مأساة مروعة... أوغندا تترنح جرّاء هجوم إرهابي «داعشي» مميت

وزيرة التعليم والرياضة: عدد القتلى 41 بينهم 37 طالباً

المأساة المروعة ترتسم على وجوه عوائل الضحايا من الطلاب في أوغندا (نيويورك تايمز)
المأساة المروعة ترتسم على وجوه عوائل الضحايا من الطلاب في أوغندا (نيويورك تايمز)
TT

مأساة مروعة... أوغندا تترنح جرّاء هجوم إرهابي «داعشي» مميت

المأساة المروعة ترتسم على وجوه عوائل الضحايا من الطلاب في أوغندا (نيويورك تايمز)
المأساة المروعة ترتسم على وجوه عوائل الضحايا من الطلاب في أوغندا (نيويورك تايمز)

كان واحداً من أسوأ الهجمات الإرهابية التي ضربت البلاد منذ عقود، حيث أحرق مسلحون سكناً لطلبة وهم بداخله، وقطّعوا آخرين حتى الموت. وكان مسلحون قد وصلوا إلى مدرسة داخلية خاصة قبيل منتصف الليل بينما يأوي الطلبة إلى الفراش في بلدة صغيرة في حقول أوغندا الغربية.

قام المسلحون أولاً بإطلاق النيران على رأس حارس المدرسة قبل التوجه إلى سكن الطلبة. عندما لم يتمكنوا من دخول المباني السكنية المغلقة المخصصة للصبية، ألقوا قنابل حارقة بالداخل؛ مما أدى إلى اشتعال النار في الفراش، وأصبح المبنى محاصراً بالنيران، بحسب شهود عيان ومسؤولين في الحكومة ومسؤولين أمنيين. على الجانب الآخر، فتحت الفتيات، وهنّ في حالة من الرعب، أبواب المسكن وحاولن الفرار، لكن تمكّن المهاجمون من الإمساك بهن وتقطيعهن.

دفن الضحايا (نيويورك تايمز)

حين انتهى الأمر كان الهجوم، الذي حدث ليلة الجمعة في بلدة مبوندوي الواقعة قرب الحدود الأوغندية مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، كان قد أدى إلى مقتل 37 من 63 طالباً، بحسب جانيت موسيفيني، السيدة الأولى ووزيرة التعليم والرياضة. وقالت موسيفيني في خطاب ألقته في وقت متأخر من ليلة السبت على المحطة الإذاعية للدولة: «إن هذا وقت عصيب لنا كمواطنين أوغنديين. إنها حقاً لمأساة مروّعة».

داخل مهجع الطلاب حيث ألقى المسلحون قنابل حارقة فأشعلوا حريقاً سرعان ما غلف المبنى (د.ب.أ)

كذلك، أضرم المهاجمون، وهم أعضاء في جماعة مسلّحة تتبع «داعش»، النار في مكتبة المدرسة، ونهبوا متجراً للأغذية، وخطفوا ستة طلبة كانوا يستغلونهم في نقل السلع المسلوبة، على حد قول مسؤولين. وأثناء فرارهم من البلدة إلى غابات الكونغو الكثيفة، قتلوا ثلاثة أشخاص آخرين، من بينهم امرأة ستينية؛ مما جعل عدد القتلى 41. قال مامبري جاكسون، الذي حضر دفن بعض الطلبة مساء يوم السبت في بلدة كاجوينغ القريبة: «إن المجتمع مدمر، ويشعر بسوء شديد. يسأل كثيرون أين كانت قوات الأمن، وكيف تمكّن هؤلاء من الوصول إلى هنا، وارتكاب تلك الجريمة الفظيعة؟». لقد كان غزو مدرسة «مبوندوي لوبيريها» الثانوية هو أبشع هجوم إرهابي منذ سنوات، حيث أثار مخاوف من عودة النشاط المسلح في منطقة لديها تاريخ من أعمال التمرد عبر الحدود».

أوضح ذلك الهجوم الوحشي نشاط جماعة «القوات الديمقراطية المتحالفة» المتمردة، التي أعلنت ولاءها لتنظيم «داعش» وقوتها المستمرة.

وقال ريتشارد مونكريف، مدير المشروع الخاص بمنطقة البحيرات العظمى في «مجموعة الأزمات الدولية»: «من المرجح أن يكون الهجوم على المدرسة جزءاً من رغبة في التجنيد، لكنه أيضاً يحمل قيمة الصدمة؛ إذ إنه يجذب جمهور الجماعة من المتطرفين». وأضاف أن الهجوم «يوضح أنه رغم عامين من العمليات المشتركة المكثفة ضد الجماعة، لا تزال الجماعة تمتلك قدرة كبيرة». وكذلك سلّط الضوء على التحديات الأمنية، التي تواجهها أوغندا، رغم نشر الرئيس يوويري موسيفيني القوات في صراعات ممتدة في أنحاء أفريقيا، وتلقي مليارات الدولارات من دول غربية، من بينها الولايات المتحدة الأميركية، كمساعدات تنموية وعسكرية.

المأساة المروعة ترتسم على وجوه عوائل الضحايا من الطلاب في أوغندا (نيويورك تايمز)

لقد تأسست جماعة «القوات الديمقراطية المتحالفة» عام 1995 كقوى معارضة لحكم موسيفيني، ونفذت هجمات عدة في أنحاء أوغندا، من بينها هجوم على إحدى الكليات عام 1998 أسفر عن مقتل 80 طالباً. كذلك هاجمت الجماعة تجمعات من السكان في أنحاء شرق الكونغو، وهي منطقة خضراء غنية بالثروات المعدنية عانت من عقود من الفظائع التي ارتكبتها عشرات من الجماعات المسلّحة.

وفي نهاية 2021، نفذت الجماعة انفجارات في العاصمة الأوغندية كامبالا أدت إلى مقتل ثلاثة أشخاص. دفع ذلك الهجوم الرئيس موسيفيني نحو تدشين حملة عسكرية مشتركة مع الكونغو في محاولة لطرد الجماعة من معسكراتها في شرق الكونغو. مع ذلك واصلت الجماعة تجنيد جنود جدد في القتال، بعضهم أطفال، وتنفيذ هجمات دموية مثل ذلك الذي حدث في مارس (آذار)، وأسفر عن مقتل 36 شخصاً في إحدى قرى منطقة كيفو الشمالية في شرق الكونغو.

جانب من المدرسة الأوغندية حيث وقع الهجوم الإرهابي (نيويورك تايمز)

وينتقد مراقبون النهج العسكري، الذي تتبناه الحكومة الأوغندية وحكومة الكونغو في المنطقة، ويقولون إن الوصول إلى حلول دائمة يتطلب من الحكومتين التركيز على بناء الدولة وتوفير فرص اقتصادية أفضل. أوضح مونكريف قائلاً: «يوضح الهجوم الحاجة إلى استراتيجية أوسع نطاقاً بدلاً من تبني الطريقة العسكرية البحتة». لقد تم بناء مدرسة «مبوندوي لوبيريها» الثانوية من جانب مؤسسة غير حكومية يرأسها مواطن كندي يدعى بيتر هانت، بحسب ما أوضحت السيدة موسيفيني، وزيرة التعليم.

حتى هذه اللحظة لا تزال بلدة مبوندوي تترنح جرّاء المأساة. ومع توجه مسؤولين إلى البلدة يوم السبت، حثّ مسؤولو الأمن السكان على الحفاظ على هدوئهم، وتعهدوا محاسبة مرتكبي الجريمة. وقال اللواء ديك أولوم، قائد العملية العسكرية الأوغندية في الكونغو، خلال مؤتمر صحافي: إنهم لا يزالون يبحثون عن الطلبة الستة المخطوفين واشتبكوا مع بعض المسلحين في قتال في وقت متأخر يوم السبت.

«نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

آلاف السوريين يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة

المشرق العربي طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)

آلاف السوريين يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة

لا تزال التهم القضائية الصادرة بحق آلاف السوريين خلال فترة حكم النظام البائد، تطارد الناشطين والسياسيين الذين يكتشفون وجود أحكام غيابية لا تزال سارية بحقهم.

منصور حسين (دمشق)
أفريقيا عناصر أمن في أبوجا عاصمة نيجيريا 12 يونيو الماضي (رويترز)

مقتل 5 أشخاص بهجوم إرهابي في نيجيريا

مقتل 5 أشخاص في هجوم إرهابي في نيجيريا والجيش يحبط هجوما لبوكو حرام ويعتقل 4 إرهابيين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

الشرع: سوريا باشرت «رحلة التعافي والنهوض» إيذاناً بنهاية 47 عاماً من العزلة

قال الشرع إنه «في رحلة الصراع السورية بين الخير والشر، وضعت الحرب أوزارها وتوقف نزيف الدم، وتوقف الهدم والدمار، وبدأت سوريا رحلة التعافي والنهوض».

علي بردى (نيويورك)
آسيا متطوعون يقفون على طريق قرب الحدود الباكستانية الأفغانية في كورام بباكستان 16 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

باكستان تحبط محاولة تسلل من أفغانستان لعناصر من «فتنة الخوارج»

محاولة التسلل انطلقت من مواقع تابعة لحركة «طالبان» الأفغانية بولايتيْ نانجارهار وباكتيا، إلا أن القوات الباكستانية المنتشرة على طول الحدود تصدت لها

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
أفريقيا صورة عامة تُظهر حركة المرور على طول طريق رئيسي في باماكو بمالي يوليو 2026 (أ.ف.ب)

مسلّحون مرتبطون ﺑ«القاعدة» قتلوا أكثر من 100 جندي مالي هذا الشهر

قال مصدران إن متشددين قتلوا ما يربو على 100 جندي في وسط مالي الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (دكار)

الكونغو: مقتل 14 شخصاً إثر تحطم طائرة بينهم اثنان من كبار المسؤولين العسكريين

عناصر من الشرطة العسكرية لجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة العسكرية لجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
TT

الكونغو: مقتل 14 شخصاً إثر تحطم طائرة بينهم اثنان من كبار المسؤولين العسكريين

عناصر من الشرطة العسكرية لجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة العسكرية لجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)

قال الجيش الكونغولي، الجمعة، إن 14 شخصا على الأقل، بينهم مسؤولان عسكريان بارزان، لاقوا حتفهم في حادث تحطم طائرة.

والمسؤولان العسكريان هما الليفتنانت جنرال موتومبو كاتالاي تيندي، رئيس المحكمة العسكرية، والليفتنانت جنرال باكومي ليكوليا، المراجع العام للقوات المسلحة.

وقال المتحدث باسم الجيش الكونغولي، الميجور جنرال إيفومي إيكينج، في بيان «بالإضافة إلى الجنرالين، فقد 12 فردا من الوفد وأفراد طاقم الطائرة حياتهم أيضا في هذا الحادث».

وكانت الطائرة عائدة إلى العاصمة كينشاسا من مدينة كيكويت جنوب غرب الكونغو عندما أصيبت بعطل فني وتحطمت في كينجي حيث توفي جميع من كانوا على متنها، وفقا لمسؤولين محليين.

وقال إيكينج إنه تم فتح تحقيق لتحديد سبب الحادث.

ويقاتل الجيش الكونغولي عشرات الجماعات المتمردة، بما في ذلك جماعة «إم 23» المتمردة المدعومة من رواندا في شرق البلاد منذ العام الماضي، بعد سلسلة من الهجمات أدت إلى استيلاء الجماعات المتمردة على مدن رئيسية.


اضطرابات تيغراي... هل يتكرر سيناريو 2020 أم تحصل موجة صدام أوسع؟

أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)
TT

اضطرابات تيغراي... هل يتكرر سيناريو 2020 أم تحصل موجة صدام أوسع؟

أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)

بعد شهور من المناوشات، تتجه «جبهة تحرير تيغراي» إلى فصل جديد من المعارك مع الحكومة الفيدرالية في إثيوبيا عززها انضمام قوى أخرى عبر تدشين تحالف مسلح لإسقاط الحكومة، وسط مخاوف من اتساع نطاق القتال.

وما يحدث يعيد للأذهان معارك عام 2020 بين الجانبين، التي شهدت مقتل الآلاف وانتهت بعد وساطات توجت بـ«اتفاق بريتوريا» في 2022، ومنذ ذلك الحين لم تخل تلك الفترة من اتهامات بانتهاك الاتفاق من الطرفين.

ويرى برلماني إثيوبي لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة لن تكرر سيناريو الحرب السابقة ولن تقود الاضطرابات الحالية لموجة صدام أوسع وستحسم المعارك في فترة قصيرة.

ويتفق معه محلل إثيوبي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «جبهة تيغراي» رغم انضمامها لتحالف مسلح قبل أيام، فإن لديها تصدعات داخلية وقلة في العتاد والسلاح وتتمركز فقط في 3 مناطق من 12 منطقة بالإقليم، مستبعداً توسع الحرب.

النزاع يتسع

وشهدت مناطق في شمال إثيوبيا، الجمعة، انقطاعاً في خدمة الإنترنت، حسبما أفاد موقع «نت بلوكس» المتخصص في رصد اضطرابات الشبكات، مع احتدام المعارك بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي»، بحسب ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستولت «قوات تيغراي» على 3 مطارات في الإقليم، وشنَّت هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها هناك هذا الأسبوع، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة الاتحادية.

ويخشى الأهالي تكرار سيناريو انقطاع الاتصالات، وحصار الإمدادات الذي فرضته الحكومة الفيدرالية على إقليم تيغراي خلال الحرب الأهلية الأخيرة (2020-2022)، التي أودت بقرابة 600 ألف شخص.

وهذا السيناريو يحمل أيضاً هذه المرة، تشابهاً مع تكرار «جبهة تحرير تيغراي» استراتيجيتها في حرب 2020، وتقدمها جنوباً عبر إقليم أمهرة نحو العاصمة أديس أبابا، وسط هدف محتمل من الهجوم في إقليم عفر وهو قطع خطوط الإمداد القادمة من جيبوتي، التي تمر عبرها الغالبية العظمى من شحنات التجارة الدولية لإثيوبيا بما فيها الوقود.

وشنّت الجبهة بالفعل هجمات على إقليمي أمهرة وعفر، مؤكدة أنها تردّ بذلك على هجمات شنتها القوات الفيدرالية.

مخاوف من توسع دائرة الاضطرابات في إثيوبيا (رويترز)

ويري البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التطورات العسكرية الأخيرة في إقليم تيغراي «لن تعود بالبلاد إلى مأساة حرب عام 2020، من جراء تراجع قدرات جبهة تحرير شعب تيغراي وفقدانها للحاضنة الشعبية؛ حيث يُقاد أبناء الإقليم إلى القتال قسراً وسط استياء شعبي من جراء تداعيات الحروب السابقة التي لم يتفادَ المواطنون آثارها بعد».

ولا يختلف معه المحلل في الشأن الإثيوبي، عبد الشكور عبد الصمد، مؤكداً أن «ما يُثار إعلامياً بشأن التطورات العسكرية في إقليم تيغراي ينطوي على تضخيم ومبالغات مخالفة للواقع»، مشيراً إلى أن المواجهات الميدانية «تقتصر حالياً على 3 جبهات فقط من أصل 12 جبهة بالإقليم، وما يجري هو توظيف إعلامي وحرب نفسية تهدف للضغط ليس أكثر».

وقبل أيام، أعلنت 7 جماعات معارضة للحكومة الفيدرالية في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وميليشيات «فانو» في أمهرة و«جيش تحرير أورومو»، عن تحالف يهدف إلى إطاحة السلطة الحاكمة في أديس أبابا.

وسبق لـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» أن تولت السلطة عام 1991وحكمت إثيوبيا ثلاثة عقود قبل أن يهمشها آبي أحمد عندما تولّى رئاسة الوزراء عام 2018، ما ساهم في اندلاع الحرب الأهلية.

ورغم أن «اتفاق بريتوريا» للسلام في 2022 أنهى تلك الحرب وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الاشتباكات تجددت في أواخر عام 2025. وشنت الحكومة الاتحادية آنذاك ضربات بالطيران المُسيّر على تيغراي وحشدت قواتها على حدود الإقليم.

وتتزايد المخاوف من تحول الصراع في إثيوبيا إلى نزاع إقليمي أوسع نطاقاً، في وقت تحظى «جبهة تحرير تيغراي» بدعم من إرتيريا التي يقول مراقبون إنها تتخوف من غزو إثيوبيا لأراضيها بهدف الحصول على منفذ إلى البحر الأحمر.

ورغم ذلك، يعدّ البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد، أن التحالفات بين فصائل معارضة «ستكون هشة وستعمق عزلتها وتفقدها أي ثقة لدى الشارع الإثيوبي»، مؤكداً أن الحكومة المركزية برئاسة آبي أحمد «باتت اليوم أكثر قوة وتفوقاً من أي وقت مضى، بفضل التطوير الشامل وتحديث الترسانة العسكرية بالتقنيات والتكنولوجيا الحديثة، مقارنة ببدايات الأزمة التي تولى فيها السلطة وسط تحديات وتجهيزات محدودة».

ويؤكد البرلماني الإثيوبي أن «المواجهات الجارية لن تتعدى كونها جولات محدودة ستُحسم خلال فترة قصيرة ثم تعود إثيوبيا إلى مسار الاستقرار والأمن».

واستبعد عبد الصمد امتداد رقعة المواجهات أو اندلاع حرب شاملة، مستنداً إلى حالة الانقسام المدني والعسكري التي تعاني منها «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وانشقاق قياداتها الميدانية البارزة، فضلاً عن النقص الحاد في العتاد والسلاح مقارنة بوضعها في المواجهات السابقة.

أزمات

وبينما لا يزال نحو مليون نازح في إقليم تيغراي، يبدو الوضع مع المواجهات الجديدة صعباً، مع مسارعة سكان الإقليم منذ الخميس إلى تخزين المواد الغذائية والنقد والسلع الأساسية، وقال سامويل غيبري سلاسي (37 عاماً)، الذي يعمل في متجر للتوابل في ميكيلي، عاصمة تيغراي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «توجد مخاوف عميقة من احتمال انقطاع الخدمات المصرفية وشبكات الاتصالات والكهرباء وإمدادات السلع الأساسية مرة أخرى».

ولذا يؤكد البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد أن التحالفات الجديدة بلا حاضنة شعبية وستفقد تأثيراتها سريعاً.

وأكد عبد الصمد أن التحالفات المعلنة بين مجرد هيكل ولد ميتاً لا تعكس أي ثقل حقيقي على الأرض في ظل تلك الأزمات الشعبية، مشدداً على أن التطورات المرتقبة لن تتعدى كونها خروقاً أو تحديات أمنية محدودة ومحصورة، قد تؤدي إلى بعض التبعات السياسية والأمنية الروتينية، دون أن تشكل تهديداً يتجاوز هذا النطاق.


مقعد دائم وحق الفيتو... هل تدخل أفريقيا مجلس الأمن؟

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
TT

مقعد دائم وحق الفيتو... هل تدخل أفريقيا مجلس الأمن؟

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)

رفع قادة أفريقيا بقوة مطالب إصلاح مجلس الأمن الدولي خلال جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة منذ يومين في مدينة نيويورك، وذلك بالدعوة إلى حصول القارة الأفريقية على مقعدين دائمين في المجلس مع حق «الفيتو»، وهي مطالب تواجه تحديات كبيرة.

وفي خطاباتهم أمام الجمعية العامة، شدد القادة الأفارقة على أن القارة، التي تُمثل ربع أعضاء الأمم المتحدة، تعاني «الإقصاء»، معتبرين أن استمرار هذا الوضع «يضعف شرعية الأمم المتحدة، ويتناقض مع مبدأ المساواة في السيادة».

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)

الخطاب الأفريقي

كان خطاب رئيس كينيا، ويليام روتو، هو الأقوى والأكثر صرامة، حين قال إن «كل أمة ذات سيادة، ومتساوية بموجب ميثاق الأمم المتحدة. ومع ذلك، وفيما يتعلق بأخطر قضايا الحرب والسلام، تمتلك 5 دول سلطة دائمة لا تمتلكها الدول الـ188 الأخرى».

وأوضح روتو أن «أفريقيا تضم 54 دولة عضواً، أي أكثر من ربع هذه الجمعية، ومع ذلك ليس لها صوت دائم في الهيئة المنوط بها المسؤولية الرئيسية عن السلم والأمن الدوليين»، مشيراً إلى أن أفريقيا كثيراً ما تكون موضوع قرارات مجلس الأمن، «لكنها مستبعدة بشكل دائم من النقاش».

فيما أكد رئيس غانا، جون دراماني ماهاما، أن «أفريقيا هي موطن لـ1.5 مليار نسمة، أي أكثر من 18 في المائة من البشرية، وتُشكل أكبر كتلة تصويت إقليمية في هذه الجمعية العامة، ومع ذلك، لا تزال بلا مقعد دائم واحد في مجلس الأمن، وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق».

وأكد ماهاما: «يجب منح أفريقيا تمثيلاً دائماً في مجلس الأمن، بكامل الحقوق والمسؤوليات»، مشدداً على أن «إصلاح مجلس الأمن ليس منةً لأفريقيا؛ بل هو حتمية لشرعية ومصداقية وبقاء الأمم المتحدة».

لقاء الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الجلسة السنوية الـ81 لقادة العالم (أ.ف.ب)

من جهته، قال رئيس نيجيريا بولا أحمد تينوبو، في خطاب ألقاه نائبه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن «العالم في عام 2026 لا يمكن أن يظل أسيراً لتوزيع القوة الذي كان قائماً في عام 1945. ولا يمكن لأفريقيا أن تستمر في ملء جدول أعمال مجلس الأمن وتظل غائبة عن عضويته الدائمة».

وطالب رئيس نيجيريا بضرورة أن تحصل أفريقيا على مقعدين دائمين في مجلس الأمن الدولي، مع حق «الفيتو»، بالإضافة إلى 5 مقاعد غير دائمة.

العقبة الأولى

وتعتمد السردية الأفريقية على أن مجلس الأمن الدولي تأسس عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين كانت أفريقيا تحت الاستعمار الغربي؛ حيث إنه من أصل 51 عضواً مؤسساً للأمم المتحدة لم يكن هناك سوى 4 دول أفريقية هي: مصر، وإثيوبيا، وليبيريا، وجنوب أفريقيا. وفي هذا السياق قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إن هذا الوضع «غير عادل، ولا يمكن الدفاع عنه».

إد مليباند وزير الخارجية البريطاني خلال جلسة لمجلس الأمن (أ.ف.ب)

ولكن مطالب الإصلاح التي ترفعها أفريقيا تتطلب تعديلاً لميثاق الأمم المتحدة، وهذا يحتاج إلى موافقة ثلثي الجمعية العامة، وموافقة جميع الأعضاء الدائمين الخمسة، حسب المادة 108 من الميثاق، وهنا تكمن العقبة الكبرى.

وتؤيد الولايات المتحدة منح أفريقيا مقعدين دائمين في مجلس الأمن، دون حق «الفيتو»، وهو موقف ترفضه الدول الأفريقية؛ لأنه في نظرها يكرس هرمية جديدة، ويمنحها «عضوية من الدرجة الثانية».

أما روسيا والصين فتُظهران تعاطفاً خطابياً مع «الجنوب العالمي»، ولكنها أصدرت تحذيراً واضحاً من فتح الميثاق، بسبب مخاوف من أي خطوة قد تضعف نفوذها أو قد تفتح الباب أمام منافسين مثل الهند واليابان، لدخول مجلس الأمن. فيما فرنسا وبريطانيا تظهران قدراً من الانفتاح النسبي، ولكن مع كثير من الحذر.

الرئيس البوروندي السابق وعضو لجنة العقلاء في الاتحاد الأفريقي (رويترز)

نماذج إصلاح

وسط الضغط الأفريقي، تبرز نماذج إصلاح جديدة، منها ما تقترحه «مجموعة الأربعة»، التي تضم ألمانيا والبرازيل والهند واليابان، والتي تضغط من أجل الحصول على مقاعد دائمة لنفسها، مع حصول أفريقيا على مقعدين دائمين.

أما مجموعة «التوحد من أجل التوافق»، فتعارض بشكل صريح منح أي مقاعد دائمة جديدة، وتفضل التوسع في المقاعد غير الدائمة فقط، في ظل تحذيرات من أن توسيع مجلس الأمن إلى 26 عضواً قد يزيد الشرعية، لكنه يُقلل الفعالية والسرعة في اتخاذ القرارات، خصوصاً في الأزمات.

ومن هنا يبرز السياق الجيوسياسي الراهن؛ حيث إن التوتر بين الولايات المتحدة والصين، والحرب في أوكرانيا والحرب في الشرق الأوسط، تجعل القوى الكبرى أقل استعداداً للتنازل عن أدوات السيطرة، بل إن الإصلاح قد يبدو «ترفاً» في أوقات الاستقطاب الحاد.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (أ.ف.ب)

الصراع الداخلي

وفي الوقت الذي يجمع فيه قادة أفريقيا، في خطاباتهم، على مطلب إصلاح مجلس الأمن ومنح القارة مقعدين دائمين، لا يمتلكون آلية واضحة لتحديد الدول التي ستشغل هذين المقعدين، في ظل تنافس قوي بين مراكز القوة في القارة.

ويحتدم التنافس بين دول مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر والجزائر والمغرب وإثيوبيا، ما يزيد من تعقيد الموقف الأفريقي، إذ يبدو أن إصلاح مجلس الأمن قد يفتح باباً لصراعات داخلية في القارة، ويُعيد إلى الواجهة تاريخاً من الحروب الإقليمية الدامية.

ورغم وجود اتفاقية تنص على أن الاتحاد الأفريقي هو الجهة التي ستختار ممثلي القارة في مجلس الأمن، فإنها لا تحدد آلية واضحة لذلك، ما يجعل حسم المسألة صعباً. وتوصف هذه المنافسة بأنها «معركة صامتة»، يؤجل الأفارقة الخوض فيها خشية أن تضعف موقفهم في الأمم المتحدة.