النيجر: إطلاق نار في مطار يخزن فيه يورانيوم بقيمة 300 مليون يورو

الشحنة محل نزاع قضائي بين سلطات نيامي وشركة «أورانو» الفرنسية

طائرة «ميراج 2000» فرنسية في قاعدة بنيامي عاصمة النيجر يوم 5 يونيو 2021 (أ.ب)
طائرة «ميراج 2000» فرنسية في قاعدة بنيامي عاصمة النيجر يوم 5 يونيو 2021 (أ.ب)
TT

النيجر: إطلاق نار في مطار يخزن فيه يورانيوم بقيمة 300 مليون يورو

طائرة «ميراج 2000» فرنسية في قاعدة بنيامي عاصمة النيجر يوم 5 يونيو 2021 (أ.ب)
طائرة «ميراج 2000» فرنسية في قاعدة بنيامي عاصمة النيجر يوم 5 يونيو 2021 (أ.ب)

عاش سكان مدينة نيامي، عاصمة النيجر، البالغ عددهم نحو 1.5 مليون نسمة، ليل الأربعاء-الخميس، فصولاً من الرعب، بعد سماع دوي انفجارات وإطلاق نار كثيف في محيط «مطار ديوري هاماني الدولي»، وذلك لمدة ساعتين، قبل أن يعود الهدوء، ويبدأ طرح الأسئلة حول حقيقة ما جرى.

وحتى صباح الخميس، لم يصدر أي توضيح من طرف السلطات العسكرية التي تحكم النيجر منذ أن قادت انقلاباً عسكرياً في يوليو (تموز) 2023، فيما تداول الإعلام روايات سكان محليين تؤكد أن إطلاق النار بدأ بعد منتصف الليل بتوقيت نيامي (الساعة 23 بتوقيت غرينتش)، واستمر لساعتين قبل أن يسود الهدوء.

ويقع المطار على بُعد نحو 10 كيلومترات من القصر الرئاسي، ويضم قاعدة لسلاح الجو النيجري، وقاعدة طائرات مسيّرة شُيّدت حديثاً، إضافة إلى مقر قيادة القوة العسكرية الموحّدة التي أنشأتها النيجر وبوركينا فاسو ومالي لمكافحة الجماعات الإرهابية التي تعصف بالدول الثلاث.

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة التقطها سكان المنطقة، أظهرت خطوطاً ضوئية طويلة في السماء المظلمة، ما يُشير إلى استخدام دفاعات جوية، ربما ضد طائرات مسيّرة، وفق ما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضافت الوكالة، أنه في صور أخرى -لم تتمكن من التحقق منها بشكل مستقل- شوهدت ألسنة لهب ترتفع لعدة أمتار وسيارات متفحمة، فيما لم تصدر أي حصيلة رسمية حول هذه الأحداث حتى منتصف نهار الخميس.

وساد الهدوء المنطقة المحيطة بالمطار في حدود الثانية فجراً بالتوقيت المحلي، فيما دعا أنصار النظام العسكري إلى الخروج في العاصمة «للدفاع عن البلاد»، وقال سكان في محيط المطار إنهم سمعوا صفارات سيارات الإطفاء وهي تتجه نحو المطار.

جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)

وحسب مصادر محلية، فإن جميع الثكنات العسكرية في نيامي وُضعت «في حالة تأهب»، فيما أكدت هذه المصادر أن «إرهابيين شنوا هجوماً على المطار قبل أن يتم تحييدهم»، وهي معلومات لم تتأكد حتى الآن من مصدر رسمي.

ووفق حساب التحليلات مفتوحة المصادر (Brant) على منصة «إكس»، جرى تحويل مسار طائرة ركاب قادمة من الجزائر، كانت مقررة أن تهبط في نيامي ليلاً، إلى بوركينا فاسو.

شحنة اليورانيوم

وقالت الوكالة الفرنسية: «إن الانفجارات تزامنت مع وجود شحنة كبيرة من اليورانيوم في المطار»، كانت تنتظر تصديرها نحو الأسواق الدولية، فيما قال صحافي التحقيقات الفرنسي توماس دييرتش، عبر منصة «إكس»: «من دون معرفة ما إذا كان هناك ارتباط مباشر، يوجد مخزون كبير من اليورانيوم في مطار نيامي»، وأشار إلى أن تصدير هذه الشحنة «يواجه بعض العراقيل».

منجم «سومايير» لليورانيوم في منطقة أرليت بالنيجر (رويترز)

وأضاف: «يسعى نظام عبد الرحمن تياني إلى إيجاد ممر نحو البحر لنقل هذه الشحنة، في وقت تطالب شركة (أورانو) الفرنسية متعددة الجنسيات، التي جرى نزع ملكيتها في النيجر، بحق ملكية هذا اليورانيوم».

وقالت صفحة على منصة «إكس»، معروفة بدعمها ودعايتها لصالح الأنظمة الحاكمة في النيجر ومالي وبوركينا فاسو، إن الشركة الفرنسية «حاولت تنفيذ عملية سطو ضد الدولة النيجرية لاستعادة اليورانيوم الموجود في مطار نيامي».

وأضافت الصفحة: «رغم أن المطار لم يتعرض لأضرار، فإن ذلك يكشف عن الوجه الحقيقي لبعض الشركات الفرنسية في أفريقيا».

وحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، التي اعتمدت على صور أقمار اصطناعية، فقد رُصد وصول 34 شاحنة إلى منطقة من مطار نيامي بين الثالث والخامس من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ورغم عدم التمكن من ربط محتوى هذه الشاحنات رسمياً باليورانيوم النيجري، تؤكد عدة مصادر، من بينها مجموعة «الصحافيين في غرب أفريقيا» (وامابس) المتخصصة في الشأن الأمني بمنطقة الساحل، أن هذه الشاحنات «كانت تنقل شحنة يورانيوم يبلغ حجمها ألف طن».

وأضافت المجموعة، أن الشحنة غادرت (أرليت) أواخر نوفمبر، ولا تزال وجهتها مجهولة، كما لا يُعرف بعد ما إذا كان نقلها سيتم برّاً أم جواً.

قوات أمن في النيجر (أرشيفية)

مخزون بقيمة 300 مليون يورو

شحنة اليورانيوم كانت محل نقاش داخل مجلس الشيوخ الفرنسي الأسبوع الماضي، خلال جلسة استماع لرئيس مجلس إدارة شركة «أورانو»، كلود إيموفان؛ حيث أكد أنه يسعى إلى «استعادة السيطرة على نحو ألف طن من اليورانيوم موجودة حالياً بحوزة النيجر».

وأوضح إيموفان، أن شركته ستواصل إجراءاتها القانونية ضد النيجر، عادة أنها «تعرّضت لعملية نزع ملكية لأربعة مواقع كانت تستغلها»، كما لوَّحت بمقاضاة «أي طرف قد يسعى لوضع يده» على مخزون من اليورانيوم.

وفي أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حذّرت «أورانو» من أن الشحنة غادرت موقع «سومايير» في مدينة أرليت (شمال النيجر)، الذي كانت تملكه سابقاً بنسبة 63.4 في المائة و36.6 في المائة للنيجر.

وأضاف إيموفان، بعد نقل اليورانيوم إلى المطار: «لا نعرف لمن هو موجّه، ولا كيف سيتم إخراجه»، موضحاً أن المجموعة «ليست موجودة ميدانياً»، ولا تمتلك «معلومات مباشرة».

وأعلنت «أورانو» أنها باشرت 4 إجراءات تحكيم ضد النيجر، وأوضح إيموفان، أن أحد هذه الإجراءات أسفر عن قرار لصالح الشركة «يحظر على حكومة النيجر المساس بمخزون (سومايير)». وحسب تقديره، تبلغ القيمة السوقية لهذا المخزون نحو 300 مليون يورو.

مدخل منجم «أرليت» لليورانيوم -سابقاً- في شمال النيجر الذي كانت تديره المجموعة الفرنسية «أريفا» المعروفة الآن باسم «أورانو» في مارس 2023 (أ.ف.ب)

موقف النيجر

في خضم هذا الجدل، كانت سلطات النيجر تدافع عن موقفها بتأكيد أن مسألة اليورانيوم تدخل في صميم استعادة «السيادة»، وذلك بعد عقود طويلة من استغلال المناجم من طرف الشركات الفرنسية.

وأعلنت النيجر في نوفمبر الماضي عن عزمها طرح اليورانيوم المنتج في السوق الدولية، بعد أن أقرت في يونيو (حزيران) الماضي بتأميم شركة «سومايير»، التابعة لشركة «أورانو»، التي تتولى استغلال مناجم اليورانيوم.

وخلال زيارة إلى نيامي هذا الصيف، أكد وزير الطاقة الروسي، ألكسندر نوفاك، رغبة بلاده في «استغلال اليورانيوم» في النيجر، وهو ما يكشف عن وجود صراع دولي على الموارد المعدنية في النيجر التي تعد واحدة من أفقر دول العالم.

الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

وتعاني دولة النيجر، إلى جانب مالي وبوركينا فاسو، موجة عنف منذ أكثر من 10 سنوات بسبب منظمات إرهابية موالية لتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وهو ما أدخل الدول الثلاث في أزمات سياسية قادت إلى انقلابات أسفرت عن سيطرة الجيش على الحكم في هذه الدول.

وتوجهت الأنظمة العسكرية التي تحكم الدول الثلاث إلى طرد القوات الفرنسية، والتوجه نحو التحالف مع روسيا؛ حيث أبرمت مع موسكو صفقات سلاح ضخمة تُشير بعض التقارير إلى أنها مقابل الاستحواذ على موارد معدنية.


مقالات ذات صلة

أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

أفريقيا مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)

أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

يثير اختفاء رئيس مالي، أسيمي غويتا، كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا الرئيس المصري يستقبل نظيره الكيني في قصر الاتحادية يناير 2025 (الرئاسة المصرية)

مشاورات مصرية - كينية بحثاً عن «فرص متاحة» للتعاون بين دول حوض النيل

تتواصل المحادثات المصرية - الكينية لتعزيز التعاون بين دول حوض النيل في ظل خلافات جذرية تؤكدها القاهرة بشأن «سد النهضة» الإثيوبي

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)

42 قتيلاً على الأقل في اشتباكات عرقية في شرق تشاد

قُتل 42 شخصا على الأقل في اشتباكات بين جماعتين عرقيتين في شرق تشاد، وفق ما أعلن مسؤول حكومي الأحد.

«الشرق الأوسط» (انجمينا)
أفريقيا جندي في قاعدة كاتي العسكرية خارج العاصمة باماكو خلال الاشتباكات (رويترز)

جيش مالي: جماعات مسلحة تهاجم مواقع عسكرية في أنحاء البلاد

أعلن الجيش في ‌مالي ‌أن جماعات «إرهابية» ​مسلحة ‌مجهولة ⁠هاجمت ​عدة مواقع ⁠عسكرية في ⁠العاصمة وأماكن ‌أخرى.

«الشرق الأوسط» (باماكو)
أفريقيا البابا ليو الرابع عشر خلال زيارة لرئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ نغويما مباسوغو في القصر الرئاسي بمالابو (رويترز)

بآخر مرحلة من جولته الأفريقية... البابا يحذر من «خطر مأساوي» يهدد مستقبل البشرية

حذر ​البابا ليو بابا الفاتيكان، الثلاثاء، من أن مستقبل ‌البشرية مهدد ‌بأن ​يقوض «على نحو ‌مأساوي» ⁠بسبب ​الحروب المستمرة ⁠في العالم وانهيار القانون الدولي.

«الشرق الأوسط» (مالابو - روما)

29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا

تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
TT

29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا

تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)

قتل مسلّحون 29 شخصاً على الأقل في ولاية أداماوا في شمال شرق نيجيريا على ما أفاد حاكمها، الاثنين، فيما روى سكّان محليون أن منفذي الهجوم استهدفوا شبّاناً كانوا متجمعين في ملعب لكرة القدم، فيما أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن الهجوم.

وتشهد ولاية أداماوا الكثير من أعمال العنف التي يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية تُعرف باسم «قطاع الطرق»، بينما تعود أخرى إلى نزاعات على الأراضي.

وتفقّد الحاكم أحمدو أومارو فينتيري موقع هجوم، الأحد، وأكّد الناطق باسمه في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن «29 شخصاً على الأقل قُتلوا في هجوم دموي على مجتمع غياكو في منطقة حكومة غومبي المحلية».

وقال أحد السكان المحليين ويُدعى فيليب أغابوس لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الهجوم وقع بعد ظهر الأحد عندما اجتمع عدد من أبناء المنطقة «في ملعب لكرة القدم في مجتمع غياكو، فهاجمهم متمردون دخلوا وهم يحملون أسلحة نارية وبدأوا إطلاق النار عشوائياً».

وأوضح جوشوا عثمان وهو من السكان أيضاً للوكالة الفرنسية، أن القتلى كانوا «من الشباب، بينهم بعض الفتيات اللواتي كنّ يشاهدن مباراة لكرة القدم». وأضاف: «أحرقوا أيضاً مواقع عبادة ومنازل ودراجات نارية».

ونقل مكتب الحاكم عن الزعيم المحلي أغري علي أن «المهاجمين تحرّكوا لساعات عدّة، وقتلوا عشرات السكان، وأحرقوا أماكن عبادة، ودمّروا ممتلكات من بينها دراجات نارية».


هدوء في مالي... واختفاء مريب للرئيس

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
TT

هدوء في مالي... واختفاء مريب للرئيس

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

عاد الهدوء إلى العاصمة المالية، باماكو، صباح أمس، بعد يومين من المواجهات العنيفة بين الجيش ومقاتلي تنظيم «القاعدة»، التي قُتل فيها وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، لكنّ اختفاء الرئيس أسيمي غويتا يثير كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن غويتا كان موجوداً في إقامته داخل معسكر كاتي، الأكثر تحصيناً وحمايةً، حين تعرض للهجوم فجر السبت، على يد المئات من مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لـ«القاعدة».

وقالت المصادر إن غويتا تمكَّن من مغادرة المعسكر بعد الهجوم، من دون أن يتعرض لأي أذى، وظل يتنقل ما بين مواقع مختلفة طيلة يوم السبت، وكان يسهم في قيادة التصدي للهجوم المباغت والقوي. ومنذ بدء الهجمات، لم يُسجل أي ظهور للجنرال غويتا، كما لم يوجه أي كلمة أو خطاب إلى الشعب.


أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
TT

أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)

عاد الهدوء إلى العاصمة المالية، باماكو، صباح الاثنين، بعد يومين من المواجهات العنيفة بين الجيش ومقاتلي تنظيم «القاعدة»، التي قُتل فيها وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، ولكنّ اختفاء الرئيس أسيمي غويتا يثير كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

الرجلُ الذي يحكمُ مالي منذ 2020، خسر خلال الهجمات ذراعه اليمنى ووزير دفاعه، وسط اختفاء تام لرئيس المخابرات في ظل شائعات لم تتأكد حتى الآن حول مقتله في الهجمات، مما يعني أن المجلس العسكري تلقى ضربة موجعة ومفاجئة.

اللحظات الأولى

وأكدت مصادر موثوقة لـ«الشرق الأوسط» أن غويتا لم يسكن القصر الرئاسي أبداً منذ وصوله إلى الحكم قبل خمس سنوات، بل فضَّل الإقامة في معسكر «كاتي» الأكثر تحصيناً وحمايةً، والذي ظل لعقود مركز القرار العسكري ومنه انطلقت جميع الانقلابات في تاريخ البلاد.

بوتين يستقبل رئيس مالي خلال القمة الروسية - الأفريقية الثانية في «منتدى إكسبو 2023» (صفحة رئيس مالي على «إكس»)

وأكدت هذه المصادر أن غويتا كان موجوداً في إقامته داخل معسكر كاتي، حين تعرض للهجوم فجر السبت، على يد المئات من مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لـ«القاعدة».

وقالت المصادر إن غويتا تمكَّن من مغادرة المعسكر بعد الهجوم، من دون أن يتعرض لأي أذى، وظل يتنقل ما بين مواقع مختلفة طيلة يوم السبت، وكان يسهم في قيادة التصدي للهجوم المباغت والقوي.

اختفاء تام

منذ بدء الهجمات، لم يُسجل أي ظهور للجنرال غويتا، كما لم يوجه أي كلمة أو خطاب إلى الشعب المالي، فيما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر أمني مالي أنه «نقل من كاتي السبت خلال النهار، وهو موجود في مكان آمن».

وكتب الصحافي المختص في الشأن الأفريقي، الخليل ولد اجدود، على منصة «إكس»: «نقلت مصادر موثوقة عن بعض معاوني الرئيس المالي أسيمي غويتا قولهم إنهم فشلوا، خلال محاولات متكررة، في استعادة التواصل معه، فيما يستمر الغموض بشأن مصيره ومستقبله السياسي».

وزير دفاع مالي الجنرال ساديو كامارا خلال اجتماع في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو 15 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

وقال الصحافي: «الرئيس غويتا لجأ إلى قاعدة سامانكو، وهي منطقة تقع على بُعد نحو عشرين كيلومتراً جنوب غربي باماكو»، مشيراً إلى أنه «انتقل في ساعات السبت، الطويل والصعب، من موقع إلى آخر مع حمايته الشخصية التي تديرها شركة أمنية تركية».

وأضاف الصحافي أن غويتا «يفاوض الآن للحصول على مخرج آمن مع أسرته»، مؤكداً أنه «لم يعد يثق بالروس بعد اتفاقهم مع ممثلي (حركات تحرير أزواد) على خروج قواتهم من كيدال برعاية إقليمية، ولهذا تجنب اللجوء إلى قاعدة روسية يتركز فيها فيلق أفريقيا في المطار العسكري».

الوضع تحت السيطرة

في المقابل أكد أحمد مصطفى سنغاريه، وهو صحافي مالي موجود في العاصمة باماكو، أن الوضع في البلاد يسوده «هدوء مشوب بالحذر»، وقال في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إن «الجيش تمكَّن من السيطرة على الوضع، والقضاء على عدد كبير من الإرهابيين» المشاركين في الهجمات.

وأضاف سنغاريه: «شاهدنا السكان يجرّون جثث الإرهابيين في الساحات، كما ساعدوا الجيش على القبض على كثير منهم»، مشيراً إلى أن «الجيش المالي أحكم قبضته على الوضع الأمني في باماكو، حيث أُغلقت المحاور الرئيسية المؤدية إلى القواعد العسكرية والمؤسسات الرئيسية، وكانت باماكو مساء الأحد، أشبه ما تكون بمدينة عسكرية مغلقة».

دخان في أحد شوارع العاصمة المالية باماكو الأحد (أ.ف.ب)

وبخصوص اختفاء الرئيس غويتا، قال سنغاريه، إن ما يجري تداوله «مجرد شائعات ومبالغات»، مؤكداً أن انهيار نظام غويتا والعسكريين الذين يحكمون مالي منذ 2020 «مجرد أوهام يروج لها الإعلام المضاد، ونحن نتذكر أزمة البنزين حين روَّج الإعلام الغربي لسقوط وشيك للعاصمة باماكو، وهو ما لم يحدث».

وقال سنغاريه إن صمت الرئيس واختفاءه لا يحملان أي دلالة، مشيراً إلى أن «الجيش نشر بياناً لطمأنة المواطنين، أكد فيه أنه ماضٍ في بسط الأمن والاستقرار على كامل التراب الوطني، والقضاء على الإرهابيين والمفسدين أينما كانوا».

ورفض بشكل قاطع الحديث عن إمكانية تمرد داخل الجيش ضد غويتا، وقال: «الدولة تمر بصعوبات لكنها لا تصل إلى درجة تمرد أو سقوط وشيك للنظام أو الدولة»، مؤكداً أن «الشعب موالٍ للحكومة الحالية لأنه لا يرى حلاً ناجعاً أكثر من العسكريين الذين في الحكم اليوم، نظراً إلى النتائج الملموسة التي حققوها منذ وصولهم إلى مقاليد الحكم».

الحماية التركية

وتتحدث المصادر المحلية عن وجود الرئيس المالي تحت حماية وحدة عسكرية تركية تابعة لشركة «سادات» التي أبرمت عدة صفقات مع الحكومة المالية للحصول على مسيرات وتكنولوجيا قتالية متطورة، كما تتولى منذ سنوات تدريب وتأهيل الحرس الشخصي للرئيس غويتا.

الشركة التركية تأسست عام 2012 على يد الجنرال السابق عدنان تانري فيردي، المستشار العسكري السابق المقرب من رجب طيب أردوغان، وغالباً ما توصف بأنها أداة نفوذ لتركيا في منطقة الساحل، ويطلق عليها بعض الخبراء والمعارضين الأتراك لقب «فاغنر التركية».

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

ورغم التقارير الإعلامية المتكررة التي تتحدث عن تورط الشركة في أعمال عسكرية ميدانية في مالي والنيجر، فإن الشركة تنفي بشكل قاطع أي تورط عملياتي أو قتالي، وتؤكد أن نشاطها يقتصر على التدريب والاستشارات واللوجستيات، وسبق أن أصدرت بياناً كذَّبت فيه تقارير تداولها الإعلام الفرنسي.

كما لم يسبق أن صدر أي تأكيد رسمي من الحكومتين المالية أو التركية بخصوص أي دور للشركات التركية في تأمين شخصيات عسكرية أو سياسية مهمة في دولة مالي.

وأعلن «فيلق أفريقيا» وهو قوة شبه عسكرية خاضعة لسيطرة ​الكرملين، الاثنين، أن قواته انسحبت من بلدة كيدال في شمال مالي بعد اشتباكات عنيفة دارت هناك.

ونفذت «جبهة تحرير أزواد» وهي ‌جماعة متمردة ‌يهيمن عليها الطوارق، ​هجمات ‌متزامنة ⁠في ​أنحاء البلاد ⁠مطلع الأسبوع، بما في ذلك كيدال، بالتنسيق مع جماعة لها صلات بتنظيم «القاعدة في غرب أفريقيا».

وذكر فيلق أفريقيا، ⁠الذي يدعم الحكومة ‌المركزية ‌التي يقودها الجيش، في ​بيان، أن ‌قرار الانسحاب من كيدال ‌اتُّخذ بالتنسيق مع قيادات مالي.

وجاء في البيان، الذي نُشر على «تلغرام»: «وفقاً لقرار مشترك ‌مع قيادة جمهورية مالي، انسحبت وحدات فيلق أفريقيا ⁠التي ⁠كانت متمركزة وتشارك في القتال في مدينة كيدال من المنطقة مع أفراد جيش مالي... تم إجلاء الجنود الجرحى والعتاد الثقيل أولاً. ويواصل الأفراد تنفيذ مهمتهم القتالية الموكلة إليهم. ولا تزال الأوضاع ​في ​جمهورية مالي صعبة».