كييف تؤكد استمرار المعارك في باخموت

موسكو تتهم «مخرّبين» أوكرانيين بالتوغل في أراضيها

صورة جوية نشرتها القوات الأوكرانية الأحد لمبنى سكني تشتعل فيه النيران في باخموت (أ.ف.ب)
صورة جوية نشرتها القوات الأوكرانية الأحد لمبنى سكني تشتعل فيه النيران في باخموت (أ.ف.ب)
TT

كييف تؤكد استمرار المعارك في باخموت

صورة جوية نشرتها القوات الأوكرانية الأحد لمبنى سكني تشتعل فيه النيران في باخموت (أ.ف.ب)
صورة جوية نشرتها القوات الأوكرانية الأحد لمبنى سكني تشتعل فيه النيران في باخموت (أ.ف.ب)

أكدت أوكرانيا الاثنين مواصلة القتال من أجل باخموت، مؤكدة سيطرتها على جزء من المدينة، فيما أعلنت مجموعة فاغنر المسلحة الروسية أنها ستنقل السيطرة على المدينة المدمّرة للجيش الروسي بحلول الأول من يونيو (حزيران).

وفي الوقت نفسه، اتهمت موسكو «مخربين» أوكرانيين بالتوغل في منطقة روسية محاذية لأوكرانيا، الأمر الذي نفته كييف. ونفت أوكرانيا سقوط باخموت في يد القوات الروسية، مشيرة إلى أنّها لا تزال متمسّكة بمنطقة واحدة من المدينة، ومؤكّدة أنّ المعارك مستمرّة. وجاء ذلك بعدما أعلنت مجموعة «فاغنر» والجيش النظامي الروسي في نهاية الأسبوع، السيطرة على باخموت.

وقالت نائبة وزير الدفاع غانا ماليار: «المعارك مستمرة»، وذلك غداة إعلان الرئيس فولوديمير زيلينسكي أنّ باخموت لم «تُحتل» من قِبل روسيا. وأضافت ماليار أنّ قوات كييف لا تزال تسيطر على منطقة «الطائرات» في باخموت. وتابعت أنّ «المعركة من أجل المرتفعات على الأطراف - شمال وجنوب الضواحي - مستمرة».

وكان رئيس مجموعة فاغنر المسلّحة الذي تقود قواته الهجوم على باخموت، أعلن السبت سيطرة مقاتليه على المدينة. وأعلن الاثنين أنّ قواته ستغادر باخموت بحلول الأول من يونيو، وتسلّم السيطرة عليها إلى القوات الروسية النظامية. وقال يفغيني بريغوجين في مقطع فيديو مسجّل نُشر عبر تطبيق «تلغرام»: «ستغادر مجموعة فاغنر أرتيوموفسك (الاسم السوفياتي للمدينة) بين 25 مايو (أيار) والأول من يونيو». وأشار بريغوجين إلى أنّ قواته أقامت «خطوط دفاع» على المشارف الغربية للمدينة قبل نقل السيطرة إلى الجيش الروسي.

وقال بريغوجين الذي يخوض خلافات علنية متزايدة مع القيادة العسكرية الروسية، «إذا لم يكن لدى وزارة الدفاع ما يكفي من الوحدات، فلدينا آلاف الجنرالات». وكان بريغوجين وجّه انتقادات لاذعة لوزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو ورئيس أركان الجيش فاليري غيراسيموف اللذين اتهمهما بعدم الكفاءة والتسبّب بخسائر واسعة النطاق لموسكو في الصراع في أوكرانيا. وكان أعلن سابقاً أنّ مقاتلي فاغنر سينسحبون بحلول 25 مايو. وهنّأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فاغنر والجيش الروسي باحتلال باخموت المفترض. ولكن زيلينسكي قال خلال قمة مجموعة السبع الأحد، إنّ باخموت «ليست محتلّة» من قبل روسيا. ويُعتقد أنّ كلا الجانبين تكبّدا خسائر فادحة في معركة باخموت، الأطول والأكثر دموية خلال الغزو الروسي.

مجموعة «تخريب»

في غضون ذلك، أعلنت السلطات الروسية أنّ مجموعة «تخريبية» أوكرانية دخلت منطقة بيلغورود المتاخمة لأوكرانيا، مشيرة إلى أنّ العمل جارٍ للقضاء عليها، في ظل سلسلة من الهجمات على الأراضي الروسية.

وأشار المتحدث باسم الكرملين إلى أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تم إبلاغه بالتوغّل المستمر للأراضي الروسية من قبل «مخرّبين» من أوكرانيا، معتبراً أنّ الهجوم يهدف إلى «تحويل الانتباه» عن احتلال باخموت الذي تبنّته موسكو. وأضاف دميتري بيسكوف لوكالات الأنباء الروسية «أبلغت وزارة الدفاع وجهاز الأمن الفيدرالي وحرس الحدود الرئيس... يجري العمل لطرد هذه المجموعة التخريبية من الأراضي الروسية والقضاء عليها». لكن مستشار الرئاسة الأوكرانية ميخايلو بودولياك قال عبر «تويتر» إن «أوكرانيا تتابع باهتمام الأحداث في منطقة بيلغورود في روسيا وتدرس الوضع، لكن ليس لديها أي علاقة بذلك».

جندي روسي يحرس المحطة النووية في زابوريجيا (أرشيفية - أ.ب)

هجوم ليلي على زابوريجيا

ميدانياً أيضاً، أُعيد وصل محطة زابوريجيا للطاقة النووية في أوكرانيا والتي تحتلّها روسيا، بشبكة الكهرباء بعد انقطاع تسبّبت فيه ضربات ليلية روسية، وفق ما أعلنت السلطات الأوكرانية. وقالت شركة «إنرجواتوم» الأوكرانية العامة في بيان نُشر على «تلغرام»، إنّها «أعادت الطاقة إلى محطة الطاقة النووية انطلاقاً من نظام الكهرباء الأوكراني».

وفي وقت سابق، أكدت الشركة أنّ «هجوماً» ليلياً من قبل القوات الروسية قطع الاتصال بآخر خط توتّر عالٍ للكهرباء يربط المحطّة بالشبكة الأوكرانية.من جانبها، أعلنت إدارة الاحتلال الروسي للمحطّة أنّه «بسبب انقطاع خط التوتر العالي (...) فقدت المحطة تغذيتها الخارجية بالكهرباء».

وبينما أعلن الجيش الأوكراني إسقاط أربعة صواريخ و15 طائرة مسيّرة روسية خلال الليل فوق دانيبرو، أشارت «أوكرينيرغو» إلى أنّ «خطوط توتّر عالٍ... تضرّرت»، الأمر الذي أدى خصوصاً إلى «توقّف واحدة من أكبر محطّات الطاقة في المنطقة، وكذلك عدة محطّات فرعية تابعة لأوكرنيرغو».

بدوره، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفاييل غروسي الاثنين إنّ الأمن النووي للموقع «ضعيف للغاية». وأضاف عبر «تويتر »، «يجب أن نتفق الآن على حماية المحطّة، هذا الوضع لا يمكن أن يستمر».

وهي المرة السابعة رسمياً التي ينفصل فيها هذا المجمع النووي الضخم عن شبكة الكهرباء منذ استيلاء الجيش الروسي عليه في 4 مارس (آذار) 2022. وواصلت المحطة، التي كانت تنتج في السابق 20 في المائة من الكهرباء الأوكرانية، العمل خلال الأشهر الأولى من الهجوم الروسي، رغم القصف، قبل توقفها في سبتمبر (أيلول).

ومنذ ذلك الحين، لم يولد أي من مفاعلاتها الستة VVER-1000 العائدة إلى الحقبة السوفياتية الطاقة. لكن المنشأة لا تزال متصلة بنظام الطاقة الأوكراني وتستهلك الكهرباء التي تنتجها لتلبية احتياجاتها الخاصة، ولا سيما لضمان تبريد المفاعلات.

اجتماع لوزراء «المجموعة الشمالية» في حلف شمال الأطلسي في ليغيونوفو ببولندا الاثنين (رويترز)

الدنمارك تعرض استضافة قمة للسلام

في سياق متصل، أفاد وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن الاثنين بأن بلاده تود أن تستضيف قمة في يوليو (تموز) لبحث كيفية التوصل للسلام بين أوكرانيا وروسيا، لكن مثل تلك القمة ستحتاج مشاركة من الهند والصين والبرازيل. وأضاف الوزير للصحافيين على هامش اجتماع لمجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل «بداية نحتاج لبذل بعض المجهود للوصول إلى التزام عالمي بتنظيم مثل تلك القمة».

وأشار إلى أن قمة للسلام لا يجب أن تحضرها الدول الحليفة لأوكرانيا فحسب. وقال: «من الضروري بناء اهتمام ومشاركة من دول مثل الهند والبرازيل والصين»، لكنه أضاف أن «من الصعب بالنسبة لي» مشاركة روسيا في مثل تلك القمة. وتابع قائلا: «إذا خلصت أوكرانيا إلى أن الوقت قد حان لمثل هذا الاجتماع فسيكون ذلك رائعا. حينها ستود الدنمارك بالطبع استضافة هذا الاجتماع».


مقالات ذات صلة

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

أوروبا سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

حذّرت روسيا من هجمات أوكرانية بطائرات مسيّرة تنطلق من دول البلطيق، مؤكدة أن عضوية «الناتو» لن تمنع الردّ الانتقامي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
رياضة عالمية الفريق الروسي للجمباز حصد ذهبية أولمبياد باريس تحت علم اللجنة الأولمبية الروسية (رويترز)

الاتحاد الدولي للجمباز يدافع عن قراره رفع القيود عن رياضيي روسيا وبيلاروسيا

دافع الاتحاد الدولي للجمباز، الثلاثاء، عن قراره رفع جميع القيود المفروضة على الرياضيين من روسيا وبيلاروسيا.

«الشرق الأوسط» (لوزان (سويسرا))
الاقتصاد يستغرق تسليم شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا لآسيا عادة ما يصل إلى 45 يوماً (رويترز)

بيانات: ناقلة غاز روسية تسلم شحنة إلى الصين بعد 6 أشهر في البحر

أظهرت بيانات تتبع السفن الصادرة عن مجموعة بورصة لندن، أن ناقلة غاز سلّمت شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا إلى الصين بعد أن ظلت ستة أشهر تقريباً في البحر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منشأة لتخزين الوقود في مركز التصدير الروسي الرئيسي للنفط في ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود (رويترز)

ارتفاع صادرات النفط من الموانئ الروسية الغربية رغم هجمات الطائرات المسيّرة

ارتفعت صادرات النفط وعبوره عبر الموانئ الغربية الروسية بنحو 150 ألف برميل يومياً، أي 9 في المائة تقريباً، في الأسبوعين الأول والثاني من مايو مقارنة بأبريل.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد الرئيسان بوتين وشي يسيران في مقر إقامة الزعيم الصيني تشونغنانهاي في بكين - سبتمبر 2025 (رويترز)

كيف تحوّلت الصين إلى الشريان الحيوي المموِّل لقطاع الطاقة الروسي منذ حرب أوكرانيا؟

رفعت الصين مشترياتها من النفط والغاز الروسي بشكل ملحوظ منذ بدء الصراع في أوكرانيا، في إطار شراكة «بلا حدود» أعلنتها موسكو وبكين قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

تتعلق بملفات إبستين... بريطانيا تحقق في اتهامات بالاعتداء الجنسي على أطفال

إحدى الوقائع ‌المبلغ عنها ‌تتعلق بمواقع ​في ‌سري وبركشير ⁠في ​جنوب إنجلترا ⁠(رويترز)
إحدى الوقائع ‌المبلغ عنها ‌تتعلق بمواقع ​في ‌سري وبركشير ⁠في ​جنوب إنجلترا ⁠(رويترز)
TT

تتعلق بملفات إبستين... بريطانيا تحقق في اتهامات بالاعتداء الجنسي على أطفال

إحدى الوقائع ‌المبلغ عنها ‌تتعلق بمواقع ​في ‌سري وبركشير ⁠في ​جنوب إنجلترا ⁠(رويترز)
إحدى الوقائع ‌المبلغ عنها ‌تتعلق بمواقع ​في ‌سري وبركشير ⁠في ​جنوب إنجلترا ⁠(رويترز)

أعلنت الشرطة البريطانية، اليوم الثلاثاء، أنها تحقق في اتهامات بالاعتداء الجنسي ​على أطفال، وذلك في أعقاب معلومات وردت في وثائق نشرتها وزارة العدل الأميركية تتعلق بالممول الراحل جيفري إبستين المدان بارتكاب جرائم جنسية، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقالت الشرطة إن إحدى الوقائع ‌المبلغ عنها ‌تتعلق بمواقع ​في ‌سري وبركشير ⁠في ​جنوب إنجلترا ⁠من منتصف التسعينات إلى 2000، بينما تتعلق واقعة أخرى بحوادث وقعت من منتصف الثمانينات إلى أواخرها في غرب سري.

وأفادت شرطة سري: «لم يُلق القبض ⁠على أي شخص. نأخذ ‌جميع ‌البلاغات المتعلقة بالجرائم الجنسية على ​محمل الجد ‌وسنعمل على تحديد أي مسارات ‌تحقيق منطقية للتحقق من المعلومات أو إثبات الأدلة الداعمة».

ولم تقدم الشرطة مزيداً من التفاصيل.

وناشدت شرطة سري ‌في فبراير (شباط) الحصول على أي معلومات عقب ⁠نشر تقرير ⁠من مكتب التحقيقات الاتحادي (إف بي آي) «يزعم وقوع جرائم اتجار بالبشر واعتداءات جنسية على قاصر في فيرجينيا ووتر بمنطقة سري بين عامي 1994 و1996».

وقالت في ذلك الوقت إن مراجعة أنظمتها لم تجد دليلاً على وجود ادعاءات تتعلق بسري، قبل ​أن تقول ​إنها تلقت بلاغات عدة.


روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

قال سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، الثلاثاء، إن موسكو لديها معلومات تفيد بأن أوكرانيا تخطط لإطلاق طائرات مسيّرة عسكرية من لاتفيا ودول البلطيق الأخرى، محذّراً من أنّ عضوية حلف شمال الأطلسي (ناتو) لن تحمي تلك الدول من الرد الانتقامي.

وزعم نيبينزيا، في كلمة ألقاها خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي عن الأمن في أوكرانيا، أن كييف أرسلت بالفعل طائرات مسيّرة إلى لاتفيا.

وسارعت سفيرة لاتفيا لدى مجلس الأمن سانيتا بافلوتا - ديسلاندز إلى رفض هذه التصريحات ووصفتها بأنها «محض خيال».

وحذّرت تامي بروس، نائبة سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، من أن المنظمة الدولية «ليست مكاناً لإطلاق التهديدات ضد عضو في المجلس». وقالت إن الولايات المتحدة ستفي بجميع التزاماتها تجاه حلف شمال الأطلسي.


«إغلاق هرمز» يدفع العالم إلى حافة أزمة غذاء

جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (إ.ب.أ)
جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (إ.ب.أ)
TT

«إغلاق هرمز» يدفع العالم إلى حافة أزمة غذاء

جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (إ.ب.أ)
جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (إ.ب.أ)

هيمنت تداعيات حرب إيران على أعمال اليوم الأول من مؤتمر «الشراكات العالمية» الذي تستضيفه لندن بمشاركة عشرات الدول والمنظمات الدولية والشركات والمؤسسات الخيرية من مختلف أنحاء العالم.

وفي وقت تسعى فيه بريطانيا إلى طرح مقاربة جديدة للتنمية الدولية تواكب تحديات المرحلة، وتقترح حلولاً لتراجع تمويل التنمية حول العالم، حذّرت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر من أن استمرار إغلاق إيران لمضيق هرمز يهدد سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة. ويُقدّر برنامج الأغذية العالمي أن نحو 45 مليون شخص إضافي قد يواجهون تراجعاً حاداً في الأمن الغذائي إذا لم ينتهِ النزاع بحلول منتصف العام الجاري.

وقالت كوبر إن «العالم يتّجه نحو أزمة غذاء عالمية. لا يمكننا المخاطرة بأن يعاني عشرات الملايين من الجوع لأن دولة واحدة اختطفت ممراً ملاحياً دولياً». وأضافت أن «استمرار إيران في إغلاق مضيق هرمز بالتزامن مع حلول الموسم الزراعي يعكس الحاجة إلى ضغط دولي عاجل لإعادة فتح المضيق، وضمان تدفق الأسمدة والوقود، وتخفيف ضغوط تكاليف المعيشة». وأكّدت أن بريطانيا «ستواصل قيادة الدعوات لإعادة فتح المضيق فوراً ومن دون قيود»، إلى جانب الدفع بخطط «المهمة متعددة الجنسيات لمضيق هرمز» دعماً لأي اتفاق محتمل.

أزمة شاملة

تشير لندن إلى أن المؤتمر، الذي يستمر يومين، يأتي في توقيت حرج لا يقتصر على المسار الدبلوماسي، بل يتزامن أيضاً مع انطلاق الموسم الزراعي العالمي، إذ يحذر مسؤولون من أن تعطل تدفق الأسمدة والوقود قد يفرض الحاجة إلى شحنات طارئة من المساعدات الإنسانية، وليس فقط إلى استثمارات أو حلول تكنولوجية.

وزيرة التنمية البريطانية لدى إلقائها كلمة أمام المشاركين في مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن، يوم 19 مايو (إ.ب.أ)

وفي مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر، قالت وزيرة التنمية البريطانية البارونة جيني تشابمان، إن الحرب وإغلاق مضيق هرمز تحوّلا إلى «أزمة على كل المستويات»، تمتد تداعياتها إلى الغذاء والأسمدة والوقود والتحويلات المالية وسلاسل الإمداد الدولية، محذّرة من أن استمرار الأزمة يفرض على المجتمع الدولي «تحديد الأولويات بصورة عاجلة» للتعامل مع التداعيات المتوقعة.

وأضافت أن العالم «بحاجة إلى فهم دقيق لطبيعة التأثيرات المتوقعة على كل دولة، وتوقيتها، وكيفية الاستجابة لها»، مشيرة إلى أن تداعيات الأزمة «لن تصيب جميع الدول في الوقت نفسه أو بالطريقة نفسها».

وقالت الوزيرة: «فيما يتعلق بالأمن الغذائي حالياً، نحن بحاجة إلى النظر في التموضع المسبق، وفي آليات التوزيع، ومن يمتلك مخزونات استراتيجية، ومواعيد مواسم الزراعة في الدول المختلفة، حتى نفهم متى ستبدأ آثار أزمة الأسمدة بالظهور فعلياً، لأن هذا لن يضرب الجميع في الوقت نفسه أو بالطريقة نفسها». وأضافت: «كما نحتاج إلى فهم القضايا المرتبطة بالتوزيع وكلفة الوقود، لأن كثيراً من الدول تعتمد على المنتجات المستوردة».

وأشارت تشابمان إلى أن البنك الدولي «لديه بالفعل أدوات يستخدمها لإيصال مزيد من أموال المساعدات»، موضحة أن عدداً من الدول بدأ بالفعل محادثات مع صندوق النقد الدولي، «لكن ذلك ليس كافياً».

وتابعت: «نحن بحاجة إلى تنسيق أفضل، ولهذا السبب لدينا هنا أيضاً برنامج الأغذية العالمي، ولجنة الإنقاذ الدولية، والوكالات الإنسانية التي سيتعين عليها العمل معاً بطريقة لم تفعلها من قبل، وعلى هذا النطاق الواسع، لضمان أننا نفعل كل ما يمكننا فعله لحماية الناس».

أزمة إيران تتجاوز الحدود

تقول الحكومة البريطانية إن التحديات العالمية، مثل الأزمة الإيرانية، «لا تتوقف عند الحدود»، معتبرة أن المؤتمر الذي يُعقد بالشراكة مع جنوب أفريقيا ومؤسسة الاستثمار الدولي البريطانية ومؤسسة صندوق استثمارات الأطفال، يسعى إلى إعادة التفكير في كيفية توحيد الجهود بين الحكومات، والمنظمات الدولية، والقطاع الخاص، والمؤسسات التكنولوجية والخيرية، ومنظمات المجتمع المدني، لمواجهة الصدمات الاقتصادية والمناخية والصحية.

ويستضيف المؤتمر جلسات مخصصة لبحث تداعيات حرب إيران الاقتصادية والإنسانية، وتأثير اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، بما في ذلك نقص الأسمدة ومخاطر الأمن الغذائي، إضافة إلى سبل تعزيز الاستجابة المبكرة في المناطق الأكثر هشاشة.

جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن، يوم 19 مايو (إ.ب.أ)

وقالت كوبر في كلمتها أمام المؤتمر إن «هذه الأزمة تؤثر على الدول المتقدمة والنامية، وعلى القطاعين العام والخاص على حد سواء. وهي تظهر حاجتنا إلى نهج جديد للشراكات العالمية، يقود التنمية الدولية بطريقة تتجنب الأزمات قبل وقوعها». وأضافت: «لقد تغيّر العالم بوتيرة أسرع من قدرة النظام الدولي على دعمه. ويعكس هذا المؤتمر نهجنا الحديث للتنمية، القائم على روح جديدة من الشراكة وبناء تحالفات جديدة من أجل عالم خالٍ من الفقر وعلى كوكب قابل للحياة».

مقاربة تنموية جديدة

أطلقت المملكة المتحدة خلال المؤتمر مبادرة «الميثاق العالمي للشراكات»، بهدف بناء نموذج جديد للتعاون الدولي «يعمل بصورة أسرع وأكثر انفتاحاً وعلى أساس شراكات حقيقية»، بما يسمح ليس فقط بالاستجابة لأزمات مثل حرب إيران وتداعياتها على الطاقة والغذاء والأسمدة، بل أيضاً ببناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة أزمات المستقبل، مع تمكين الدول من قيادة مسارات نموها الاقتصادي.

وتلفت وزيرة التنمية البريطانية في هذا السياق إلى أن «التمويل التنموي التقليدي وحده لا يمكنه تلبية هذه المطالب، بل إنه لم يكن قادراً على ذلك يوماً. كما أنه لا يواكب حجم التحديات التي نواجهها اليوم. نحن بحاجة إلى طرح أفكار جديدة، وإشراك تحالف أوسع من الشركاء على الطاولة».

وتابعت: «لقد استمعنا إلى ما يطالب به شركاؤنا. فهم يريدون العمل في شراكة مع المملكة المتحدة. والدول تسعى إلى مزيد من السيطرة على قراراتها، والانتقال إلى ما بعد الاعتماد على المساعدات، وجذب الاستثمارات، وتعزيز أنظمتها الصحية والتعليمية، وتولي زمام مستقبلها بنفسها».

وعدّت أن «القرارات التي ستصدر عن هذا المؤتمر ستعود بالفائدة على الجميع: اقتصادات أقوى، وأزمات أقل، ومستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً يفتح المجال أمام الفرص».

ويهدف الميثاق التنموي الجديد إلى حشد مليارات الدولارات من أدوات التمويل المبتكرة، وتسخير التكنولوجيا بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، وبناء شراكات جديدة تساعد الدول على تعزيز أنظمتها، وإدارة المخاطر في مراحل مبكرة، وزيادة قدرتها على الاعتماد على الذات في مواجهة الصدمات المستقبلية.

مبادرة دعم أطفال غزة

وفي إطار الدفع نحو إصلاح منظومة التنمية الدولية، أعلنت بريطانيا والدول والجهات الشريكة في استضافة المؤتمر حزمة مبادرات جديدة ترتكز على ثلاثة مسارات رئيسية، تشمل: توفير تمويل أكثر استدامة وتنوعاً، وتسريع الوصول العادل إلى المعرفة والتكنولوجيا، وتعزيز الشراكات التي تضع الدول والمجتمعات المحلية في صدارة جهود التنمية.

ومن أبرز المبادرات التي أُعلنت خلال المؤتمر، إطلاق شراكة صحية جديدة لدعم الأطفال المصابين جراء الحرب في غزة، بمشاركة المملكة المتحدة ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ومؤسسة «مجتمع جميل» السعودية، ومؤسسة «ميريو» الفرنسية.

وتهدف المبادرة إلى توفير خدمات إعادة التأهيل والأطراف الصناعية للأطفال الذين تعرضوا لإصابات ناجمة عن الانفجارات خلال الحرب، على أن تتولى منظمة «يو كيه - ميد» البريطانية تنفيذ البرنامج ميدانياً، بالتعاون مع «إمبريال كوليدج لندن»، مع الاستفادة من الخبرات البريطانية في تكنولوجيا الرعاية الصحية.

تعاون مع السعودية

قالت البارونة جيني تشابمان لـ«الشرق الأوسط» إن «النهج التنموي الجديد يتمثل في تقديم الدعم للأطفال في غزة الذين فقدوا أطرافهم، وذلك من خلال المساعدة في الأطراف الصناعية وإعادة التأهيل»، مضيفة أنه «من المأساوي رؤية ما حدث، وأن عدداً كبيراً جداً من الأطفال الصغار باتوا يواجهون احتمال أن يعيشوا حياتهم بطريقة لم يتخيلوها أبداً».

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تخاطب المشاركين في مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (أ.ف.ب)

وأضافت الوزيرة البريطانية أن «التكنولوجيا الطبية موجودة لدعمهم، لكن التحدي يتمثل في إيصال هذا الدعم إلى الناس في المكان والوقت المناسبين، وتوفير إعادة التأهيل المستمرة أيضاً».

وعدّت تشابمان المبادرة «تجسيداً لفكرة المؤتمر»، مضيفة: «نعمل مع المملكة العربية السعودية وبعض المنظمات الخيرية لتوحيد الموارد والخبرات والتمويل، بما يتيح لنا تنفيذ هذا المشروع في إطار شراكة حقيقية».