كيف تستفيد القارة السمراء من القمة الروسية - الأفريقية الثانية؟

«الأمن الغذائي» ومستقبل «فاغنر» يهيمنان على اجتماع سانت بطرسبرغ

القادة الأفارقة خلال القمة الأولى في سوتشي مع الرئيس الروسي بوتين (الرئاسة الروسية)
القادة الأفارقة خلال القمة الأولى في سوتشي مع الرئيس الروسي بوتين (الرئاسة الروسية)
TT

كيف تستفيد القارة السمراء من القمة الروسية - الأفريقية الثانية؟

القادة الأفارقة خلال القمة الأولى في سوتشي مع الرئيس الروسي بوتين (الرئاسة الروسية)
القادة الأفارقة خلال القمة الأولى في سوتشي مع الرئيس الروسي بوتين (الرئاسة الروسية)

وسط مشهد دولي متشابك، تستضيف مدينة سانت بطرسبرغ، القمة الروسية - الأفريقية الثانية، في الفترة من 27 إلى 28 يوليو (تموز) الجاري، فيما تتصدر قضايا «الأمن الغذائي»، ومستقبل مجموعة «فاغنر» في أفريقيا، أجندة الاجتماع. ووفق سفير المهام الخاصة لوزارة الخارجية الروسية ورئيس الأمانة العامة لمنتدى التعاون الاقتصادي والإنساني الروسي - الأفريقي، أوليغاوزيروف، فإن القمة تهدف إلى «تعزيز العلاقات بين روسيا والدول الأفريقية بشكل نوعي، وأن تنتقل من مرحلة عودة روسيا إلى القارة الأفريقية في قمة سوتشي الأولى عام 2019، إلى مرحلة تطورها على أساس المنفعة المتبادلة».

ووفق تصريحات المسؤول الروسي، الأحد، فإن «العلاقات الروسية – الأفريقية شهدت خطوات متسارعة، بعد القمة الأولى عام 2019، لكنّ التداعيات السلبية لتفشي وباء كورونا والأزمة الأوكرانية، لم تعطِ لموسكو الفرصة لدفع العلاقات الثنائية إلى الأمام بشكل واسع».

ويتضمن برنامج القمة أكثر من 30 جلسة نقاشية وفعاليات حول أهم قضايا التعاون بين روسيا والدول الأفريقية، فيما توقع نائب مدير إدارة أفريقيا بالخارجية الروسية، ألكسندر بولياكوف، مشاركة 49 دولة، رغم «الضغوط الأميركية على الحكومات الأفريقية للتحريض على عدم المشاركة»، حسب تصريحات روسية سابقة.

* تنافس روسي - غربي

تأتي القمة في ظل تنافس استراتيجي شرس على النفوذ في القارة الأفريقية بين روسيا والقوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي تتبنى استراتيجية جديدة في القارة تهدف في الأساس إلى كبح النفوذ الروسي والصيني فيها، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

يقول عبد القادر محمد علي، الباحث الإريتري في الشؤون الأفريقية، إن المنافسة الدولية على القارة «تتيح للقادة الأفارقة بدائل مختلفة فيما يتعلق بالشراكات المطلوبة في عمليات التنمية وغيرها، وهذا يتطلب من القادة الأفارقة صياغة استراتيجيات واضحة أولاً لهيكلة خطط متوسطة وبعيدة المدى تلبّي الاحتياجات الأفريقية تستطيع موسكو تقديم الخبرات فيها».

ومن بين ما تهدف إليه روسيا من هذه القمة «إرسال رسالة بأنها ليست معزولة وأن لديها حلفاء وأصدقاء خارج المنظومة الغربية وضم المزيد من الدول الأفريقية للوقوف إلى جانبها أو على الحياد»، كما يشير علي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «ضمان ذلك يزداد صعوبة في ظل الضغوط الغربية على القارة لتغيير مواقفها مقابل مِنح واستثمارات وتقارب سياسي والتلويح بالعزلة والعقوبات ولو بشكل غير معلن... لذا على أفريقيا أن تنطلق في تفكيرها من كون أن قوى العالم كله تحتاج إليها، مثلما تحتاج هي إليها».

ويطالب رامي زهدي، الخبير المصري في الشؤون الأفريقية، دول القارة بـ«التوصل لمبادئ استراتيجية متوافَق عليها ولو بشكل نسبي تحدد أولويات التعاون في جميع المجالات مع كل القوى بما يضمن أن تتصدر هذه الأولويات مصالح شعوب القارة الاقتصادية والسياسية والأمنية والتعامل مع القارة بندِّية واحترام وتكافؤ وليس كمتلقٍّ خاضع لمن يدفع أكثر أو يملك نفوذاً أكبر».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: على أفريقيا في جميع المجالات «التمسك بمواقف تفاوضية قوية مع كل الأطراف مبنيّة على الثقة في إمكانات القارة الكبيرة».

بدوره، قال حسن أيدين، باحث الدكتوراه في العلاقات الدولية بجامعة شنغهاي الصينية، إن «تلك القمم والاجتماعات التي تخيِّم عليها ظروف استثنائية مثل الحرب الروسية - الأوكرانية، تعد سلاحاً ذا حدين، حيث الحديث عن التبعات المباشرة التي تعاني منها أفريقيا جراء الحرب يجعل التفكير في التعاون المستدام يتراجع كأولوية»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: على القادة الأفارقة «التركيز على التفاوض الاستراتيجي المستقبلي، وهذا بدوره يتطلب تغييرات كبيرة في طريقة قادة المؤسسات الأفريقية، وقادة القارة، حيث عليهم تبني أجندات وخطط تضمن الحفاظ على مصالح شعوبهم مهما كانت الظروف الدولية دون تجاهلٍ بالطبع الطوارئ».

* الأمن الغذائي

من المتوقع أن يهيمن ملف الأمن الغذائي على مناقشات القمة، وسط مخاوف أفريقية من آثار انسحاب موسكو من اتفاق الحبوب وتحذيرات المنظمات الدولية المعنية من مجاعات ومخاطر كبرى تضر بالقارة نتيجة لذلك الانسحاب.

ويرى أستاذ قانون الأعمال والاقتصاد في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، بدر الزاهر الأزرق، أن مناقشات القمة ستتصدرها مشكلات الأمن الغذائي الذي تعاني فيه القارة بشدة على خلفية الحرب الروسية - الأوكرانية، لافتاً إلى أن على «القادة الأفارقة ضمان مصالحهم بالتأكيد على عدم دفع شعوبها مستقبلاً أثماناً لصراعات لا دخل لهم بها وذلك عبر ضمانات وتفاهمات رسمية».

وأضاف الأزرق: «حتى لو تم ذلك النوع من الاتفاقات مع موسكو، على القادة الأفارقة ضمان تأمين احتياجاتهم الأساسية عبر تنويع مصادرها من دول وقوى أخرى بعيدة عن الصراع مثل البرازيل والهند والصين وغيرها».

ويرى علي أن القمة تمثل فرصة للدول الأفريقية «لعقد اتفاقيات منفردة مع روسيا تضمن بها الحصول على مواد غذائية على رأسها القمح والغلال الأساسية، وكذلك متطلبات الزراعة كالأسمدة بأسعار وعروض منافسة بالنظر إلى الحاجة والرغبة الروسية في التصدير، ودون الارتباط باتفاقيات دولية قد تكون عرضة للإلغاء للكثير من الأسباب».

* النفوذ العسكري والأمني

رغم النفوذ الروسي الكبير لموسكو في أفريقيا على صعيد التعاون العسكري الأمني، كانت أفريقيا من بين أكثر المتابعين بترقب لتطورات التمرد الفاشل الذي شنّته مجموعة «فاغنر» في روسيا، حيث تنشط قوات تابعة لـ«فاغنر» في دول عدة بها، سواء بشكل معلن أو سرّي.

ويعتقد علي أن موسكو خلال القمة «ستسعى إلى إقناع القادة الأفارقة بالحفاظ على توسيع نفوذها الجيوسياسي الذي كانت أداته الأساسية نشاط شركة (فاغنر)». وقال: «رغم أن تداعيات محاولة التمرد ليست واضحة بعد، فإن المرجح أن تسعى موسكو إلى الحفاظ على نفوذها في القارة سواء بشركات أمنية أخرى أو حتى بالتوافق مع (فاغنر) فيما يتعلق بالحضور الخارجي». وأضاف: «حال تعذر الاتفاق مع (فاغنر) ستحاول موسكو إقناع القادة الأفارقة بتقويض وجود (فاغنر) في بلدانهم لكن بشرط استبدالها شركات أمنية روسية أخرى بها بشكل يضمن استمرارية النفوذ الروسي».

من جانبه، يرى محمد الأمين ولد الداه، الخبير الموريتاني في الشؤون الأفريقية، أن على موسكو استغلال القمة في «إعلان التخلي عن مقاربتها الجيوستراتيجية المعتمَدة على (فاغنر) أو ما يشبهها والتفاوض مع القادة الأصدقاء على آليات بديلة، لأن (فاغنر) فقدت مصداقيتها تماماً حتى قبل التمرد، ولم يتسبب حضورها في دول مالي أو بوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى في تحقيق الأمن للمواطنين بقدر ما كان الهدف الأساسي لها هو ضمان مصالح سياسية ومادية مع قادة تلك الدول».

وأضاف الأمين ولد الداه أن المسؤولية «تقع في أيدي قادة أفريقيا، الذين عليهم بناء شراكات أمنية متنوعة ومتعددة مع القوى المختلفة دون الخضوع لضغوط أو شروط ترقى لتهديدات من أي قوة جراء الرغبة في التعاون مع قوى أخرى».

بدوره، يرى أيدين أن ثمة عاملاً إيجابياً في انخراط روسيا مع القارة، وهو أنها «لا تتدخل في الشؤون الداخلية لدول تفرض أجندتها عليها في مجالات مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها، حيث تحاول الإدارة الروسية اتخاذ مقاربة واقعية بعيدة عن المثالية والسياسات العقابية على الأنظمة والحكومات». لكنّ هذه المقاربة الروسية لها مخاطرها، حسب أيدين، حيث التقارب مع القادة الأفارقة في دول غير مستقرة «لا يعني بالضرورة رضا الشعوب عن مستقبل ذلك النوع من التعاون»، لذا على موسكو أن «تدشن في هذه القمة صيغ تعاون مع الدول الأفريقية في مجالات الحكم الرشيد والتنمية الشاملة والمساعدة في التغلب على الصراعات الإثنية والعِرقية التي تعاني منها معظم دول أفريقيا بغية التوصل إلى شركاء وقادة شرعيين يمكن البناء على التوافق معهم بشكل مستدام».

* الاقتصاد والتنمية

رغم زيادة النفوذ الروسي في القارة في السنوات الماضية، فإن حجم انخراطها الاقتصادي لا يتناسب مع هذا النفوذ. ويعتقد الأزرق أن «هناك مجالات كبيرة للتعاون الاقتصادي يمكن وضع خطط مشتركة طويلة المدى بخصوصها بين موسكو والقارة، مثل: الصناعات الاستخراجية، وصناعات الطاقة الأحفورية، وتكنولوجيا الطاقة النووية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا الزراعية علاوة على مشروعات البنية التحتية والنقل».

ورأى الأزرق أن «على روسيا الدفع بقطاعها الخاص في الاستثمار في القارة بشكل تنافسي لا يعتمد فقط على النفوذ الأمني أو السياسي، رغم أن هذا التنافس سيكون مهمة شاقة في ظل حضور الصين الكبير، علاوة على الحضور الغربي والأميركي باقتصاداتهما الضخمة».

من جانبه، يرى زهدي أنه لا يمكن لروسيا «الاستمرار في مقاربتها الاقتصادية القائمة على التركيز على أربع أو خمس دول على رأسها الجزائر ومصر وجنوب أفريقيا في قارة تحتوي على أكثر من خمسين دولة، منها دول تحتاج إلى كل شيء، وهناك الكثير الذي تستطيع موسكو تقديمه».


مقالات ذات صلة

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ) p-circle

تعميق الهوة بين واشنطن وكييف... زيلينسكي يشعر «بالخيانة» ويواجه «قطيعة نهائية» من ترمب

الشرخ المتزايد في العلاقة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وإدارة الرئيس دونالد ترمب يقترب بسرعة من حافة «القطيعة النهائية».

رائد جبر (موسكو)
أوروبا طائرة مقاتلة من طراز «سوخوي سو-34» تؤدي عرضاً قرب موسكو (رويترز - أرشيفية)

زيلينسكي يعلن تدمير 4 مقاتلات في مطار عسكري روسي

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، إن ضربة صاروخية أوكرانية دمّرت 4 طائرات مقاتلة في مطار عسكري بغرب روسيا، ليل الأربعاء - الخميس.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الاقتصاد حاويات شحن في ميناء تجاري بمدينة فلاديفوستوك الروسية (رويترز)

رئيسة منظمة التجارة العالمية: حروب الشرق الأوسط وأوكرانيا ستترك آثاراً طويلة الأمد

قالت نغوزي أوكونجو إيويالا، المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، إن التحولات الجيوسياسية والحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط ستترك آثاراً طويلة الأمد.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
أوروبا مبانٍ سكنية تعرَّضت لدمار جزئي جراء قصف روسي استهدف منطقة سكنية في مدينة كراماتورسك (إ.ب.أ)

بريطانيا تعتزم تمويل إصلاحات في محطة تشيرنوبل بعد قصف روسي

تعتزم بريطانيا تمويل الإصلاحات الضرورية لمحطة تشيرنوبل للطاقة التي قُصفت في هجوم بمسيّرة روسية في حين يسعى رئيس الوزراء أندي بيرنهام لتعزيز الدعم لأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.