وزيرة خارجية فرنسا: الانقلاب فشل ونحن إلى الجانب الصحيح للتاريخ

المأزومون في النيجر: باريس و«إيكواس» والانقلابيون

دورية للحرس الوطني النيجري تجول حول السفارة الفرنسية في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)
دورية للحرس الوطني النيجري تجول حول السفارة الفرنسية في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)
TT

وزيرة خارجية فرنسا: الانقلاب فشل ونحن إلى الجانب الصحيح للتاريخ

دورية للحرس الوطني النيجري تجول حول السفارة الفرنسية في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)
دورية للحرس الوطني النيجري تجول حول السفارة الفرنسية في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)

الغائب الأكبر عن مؤتمر السفراء الفرنسيين عبر العالم في نسخته الـ29 كان بلا شك سفير فرنسا في النيجر سيلفان أيتيه، الذي طلبت وزارة خارجية الانقلابيين رحيله عن البلاد، وأعطته مهلة 48 ساعة انقضت، وما زالت باريس ترفض قطعاً الاستجابة لطلب المجلس العسكري.

ومثل الخطاب الذي ألقاه الرئيس إيمانويل ماكرون، ظهر الاثنين، في قصر الإليزيه بحضور رئيسة الحكومة والوزراء والسفراء وممثلي البلاد في المنظمات الدولية، والذي تميز بالتشدد إزاء الانقلابيين والدول (الحليفة) التي تعرب عن مواقف «مائعة» إزاءهم، كذلك جاءت كلمة كاترين كولونا، وزيرة الخارجية، في كلمتها صباح الثلاثاء، حيث لم تكن أقل تشدداً وحزماً. خطاب كولونا تجاوز الساعة، وجالت به على المسائل الرئيسية التي تشغل الدبلوماسية العالمية، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا. إلا أن الوزيرة الفرنسية عادت أكثر من مرة إلى الملف النيجري، وعمدت إلى بناء «مضبطة اتهام» بحق الانقلابيين. وبينما يبدو الوضع حالياً في النيجر متأرجحاً بين إمكانية تحقيق اختراق دبلوماسي بفضل الوساطات التي ما زالت جارية وبين التوجه نحو تدخل عسكري «جراحي»، فإن باريس لم تعد تتحفظ في الإعراب عن موقفها، وتأكيد أنها تدعم قرارات وخطط المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) سواء أكانت سلماً أم حرباً، وهو ما أكدته أعلى السلطات الفرنسية، وشدّد عليه ماكرون الاثنين.

وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا خلال مؤتمر صحافي في باريس الثلاثاء (رويترز)

ولمن يدعو، ولو في الغرف المغلقة، باريس لتخفيف حدة لهجتها، نبهت كولونا من أن «ليس هناك انقلابيون ديمقراطيون، كما أنه لم يكن هناك بالأمس (طالبان) معتدلون؛ ولذا لا يمكننا بناء سياسة خارجية على الأوهام». وهاجمت العسكر الذين «كانت مهمتهم خدمة السلطات الشرعية، عمدوا (بدل ذلك) إلى اغتصاب السلطة، واحتجاز الرئيس المنتخب ديمقراطياً». ترى باريس، بلسان وزيرة خارجيتها، أن «لا شيء جيداً يمكن أن يصدر عن هذه الخيانة» في النيجر، إذ إن الوضع الأمني يتدهور، والمتطرفين يضاعفون هجماتهم. وما تراه كولونا هو أن الانقلاب سيفضي إلى «كارثة محققة وإلى انهيار المنظومة الأمنية في غرب أفريقيا، واستفحال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وذلك في جوارنا المباشر».

ولمن يعنيهم الأمر، جاءت رسالة كولونا بالغة الوضح، إذ أشارت إلى أن فرنسا «تتحمل مسؤولية» مواقفها، ولا تتجاهل ما تنقله إليها مجموعة دول «إيكواس» التي لا تستطيع أن تغض الطرف عن المسار الذي سلكته مالي وبوركينا فاسو والذي تسير عليه النيجر. وخلاصتها أن «الانقلابيين سائرون إلى الفشل، لا بل إن فشلهم ظهر (منذ اليوم)». وفي المقابل، فإن باريس تلزم «الجانب الصحيح من التاريخ» والسلطات الفرنسية «مقتنعة بأن العلاقة مع الدول الأفريقية ينتظرها مستقبل باهر، وأن الاستخدام الشعبوي للخطاب المعادي لفرنسا هنا وهناك يجب ألا يحجب نوعية وكثافة العلاقات مع غالبية هذه البلدان». وفي أي حال، فإن لفرنسا «أوراقاً رابحة» يمكن أن تستخدمها لتعزيز هذه العلاقة وهي تسعى، منذ عام 2017، أي منذ وصول ماكرون إلى الرئاسة، إلى بناء علاقات متجددة وشراكة حديثة.

شرطيان أمام السفارة الفرنسية في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)

وفي أي حال، ترى كولونا أن الدول الأفريقية هي «شركاء ضروريون لا يمكن الاستغناء عنهم من أجل مواجهة التحديات الكبرى المشتركة».

ولذا فإن باريس تدعو وتدافع عن انتماء الاتحاد الأفريقي إلى مجموعة العشرين، وإفساح مجال أوسع لأفريقيا في مجلس الأمن الدولي.

ليومين، أسهب الرئيس ماكرون ووزيرة خارجيته في تقديم وشرح منطلقات السياسة الفرنسية طولاً وعرضاً، بيد أن المشكلة ما زالت قائمة ميدانياً، وثمة إنذاران من السلطة الانقلابية في النيجر موجّهان لفرنسا: الأول يتناول استبعاد السفير، والثاني ترحيل القوة الفرنسية المرابطة بشكل أساسي في الشق العسكري من مطار نيامي. ومن بين صفوف هذه القوة ثمة وحدة مجوقلة قد يكون لها دور في حال قرر «إيكواس» اللجوء إلى استخدام القوة من أجل الإفراج عن محمد بازوم، الرئيس المحتجز منذ 26 يوليو (تموز) في أحد أجنحة القصر الرئاسي في ظروف سيئة من ملامحها قطع التيار الكهربائي عنه. ورد الانقلابيون أن التيار سيعود إليه عندما تتراجع نيجيريا عن حجب التيار الكهربائي عن النيجر التي تعتمد عليها بنسبة تقترب من الـ70 في المائة.

أضرار ظاهرة على مدخل السفارة الفرنسية في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)

إذا كان من المسلَّم به أن السلطات الانقلابية لن تلجأ إلى القوة لاستبعاد السفير الفرنسي؛ لأن ذلك سيعد اعتداءً موصوفاً، ويوفر الذريعة لباريس للتدخل مباشرة، فإن من المراهنة الخطرة بمكان اعتبار أن الأمور لا يمكن أن تتدهور بسبب استمرار الاحتجاجات الشعبية التي تغذيها السلطات الانقلابية والخطاب المعادي لفرنسا. والحال أي حادث يقع ويسفر عن سقوط ضحايا، سيكون من شأنه تأجيج المشاعر وفتح الباب على المجهول. وما يصح على السفارة يصح أيضاً على القوة العسكرية الفرنسية، وبينت التظاهرة التي حدثت يوم الأحد الماضي، قريباً من مواقعها، أن الأمور يمكن أن تسوء في أي لحظة. وترى مصادر سياسية في باريس أن هناك 3 أطراف تجد نفسها في طريق مسدودة: أولها فرنسا التي لم تعد تجد أمامها باباً للمناورة والتحرك إلا الدفع باتجاه التشدد والحسم، وهي الخاسر الأكبر من التطورات الجارية في النيجر اليوم وقبلها التي جرت في مالي وبوركينا فاسو. وفي البلدين الأخيرين، اضطرت باريس لسحب قواتها، وخسرت النفوذ الذي كانت تتمتع به، ولم تعد مصالحها الآنية والسياسية والاستراتيجية مؤمّنة. وربما ستسير بلدان أفريقية أخرى، ساحلية أو غير ساحلية، على الدرب الذي سلكته قبلها الدول التي خرجت من العباءة الفرنسية. والطرف الثاني هو الانقلابيون الخائفون من تدخل عسكري يبدو جدياً، ولعل أبرز دليل عليه أن «إيكواس» طلبت من الاتحاد الأوروبي، في رسالة رسمية، تمويل العملية العسكرية والمساعدة على إتمامها. والمفارقة بالنسبة لهم أن التراجع عن الانقلاب وإعادة بازوم إلى السلطة يعني بالنسبة إليهم إما النفي، وإما المحاكمة والسجن.

مؤيدون للانقلابيين يحملون علمين روسيين خلال مظاهرة بالقرب من السفارة الفرنسية في نيامي الأحد (إ.ب.أ)

أما الطرف الثالث المأزوم فهو «إيكواس» الموجودة بين المطرقة والسندان؛ ذلك أنها، من جهة، ستفقد أي صدقية تتمتع بها إذا لم تنفذ تهديداتها بالتدخل العسكري. ومن جهة ثانية، تجد بوجهها جهات تعارض هذا الخيار، وتفضل السير بالحل الدبلوماسي وعلى رأسها الولايات المتحدة ودول أوروبية فاعلة مثل ألمانيا وإيطاليا التي ألمح إليها ماكرون أول من أمس، إضافة إلى انقسام الاتحاد الأفريقي ومعارضة الجزائر...

وفي أي حال، تتخوف «إيكواس» من أن تنشب حرب حقيقية إذا نفذت مالي وبوركينا فاسو تهديداتهما ودخلتا المعركة إلى جانب النيجر بما لذلك من تبعات كسقوط ضحايا مدنيين ونتائج كارثية اجتماعياً واقتصادياً على بلد (النيجر) هو من بين الأكثر فقراً في العالم. يبقى أن ثمة من يراهن على عملية عسكرية سريعة ومبضعية تتمثل بالسيطرة على موقع احتجاز بازوم الذي لم يقدم استقالته حتى اليوم على الرغم من الضغوط، وبالتالي ما زال يعد الرئيس الشرعي والسيطرة على عدد من المواقع الاستراتيجية في العاصمة. وفي رأي هؤلاء، فإن تحقيق هذين الهدفين من شأنه أن يحدث انقساماً داخل الجيش النيجري، وبالتالي إضعاف الانقلابيين لا بل عزلهم. سيناريو لافت على الورق، لكن التنفيذ الميداني مسألة أخرى.



إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».


نيجيريا: مقتل 20 مدنياً على يد «بوكو حرام»

عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)
عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)
TT

نيجيريا: مقتل 20 مدنياً على يد «بوكو حرام»

عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)
عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

لقي 20 مدنياً على الأقل مصرعهم في هجوم شنه مقاتلون من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية، ضد مجموعة من القرى في ولاية بورنو أقصى شمال شرقي نيجيريا، وذلك ضمن سلسلة من التصعيد الأمني المستمر منذ أسابيع، فيما دعا مجلس الشيوخ النيجيري إلى «مراجعة شاملة» لعمليات الجيش في المنطقة.

وتواجه نيجيريا منذ أسابيع تصاعداً في وتيرة الهجمات الإرهابية التي تشنها جماعة «بوكو حرام» وتنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، ولكن الجديد هذه المرة هو التركيز على عناصر الشرطة ووحدات الجيش التي تتحرك في المنطقة.

جنود من الجيش النيجيري (متداولة)

وفي أحدث هجوم لها، صَفّت «بوكو حرام» 20 مدنياً على الأقل، ينحدرون من بوباغو في ولاية بورنو، ومايو لادي بولاية أداماوا، وتشير تقارير محلية إلى أن مقاتلي الجماعة الإرهابية اقتحموا القرى قبيل صلاة المغرب من يوم الثلاثاء الماضي، واستمر الهجوم حتى فجر الأربعاء.

وأكدت التقارير أن هؤلاء تغلبوا على عناصر الأمن المحليين، قبل أن يشرعوا في تصفية السكان، وأن الحصيلة الأولية تشير إلى مقتل 20 مدنياً على الأقل. وفي تصريح لصحيفة «ذي غارديان» النيجيرية، قال مادا سعيدو، وهو زعيم محلي ينحدر من المنطقة التي تعرضت للهجوم: «قُتل 11 من أهالينا في بوباغو، بينما فقد 9 آخرون حياتهم في منطقة هونغ بولاية أداماوا».

وتقع القرى المتضررة على الطرف الجنوبي لغابة سامبيسا، ويفصل بينها نهر يدزارام الذي يصب في بحيرة تشاد، وتعدّ هذه المنطقة تقليدياً مركز نفوذ لجماعة «بوكو حرام»، وكثيراً ما تقع معارك عنيفة بينها وبين تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» من أجل فرض السيطرة والنفوذ.

وأفاد شهود عيان بأن المهاجمين اقتحموا القرى على متن دراجات نارية واستمروا في عملياتهم ساعات عدة، حيث دمروا المنازل ونهبوا المواد الغذائية والممتلكات. وقال أحد الناجين: «اقتحم الإرهابيون قريتنا في بوباغو، وأطلقوا النار بشكل عشوائي لساعات، وأحرقوا المنازل والمتاجر، وقتلوا رجالاً ونساءً بعد عملية استمرت أكثر من ساعة».

سيارة شرطة في ولاية كادونا شمال نيجيريا (رويترز)

وأضاف أن «الإرهابيين واجهوا مقاومة محدودة من الأجهزة الأمنية في ولايتي بورنو وأداماوا»، وأوضح: «بذل الصيادون و(لجان اليقظة) قصارى جهدهم، لكن لسوء الحظ كان الإرهابيون مسلحين جيداً وبأعداد أكبر بكثير، ولم تكن المقاومة كافية؛ مما اضطر الصيادين إلى الفرار للنجاة بحياتهم».

مراجعة وتحقيق

وأمام التصعيد الإرهابي، عقد مجلس الشيوخ النيجيري جلسة أدان فيها الهجمات الإرهابية التي شنتها جماعة «بوكو حرام» ضد المجتمعات المحلية وتشكيلات عسكرية في ولاية بورنو، وقتل فيها ضباط؛ مما أثار كثيراً من الجدل.

وطلب مجلس الشيوخ من قائد الأركان العامة للجيش، أولوفيمي أولوييدي، وبقية القادة العسكريين، «إجراء تدقيق عملياتي ولوجستي شامل لهذه الحوادث، وفحص الظروف المحيطة بالهجمات الأخيرة، وتقييم كفاية المعدات، ومراجعة قواعد الاشتباك، وتحديد الثغرات التي تتطلب معالجة عاجلة».

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين بعملية إرهابية (أ.ف.ب)

وشدد مجلس الشيوخ على ضرورة أن «تعمل القوات المسلحة على احترام القانون الدولي الإنساني، وتطوير التدريب على حماية المدنيين، والتحقيق في أي ادعاءات تتعلق بإلحاق الضرر بالمدنيين خلال العمليات لضمان المساءلة»، وذلك في إشارة إلى قصف جوي استهدف سوقاً تستخدمها «بوكو حرام»، واتهم الجيش على أثر القصف بقتل 100 مدني.

وعقد مجلس الشيوخ جلسة، الأربعاء، لمناقشة مذكرة تقدم بها أحد أعضائه تحت عنوان: «الحاجة الملحة لكبح الهجمات على التشكيلات العسكرية من قبل متمردي (بوكو حرام)»، وخلال افتتاح الجلسة عبر رئيس المجلس، غودسويل أكبابيو، عن ثقته بـ«هزيمة التمرد الإرهابي في نهاية المطاف»، مشدداً في الوقت ذاته على «ضرورة تضافر الجهود لتعزيز الأمن القومي».

ملف الرهائن

من جهة أخرى، دعا مجلس الشيوخ الحكومة إلى تكثيف الجهود من أجل تحرير 416 رهينة لدى «بوكو حرام» منذ نهاية مارس (آذار) الماضي، وهدد التنظيم الإرهابي بتصفيتهم إذا لم تستجب الحكومة لمطالبه المتمثلة في دفع مبلغ 3.7 مليون دولار أميركي.

رجال أمن يقفون حراساً بجوار حافلة تقل مصلين جرى تحريرهم أمام «دار الحكومة» في كادونا بنيجيريا يوم 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وفي مداخلة له، حذر السيناتور علي ندومي بأن المتمردين أصدروا تهديدات إذا لم يُتخذ إجراء عاجل، داعياً إلى «تدخل سريع» من قبل «الجمعية الوطنية (البرلمان)» والرئاسة.

وتأتي هذه التطورات عقب ظهور مقطع فيديو نشره فصيل من «بوكو حرام» يُظهر الضحايا المختطفين في نغوشي بمنطقة الحكم المحلي غوزا، وحذر فيه من أي محاولة للإنقاذ، مهدداً بتصفية الأسرى إذا لم تُلَبَّ المطالب في غضون 72 ساعة.

وهؤلاء الضحايا اختُطفوا بعد أن هاجم المتمردون قاعدة عسكرية في نغوشي خلال مارس الماضي، حيث أحرقوا مركبات عملياتية، وشتتوا القوات، وقتلوا عدداً غير محدد من الأشخاص قبل اقتياد الآخرين إلى الأسر.


تصاعد العنف في نيجيريا والجماعات الإرهابية توسّع نفوذها

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
TT

تصاعد العنف في نيجيريا والجماعات الإرهابية توسّع نفوذها

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)

تواجه نيجيريا موجة متجددة من العنف من قبل جماعات مسلحة مع اقتراب الانتخابات، في وقت أسفرت فيه هجمات، في شمال شرقي البلاد عن مقتل ضباط كبار، في حين يحذّر محللون من ترسّخ حضور جماعات إرهابية في الغرب.

وتُعدّ مسألة الأمن تحدياً مزمناً في البلاد؛ من عصابات الخطف المعروفة بـ«قُطَّاع الطرق»، إلى نزاعات المزارعين والرعاة، ونزاع انفصالي مستمر في الجنوب الشرقي، إضافة إلى نشاط إرهابي مستمر منذ 17 عاماً، وفقًا لما أوردته «وكالة الأنباء الفرنسية».

سيارة شرطة في ولاية كادونا شمال نيجيريا (رويترز)

ويراهن الرئيس بولا تينوبو، الذي يسعى لإعادة انتخابه، في يناير (كانون الثاني) المقبل، على إصلاحات اقتصادية واسعة، لكنه أشرف أيضاً على نشر قوات أميركية في البلاد، مع تصاعد موجات العنف واستقطابها اهتماماً دولياً.

وقال عضو مجلس الشيوخ عن ولاية بورنو، شمال شرقي البلاد، محمد علي ندومي، إن «هناك ازدياداً في العنف، سواء قتل المدنيين أو العسكريين، وبالطبع عمليات الخطف».

وأضاف أن نحو 400 من سكان دائرته في قرية نغوشي محتجزون لدى إرهابيين، بعد خطفهم في وقت سابق من أبريل (نيسان) الحالي.

وبدأ النشاط الإرهابي في نيجيريا عام 2009 مع انتفاضة «بوكو حرام»، وبلغ ذروته قبل نحو عقد حين سيطر على مساحات واسعة من الأراضي، فيما تواجه القوات حالياً عدة فصائل منشقَّة، وأحياناً متنافسة فيما بينها.

عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

ويقول باحثون إن الحرب تفاقمت خلال العام الماضي، مع مقتل ضابطَيْن برتبة لواء، خلال خمسة أشهر. وشهدت مدينة مايدوغوري، عاصمة ولاية بورنو، هجومين انتحاريين، أحدهما في مسجد في يناير (كانون الثاني)، في مؤشر على عودة هجمات دامية داخل المدن.

وسجّل مرصد «أكليد»، ومقره الولايات المتحدة، مقتل نحو 4518 شخصاً في حوادث مرتبطة بالإرهاب خلال عام 2025، وهو أعلى عدد منذ 2015، ويشمل مدنيين وقوات حكومية وجماعات مسلحة وإرهابيين.

وفي ولاية بورنو، قُتل أكثر من 500 مدني، العام الماضي، على يد الجماعات الإرهابية، مقارنةً بـ299 في 2024، وفق «المرصد».

وأرجع ندومي تصاعد العنف جزئياً إلى «هجمات انتقامية»، بعد إعلان حالة الطوارئ في نوفمبر (تشرين الثاني) التي «كثّف فيها الجيش عملياته».

من جانبه، قال المدير السابق لجهاز الاستخبارات الداخلية، مايك إيجيوفور، إن «الهجمات تميل إلى الارتفاع، مع اقتراب الانتخابات»، مضيفاً أن الحكومة تريد «وضع حد لذلك»، لكن «يبقى أن نرى ما إذا كانت تفعل ما يكفي».

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (أرشيفية)

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبوجا لعدم بذل «جهود كافية لحماية المسيحيين»، وهو طرح يقول خبراء إنه يبسّط المشهد، في بلد يُقتل فيه المدنيون عبر انتماءات دينية مختلفة.

وعزّز تينوبو التعاون مع واشنطن عبر صفقات تسليح وتبادل معلومات ونشر قوات أميركية في مهمة تدريبية. لكن استراتيجية تركيز الجنود في معسكرات محصنة، منذ 2019، جعلت المناطق الريفية عرضة للهجمات.

ومع تكيّف الجماعات الإرهابية، نجحت هجمات تنظيم «داعش» الإرهابي في غرب أفريقيا على مواقع عسكرية، بمساعدة تجهيزات، مثل أجهزة الرؤية الليلية والطائرات المسيّرة، وفق باحثين.

وأطلقت الحكومة بعض الإصلاحات، بينها إنشاء جهاز جديد لحراسة الغابات. كما أمر تينوبو بسحب الشرطة من مهام الحماية الخاصة لكبار الشخصيات، لكن باحثين يرون أن القرار «بقي حبراً على ورق»..

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وفي الوقت نفسه، يحذّر محللون من ترسّخ اثنين من أبرز التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل داخل غرب نيجيريا.

وأظهرت مقاطع فيديو هذا الشهر اشتباكات بين مقاتلين من «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» و«تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل» في ولاية كيبي، ولم يعلن أي من الطرفين مسؤوليته.

وقال الباحث وسيم نصر إن هذه الجماعات «تتحرك بحرية» في المناطق الحدودية بين النيجر ونيجيريا وبنين. وأشار إلى أن «تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل» يسعى لتعزيز وجوده في شمال غربي نيجيريا «لتقوية صلاته مع (تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا)».

من جهته، قال الباحث جيمس بارنيت إن الطرفين «يبدوان مرتاحين نسبياً في المنطقة، بعدما رسّخا وجودهما بما يكفي لمنافسة جماعات أخرى».

وأضاف أن «التهديد الأكبر لكل منهما يأتي من الآخر، وليس من القوات النيجيرية».