انعطافة غربية إزاء دور الصين في إنهاء الحرب في أوكرانيا

ألمانيا وبريطانيا التحقتا بفرنسا في الدعوة لدور لبكين وأصوات أميركية تحث على اللجوء إلى الدبلوماسية.

الرئيس الصيني مع نظيره الروسي خلال زيارته الأخيرة لموسكو عندما أعلن عن مبادرة صينية من 12 نقطة (أ.ب)
الرئيس الصيني مع نظيره الروسي خلال زيارته الأخيرة لموسكو عندما أعلن عن مبادرة صينية من 12 نقطة (أ.ب)
TT

انعطافة غربية إزاء دور الصين في إنهاء الحرب في أوكرانيا

الرئيس الصيني مع نظيره الروسي خلال زيارته الأخيرة لموسكو عندما أعلن عن مبادرة صينية من 12 نقطة (أ.ب)
الرئيس الصيني مع نظيره الروسي خلال زيارته الأخيرة لموسكو عندما أعلن عن مبادرة صينية من 12 نقطة (أ.ب)

لم تعد باريس وحدها تغرد خارج السرب الغربي بسبب سعيها لتحفيز الصين من أجل أن تلعب دوراً نشطاً في إيجاد مخرج للحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 14 شهرا. اليوم، انضمت دولتان أوروبيتان رئيسيتان إلى فرنسا هما ألمانيا وبريطانيا في مطالبة بكين بالانخراط بشكل أوسع في البحث عن حل سلمي يمر عبر المفاوضات التي يتعين على الصين أن تلعب فيها دوراً رئيسياً.

وكم يبدو بعيدا ما يدور اليوم في أروقة الدبلوماسية الغربية عن ردود الفعل الرافضة أو المتحفظة على «خطة» السلام الصينية التي طرحتها بكين في شهر فبراير (شباط) الماضي والمؤلفة من 12 بندا التي اعتبرت وقتها إما «منقوصة» وإما «متحيزة» لروسيا؛ لأنها لم تنص صراحة على دعوة موسكو لسحب كامل قواتها من الأراضي الأوكرانية، «بما فيها شبه جزيرة القرم»، والاعتراف بسيادة كييف عليها. وحدها، ردة الفعل الفرنسية جاءت «مشجعة» إذ اعتبرت باريس أن ما تعرضه بكين يمكن أن يشكل «قاعدة للنقاش».

وخلال زيارة الدولة التي قام بها إلى بكين بداية أبريل الماضي، سعى الرئيس إيمانويل ماكرون إلى دفع نظيره الصيني لمزيد من الانخراط في ملف الحرب الروسية على أوكرانيا، وذلك لسببين: الأول، أن شي جينبينغ هو الوحيد القادر على التأثير على الرئيس بوتين لدفعه في هذا الاتجاه أو ذاك. والثاني، لثني الصين عن توفير الدعم العسكري للقوات الروسية؛ لما لذلك من تأثير على مجريات الحرب.

الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارة الدولة لبكين دفع نظيره الصيني شي لمزيد من الانخراط في ملف الحرب الروسية على أوكرانيا (رويترز)

وفي البيان المشترك، الذي صدر في ختام الزيارة جاء أن الرئيسين دعوا إلى إطلاق محادثات سلام بين روسيا وأوكرانيا «في أسرع وقت ممكن». وبسبب إلحاح ماكرون، قبل جينبينغ بالتحدث، الشهر الماضي، إلى نظيره الأوكراني. وتقول المصادر الفرنسية إن ما جرى «يعد خطوة مهمة»، وإن من شأنه «تسهيل» المهمة الصينية إذا ما رغبت بكين حقيقة في لعب دور الوسيط الذي لا تنظر إليه الولايات المتحدة بارتياح، والدليل أنها حثت أوكرانيا على رفض مقترحات وقف إطلاق النار باعتبارها ستخدم الجانب الروسي وحده.

اليوم، يبدو بوضوح أن الأمور أخذت تتغير. من جهة، باريس مثابرة على تحفيز الصين. وفي هذا السياق، شددت وزيرة خارجيتها كاترين كولونا أمس بمناسبة انعقاد مجلس الوزراء على أنه «من الضروري أن تستخدم الصين علاقاتها مع روسيا لجعلها تدرك أنها في طريق مسدودة، وأن تطلب منها أن تعود إلى الصواب من أجل العودة إلى السلام وليس الاستمرار في الحرب». وأضافت الوزيرة الفرنسية أن باريس تنتظر من الصين أن «تشارك في الدفاع عن المبادئ التي قام على أساسها النظام الدولي» ومنها سيادة الدول وسلامة أراضيها...

الألمانية أنالينا بيربوك مع نظيرتها وزيرة خارجية فرنسا كاترين كولونا التي شددت أمس على أنه «من الضروري أن تستخدم الصين علاقاتها مع روسيا لجعلها تدرك أنها في طريق مسدودة» (أ.ب)

وجاء كلام كولونا بحضور نظيرتها الألمانية أنالينا بيربوك التي التقت في برلين أول من أمس وزير خارجية الصين كي غانغ، وقد شددت، بحضوره، على أن الصين «في حال رغبت ذلك، تستطيع أن تلعب دورا مهما لوضع حد للحرب» في أوكرانيا، مضيفة ما سمتها «رسالة أوروبية» لبكين وفحواها، أن الصين، بوصفها عضوا دائم العضوية في مجلس الأمن «لا تتمتع فقط بحقوق وإنما تترتب عليها واجبات».

وبالطبع، لم يفتها أن تذكّر غانغ بأن أساس جهود السلام يجب أن يكون «ميثاق الأمم المتحدة المتعلق بسيادة الدول ووحدة أراضيها»، ما يعني أنه يتعين أن على روسيا أن تسحب قواتها من أوكرانيا.

وكان رد الوزير الصيني أن بلاده «بصفتها واحدة من الدول ذات العضوية الدائمة بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ودولة كبرى تتحلى بالمسؤولية، لن تكتفي بالوقوف في موقف المتفرج، ولن تصب الزيت على النار»، ولذا فإنها على تواصل مع الأطراف كافة في سعيها لوقف إطلاق النار.

منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا، كانت بيربوك، المنتمية إلى حزب «الخضر»، الأكثر تشددا إزاء روسيا والأكثر اندفاعا لتزويدها بالأسلحة التي تحتاجها القوات الأوكرانية، وهذه المواقف جعلتها قريبة جدا من المواقف البريطانية.

الألمانية أنالينا بيربوك التي التقت في برلين مع نظيرها الصيني كي غانغ وقد شددت على أن بكين «في حال رغبت ذلك تستطيع أن تلعب دوراً مهماً لوضع حدّ للحرب» في أوكرانيا (ا.ب.أ)

والحال أن لندن آخذة في النظر لما يمكن أن تقوم به الوساطة الصينية. فقد قال وزير خارجيتها جيمس كليفرلي، أول من أمس في واشنطن، إنه يرحب «بالتدخل الصيني» الذي قد يصل بهذه الحرب إلى نتيجة عادلة ومستدامة من أي مكان يأتي منه، مضيفا أنه لا يعتقد أنه «يجب أن نعرقل هذا الأمر. نحن نعلم أن شي (جينبينغ) يتمتع بدرجة كبيرة من التأثير مع بوتين، وإذا كان بإمكانه استخدام هذا النفوذ لتنفيذ ما صرح به علناً - السيادة والأرض والسلامة وعدم التهديد باستخدام الأسلحة النووية - فلماذا ننتقد هذا التدخل إذا كان ذا مغزى؟». على أي حال، يؤكد الوزير البريطاني على ضرورة ألا «يشكل الغرب عائقا» فيما يرتبط بكيفية الوصول إلى تسوية محتملة بين الطرفين المتصارعين. بيد أنه سارع إلى القول إن من المهم أن ما يصدر عن الصين «يجب ألا يكون مجرد كلام، بل أن يكون تدخلا حقيقيا».

وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي في واشنطن يرحب «بالتدخل الصيني» مع نظيره الأميركي بلينكن (أ.ب)

لماذا هذا التحول في الخطاب الغربي - الأوروبي؟

تقول مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس، إنه «يتعين البحث عن الأسباب فيما يجري ميدانيا». فالجميع كان ينتظر «هجوم الربيع» الذي وعدت أوكرانيا بالقيام به لتعديل موازين القوى، ولإخراج القوات الروسية من أراض تحتلها على غرار ما حصل الخريف الماضي. والحال أن التوقعات اليوم تبدو أكثر تشاؤما، فوزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا خفف من سقف التوقعات.

وفي واشنطن نفسها التي هي، إلى حد بعيد مركز القرار بالنسبة للموقف الغربي وبالتالي لمصير الحرب، ثمة أصوات بدأت تسمع، ليس فقط في أوساط الجمهوريين، ولكن من داخل الإدارة، ومن داخل القيادات العسكرية التي تتساءل عن المدى الزمني الضروري لمواصلة دعم القوات الأوكرانية بالأسلحة النوعية الثقيلة والذخائر، وعن أهداف الحرب وظروف الجلوس إلى طاولة المفاوضات وكيفية الوصول إلى نهايتها.

وللتذكير، فإن الجنرال مارك ميلي، رئيس أركان القوات الأميركية نبه، الشتاء الماضي، من أنه «لا يعتقد» أن القوات الأوكرانية قادرة على استعادة الأراضي التي احتلتها روسيا في «المدى القريب»، كذلك ثمة دراسات مثل التي نشرها الباحث الأميركي جيف ميلر، مؤخرا في مجلة «ناشيونال إنترست» الأميركية يحث فيها الإدارة للبحث عن سُبل أخرى لإنهاء الحرب. وقال ميلر، في خلاصة دراسته، إن أمام واشنطن «فرصة للقيام بدور ضروري في إنهاء الحرب. الوسائل التكتيكية لا يمكن أن تحقق هذه الأهداف الاستراتيجية، أنظمة الأسلحة لن تكون حاسمة، ولكن القوة الدبلوماسية ربما تكون كذلك. لا يزال بإمكان واشنطن تحقيق كثير من خلال القيام بمجهود أقل. إن الطريق إلى تحقيق السلام في أوكرانيا قد لا يتم تمهيدها بالأسلحة وإنما بالبراعة الدبلوماسية».

هل ستقدم واشنطن على الاعتراف بدور للصين فيما هي تهدد بفرض عقوبات عليها وتندد باصطفافها إلى جانب بوتين؟ السؤال مطروح والإجابة عليه في القادم من الأيام.


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يُعلن تدمير عشرات الدبابات والآليات لـ«الدعم السريع»

شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

الجيش السوداني يُعلن تدمير عشرات الدبابات والآليات لـ«الدعم السريع»

أعلن الجيش السوداني أنه كثّف ضرباته في عدد من محاور القتال ضد «قوات الدعم السريع»، مؤكداً إلحاق خسائر بالأفراد والعتاد.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان

شمال افريقيا محمد سمير أحد ذوي الاحتياجات الخاصة بالسودان (الشرق الأوسط)

ذوو الاحتياجات الخاصة في السودان... معاناة فاقمتها الحرب

يواجه ذوو الإعاقة ظروفاً قاسية وبالغة التعقيد بالسودان، في ظل انهيار شامل في البلاد بسبب الحرب.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
TT

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

حذرت روسيا، الخميس، من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً ​لهجمات قوات موسكو في حالة نشوب صراع.

وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مارس (آذار)، عن خطط لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وقال إن فرنسا قد تسمح لشركائها الأوروبيين باستضافة طائراتها ذات القدرات النووية في عمليات نشر مؤقتة.

وقال ألكسندر غروشكو، نائب وزير الخارجية الروسي، في مقابلة نشرت، الخميس، إن هذا جزء من «توسع غير منضبط» للقدرات النووية ‌لحلف شمال الأطلسي، مما ‌يشكل تهديداً استراتيجياً لروسيا، وفقاً لوكالة «رويترز».

وشدد على ​قلق ‌موسكو إزاء ​عمليات النشر النووي الفرنسية المحتملة في دول أوروبية أخرى. وقال ماكرون إن باريس تناقش مثل هذه الترتيبات مع بريطانيا وألمانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا واليونان والسويد والدنمارك.

وقال غروشكو، لشبكة «روسيا اليوم» الإعلامية الحكومية: «من الواضح أن جيشنا سيضطر إلى إيلاء اهتمام بالغ لهذه المسألة في سياق تحديث قائمة الأهداف ذات الأولوية في حالة نشوب صراع كبير... ونتيجة لذلك، فبدلاً من ‌تعزيز فرنسا المعلن للدفاع ‌عن حلفائها الذين لا تقدم لهم، بالمناسبة، أي ​ضمانات قاطعة، فإن أمن هذه ‌البلدان يضعف في الواقع».

وتأتي مبادرة ماكرون في إطار حملة ‌يقودها الأعضاء الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتحمل المزيد من المسؤولية عن دفاعهم، بعد الانتقادات المتكررة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحلف، وفي ضوء تهديداته بالسيطرة على غرينلاند من الدنمارك، العضو في ‌حلف شمال الأطلسي.

وأدى انتهاء صلاحية آخر معاهدة متبقية للحد من حجم الترسانات النووية الاستراتيجية الروسية والأميركية في فبراير (شباط) إلى خلق فراغ في مجال الحد من التسلح العالمي، في وقت يبلغ فيه التوتر الدولي أعلى مستوياته منذ عقود بسبب حربي أوكرانيا وإيران.

وقال غروشكو إن أي حوار مستقبلي حول الأسلحة النووية يجب أن يأخذ في الاعتبار القدرات المشتركة لحلف شمال الأطلسي، بما في ذلك الترسانات الفرنسية والبريطانية، بالإضافة إلى الترسانة الأميركية.

وانتقد الحلف، هذا الأسبوع، روسيا والصين بسبب سياساتهما المتعلقة بالأسلحة النووية، وحثت البلدين على العمل مع الولايات المتحدة لتحقيق مزيد ​من الاستقرار والشفافية في ​مؤتمر يفتتح في الأمم المتحدة بنيويورك، الأسبوع المقبل، لمراجعة سير عمل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.


ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
TT

ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

يتوجه الملك تشارلز ملك بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأسبوع ‌المقبل في مهمة تهدف إلى تعزيز مستقبل «العلاقة الخاصة» بين البلدين الحليفين، التي دفعتها الحرب مع إيران إلى أدنى مستوياتها منذ 70 عاماً.

وتتزامن هذه الزيارة الرسمية مع الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة عن الحكم البريطاني، حين قررت المستعمرات الأميركية الثلاث عشرة آنذاك الانفصال عن الملك ​جورج الثالث، جد تشارلز.

وبالنسبة لتشارلز، ستكون هذه الزيارة فرصة للتفكير في كيفية توطيد العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة منذ ذلك الحين وبناء بعض من أقوى الروابط الأمنية والعسكرية والاقتصادية في العالم، بينما ستكون بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب فرصة أخرى للتعبير عن حبه للعائلة الملكية البريطانية.

الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في أثناء تفقدهما حرس الشرف خلال مراسم استقبال رسمية في ساحة قلعة وندسور ببريطانيا 17 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أسوأ أزمة منذ أزمة السويس

تأتي هذه الزيارة أيضاً في ظل أسوأ توتر في العلاقات بين البلدين منذ أزمة السويس عام 1956، في ظل انتقادات ترمب المتكررة لرئيس الوزراء كير ستارمر بسبب رفضه الانضمام إلى الهجوم على إيران وتقليله من شأن القدرات العسكرية البريطانية.

ورداً على سؤال من «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) عما إذا كانت زيارة الملك ستساعد في إصلاح العلاقة، قال ترمب: «بالتأكيد، الإجابة هي نعم».

وقال ‌في مقابلة هاتفية ‌أجرتها معه «بي بي سي»: «أنا أعرفه جيداً، أعرفه منذ سنوات... إنه رجل شجاع، ورجل عظيم».

وعلّق ترمب على مواقف حلفاء بلاده، بما في ذلك بريطانيا، من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، قائلاً: «كان ينبغي أن يشاركوا»، قبل أن يضيف: «لكنني لم أكن بحاجة إليهم».

وقال ​نايجل ‌شينوالد سفير بريطانيا ​في واشنطن من 2007 إلى 2012، إن الزيارة لا يمكنها، ولا تهدف إلى، إصلاح أي خلافات حالية بين الحكومتين، لكنها ستُظهر روابط أعمق بكثير من أي أفراد.

وقال شينوالد، لوكالة «رويترز»: «هذه الزيارة تتعلق أكثر من أي زيارة أخرى بالمستقبل البعيد. إنها تتعلق بجوهر العلاقة بين شعبينا وبلدينا... إنها لا تتعلق بما يحدث اليوم».

وسيبدأ تشارلز، برفقة زوجته الملكة كاميلا، رحلته التي تستغرق أربعة أيام، يوم الاثنين، باحتساء الشاي على انفراد مع ترمب ثم يلقي كلمة أمام الكونغرس ويحضر مأدبة عشاء رسمية ويقوم بزيارة نيويورك وفرجينيا.

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)

وأعلن قصر بكنغهام أنه لن يلتقي بأي من ضحايا الراحل جيفري إبستين المدان بارتكاب جرائم جنسية. وكان أندرو مونتباتن-وندسور الشقيق الأصغر للملك تشارلز قد اعتقل في فبراير (شباط) للاشتباه ‌في تسريبه وثائق حكومية إلى إبستين. ونفى الأمير أندرو السابق ارتكاب أي ‌مخالفة.

وفي بريطانيا، قال بعض السياسيين والمعلقين إنه كان يتعين إلغاء الزيارة بالنظر إلى ​بعض التصريحات الأخيرة التي أدلى بها ترمب. وهناك مخاوف ‌أيضاً من أن يستغل الرئيس الأميركي، المعروف بتقلباته، هذه المناسبة لتوجيه المزيد من الانتقادات، مما قد يحرج الملك.

وقال ‌شينوالد والسفير الأميركي الحالي في لندن وارن ستيفنز إن ذلك سيكون له أثر سلبي. ويقول مستشارون للعائلة الملكية في أحاديث غير رسمية إن ترمب، الذي يصف الملك بأنه «رجل عظيم»، تصرف بشكل مثالي خلال زيارتيه الرسميتين غير المسبوقتين إلى بريطانيا في عام 2019 وفي العام الماضي.

وقال كاتب السيرة الملكية روبرت هاردمان، لوكالة «رويترز»: «إنه (ترمب) من أشد المؤيدين للملكية».

وأضاف: «لديه موقف واحد تجاه الحكومة البريطانية، ‌لكن الملكية البريطانية كيان منفصل تماماً، وهو من أشد المعجبين بها. وكان معجباً بالملكة الراحلة، وهو من أشد المعجبين بالملك. وبالنسبة له، هذه لحظة مهمة».

هل تعيد هذه الزيارة أصداء عام 1957؟

من بعض النواحي، تحمل زيارة تشارلز أصداء الزيارة التي قامت بها والدته الملكة إليزابيث في عام 1957، بعد عام من أزمة السويس التي تسببت في اضطرابات في الشرق الأوسط، حيث اضطرت القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية إلى إنهاء هجومها على مصر بعد ضغوط من الولايات المتحدة.

ونجحت زيارتها آنذاك في كسب تأييد الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور وتهدئة العلاقات بين الحلفاء.

دونالد وميلانيا ترمب مقابل تشارلز وكاميلا وتنسيق الإطلالتين في «قصر وندسور» (رويترز)

وقال أيزنهاور: «إن الاحترام الذي نكنه لبريطانيا يتجسد في المودة التي نكنها للعائلة الملكية، التي شرفتنا كثيراً بزيارتها لبلادنا».

وهذه ما يطلق عليها «القوة الناعمة» التي سيسعى تشارلز، الذي صقل مهاراته الدبلوماسية على مدى نصف قرن، إلى استخدامها مرة أخرى.

ويتمتع تشارلز بتأثير كبير على الرئيس لدرجة أن هاردمان قال إنه يعلم أن ترمب تراجع عن تعليقاته التي أدلى بها بشأن بقاء القوات البريطانية وقوات حلف شمال الأطلسي الأخرى بعيداً عن الخطوط الأمامية في أفغانستان بعد أن تلقى رسائل خاصة من الملك تفيد بأنه مخطئ.

ويقول دبلوماسيون إن تشارلز سيتمكن مرة أخرى من التحدث ​بصراحة في اجتماعهما الخاص، لكن هاردمان قال إن ​الملك لن يكون هناك «لانتقاد سياسات الرئيس ترمب».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطاباً بينما يستمع إليه الملك تشارلز وكيت أميرة ويلز خلال مأدبة في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

وأضاف: «هذا ببساطة ليس دور الملك، وهو بالتأكيد ليس الغرض من الزيارة الرسمية... سيكون الهدف من هذه الزيارة استعراض جميع تلك الجهود المشتركة بين حليفين عظيمين والتطلع إلى الأمام».


ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.