، يوحي استهداف موسكو بهذه الطريقة، بأن مجريات المواجهة آخذة في التحول أكثر نحو العمق الروسي، وفيما كانت بعض الهجمات تستهدف في أوقات سابقة مناطق وقرى حدودية فقط فإن تحليق الطائرات المسيرة فوق موسكو اليوم، وحول مدن أخرى مثل سان بطرسبورغ العاصمة الثقافية والاقتصادية لروسيا قبل أسابيع قليلة، يدل على هذا التحول بشكل مباشر.

النقطة الثالثة المهمة في سياق التطورات الجارية، أن وسائل الإعلام الروسية لم تعد تخفي أن كييف تسعى إلى تحقيق «توازن الرعب» من خلال تكثيف هجماتها على مناطق روسية، وخصوصا في هذه المرة على العاصمة موسكو. ورأت وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية أن الهجوم على موسكو يشكل ردا أوكرانيا على تكثيف استهداف كييف ومدن أوكرانية أخرى في الأيام الماضية. ونشرت نداء وجهه عمدة كييف، فيتالي كليتشكو، إلى رئيس أركان الجيش الأوكراني فاليري زالوجني، مساء الاثنين، وناشد فيه «استهداف سكان العاصمة موسكو». ووفقا للوكالة فقد دعا كليتشكو عبر برنامج تلفزيوني إلى تحقيق «توازن الرعب»، وقال إن «السؤال عن ذلك ينبغي طرحه على زالوجني... لماذا يمكن للروس أن يرعبوا العاصمة الأوكرانية بينما سكان موسكو ينعمون بالهدوء والراحة؟».

وجاء الهجوم على موسكو بعد توجيه ضربات ليلية جديدة بمسيرات روسية إلى العاصمة الأوكرانية كييف، أسفرت عن سقوط قتيل على الأقل، على ما قال رئيس بلدية المدينة فيتالي كليتشكو. وشكل الهجوم امتدادا لعمليات قصف مركزة استخدمت فيها روسيا المسيرات وقاذفات بعيدة المدى، وتواصلت الهجمات الروسية خلال الأيام الماضية على مطارات ومنشآت البنى التحتية في كييف وضواحيها وعدد من المدن الأوكرانية الأخرى.

بالتأكيد أنها ليست مجرد مصادفة أن يتزامن التصعيد في موسكو ومدن روسية أخرى مع تركيز الضربات الروسية على المدن الأوكرانية، خصوصا مع إعلان أوكرانيا الثلاثاء أنها أكملت الاستعدادات لبدء الهجوم المضاد الذي يهدف، وفقا لكييف، لتحرير المناطق التي احتلتها روسيا. وأعلن أوليكسي دانيلوف، أمين مجلس الأمن القومي والدفاع في أوكرانيا أن جيش بلاده أتم استعداده لشن الهجوم المضاد، من دون أن يحدد مواعيد. لكنه أشار إلى أنه يمكن أن يبدأ «غداً أو بعد غد أو بعد أسبوع». وقال دانيلوف: «سيكون من الغريب أن أذكر تواريخ بداية أحداث معينة. لا يمكن القيام بذلك ونحن نواجه مهمة مسؤولة للغاية بالنسبة لبلدنا ونتفهم أنه لا يمكن لنا ارتكاب أي خطأ في اتخاذ قرار بدء الهجوم، لأنه فرصة تاريخية لا يمكننا أن نخسرها».

وفي إشارة إلى التوقيت يبدو مواتيا بسبب التغييرات الميدانية الروسية قال إن «بعض قوات المرتزقة من حركة (فاغنر) العسكرية يغادرون باخموت. ويعيدون تجميع قواتهم في ثلاثة أماكن أخرى. لكن هذا لا يعني أنهم سيتوقفون عن قتالنا».

الأكيد أن هجوم موسكو دفع المواطنين الروس إلى حبس أنفاسهم وتوقع الأسوأ خلال المرحلة المقبلة، مع ترجيح أن يتسع نطاق استهداف العمق الروسي في إطار المواجهة المستمرة. لكن اللافت أن هذا الترقب لا يقتصر على المواطنين، بل يمتد أكثر وأكثر إلى أداء السلطات الروسية، وهو أمر ظهر من خلال الإعلان عن إرجاء تنظيم معرض مهم للسلاح كان سيقام على أطراف موسكو الشهر المقبل. هذا المعرض يقام سنويا في نفس التوقيت، وتجنب الكرملين تحديد سبب تأجيله من دون الإعلان عن موعد لاحق، واكتفى بإشارة إلى أن هذا السؤال ينبغي أن يوجه «إلى الجهة المنظمة». والمقصود هنا وزارة الدفاع ومجمع الصناعات العسكرية الروسية. أعاد هذا الأمر التذكير بأن الرئيس فلاديمير بوتين كان قد ألغى في وقت سابق خططه المعتادة في الانتقال مع حلول شهر مايو (أيار) إلى مقر إقامته في سوتشي، وإجراء كل فعالياته واجتماعاته الرسمية هناك. التغييرات التي تشهدها تحركات القيادة الروسية تدل إلى ترجيح أن يطول أمد المعارك وأن يتسع نطاقها أكثر. وفي هذا الإطار كان لافتا أن يعمد بوتين إلى إعلان تأسيس هيئة تتولى الإشراف على مجمع الصناعات العسكرية بهدف تنظيم عملها وتسريع عمليات إنتاج الأسلحة المطلوبة من جانب الجيش. هذا أيضا شكل مؤشرا إلى أن التوقعات الروسية بشأن مستقبل المعركة لا تبدو متفائلة.


مقالات ذات صلة

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أعلنت موسكو وكييف، الجمعة، تبادل 193 أسير حرب من كل جانب، وأوضح الجيش الروسي أن الإمارات والولايات المتحدة توسّطتا في عملية التبادل الجديدة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكدًا أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)
جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)
TT

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)
جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام والماء، ما أثار الغضب في أنحاء البلاد.

ونشرت امرأة يعتقد أنها زوجة أحد الجنود التابعين لهذه الوحدة، صورا تظهر ثلاثة جنود بلحى طويلة وقد فقدوا الكثير من وزنهم وبرزت أضلاعهم.

وكانت الوحدة متمركزة بمنطقة خاركيف في شمال شرق البلاد منذ 25 أغسطس (آب)، حيث كانت الإمدادات تصل، كما كتبت أناستاسيا سيلتشوك على مواقع التواصل الاجتماعي، «بمشيئة الله»، مضيفة «وكل 10 إلى 15 يوما تقريبا من دون ماء أو طعام».

وكشفت أن الجنود كانوا يشربون مياه الأمطار ويذيبون الثلوج خلال فصل الشتاء.

واستقبل صحفيون عسكريون وشخصيات أوكرانية عامة الخبر بغضب شديد.

وكتبت المراسلة آنا كاليوجنا على مواقع التواصل الاجتماعي «لم أتخيل يوما أن تصل قيادتنا العسكرية بجيشنا إلى هذا الحد من العار. جنودنا يبدون كأنهم عائدون من الأسر الروس».

وأعلنت هيئة الأركان العامة الأوكرانية الجمعة، إقالة قائد الوحدة واتهمته بـ«إخفاء حقيقة الوضع».

أضافت في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي «خسرنا عددا من المواقع ووقعت سلسلة من الأخطاء في تقدير إمدادات الجنود»، مشيرة إلى «رصد مشكلة في إمدادات الأغذية لأحد المواقع».

وتخوض الوحدة معارك حول نهر أوسكيل في منطقة كوبيانسك في شمال شرق أوكرانيا.

وأوضحت أوكرانيا أن الإمدادات تُنقل إلى القوات على تلك الجبهة باستخدام طائرات مسيرة وقوارب لعبور المجرى المائي الذي يتعرض لنيران روسية.

وأفاد الجيش الأوكراني الجمعة، بتزويد الوحدة بالمواد الغذائية، مضيفا «إذا سمحت الظروف، سيتم إجلاء القوات فورا».

وأجرى القائد الجديد للوحدة، تاراس ماكسيموف، اتصالا عبر الإنترنت مع الجنود بعد تعيينه، متعهدا بإراحتهم من الخدمة حالما يسمح الطقس بذلك.

وقال له أحد الجنود في المكالمة التي نشرتها وسائل الإعلام الأوكرانية «ساعدنا بسحبنا من هنا، وسيكون كل شيء على ما يرام».


محكمة ألمانية تقضي بسجن مؤيد لـ«حزب الله» نشر فيديوهات تُظهر أسلحة

ضباط من الشرطة الفيدرالية الألمانية يرافقون مشتبَهاً به إرهابياً من مروحية إلى المحكمة الفيدرالية العليا في كارلسروه (أرشيفية-إ.ب.أ)
ضباط من الشرطة الفيدرالية الألمانية يرافقون مشتبَهاً به إرهابياً من مروحية إلى المحكمة الفيدرالية العليا في كارلسروه (أرشيفية-إ.ب.أ)
TT

محكمة ألمانية تقضي بسجن مؤيد لـ«حزب الله» نشر فيديوهات تُظهر أسلحة

ضباط من الشرطة الفيدرالية الألمانية يرافقون مشتبَهاً به إرهابياً من مروحية إلى المحكمة الفيدرالية العليا في كارلسروه (أرشيفية-إ.ب.أ)
ضباط من الشرطة الفيدرالية الألمانية يرافقون مشتبَهاً به إرهابياً من مروحية إلى المحكمة الفيدرالية العليا في كارلسروه (أرشيفية-إ.ب.أ)

قضت محكمة ألمانية، الجمعة، بالسجن لأكثر من ثلاث سنوات بحق أحد مؤيدي «حزب الله» اللبناني بتهمة «حيازة أسلحة بطريقة غير قانونية» ونشْر تعليقات ومَقاطع مصوَّرة على مواقع التواصل الاجتماعي تدعم الحزب.

وقبل ذلك، برّأت المحكمة المتهم البالغ (30 عاماً)، من تهمة القتال فعلياً في صفوف «حزب الله» والانتماء إليه، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وحكمت عليه المحكمة في برلين بالسجن ثلاث سنوات وتسعة أشهر بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تضمنت مقاطع فيديو صُوِّرت خلال زيارة إلى لبنان في عام 2023.

وظهر في المقاطع المصوّرة المتهم وهو يحمل بنادق وصواريخ مضادة للدبابات، ويشارك في تدريب على الرماية. وخلصت المحكمة إلى أنه نشر أيضاً مقاطع فيديو دعائية، وعرض رموزاً لـ«حزب الله» كالأعلام والأوشحة.

إلا أن المحكمة أشارت إلى أن مقاطع الفيديو المذكورة تُظهر أن المتهم لم يتلقّ أي تدريب على استخدام الأسلحة، وأنه تصرَّف بطريقة «غير احترافية إلى حد ما».

ورأت المحكمة أن ادعاءاته السابقة بالقتال في صفوف «حزب الله» كانت مختلَقة بهدف إثارة إعجاب أصدقائه.

وتُصنف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا الجناح العسكري لـ«حزب الله» على قوائم الإرهاب. وتَعدّ ألمانيا «حزب الله» «منظمة إرهابية»، وحظرت في 2020 أيَّ نشاط له على أراضيها.


سانشيز «غير قلق» حيال تهديدات بتعليق عضوية بلاده في «الناتو»

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لدى وصوله للقمة (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لدى وصوله للقمة (أ.ف.ب)
TT

سانشيز «غير قلق» حيال تهديدات بتعليق عضوية بلاده في «الناتو»

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لدى وصوله للقمة (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لدى وصوله للقمة (أ.ف.ب)

أكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الجمعة، أنه لا يشعر بأي «قلق» بشأن احتمال تعليق عضوية إسبانيا في حلف شمال الأطلسي لمعارضتها الحرب ضد إيران كإجراء انتقامي من قبل واشنطن. وقال سانشيز إن حكومته ستواصل التعاون الطبيعي مع حلفائها في التكتل العسكري (الناتو)، وتجاهل تقريراً يفيد بأن مسؤولين أميركيين يدرسون معاقبة بلاده بسبب مواقفها من الحرب.

مقاتِلة بريطانية من طراز «تايفون» في قاعدة أكروتيري بقبرص قبل إقلاعها لضرب أهداف للحوثيين يناير 2024 (أ.ب)

قال مسؤول أميركي لـ«رويترز» إن رسالة بريد إلكتروني داخلية بوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة دول أعضاء في الحلف يعتقد أنها لم تدعم العمليات الأميركية في الحرب على إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بالسيادة على جزر فوكلاند.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز (د.ب.أ)

وقال سانشيز للصحافيين في قمة القادة الأوروبيين في قبرص، الجمعة، رداً على سؤال عن التقرير: «إن مواقفنا واضحة، وهي التعاون المطلق مع الحلفاء». ولفت رئيس الوزراء إلى أن التعاون ينبغي أن يكون «في إطار عمل القانون الدولي»، مضيفاً: «نحن لا نعمل على أساس رسائل إلكترونية»، مضيفاً: «نحن نعمل على أساس وثائق رسمية ومواقف يعلن عنها رسمياً من قبل حكومة الولايات المتحدة». وتابع: «موقف الحكومة الإسبانية واضح: تعاون كامل مع حلفائنا، ولكن دائماً في إطار الشرعية الدولية».

وبحسب تقرير إعلامي، غير مؤكد، نشرته صحيفة «إل باييس» الإسبانية، يتم تداول مذكرة في البنتاغون تطرح إجراءات ضد الأعضاء في الناتو الذين لم يدعموا الجيش الأميركي في الحرب ضد إيران.

وأضافت «إل باييس» أنه في حالة إسبانيا، تم ذكر تعليق العضوية في الحلف الدفاعي. ومع ذلك، استبعد مسؤول في الناتو مثل هذا السيناريو، وقال: «إن المعاهدة التأسيسية للحلف لا تنص على أي أحكام لتعليق العضوية أو طرد أي عضو». وذكر مسؤول البنتاغون أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق تولي الدول «الصعبة المراس» مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة(أ.ف.ب)

وذكر المسؤول، الذي طلب عدم نشر اسمه، في التحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز العسكري وعبور الأجواء في إطار حرب إيران.

وأشار إلى أن الرسالة وصفت حقوق الوصول والتمركز العسكري وعبور الأجواء «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

ولا ينص أيّ من بنود المعاهدة التأسيسية لحلف شمال الأطلسي الموقعة في عام 1949، على تعليق أو استبعاد أحد أعضاء الحلف الأطلسي، الذي وجد نفسه في صلب انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل أكثر من عام.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مع نظيره الفنلندي (رويترز)

ومنذ نهاية فبراير (شباط)، يعارض بيدرو سانشيز الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. وأثار هذا الموقف استياء شديداً لدى ترمب، الذي انتقد مدريد لرفضها السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعد عسكرية لتنفيذ هجمات جوية، وصولاً إلى حد تهديده بـ«وقف أي تبادل تجاري» بين البلدين.

دعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الجمعة، الأعضاء إلى التماسك. وقالت ميلوني للصحافيين خلال مشاركتها في قمة الاتحاد الأوروبي في العاصمة القبرصية نيقوسيا: «على الناتو أن يحافظ على وحدته. أعتقد أن هذا مصدر قوة». وشددت ميلوني على أن حلف الأطلسي سيظل ركيزة في الدفاع عن أوروبا، لكن الدول الأوروبية بحاجة للاضطلاع بدور أكبر في ضمان أمنها. وأضافت: «يجب أن نعمل على تعزيز الركيزة الأوروبية لحلف الناتو التي يجب أن تُكمّل الركيزة الأميركية».

دول قمة قبرص(ا.ف.ب)

ولم يسمح بعض أعضاء الناتو، بما في ذلك فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، للطائرات العسكرية الأميركية المشاركة في الحرب بالتحليق فوق أراضيهم أو استخدام قواعدهم.

ورفضت بريطانيا في البداية السماح للطائرات الأميركية بالإقلاع من قواعدها في مهام «دفاعية» خلال النزاع، لكنها أذنت بذلك في وقت لاحق.

كما حاول ترمب دون جدوى، حثّ الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف على إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز المغلق بفعل التهديدات الإيرانية والهجمات العسكرية.

وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي ذكرت تقارير أن بلاده مستهدفة بشكل خاص بتعليق العضوية، الجمعة، إنه «غير قلق»، مؤكداً أن بلاده «عضو موثوق» في الحلف الأطلسي.

رئيس الوزراء الأسباني يتوسط رئيسي البرازيل وكولومبيا (إ.ب.أ)

وفيما يثير ترمب مزيداً من التساؤلات بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسهم في الدفاع عن حلفائها في الناتو، يستعد الاتحاد الأوروبي لوضع «خطة» لكيفية تفعيل بند المساعدة المتبادلة لديه في حال تعرّض أي دولة لهجوم.

وهدد ترمب في مناسبات عدة بالانسحاب من الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع «رويترز» في أول أبريل (نيسان)، قائلاً: «ألن تفعلوا ذلك لو كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

لكن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. ولا تحتوي أيضاً على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. لكن المسؤول رفض الإفصاح عمّا إذا كانت الخيارات تتضمن سحب الولايات المتحدة لبعض قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، فعلى الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة للحلفاء داخل في حلف شمال الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا». وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن يكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يضطلعوا بأدوارهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

وتتضمن المذكرة أيضاً خياراً للنظر في تقييم الدعم الدبلوماسي الأميركي لما يعرف باسم «الممتلكات الإمبراطورية» الأوروبية القديمة، مثل جزر فوكلاند بالقرب من الأرجنتين.

ويذكر موقع وزارة الخارجية الأميركية أن الجزر تخضع لإدارة بريطانيا، لكن الأرجنتين لا تزال تطالب بالسيادة عليها. ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي من حلفاء ترمب.

وخاضت بريطانيا والأرجنتين حرباً قصيرة في 1982 بشأن الجزر بعد محاولة أرجنتينية فاشلة للسيطرة عليها. وقُتل نحو 650 جندياً أرجنتينياً و255 عسكرياً بريطانياً قبل أن تستسلم الأرجنتين.

وأكد متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الجمعة، أن بريطانيا لها السيادة على جزر فوكلاند. وقال للصحافيين: «موقف بريطانيا بشأن جزر فوكلاند واضح تماماً. إنه موقف راسخ لم يتغير». وأساء ترمب مراراً إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، واصفاً إياه بأنه جبان بسبب عدم رغبته في الانضمام إلى حرب الولايات المتحدة مع إيران، ووصف ترمب حاملات الطائرات البريطانية بأنها «دُمى». وقال إن ستارمر «ليس ونستون تشرشل»، مقارناً إياه برئيس الوزراء البريطاني الراحل.

ولم توافق بريطانيا في البداية على طلب الولايات المتحدة السماح للطائرات الأميركية بمهاجمة إيران من قاعدتين بريطانيتين، لكنها وافقت لاحقاً على السماح بمهام دفاعية تهدف إلى حماية سكان المنطقة، بمن في ذلك المواطنون البريطانيون، وسط الرد الإيراني.

British «Akrotiri» base in Cyprus (AP)

وفي تعليقات للصحافيين في البنتاغون في وقت سابق من هذا الشهر، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن «الكثير قد انكشف» من خلال الحرب على إيران، مشيراً إلى أن صواريخ إيران البعيدة المدى لا يمكنها ضرب الولايات المتحدة ولكنها تستطيع الوصول إلى أوروبا. وقال هيغسيث: «نواجه أسئلة، أو عراقيل، أو تردداً... وليس لدينا في الحقيقة الكثير من مقومات التحالف إذا كانت هناك دول غير مستعدة للوقوف إلى جانبنا عندما نحتاج إليها».