رئيس مالي في موسكو... روسيا تمدّ جسور النفوذ بالساحل الأفريقي

الزيارة تتضمن مناقشة التعاون بمجالات الأمن والطاقة

بوتين يستقبل رئيس مالي خلال القمة الروسية - الأفريقية الثانية في «منتدى إكسبو 2023»... (صفحة رئيس مالي على إكس)
بوتين يستقبل رئيس مالي خلال القمة الروسية - الأفريقية الثانية في «منتدى إكسبو 2023»... (صفحة رئيس مالي على إكس)
TT

رئيس مالي في موسكو... روسيا تمدّ جسور النفوذ بالساحل الأفريقي

بوتين يستقبل رئيس مالي خلال القمة الروسية - الأفريقية الثانية في «منتدى إكسبو 2023»... (صفحة رئيس مالي على إكس)
بوتين يستقبل رئيس مالي خلال القمة الروسية - الأفريقية الثانية في «منتدى إكسبو 2023»... (صفحة رئيس مالي على إكس)

في مشهد سياسي يعكس تحولات عميقة على خريطة النفوذ بالساحل الأفريقي، حلّ رئيس مالي، الجنرال أسيمي غويتا، ضيفاً على موسكو، في زيارة تحمل رسائل سياسية واستراتيجية، حيث تسعى روسيا إلى توسيع نفوذها بالمنطقة، مستفيدة من فراغ خلفته قوى غربية تقليدية، ومن رغبة الأنظمة الأفريقية في تنويع تحالفاتها.

وتأتي زيارة غويتا إلى روسيا في ظل تصاعد هجمات جماعة مسلحة داخل بلاده، التي تعاني منذ 2012 من انقلابات، وفراغٍ أمني بعد قطيعة مع فرنسا عام 2022... وكذلك وسط حضور لافت لموسكو مع «تحالف الساحل الأفريقي» الذي يضم أيضاً بوركينا فاسو والنيجر.

هذه الزيارة، التي تشمل ملفاتُها مناقشةَ التعاون في مجالات الأمن والطاقة، يراها خبير في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، ممتدة إلى أبعد من حدود مالي، مؤكداً أن علاقة باماكو وموسكو مرشحة لمزيد من التعاون في مجالات الأمن والطاقة بشكل كبير خلال المرحلة المقبلة.

ولقاء غويتا مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الاثنين، مرتكز على الاستثمارات والتعاون التجاري والاقتصادي، والشؤون الإقليمية والدولية الراهنة، وفق بيان من الكرملين، وستستمر الزيارة حتى 26 يونيو (حزيران) الحالي، وفق التلفزيون المالي، الذي أكد أنها ستكون «فرصة لمناقشة علاقات التعاون بين باماكو وموسكو، وتركز على مجالات عدة، بينها الأمن والطاقة والنقل».

ومن المتوقع أن تُتوَّج الزيارة بتوقيع اتفاقيات ثنائية جديدة، أبرزها اتفاقية نهائية بشأن التعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية، بعد أشهر من التحضير والمفاوضات التقنية والسياسية. وكان الرئيس المالي وضع في 17 يونيو الحالي حجر الأساس لمصنع جديد لمعالجة الذهب بالعاصمة باماكو، وهو مشروع مشترك بين مالي وروسيا، في خطوة تعزز التعاون الاقتصادي بين البلدين، وفق ما ذكره موقع «روسيا اليوم» في حينه.

وبعد انقلابين في عامَيْ 2020 و2021 وتولِّي المجلس العسكري بقيادة الجنرال غويتا الحكم، فكّت مالي تحالفها مع القوة المستعمرة السابقة فرنسا، واتجهت سياسياً وعسكرياً نحو روسيا.

رئيس مالي يستقبل وفداً روسياً ويجري مباحثات بشأن الطاقة والبنية التحتية ومكافحة الإرهاب (صفحة رئيس مالي على إكس)

ويعتقد المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن «اللقاء بين رئيس مالي وبوتين، سيشهد دعماً روسيّاً واضحاً في عدد من الملفات المطروحة، خصوصاً أن موسكو تنظر إلى مالي بوصفها حليفاً استراتيجياً بمنطقة الساحل، ونقطة ارتكاز لنفوذها المتصاعد في أفريقيا».

وسيكون الملف الأمني في صدارة الأولويات، بجانب ملف الطاقة النووية السلمية، الذي سيكون أيضاً مطروحاً بقوة، مع رغبة روسية في توقيع اتفاقيات تتيح لشركاتها التوسع في مشروعات البنى التحتية والطاقة، وفق عيسى، متوقعاً أنه «ربما تُطرح مبادرات رمزية تعكس دعماً سياسيّاً مباشراً للنظام في باماكو، كإلغاء أو تخفيف ديون، أو وعود بدعم في المحافل الدولية».

وأكد عيسى أن روسيا تسعى إلى ملء الفراغ الذي تركه الغرب في أفريقيا، وأنها ستستخدم هذا اللقاء لتأكيد التزامها الكامل بدعم مالي بوصفها حليفاً استراتيجياً، ولتعزيز صورتها قوةً بديلةً تُقدِّم الدعم دون شروط سياسية تُزعج الأنظمة العسكرية.

وتأتي زيارة غويتا فيما تعاني مالي منذ عام 2012 أزمةً أمنيةً عميقةً يغذيها، إلى حد كبير، مسلحون مرتبطون بتنظيمَيْ «القاعدة» و«داعش» الإرهابيين، فضلاً عن عصابات إجرامية. وفي الأسابيع الأخيرة، ازدادت الهجمات المسلحة في البلاد، مستهدفة، خصوصاً، معسكرات ونقاط تفتيش للجيش المالي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية» الأحد.

وفي أوائل يونيو الحالي قُتل مَن لا يقلون عن 30 جندياً في قاعدة «بولكيسي» وسط مالي، في هجوم قالت «الوكالة» إن جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» تبنته، قبل أن ينسحب الجيش من تلك القاعدة الكبيرة بعد أيام.

كما تأتي الزيارة بعد أيام من إعلان مجموعة «فاغنر» الروسية المسلحة مغادرتها مالي حيث كانت تنشط منذ عام 2021، على أن تُدمَج مجموعاتها ضمن «فيلق أفريقيا» وهو منظمة أخرى تسيطر عليها أيضاً وزارة الدفاع الروسية.

وسبق أن أشادت روسيا في أبريل (نيسان) الماضي بتعزيز تعاونها العسكري مع مالي، خلال زيارة وزراء خارجية «تحالف دول الساحل»، الذي يضم، إضافة إلى مالي، بوركينا فاسو والنيجر، التي تحكمها أنظمة عسكرية وصلت إلى السلطة إثر انقلابات بين عامَي 2020 و2023 وتقاربت مع روسيا بعد تخليها عن فرنسا؛ القوة الاستعمارية السابقة. ووقّعت موسكو أيضاً اتفاقيات دفاعية مع هذه الدول الثلاث التي زودتها بالمعدات العسكرية، وفق شبكة «روسيا اليوم» آنذاك.

وقال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، حينذاك، خلال استقباله نظيره المالي عبد الله ديوب: «التعاون بيننا يتعزز في المجال العسكري».

وأكد وزير خارجية النيجر، بكاري ياوو سانغاري، أن وقوف روسيا إلى جانب «التحالف» في محاربة الجماعات المسلحة «يعني الكثير» للدول الثلاث، التي سبق أن انسحبت رسمياً من «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)» في يناير (كانون الثاني) الماضي، لتشكيل «تحالف دول الساحل».

ووفق هذا التطور في علاقات البلدين، لا سيما عسكرياً، يعتقد المحلل التشادي صالح عيسى، أن «موسكو تمدّ جسور نفوذها بمنطقة الساحل الأفريقي، وزيارة غويتا إلى روسيا تؤكد هذا التوجه، في ظل انسحاب تدريجي للقوى الغربية، خصوصاً فرنسا، من مالي ودول أخرى بالمنطقة... ووجدت روسيا فرصة لتوسيع حضورها الجيوسياسي من خلال الدعم العسكري والأمني، وأيضاً عبر اتفاقيات استراتيجية في مجالات الطاقة والبنية التحتية».

ويرى أن «مغادرة مجموعة (فاغنر) مالي لا تعني تراجعاً روسيّاً، بل هي جزء من إعادة تنظيم هذا الوجود عبر (فيلق أفريقيا) التابع لوزارة الدفاع الروسية؛ مما يعزز الطابع الرسمي للتدخل الروسي»، مؤكداً أن «موسكو تسعى إلى تكريس موقعها حليفاً موثوقاً لدى أنظمة عسكرية في أفريقيا، خصوصاً تلك التي تعاني من عزلة دولية وتفتقر إلى الدعم التقليدي من الغرب. وعبر هذا التمدد، تحاول روسيا استثمار الأزمات الأمنية والاقتصادية لتثبيت موطئ قدم طويل الأمد في الساحل الأفريقي».

ويكتسب توقيت الزيارة «دلالة خاصة» بعد الإعلان عن مغادرة مجموعة «فاغنر» مالي، وفق عيسى، موضحاً أنها تُفهم على أنها محاولة لإعادة ترتيب العلاقة الأمنية بين البلدين، ومؤكداً أن «هذا التحول يبعث برسالة مزدوجة: إلى مالي بأن الدعم الروسي باقٍ ومؤسسي... وإلى الخصوم الدوليين بأن موسكو لم تنسحب؛ بل تعيد التموضع بأسلوب أدق تنظيماً».


مقالات ذات صلة

تراجع التقدم العالمي في مكافحة الجوع... وتفاقم الأزمة بأفريقيا

الاقتصاد تقديم طعام للأطفال الأيتام في مخيم بروام للنازحين داخلياً بجنوب كردفان بالسودان 22 يونيو 2024 (رويترز)

تراجع التقدم العالمي في مكافحة الجوع... وتفاقم الأزمة بأفريقيا

لم يعد العالم يحقق تقدماً يُذكر في مكافحة الجوع، بل إن الوضع بأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى يتدهور منذ عام 2018.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا  بنيامين نتنياهو وآبي أحمد بالقدس في سبتمبر 2019 (وكالة الأنباء الإثيوبية)

إثيوبيا تراهن على الدعم الإسرائيلي في مواجهة الملفات الساخنة بالقرن الأفريقي

بحث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في اتصال هاتفي مع نظيره الإثيوبي آبي أحمد، تعزيز التعاون، في أعقاب هدوء نسبي في إقليم تيغراي.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية خلال دورية على متن شاحنة صغيرة في ميكيلي الجمعة الماضي (أ.ف.ب)

شمال إثيوبيا بين ترسيخ سيطرة الحكومة ومخاطر تجدّد المواجهات

تتوسع القوات الإثيوبية في السيطرة على إقليم تيغراي بعد نحو أسبوعين من تجدد الاشتباكات مع جبهة تحرير الإقليم المعارضة لحكومة آبي أحمد، وسط انسحابات للجبهة

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا وزير الداخلية الموريتاني السابق (يمين) يوجه رسالة مطولة يعرض فيها حصيلته ويودع موظفي القطاع (وزارة الداخلية)

موريتانيا: وزراء في الحكومة السابقة يوجهون رسائل وداع وولاء

في خطوة غير مألوفة بالحياة السياسية في موريتانيا، خاطب عدد من الوزراء الذين غادروا الحكومة الرأي العام برسائل وداع نُشرت عبر الإعلام المحلي.

الشيخ محمد (نواكشوط)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.