انعطافة غربية إزاء دور الصين في إنهاء الحرب في أوكرانيا

ألمانيا وبريطانيا التحقتا بفرنسا في الدعوة لدور لبكين وأصوات أميركية تحث على اللجوء إلى الدبلوماسية.

الرئيس الصيني مع نظيره الروسي خلال زيارته الأخيرة لموسكو عندما أعلن عن مبادرة صينية من 12 نقطة (أ.ب)
الرئيس الصيني مع نظيره الروسي خلال زيارته الأخيرة لموسكو عندما أعلن عن مبادرة صينية من 12 نقطة (أ.ب)
TT

انعطافة غربية إزاء دور الصين في إنهاء الحرب في أوكرانيا

الرئيس الصيني مع نظيره الروسي خلال زيارته الأخيرة لموسكو عندما أعلن عن مبادرة صينية من 12 نقطة (أ.ب)
الرئيس الصيني مع نظيره الروسي خلال زيارته الأخيرة لموسكو عندما أعلن عن مبادرة صينية من 12 نقطة (أ.ب)

لم تعد باريس وحدها تغرد خارج السرب الغربي بسبب سعيها لتحفيز الصين من أجل أن تلعب دوراً نشطاً في إيجاد مخرج للحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 14 شهرا. اليوم، انضمت دولتان أوروبيتان رئيسيتان إلى فرنسا هما ألمانيا وبريطانيا في مطالبة بكين بالانخراط بشكل أوسع في البحث عن حل سلمي يمر عبر المفاوضات التي يتعين على الصين أن تلعب فيها دوراً رئيسياً.

وكم يبدو بعيدا ما يدور اليوم في أروقة الدبلوماسية الغربية عن ردود الفعل الرافضة أو المتحفظة على «خطة» السلام الصينية التي طرحتها بكين في شهر فبراير (شباط) الماضي والمؤلفة من 12 بندا التي اعتبرت وقتها إما «منقوصة» وإما «متحيزة» لروسيا؛ لأنها لم تنص صراحة على دعوة موسكو لسحب كامل قواتها من الأراضي الأوكرانية، «بما فيها شبه جزيرة القرم»، والاعتراف بسيادة كييف عليها. وحدها، ردة الفعل الفرنسية جاءت «مشجعة» إذ اعتبرت باريس أن ما تعرضه بكين يمكن أن يشكل «قاعدة للنقاش».

وخلال زيارة الدولة التي قام بها إلى بكين بداية أبريل الماضي، سعى الرئيس إيمانويل ماكرون إلى دفع نظيره الصيني لمزيد من الانخراط في ملف الحرب الروسية على أوكرانيا، وذلك لسببين: الأول، أن شي جينبينغ هو الوحيد القادر على التأثير على الرئيس بوتين لدفعه في هذا الاتجاه أو ذاك. والثاني، لثني الصين عن توفير الدعم العسكري للقوات الروسية؛ لما لذلك من تأثير على مجريات الحرب.

الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارة الدولة لبكين دفع نظيره الصيني شي لمزيد من الانخراط في ملف الحرب الروسية على أوكرانيا (رويترز)

وفي البيان المشترك، الذي صدر في ختام الزيارة جاء أن الرئيسين دعوا إلى إطلاق محادثات سلام بين روسيا وأوكرانيا «في أسرع وقت ممكن». وبسبب إلحاح ماكرون، قبل جينبينغ بالتحدث، الشهر الماضي، إلى نظيره الأوكراني. وتقول المصادر الفرنسية إن ما جرى «يعد خطوة مهمة»، وإن من شأنه «تسهيل» المهمة الصينية إذا ما رغبت بكين حقيقة في لعب دور الوسيط الذي لا تنظر إليه الولايات المتحدة بارتياح، والدليل أنها حثت أوكرانيا على رفض مقترحات وقف إطلاق النار باعتبارها ستخدم الجانب الروسي وحده.

اليوم، يبدو بوضوح أن الأمور أخذت تتغير. من جهة، باريس مثابرة على تحفيز الصين. وفي هذا السياق، شددت وزيرة خارجيتها كاترين كولونا أمس بمناسبة انعقاد مجلس الوزراء على أنه «من الضروري أن تستخدم الصين علاقاتها مع روسيا لجعلها تدرك أنها في طريق مسدودة، وأن تطلب منها أن تعود إلى الصواب من أجل العودة إلى السلام وليس الاستمرار في الحرب». وأضافت الوزيرة الفرنسية أن باريس تنتظر من الصين أن «تشارك في الدفاع عن المبادئ التي قام على أساسها النظام الدولي» ومنها سيادة الدول وسلامة أراضيها...

الألمانية أنالينا بيربوك مع نظيرتها وزيرة خارجية فرنسا كاترين كولونا التي شددت أمس على أنه «من الضروري أن تستخدم الصين علاقاتها مع روسيا لجعلها تدرك أنها في طريق مسدودة» (أ.ب)

وجاء كلام كولونا بحضور نظيرتها الألمانية أنالينا بيربوك التي التقت في برلين أول من أمس وزير خارجية الصين كي غانغ، وقد شددت، بحضوره، على أن الصين «في حال رغبت ذلك، تستطيع أن تلعب دورا مهما لوضع حد للحرب» في أوكرانيا، مضيفة ما سمتها «رسالة أوروبية» لبكين وفحواها، أن الصين، بوصفها عضوا دائم العضوية في مجلس الأمن «لا تتمتع فقط بحقوق وإنما تترتب عليها واجبات».

وبالطبع، لم يفتها أن تذكّر غانغ بأن أساس جهود السلام يجب أن يكون «ميثاق الأمم المتحدة المتعلق بسيادة الدول ووحدة أراضيها»، ما يعني أنه يتعين أن على روسيا أن تسحب قواتها من أوكرانيا.

وكان رد الوزير الصيني أن بلاده «بصفتها واحدة من الدول ذات العضوية الدائمة بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ودولة كبرى تتحلى بالمسؤولية، لن تكتفي بالوقوف في موقف المتفرج، ولن تصب الزيت على النار»، ولذا فإنها على تواصل مع الأطراف كافة في سعيها لوقف إطلاق النار.

منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا، كانت بيربوك، المنتمية إلى حزب «الخضر»، الأكثر تشددا إزاء روسيا والأكثر اندفاعا لتزويدها بالأسلحة التي تحتاجها القوات الأوكرانية، وهذه المواقف جعلتها قريبة جدا من المواقف البريطانية.

الألمانية أنالينا بيربوك التي التقت في برلين مع نظيرها الصيني كي غانغ وقد شددت على أن بكين «في حال رغبت ذلك تستطيع أن تلعب دوراً مهماً لوضع حدّ للحرب» في أوكرانيا (ا.ب.أ)

والحال أن لندن آخذة في النظر لما يمكن أن تقوم به الوساطة الصينية. فقد قال وزير خارجيتها جيمس كليفرلي، أول من أمس في واشنطن، إنه يرحب «بالتدخل الصيني» الذي قد يصل بهذه الحرب إلى نتيجة عادلة ومستدامة من أي مكان يأتي منه، مضيفا أنه لا يعتقد أنه «يجب أن نعرقل هذا الأمر. نحن نعلم أن شي (جينبينغ) يتمتع بدرجة كبيرة من التأثير مع بوتين، وإذا كان بإمكانه استخدام هذا النفوذ لتنفيذ ما صرح به علناً - السيادة والأرض والسلامة وعدم التهديد باستخدام الأسلحة النووية - فلماذا ننتقد هذا التدخل إذا كان ذا مغزى؟». على أي حال، يؤكد الوزير البريطاني على ضرورة ألا «يشكل الغرب عائقا» فيما يرتبط بكيفية الوصول إلى تسوية محتملة بين الطرفين المتصارعين. بيد أنه سارع إلى القول إن من المهم أن ما يصدر عن الصين «يجب ألا يكون مجرد كلام، بل أن يكون تدخلا حقيقيا».

وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي في واشنطن يرحب «بالتدخل الصيني» مع نظيره الأميركي بلينكن (أ.ب)

لماذا هذا التحول في الخطاب الغربي - الأوروبي؟

تقول مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس، إنه «يتعين البحث عن الأسباب فيما يجري ميدانيا». فالجميع كان ينتظر «هجوم الربيع» الذي وعدت أوكرانيا بالقيام به لتعديل موازين القوى، ولإخراج القوات الروسية من أراض تحتلها على غرار ما حصل الخريف الماضي. والحال أن التوقعات اليوم تبدو أكثر تشاؤما، فوزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا خفف من سقف التوقعات.

وفي واشنطن نفسها التي هي، إلى حد بعيد مركز القرار بالنسبة للموقف الغربي وبالتالي لمصير الحرب، ثمة أصوات بدأت تسمع، ليس فقط في أوساط الجمهوريين، ولكن من داخل الإدارة، ومن داخل القيادات العسكرية التي تتساءل عن المدى الزمني الضروري لمواصلة دعم القوات الأوكرانية بالأسلحة النوعية الثقيلة والذخائر، وعن أهداف الحرب وظروف الجلوس إلى طاولة المفاوضات وكيفية الوصول إلى نهايتها.

وللتذكير، فإن الجنرال مارك ميلي، رئيس أركان القوات الأميركية نبه، الشتاء الماضي، من أنه «لا يعتقد» أن القوات الأوكرانية قادرة على استعادة الأراضي التي احتلتها روسيا في «المدى القريب»، كذلك ثمة دراسات مثل التي نشرها الباحث الأميركي جيف ميلر، مؤخرا في مجلة «ناشيونال إنترست» الأميركية يحث فيها الإدارة للبحث عن سُبل أخرى لإنهاء الحرب. وقال ميلر، في خلاصة دراسته، إن أمام واشنطن «فرصة للقيام بدور ضروري في إنهاء الحرب. الوسائل التكتيكية لا يمكن أن تحقق هذه الأهداف الاستراتيجية، أنظمة الأسلحة لن تكون حاسمة، ولكن القوة الدبلوماسية ربما تكون كذلك. لا يزال بإمكان واشنطن تحقيق كثير من خلال القيام بمجهود أقل. إن الطريق إلى تحقيق السلام في أوكرانيا قد لا يتم تمهيدها بالأسلحة وإنما بالبراعة الدبلوماسية».

هل ستقدم واشنطن على الاعتراف بدور للصين فيما هي تهدد بفرض عقوبات عليها وتندد باصطفافها إلى جانب بوتين؟ السؤال مطروح والإجابة عليه في القادم من الأيام.


مقالات ذات صلة

مفوّض أممي: كارثة جديدة لحقوق الإنسان تتكشف في مدينة الأبيض السودانية

شمال افريقيا نساء سودانيات في مخيم للنازحين بالقرب من مدينة الأبيض السودانية 29 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

مفوّض أممي: كارثة جديدة لحقوق الإنسان تتكشف في مدينة الأبيض السودانية

قال فولكر تورك، المفوّض الأممي لحقوق الإنسان، الجمعة، إن كارثة أخرى في مجال حقوق الإنسان تتكشف في السودان، هذه المرة في مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا أبقار سودانية هجين (ملتقى مربي الأبقار في السودان)

الحرب تتسبب في ضياع إرث الماشية المحسَّنة وراثياً في السودان

بينما السودانيون منشغلون بحصر دمار البنية التحتية جراء الحرب، اكتشفوا خسارة أخرى تشكلت بصمت داخل المزارع والحظائر... فقد فقدوا مئات الآلاف من «الأبقار الهجين».

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش في مسيرة في أم درمان لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب)

الجيش السوداني ينقل المعركة إلى دارفور

نقل الجيش السوداني معاركه إلى دارفور، حيث قاد مواجهات عسكرية ضد «قوات الدعم السريع» في محاور عدة بالإقليم الغربي، في تطور ميداني يأتي بالتزامن مع تصاعد.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش في مسيرة في أم درمان لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب) p-circle

الجيش السوداني ينقل المعركة مجدداً إلى دارفور

تجددت المعارك العنيفة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أكثر من محور بإقليم دارفور، غرب البلاد

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا الفريق العطا رئيس هيئة أركان الجيش السوداني متحدثاً في قاعدة وادي سيدنا (مجلس السيادة على تلغرام)

الجيش السوداني يعلن تدمير 224 آلية لـ«الدعم السريع» في 5 مناطق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، تحقيق مكاسب ميدانية في 5 مناطق للقتال خلال الأسبوعين الماضيين، شملت شمال وغرب دارفور، وشمال وجنوب كردفان، وولاية النيل الأزرق.

أحمد يونس (كمبالا)

سجن رومانيين لطعنهما صحافياً إيرانياً في لندن

عناصر مسلحة من شرطة العاصمة البريطانية لندن (أ.ف.ب)
عناصر مسلحة من شرطة العاصمة البريطانية لندن (أ.ف.ب)
TT

سجن رومانيين لطعنهما صحافياً إيرانياً في لندن

عناصر مسلحة من شرطة العاصمة البريطانية لندن (أ.ف.ب)
عناصر مسلحة من شرطة العاصمة البريطانية لندن (أ.ف.ب)

قضت محكمة بريطانية، يوم الجمعة، بسجن ​رجلين رومانيين بعد إدانتهما بطعن صحافي يعمل لدى مؤسسة إعلامية ناطقة بالفارسية في لندن، في قضية قال ‌الادعاء إن ‌المتهمين فيها ​كانا ‌يعملان لصالح ​الحكومة الإيرانية.

وكان بوريا زرافي فوكلائي، المعروف باسم بوريا زيراتي، وهو صحافي بريطاني من أصل إيراني يعمل لدى قناة «إيران إنترناشيونال»، ‌قد تعرض ‌للطعن 3 ​مرات في ‌ساقه بالقرب من ‌منزله في جنوب غربي لندن خلال مارس (آذار) 2024.

وأنكر كل من ‌نانديتو باديا (21 عاماً) وجورج ستانا (25 عاماً)، وفقاً لوكالة «رويترز»، التهم الموجهة إليهما بالجرح العمد، إلا أن محكمة وولويتش الملكية في لندن أدانتهما في يونيو (حزيران).

وقضت المحكمة بسجن باديا لمدة 8 سنوات، وستانا ​12 ​عاماً.


فرنسا شهدت هذا العام أشدّ أشهر يونيو حرّاً

فرنسيون يقفزون في قناة سان مارتن بباريس مع ارتفاع درجات الحرارة لمستويات غير مسبوقة (أ.ب)
فرنسيون يقفزون في قناة سان مارتن بباريس مع ارتفاع درجات الحرارة لمستويات غير مسبوقة (أ.ب)
TT

فرنسا شهدت هذا العام أشدّ أشهر يونيو حرّاً

فرنسيون يقفزون في قناة سان مارتن بباريس مع ارتفاع درجات الحرارة لمستويات غير مسبوقة (أ.ب)
فرنسيون يقفزون في قناة سان مارتن بباريس مع ارتفاع درجات الحرارة لمستويات غير مسبوقة (أ.ب)

شهدت فرنسا هذا العام أشدّ أشهر يونيو (حزيران) حراً منذ البدء بتسجيل بيانات الطقس في عام 1947، إذ تجاوزت الحرارة 40 درجة في كثير من المناطق، بحسب ما أعلنت «هيئة الأرصاد الجوية»، الجمعة.

وبلغ متوسط درجات الحرارة في عموم البلاد 22.7 درجة، أي ما يُشكِّل ارتفاعاً قدره 3.8 درجة على المتوسط المُسجَّل بين عامي 1991 و2020، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت «هيئة الصحة العامة» في فرنسا، الجمعة، ارتفاع عدد الوفيات بنسبة 30 في المائة في البلاد خلال موجة الحر التي شهدتها أوروبا في يونيو، بينما أفادت السلطات في بلجيكا بتسجيل معدّل وفيات إضافي بنسبة 39 في المائة في الفترة ذاتها.

وأوضحت السلطات البلجيكية، في بيان، أنّه «وفقاً للبيانات الأولية، سجَّلت بلجيكا معدّل وفيات إضافي بنسبة 39 في المائة (1222 حالة وفاة إضافية) بين الخميس 18 يونيو، والاثنين 29 يونيو».

شخص يجلس أسفل نافورة قرب برج إيفل لتبريد جسمه مع ارتفاع درجات الحرارة في فرنسا (أ.ب)

من جانبها، أفادت «هيئة الصحة العامة» في فرنسا، في تقرير جديد، عن «زيادة قدرها 29.1 في المائة، أي ما يعادل 2025 حالة وفاة إضافية في الأسبوع، من 22 إلى 28 يونيو، مقارنة بالأسبوع السابق»، مشيرة إلى أنَّ هذا الرقم «أقل من الواقع».

ويستند تقدير عدد الوفيات إلى شهادات الوفاة الإلكترونية، التي تُمثِّل ما يزيد قليلاً على نصف الوفيات في البلاد.

وتعكس نسبة الـ30 في المائة، حجم التداعيات الصحية لموجة الحر التي ضربت فرنسا لمدة 10 أيام تقريباً، وتخلّلتها 3 أيام، شهدت أعلى درجات حرارة تمَّ تسجيلها في البلاد على الإطلاق.

ويبرز هذا الاتجاه بشكل خاص في منطقة إيل دو فرانس (منطقة باريس)، حيث ارتفعت الوفيات بأكثر من 62 في المائة، الأسبوع الماضي. وقد سُجِّل ارتفاع مماثل في منطقة بايي دو لا لوار (غرب فرنسا).

وكانت الهيئة الصحية أعلنت عن ألف حالة وفاة إضافية عن المعدل المعتاد، لكن هذا الرقم لم يشمل سوى نهاية الأسبوع. أما التقرير الجديد فيغطي الأسبوع بأكمله، على الرغم من أنَّ موجة الحر بدأت قبل ذلك ببضعة أيام.

شخص يقف تحت نافورة ماء في بروكسل لتهدئة حرارة جسمه مع ارتفاع درجات الحرارة بدول أوروبية عدة (أ.ف.ب)

وقالت وزيرة الصحة ستيفاني ريست، على قناة «تي إف 1»: «الأمر المهم للغاية هو أنَّه ضمن هذه الوفيات، البالغ عددها 2025 حالة، هناك زيادة بنسبة 91 في المائة من الوفيات في المنزل مقارنة بالأسبوع السابق».

وتسبَّبت موجة الحر، التي ضربت فرنسا في نهاية يونيو، في ظروف غير محتملة في كثير من المباني والمنازل. ومن المتوقع أن تعود درجات الحرارة للارتفاع خلال عطلة نهاية الأسبوع. وشهدت المتاجر، الخميس، تدافعاً ومشاجرات، بعد طرح 200 ألف مروحة ومكيّف هواء للبيع.

وتخطّت الحرارة في مناطق بأوروبا، يقطنها 410 ملايين شخص، عتبة 35 درجة مئوية مرة واحدة على الأقل خلال موجة الحر بين 15 و30 يونيو، أي أكثر من ثلثي السكان، وفق تحليل أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلال موجة الحر في عام 2003، بلغ 320 مليون شخص هذه المستويات من الحرارة في أوروبا، باستثناء تركيا، بين الأول و17 أغسطس (آب)، وفق حسابات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» استناداً إلى درجات الحرارة القصوى اليومية الصادرة عن المرصد الأوروبي للجفاف وبيانات السكان الصادرة عن مركز الأبحاث المشترك.

ومنذ أيام عدة، تُشدِّد السلطات الصحية والحكومة على مشكلة الوفيات المنزلية خلال موجة الحر.

وقد أودت موجة الحر التي ضربت البلاد في عام 2003 بحياة 15 ألف شخص في فرنسا، معظمهم من كبار السن، وكثير منهم في دور رعاية المسنين، بالإضافة إلى وفيات أخرى في منازلهم.

تحذيرات من الوصول إلى مستويات «قصوى» بالمملكة المتحدة

وحذَّر خبراء الأرصاد الجوية من أنَّ موجة الحر البحرية المستمرة منذ فترة طويلة، التي تشهدها المياه البريطانية خلال معظم عام 2026، يمكن أن تصل إلى مستويات قصوى، الأسبوع المقبل.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية إنَّ مياه السطح في بحار شمال غربي أوروبا، تشهد حالياً ظروفاً من موجة حر بحرية تتراوح بين متوسطة وشديدة، حيث تمَّ تصنيف كثير من المناطق، حالياً بأنها «قوية» والبعض «شديدة»، حسب وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا)، اليوم (الجمعة).

وهذا يعني أنَّ المياه وصلت إلى درجات حرارة متوقعة عادة في أغسطس، وهي أعلى درجتين مئويتين عن المعتاد.

وأضافت الهيئة أنَّ درجات الحرارة أعلى بأكثر من 4 إلى 5 درجات محلياً في بعض الأجزاء قبالة الشواطئ في سواحل إنجلترا وويلز.

ويقول خبراء إن درجات الحرارة القياسية من المتوقع أن يكون لديها تأثير واسع النطاق على أنماط الطقس والمناخ العالمي والأنظمة البيئية، ما يؤدي إلى تحولات في أعداد الأسماك وإلحاق الضرر بكثير من الأنواع البيئية.

كانت مناطق جنوب المملكة المتحدة قد شهدت في 24 من الشهر الماضي موجة حر شديدة، أدت إلى إغلاق المدارس، وتعطيل حركة السفر.

وحذّرت هيئة الأرصاد الجوية الوطنية الإسبانية، اليوم (الجمعة)، من أن إسبانيا تتجه مجدداً لتسجيل درجات حرارة تتجاوز 40 درجة مئوية، وذلك بعد أيام قليلة فقط من انتهاء موجة الحر السابقة.

وتوقعت الهيئة، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية، تسجيل درجات حرارة مرتفعة في جنوب غربي البلاد، وكذلك في الشمال والشمال الشرقي، اعتباراً من يوم الأحد على أقصى تقدير.

وكانت موجة حرّ ضربت إسبانيا في نهاية يونيو (حزيران) قبل أن تمتد لاحقاً إلى فرنسا، لتدفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية وصلت آثارها حتى ألمانيا.


هل يعود ويتكوف وكوشنر إلى وساطة روسيا وأوكرانيا؟

زيلينسكي خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة (رويترز)
زيلينسكي خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة (رويترز)
TT

هل يعود ويتكوف وكوشنر إلى وساطة روسيا وأوكرانيا؟

زيلينسكي خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة (رويترز)
زيلينسكي خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة (رويترز)

تتزايد المؤشرات إلى احتمال عودة المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى ملف الحرب الروسية - الأوكرانية، مع تراجع الانشغال الأميركي النسبي بالمسار الإيراني، وفي وقت دخل فيه الصراع بين موسكو وكييف مرحلة جديدة من التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي المتبادل.

وكان ويتكوف وكوشنر قد اضطلعا بدور أساسي في الاتصالات بين روسيا وأوكرانيا مطلع العام، وشاركا في آخر لقاء مباشر معلن بين مسؤولي البلدين في سويسرا في فبراير (شباط). لكن اندلاع المواجهة مع إيران في 28 فبراير نقل اهتمامهما إلى الشرق الأوسط، فيما أكد الرئيس دونالد ترمب لاحقاً أن إدارته قد تستأنف جهود إنهاء الحرب الأوكرانية بعد تجاوز المرحلة الأكثر سخونة في الملف الإيراني.

جاريد كوشنر وستيف ويتكوف قبيل اجتماع رباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في سويسرا (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتأتي العودة المحتملة وسط تغير واضح في موقع أوكرانيا الميداني. فقد أثبتت كييف قدرتها على ضرب أهداف عسكرية واقتصادية في مناطق بعيدة داخل روسيا، وألحقت أضراراً بمصافي النفط ومنشآت الوقود وخطوط الإمداد، في حين ردت موسكو بهجمات صاروخية وموجات كثيفة من المسيّرات على المدن الأوكرانية، مؤكدة أن الرئيس فلاديمير بوتين لا يزال يراهن على تحقيق أهدافه بالقوة.

قنوات أميركية محدودة

تكتسب عودة ويتكوف وكوشنر أهمية إضافية بسبب محدودية القنوات الدبلوماسية الأميركية العاملة على الملف؛ فمنصب السفير الأميركي في موسكو شاغر منذ أكثر من عام، كما استقال القائم بأعمال السفارة في كييف في أبريل (نيسان)، بينما ظل دور وزير الخارجية ماركو روبيو وكبار الدبلوماسيين محدوداً.

وبذلك أصبح المبعوثان، بفضل اتصالهما المباشر بترمب، من أهم قنوات التواصل التي يمكن لموسكو وكييف استخدامها للوصول إلى البيت الأبيض. وأفاد مسؤول أميركي بأنهما حافظا على اتصالات شبه يومية مع مسؤولين روس وأوكرانيين، وعقدا لقاءات غير معلنة خلال فترة انشغالهما بإيران، لكنهما لا يعتزمان السفر لمجرد عقد لقاءات رمزية من دون وجود مقترحات جديدة، بحسب «نيويورك تايمز».

ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز)

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ​الخميس، إن المسؤول الكبير في وزارة الدفاع الأوكرانية رستم أوميروف أجرى محادثات مع كوشنر ​خلال ‌اليومين ⁠الماضيين. وفي ​كلمة ألقاها ⁠من أحد المواقع التي استهدفت في هجوم روسي مدمر على كييف، بينما كان رجال ⁠الإنقاذ يبحثون بين ‌الأنقاض، ‌قال زيلينسكي إنه ​لا ‌يزال يأمل في ‌أن يزور كوشنر وويتكوف أوكرانيا.

وفي موسكو، تبدو الرغبة قوية في استئناف هذا المسار. ويعتبر الكرملين ويتكوف قناة مباشرة إلى ترمب، خصوصاً في القضايا التي لا تستطيع الدول الأوروبية حسمها، مثل مستقبل عضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي ورفع العقوبات. غير أن مسؤولين روساً أبدوا أيضاً استياءهم من عدم انتظام الزيارات وغياب المتابعة المؤسسية، مطالبين بمفاوضات أكثر تنظيماً واستمرارية.

فانس يقف إلى جانب ويتكوف وكوشنر في سويسرا في 21 يونيو 2026 (أ.ب)

ضغط أوكراني متصاعد

وتختلف الظروف الحالية عن تلك التي أحاطت بجولات التفاوض السابقة. فقد وسعت أوكرانيا خلال الأشهر الماضية نطاق ضرباتها، مستفيدة من ارتفاع إنتاجها المحلي من المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى، واستهدفت مصافي النفط ومستودعات الوقود والمصانع العسكرية داخل روسيا.

وأدت الهجمات إلى أزمة وقود واسعة، بدأت في شبه جزيرة القرم ثم امتدت إلى مناطق روسية عدة، بينها سيبيريا والشرق الأقصى. وأظهرت تقارير أن الضربات أخرجت ما بين 25 و33 في المائة من طاقة التكرير الروسية من الخدمة في منتصف يونيو، فيما شهدت محطات الوقود طوابير طويلة وتقنيناً في المبيعات وإغلاق عدد كبير من المحطات المستقلة.

كما صعدت كييف هجماتها على القرم، مستهدفة منشآت الكهرباء والوقود وخطوط الإمداد. وتسببت الضربات في انقطاعات للكهرباء والمياه، وفرض قيود شديدة على بيع البنزين، في وقت بات فيه جسر كيرتش يمثل خط الإمداد الرئيسي للمنطقة بعد تعرض المسارات البرية والبحرية الأخرى للخطر.

وتراهن القيادة الأوكرانية على أن تحويل الحرب إلى عبء يومي على الروس، وتهديد القرم التي تحمل قيمة سياسية ورمزية كبيرة لبوتين، قد يدفع الكرملين إلى قبول مفاوضات أكثر جدية. كما تقول كييف إن ضرباتها بعيدة المدى تمثل «عقوبات» تنفذها بالقوة بعدما عجزت الإجراءات الاقتصادية الغربية وحدها عن تغيير حسابات موسكو.

رد روسي عنيف

وتبادلت روسيا وأوكرانيا القصف، الجمعة، غداة أعنف هجوم شنّته موسكو على كييف بالمسيرات والصواريخ منذ بدء غزوها للبلاد وأودى بـ30 شخصاً. وأعلن الرئيس الأوكراني، الخميس، أن أوكرانيا سترد «بالتأكيد» على هذا الهجوم. وقال خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة: «تقصف روسيا أهدافاً مدنية كي تدفع أوكرانيا إلى التخلّي عن الدولة بكلّ بساطة، ولتحدث شرخاً بين المجتمع المدني والجيش. هذا ما كانت تعوّل عليه طوال الحرب. ولن يحدث ذلك أبداً».

وأسفرت ضربات جديدة على جانبي الحدود عن سقوط قتلى مدنيين في البلدين المتحاربين. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، الجمعة، أن منظومات الدفاع الجوي اعترضت ودمرت 155 طائرة مسيرة أوكرانية فوق الأراضي الروسية خلال الليل.

صورة من موقع ضربة صاروخية روسية في كييف بأوكرانيا 25 يونيو 2026 (رويترز)

وقُتل خمسة أشخاص، الجمعة، في هجوم أوكراني على سوق في جزء تحتله روسيا من منطقة زابوريجيا في جنوب أوكرانيا، وفق ما أفاد الحاكم المعين من الكرملين، وذلك غداة هجوم روسي واسع على العاصمة الأوكرانية. وقال الحاكم المعين من روسيا يفغيني باليتسكي عبر «تلغرام»: «تأكد حتى الآن مقتل خمسة سكان في هجوم معاد متعمد على سوق مدينة توكماك». لكن الضغوط الأوكرانية لم تؤد حتى الآن إلى تراجع روسي واضح. فقد كثفت موسكو هجماتها بالصواريخ والمسيّرات، واستهدفت كييف ومدناً أخرى، ما أوقع عشرات القتلى وألحق أضراراً واسعة بالبنية التحتية الأوكرانية.

أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق خلال غارة روسية ليلية على كييف (رويترز)

وتواصل القوات الروسية في الوقت نفسه محاولات التقدم في منطقة دونيتسك، رغم الخسائر البشرية المرتفعة. وتراهن موسكو على تفوقها في حجم الذخائر والصواريخ وقدرتها على استنزاف الدفاعات الجوية الأوكرانية، بينما لا تزال كييف تعتمد بصورة كبيرة على الدعم الغربي لحماية مدنها ومنشآتها الحيوية.

وكشف سفير المهام الخاصة في وزارة الخارجية الروسية، روديون ميروشنيك، عن مقتل ما يقرب من 8500 مدني روسي جراء هجمات شنتها القوات الأوكرانية منذ عام 2022.

واعترف بوتين بوجود نقص في الوقود، لكنه قلل من حجمه، معتبراً أن الهدف الأوكراني هو إثارة الانقسام داخل المجتمع الروسي وإجبار قواته على وقف تقدمها. ويشير هذا الموقف إلى أن الكرملين لا يزال يرى الأزمة قابلة للاحتواء، ولا يعدُّها سبباً كافياً لتعديل مطالبه المتعلقة بالأراضي الأوكرانية وعضوية الناتو والضمانات الأمنية.

وساطة بلا اختراق سريع

يمكن لتراجع أولوية الملف الإيراني أن يتيح لويتكوف وكوشنر استئناف تحركاتهما، خصوصاً أن موسكو تطالب بعودتهما، فيما أبدى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استياءه من عدم زيارتهما كييف حتى الآن، مطالباً واشنطن بأفعال تتجاوز التصريحات.

لكن العودة الأميركية لن تضمن اختراقاً سريعاً؛ فروسيا وأوكرانيا تدخلان أي مفاوضات محتملة وهما مقتنعتان بأن استمرار العمليات العسكرية قد يحسن شروطهما. موسكو تراهن على تقدمها البطيء وقدرتها على ضرب المدن، بينما تعتمد كييف على نقل الحرب إلى الداخل الروسي وإضعاف قطاع الطاقة والضغط على القرم. لذلك قد تركز المرحلة الأولى من الوساطة على احتواء التصعيد، وحماية منشآت الطاقة والبنية التحتية، واستئناف تبادل الأسرى والجثامين، بدلاً من التوصل إلى اتفاق سلام شامل. أما ملفات الأراضي والقرم والناتو، فستظل العقبات الأكبر أمام أي تسوية. وفي ظل غياب بديل دبلوماسي واضح، تبدو عودة ويتكوف وكوشنر مرجحة، لكنها ستكون عودة إلى حرب أكثر اتساعاً وتعقيداً، لا إلى مفاوضات أصبحت أقرب إلى الحل.

شخص يحتمي بمحطة مترو الأنفاق في أثناء الغارات الروسية على كييف ويتابع مباراة بلجيكا والسنغال (أ.ف.ب)

اجتماع الناتو في أنقرة

ويجتمع قادة حلف شمال ‌الأطلسي، الأسبوع المقبل، في أنقرة، حيث يسعى الأوروبيون إلى تنحية الخلافات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب جانباً حول عدة قضايا مشتركة بما في ذلك أوكرانيا، في وقت تقلص فيه واشنطن التزاماتها تجاه الحلف.

وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته إن القمة المقررة يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين ستظهر وفاء الدول الأوروبية بتعهداتها بزيادة الإنفاق الدفاعي لردع أي هجوم روسي محتمل، مشيراً إلى أنه سيتم توقيع صفقات تسليح بعشرات المليارات من الدولارات.

ومن المتوقع أيضاً أن يجدد القادة التزامهم بمواصلة تمويل إمدادات الأسلحة لأوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي. وسيشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير ‌زيلينسكي في مأدبة ‌عشاء يستضيفها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ​الذي ‌سيعقد ⁠كذلك ​محادثات ثنائية مع ⁠ترمب. ويأمل زيلينسكي في عقد اجتماع مع ترمب على هامش القمة.