هل تحد الحلول الأمنية من «الاضطرابات السياسية» في السنغال؟

عقب إعلان تعليق الدراسة في بعض المدارس لمواجهة التجمعات

محتجون مناصرون لسونكو في مواجهات مع الأمن  (رويترز)
محتجون مناصرون لسونكو في مواجهات مع الأمن (رويترز)
TT

هل تحد الحلول الأمنية من «الاضطرابات السياسية» في السنغال؟

محتجون مناصرون لسونكو في مواجهات مع الأمن  (رويترز)
محتجون مناصرون لسونكو في مواجهات مع الأمن (رويترز)

هل تحد الحلول الأمنية من «الاضطرابات السياسية» في السنغال؟ بات تساؤلاً يشغل المراقبين، وذلك عقب إعلان «تعليق الدراسة في بعض المدارس لمواجهة أي تجمعات»، حيث يتصاعد التوتر السياسي في السنغال على خلفية المواجهة مع المعارض عثمان سونكو، ويلجأ النظام إلى تبني «إجراءات أمنية لمواجهة الاضطرابات المُحتملة» على خلفية محاكمته المقررة لاحقاً هذا الشهر، فيما قررت السلطات السنغالية تعليق الدراسة لمدة أسبوع تقريباً في منطقة زيغينشور جنوب البلاد، التي كانت مسرحاً للاشتباكات والاضطرابات على خلفية محاكمة سونكو بتهمة «الاغتصاب».

وذكرت السلطات التعليمية أنه «جرى تعليق الدراسة والأنشطة التعليمية في جميع أنحاء المنطقة في المدارس والمؤسسات ومراكز التدريب المهني، من (الجمعة) حتى 25 مايو (أيار) الحالي». ووفق مراقبين «تغطي هذه الفترة الموعد الجديد المقرر لمحاكمة سونكو بعد إرجاء المحاكمة إلى 23 مايو الحالي».

وسابقاً هذا الأسبوع، أُرجئت محاكمة سونكو، المرشح للانتخابات الرئاسية لعام 2024، وسط اضطرابات واشتباكات عنيفة بين أنصاره والأمن في مختلف أنحاء البلاد. وقبل المحاكمة وتزامناً معها، وقعت اشتباكات بين مؤيدين لسونكو وقوات الأمن. وأفادت السلطات بـ«وقوع 3 قتلى». ولم تنسب وزارة الداخلية بشكل مباشر الوفيات إلى «الاحتجاجات»، لكنها دعت الأهالي إلى «منع أبنائهم من المشاركة في المظاهرات».

ويرى المحلل الإريتري المختص في الشؤون الأفريقية، محمود أبو بكر، أن «المقاربة الأمنية في مواجهة سونكو (لن تجدي) بسبب شعبيته الكبيرة، ليس فقط في أوساط طلبة الجامعات والمدارس؛ بل في قطاعات كبيرة من المنتمين للمؤسسات الدينية، علاوة على قوى المعارضة المتضامنة معه»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «السلطة تُدرك أن ترشح سونكو يعني نهاية النظام السياسي».

في حين قال المحلل السنغالي، عبد الأحد أمبينغ، إن «تعليق الدراسة مُجرد إشارة إلى الضرر الكبير الذي سيلحق بالدولة والمجتمع لو أصر النظام على استهداف سونكو وغيره من المعارضين»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الوضع (شديد التوتر)، وسيستمر في تهديد حياة السنغاليين اليومية، بالإضافة إلى تهديد الانتخابات ومستقبل البلاد».

وسابقاً خلال هذا الشهر، قضت محكمة سنغالية بسجن سونكو ستة أشهر مع وقف التنفيذ في إطار محاكمته بتهمة «التشهير»، في حكم «قد يجعله غير مؤهل لخوض الانتخابات إذا جرى تأييده»، وفق المراقبين.

وكان سونكو قد أعلن سابقاً قراره «عدم التعاون مع القضاء من دون ضمانات لسلامته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال في طريقه إلى المحكمة في مارس (آذار) الماضي». ويتّهم سونكو وأنصاره الحكومة بـ«استخدام القضاء لمنعه من الترشح للرئاسة»، بعدما حل في المرتبة الثالثة خلال انتخابات الرئاسة عام 2019، فيما يتهمه الحزب الرئاسي بـ«الرغبة في شل البلاد، واستخدام الشوارع للإفلات من العدالة».

وعثمان سونكو، سياسي سنغالي ومؤسس «حزب الوطنيين» (باستيف) المعارض. ويروّج سونكو لنفسه على أنه «ضد الفساد»، ويتبنى مشروعاً سياسياً يتمحور حول التوجه إلى «الاستقلال الوطني ومناهضة فرنسا، الحليف التقليدي للسنغال، وهو ما يجد صدى لدى الأوساط المدنية والشبابية والطلابية على نطاق واسع».

ولم يعلن الرئيس سال، الذي يتولى السلطة منذ 2012، عزمه تقديم أوراق ترشحه، لكنه رفض الادّعاء بأن «ترشحه لولاية ثالثة أمر غير دستوري». وحشدت المعارضة السنغالية، الشهر الماضي، أكثر من 120 حزباً وجماعة سياسية ومنظمة مجتمع مدني. ووقّعوا ميثاق حركة (القوى الحية) «إف 24» ضد ترشحه المحتمل.

واعتقد أبو بكر أن «النظام يجعل سونكو وأنصاره مضطرين إلى اللجوء للشارع، ويخاطر بـتقويض مؤسسات الدولة والإساءة لصورته في الخارج»، فيما يرى أمبينغ أن «الاضطرابات مُرشحة للتصاعد بوتيرة خارجة عن السيطرة، حال إدانة سونكو، ولن يكون الأمن وقتها قادراً على حماية الشعب والدولة».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بممارسة «الإرهاب النووي»، وذلك مع إحياء بلاده، الأحد، الذكرى السنوية الأربعين لكارثة تشيرنوبل النووية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الخليج عبَّرت السعودية عن خالص تعازيها لأسر الضحايا وتمنياتها بالسلامة لجميع المتضررين (الشرق الأوسط)

السعودية تدين الهجمات الإرهابية والانفصالية التي استهدفت مالي

أدانت السعودية  وأعربت عن استنكارها بأشد العبارات الهجمات الإرهابية والانفصالية التي وقعت في عاصمة مالي باماكو ومدن أخرى فيها.

أفريقيا مشهد عام لمدينة غاو في شمال مالي (أ.ف.ب)

معارك في مالي بين الجيش و«جماعات إرهابية» وأخرى مسلحة... وواشنطن تطالب رعاياها بـ«الاحتماء»

معارك جارية في باماكو ومناطق أخرى في مالي بين الجيش و«جماعات إرهابية» وأخرى مسلحة، وأميركا تنصح رعاياها بـ«الاحتماء».

«الشرق الأوسط» (باماكو)
أفريقيا الكابتن إبراهيم تراوري قائد المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو وحوله عدد من الجنود (رويترز) p-circle

بوركينا فاسو ستجنِّد 100 ألف مدني في الجيش احتياطياً

أعلن وزير الحرب في بوركينا فاسو، السبت، أن بلاده ستجند 100 ألف مدني بحلول نهاية عام 2026، لتعزيز قواتها الاحتياطية، ودعم الجيش في حربه ضد الجماعات الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (أبيدجان)
أوروبا وحدة من قوات الشرطة تجوب شوارع مينا في نيجيريا (أ.ب)

الجيش النيجيري يعلن القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»

الجيش النيجيري يعلنُ القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»، بعد أن حاول عشرات المقاتلين من التنظيم الهجوم على قرية كوكاريتا.

الشيخ محمد (نواكشوط)

ماذا يعني سقوط كيدال في يد المتمردين الطوارق؟

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ماذا يعني سقوط كيدال في يد المتمردين الطوارق؟

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)

احتفل المتمردون الطوارق، الأحد، بالعودة إلى مدينة كيدال، والسيطرة عليها «بالكامل»، وذلك بعد 3 سنوات من خروجهم منها على يد الجيش المالي المدعوم من روسيا. وتداول ناشطون من الطوارق مقاطع فيديو لانسحاب القوات الروسية من المدينة، وإنزال علم مالي ورفع علم «إقليم أزواد» بدلاً منه.

مدينة كيدال، التي يبلغ تعداد سكانها 55 ألف نسمة، ظلت عقوداً بؤرة الصراع المستمر بين سلطات باماكو والمتمردين الطوارق، وظلت السيطرة عليها عنوانَ النفوذ والسلطة في شمال مالي. فما قصة هذه المدينة النائية والنائمة في حضن الجبال بقلب الصحراء الكبرى؟

معقل التمرد

منذ استقلال دولة مالي عن فرنسا عام 1960، ومدينة كيدال تتأرجح بين السلطات المركزية في العاصمة باماكو التي تبعد أكثر من 1500 كيلومتر إلى الجنوب، ونفوذ حركات الطوارق المسلحة التي تسعى إلى الحصول على حكم ذاتي في إقليم أزواد بالشمال، الذي يمثل ثلثي مساحة مالي.

يقول الطوارق إن مدينة كيدال كانت مركزاً لمقاومة الاستعمار الفرنسي القادم من الجنوب، ويعتقدون أن تبعية كيدال لباماكو فكرة موروثة عن الاستعمار الفرنسي. وأعلنوا التمرد مباشرة بعد الاستقلال، ولكن الرئيس المالي آنذاك، موديبو كيتا، قضى على ثورتهم بعنف بدعم من الاتحاد السوفياتي.

رغم ذلك، فإن مدينة كيدال ظلّت ذات رمزية تاريخية كبيرة في قلوب الطوارق، حيث تعدّ بالنسبة إليهم «المركز الروحي والسياسي»، خصوصاً بالنسبة إلى قبائل إيفوغاس ذات الحضور القوي في منطقة الصحراء الكبرى، وصاحبة التأثير والنفوذ في شمال مالي.

ينحدر من مدينة كيدال ومن قبائل إيفوغاس أغلب قادة حركات التمرد. ومن أشهر هؤلاء؛ إياد أغ غالي، زعيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، التي ضربت السبت العاصمة باماكو ودبّرت عملية اغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا.

المدينة المحصنة

توصف مدينة كيدال بأنها قلعة حصنتها الطبيعة، حيث تقعُ في قلب سلسلة جبال آدرار إيفوغاس؛ وذلك نسبة إلى القبيلة المعروفة، وقد منحتها هذه الجبال أهمية استراتيجية وعسكرية كبيرة في منطقة الصحراء الكبرى.

جعلت هذه التضاريس الوعرة من كيدال حصناً طبيعياً يصعب اختراقه عسكرياً، واستُخدمت لعقود قاعدةً خلفية للمقاتلين، ومخبأَ استراتيجياً للجماعات المسلحة بعيداً عن أعين الرقابة الجوية والبرية. كما تزيد قيمة المدينة عسكرياً بسبب وجود مطار عسكري فيها، بالإضافة إلى قربها من قاعدة «تيساليت» الاستراتيجية؛ مما يعني أن من يسيطر على كيدال فهو يسيطر على خطوط الإمداد الجوي والبري في شمال مالي، ويتحكم في الطريق المؤدية إلى الحدود مع الجزائر والنيجر.

رمزية السيادة

بدا رفع العلم المالي في كيدال رمزاً لاستعادة السيادة الكاملة، حيث ظلّت كيدال خارج سلطة الدولة المركزية لأكثر من عقد (2012 - 2023)، وعُدّت استعادتها من قبل الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 «انتصاراً تاريخياً» لسياسة المجلس العسكري الحاكم.

وخلال الفترة من 2012 حتى 2023، شكلت مدينة كيدال معقل «تنسيقية الحركات المسلحة المتمردة»، رغم وجود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والجيش الفرنسي، إلا إن الجيش المالي ظل غير مسموح له بدخولها؛ مما أسهم في تعثر تنفيذ «اتفاق المصالحة» الموقع في الجزائر عام 2015.

وظلت باماكو ترى في الوضع الخاص لمدينة كيدال حجر عثرة أمام تنفيذ الاتفاق؛ لأن الحكومة المالية ترى أن بقاء كيدال تحت سيطرة الحركات المسلحة هو «دولة داخل الدولة»؛ مما أدى في النهاية إلى انهيار الاتفاق رسمياً.

برميل بارود

تُلخّص كيدال كلّ تعقيدات مالي... فرغم أنها المعقل التاريخي والسياسي للمتمردين الطوارق، فإنها أيضاً كانت منطقة تداخل مع الحركات الإرهابية، حيث تعايشت فيها حركات متمردة «علمانية» وأخرى متطرفة مرتبطة بفكر «القاعدة»، خصوصاً حركة «أنصار الدين» التي تحوّلت فيما بعد إلى «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».

وكان الموقف المعادي للسلطات المركزية في باماكو، هو المشترك ما بين هذه الجماعات المتناقضة، وفي بعض الأحيان لم يكن كافياً لتحقيق التعايش، فاندلعت مواجهات مسلحة في المدينة بين الطرفين، كشفت عن هشاشة التوازنات في المدينة.

بالإضافة إلى ذلك، تبرز التوازنات القبلية والعرقية الحساسة في المدينة، حيث إن السيطرة عليها تتطلب تفاهماً مع زعماء القبائل المحليين، وأي محاولة لتغيير ديموغرافيتها أو فرض سلطة عسكرية خارجية تُقابل بمقاومة اجتماعية شرسة تتجاوز العمل العسكري. كل هذه التعقيدات تجعل من كيدال «برميل بارود» في منطقة مشتعلة. وما يزيد من تعقيد الوضع أنها تحولت نقطةَ عبور رئيسية لشبكات التهريب العابرة للصحراء، لينمو في المدينة اقتصاد التهريب والإرهاب والتنقيب عن الذهب، وهو اقتصاد لا يريد الفاعلون فيه أي نوع من الاستقرار أو السلطة المركزية.


مقتل وزير الدفاع المالي ورجل موسكو على يد تنظيم «القاعدة»

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل (أ.ف.ب)
صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل (أ.ف.ب)
TT

مقتل وزير الدفاع المالي ورجل موسكو على يد تنظيم «القاعدة»

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل (أ.ف.ب)
صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل (أ.ف.ب)

لقي وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، مصرعه في هجوم شنته «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، السبت، على العاصمة المالية باماكو، وعدة مدن أخرى، فيما سيطر المتمردون الطوارق على مدينة كيدال (شمال البلاد).

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر من أسرته ومصادر أخرى حكومية وعسكرية، الأحد، خبر وفاة وزير الدفاع الذي يعد أحد أبرز قادة المجلس العسكري الحاكم في مالي منذ عام 2020. وصرّح أحد أفراد عائلة الوزير لوكالة الصحافة الفرنسية قائلاً: «في هجوم كاتي، قُتل الوزير (ساديو) كامارا مع زوجته الثانية». كما صرّح مصدر حكومي للوكالة: «لقد فقدنا شخصاً عزيزاً جداً، وزير الدفاع. لقد سقط في ميدان الشرف»، وهو ما أكّدته مصادر عسكرية أخرى.

وسبق أن أكدت مصادر إعلامية محلية، مساء أمس (السبت)، أن شاحنة مفخخة بخمسة أطنان من المتفجرات، استهدفت منزل وزير الدفاع المالي في قاعدة «كاتي» العسكرية بالقرب من العاصمة باماكو، وقالت هذه المصادر إن انفجار الشاحنة المفخخة «دمّر المنزل بالكامل». وأضافت نفس المصادر أن وزير الدفاع نقل إلى عيادة خاصة حيث «يرقد في العناية المركزة»، بينما قُتلت زوجته وأبناؤه في الانفجار.

المهندس الغامض

مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا (47 عاماً) يُشكّل ضربة موجعة للمجلس العسكري الحاكم في مالي، حيث يُعدّ أحد «الخمسة الكبار» في المجلس العسكري الحاكم في مالي، وهو عضو مؤسس في «اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب» التي أطاحت بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا في أغسطس (آب) 2020.

صورة أرشيفية لوزير الدفاع المالي الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزيري خارجية روسيا ومالي في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

يُصنّف ضمن الدائرة الضيقة جداً التي تحكم مالي فعلياً، إلى جانب الرئيس آسيمي غويتا، ويوصف من طرف كثيرين بأنه «رجل الظل قليل الكلام»، حيث يُعرف بسلوكه المُتحفّظ وقبوله القليل للمقابلات الصحافية، ما أضفى عليه هالة من الغموض والقوة داخل وخارج مالي.

رغم كونه وزيراً للدفاع، فإن نفوذه يمتدّ للسياسة الخارجية والأمن القومي وحتى التعيينات الإدارية الكبرى، وهو من يقود عملية «إصلاح الجيش» ومهندس «الدعاية العسكرية»، ويرى فيه الماليون الرجل الذي يقف خلف القرارات السيادية الصعبة، رغم بعده عن الأضواء.

رجل موسكو

يُعتبر كامارا العقل المدبر وراء استبدال النفوذ الفرنسي في مالي بالشراكة مع روسيا، حيث تلقّى تدريبه العسكري المتقدم في روسيا قبل انقلاب 2020 بوقت قصير، وعاد إلى مالي قبيل تنفيذ الانقلاب بأيام، مما أثار تكهّنات حينها حول دور روسي في التخطيط للتحرك.

والمؤكد أنه بعد الانقلاب جرى تعيينه وزيراً للدفاع، ليبدأ مباشرة في مفاوضات سرية لجلب مجموعة «فاغنر»، التي تحولت لاحقاً إلى «فيلق أفريقيا»، وقام بعدة زيارات سرية ومعلنة لموسكو لتأمين الدعم العسكري والسياسي.

وفي يوليو (تموز) 2023، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات مباشرة عليه، متهمة إياه بتسهيل وتوسيع أنشطة مجموعة «فاغنر» في مالي، والمساهمة في زعزعة استقرار المنطقة، ولكن واشنطن رفعت هذه العقوبات مارس (آذار) الماضي، وسحبت اسمه من القائمة السوداء.

عدو باريس

خلال خمس سنوات قضاها ساديو كامارا وزيراً للدفاع، والرجل العسكري الأول في مالي، كان واضحاً في مواقفه المعادية لفرنسا، ومن بعدها للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي يرى أنها أداة بيد الفرنسيين.

فقد كان كامارا الصوت الأكثر حدة في المطالبة برحيل القوات الفرنسية (عملية برخان) وبعثة الأمم المتحدة (مينوسما)، وذلك تمهيداً لجلب القوات الروسية والتوجّه نحو عقد صفقات سلاح مع تركيا، ما كان الفرنسيون ليسمحوا بها. كما ساهم كامارا في صياغة موقف مالي المتصلب تجاه منظمة (إيكواس)، مما أدى في النهاية لانسحاب مالي من المنظمة وتأسيس «تحالف دول الساحل»، مع بوركينا فاسو والنيجر، حيث أصبحت هذه الدول الثلاث تشكل «المحور الروسي» في غرب أفريقيا، وقد لعب كامارا دوراً بارزاً في تشكيل هذا المحور.

الذهب مقابل السلاح

طوّر ساديو كامارا آلية خاصة لإبرام صفقات السلاح الضخمة مع روسيا وتركيا، مكنته من الحصول على تكنولوجيا متطورة، مثل طائرات مسيّرة وأنظمة صواريخ، بالإضافة إلى طائرات عسكرية ومروحيات مقاتلة.

ولكن مالي الفقيرة والمنهكة بالحروب والأزمات لم تكن قادرة على الدفع، فقرر أن يكون التعويض هو الحصول على تراخيص لاستغلال مناجم الذهب في مالي، وهي واحدة من أغنى المناجم بالذهب في أفريقيا والعالم.

وقد مكّنت هذه الأسلحة من رفع معنويات الجيش، وتحقيق مكاسب ميدانية في مواجهة «القاعدة» و«داعش» والمتمردين الطوارق، وأعلن ساديو كامارا في أكثر من مرة تبنّي عقيدة عسكرية «هجومية» ترفض التفاوض مع الجماعات المسلحة، بل إنه دفع باتجاه إنهاء «اتفاق الجزائر للسلام» واستعادة السيطرة العسكرية على مدينة كيدال في 2023، وهي أهم مدن الشمال والعاصمة التاريخية للطوارق.

غموض وفراغ

بعد مقتل وزير الدفاع، وحديث عن استهداف شخصيات عسكرية وأمنية أخرى من بينها رئيس المخابرات ورئيس أركان الجيش، تبدو الأوضاع غامضة في مالي، وتزداد المخاوف من انهيار تام للدولة أمام قوة التحالف القائم بين تنظيم «القاعدة» والمتمردين الطوارق.

تشهد العاصمة المالية اشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل (أ.ف.ب)

ووصف مراقبون هجوم السبت بأنه «اختراق كبير»، حيث كان تنظيم «القاعدة» لديه معلومات دقيقة عن أماكن تواجد شخصيات محورية في النظام، على رأسها وزير الدفاع، والنجاح في التحرك وتصفيته داخل أكبر وأهم قاعدة عسكرية في البلاد.

وكتب محمدن أيب أيب، عبر منصة «إكس»، وهو باحث مختص في الشأن الأمني بمنطقة الساحل تعليقاً على ما حدث: «بمقتل وزير الدفاع، ساديو كامارا، تفقد البلاد مهندس الاتصالات العسكرية المالية الروسية، الصديق المقرب من الدوائر العسكرية الروسية، والنديم الدائم لنائب وزير الدفاع الروسي، يونس بك يفكيروف».

معركة كيدال

وفي كيدال بشمال البلاد، أعلن المتمرّدون الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من المدينة التي قالوا إنهم صاروا يسيطرون عليها «بالكامل». وقال قيادي في «جبهة تحرير أزواد» لوكالة الصحافة الفرنسية إنه «تم التوصل إلى اتفاق يسمح للجيش وحلفائه في فيلق أفريقيا بمغادرة المعسكر رقم 2، حيث كانوا متحصنين منذ أمس (السبت)».

وأفاد أحد سكان كيدال: «رأينا موكباً عسكرياً يغادر، لكننا لا نعرف تفاصيل الوضع... مقاتلو الحركات المسلحة هم من ينتشرون في الشوارع الآن». إلى ذلك، أعلنت «جبهة تحرير أزواد» أنها سيطرت على عدة مواقع في منطقة غاو في شمال البلاد أيضاً. ولم تعلن الحكومة حتى مساء السبت سوى إصابة 16 مدنياً وعسكرياً و«أضرار مادية محدودة»، مضيفة أن «الوضع تحت السيطرة تماماً في جميع المناطق التي تعرّضت للهجوم».

من جهته، أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في بيان «التطرف العنيف» في أعقاب الهجمات، ودعا إلى «دعم دولي منسق للتصدي للتهديد المتنامي للتطرف العنيف والإرهاب في منطقة الساحل، والاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة».


المتمردون الطوارق في مالي يعلنون اتفاقاً مع الروس لانسحابهم من كيدال

صورة عامة لباماكو بعد هجمات شنَّها مسلحون على قواعد عسكرية في أنحاء البلاد (رويترز)
صورة عامة لباماكو بعد هجمات شنَّها مسلحون على قواعد عسكرية في أنحاء البلاد (رويترز)
TT

المتمردون الطوارق في مالي يعلنون اتفاقاً مع الروس لانسحابهم من كيدال

صورة عامة لباماكو بعد هجمات شنَّها مسلحون على قواعد عسكرية في أنحاء البلاد (رويترز)
صورة عامة لباماكو بعد هجمات شنَّها مسلحون على قواعد عسكرية في أنحاء البلاد (رويترز)

أعلن المتمردون الطوارق، الأحد، التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من مدينة كيدال في شمال مالي التي قالوا إنهم صاروا يسيطرون عليها «بالكامل».

وقال قيادي في صفوف المتمردين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «تم التوصل إلى اتفاق يسمح للجيش وحلفائه في فيلق أفريقيا بمغادرة المعسكر رقم 2، حيث كانوا متحصنين منذ أمس»، مضيفاً أن مدينة كيدال أصبحت تحت سيطرتهم «بالكامل».

وقال أحد سكان كيدال للوكالة الفرنسية: «رأينا موكباً عسكرياً يغادر، لكننا لا نعرف تفاصيل الوضع... مقاتلو الحركات المسلحة هم من ينتشرون في الشوارع الآن».

ونقلت الوكالة عن عائلة وزير الدفاع المالي ومصدر حكومي أن الوزير ساديو كامارا قُتل في هجوم، السبت، على منزله قرب باماكو.

وتجددت الاشتباكات الأحد، بين مقاتلين لجماعات متشددة والجيش المالي في مدينة كاتي قرب العاصمة باماكو، وهي معقل للمجلس العسكري الحاكم، وذلك غداة هجمات منسقة شنها متشددون متحالفون مع متمردين طوارق في عدة مناطق، حسبما أفاد به شهود «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت كاتي التي تضم حامية عسكرية، من بين المناطق التي هاجمها السبت عناصر من جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» والمتحالفة مع المتمردين الطوارق من جبهة تحرير أزواد.

وقال أحد سكان المدينة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «تجدد القتال صباح اليوم، في كل مكان تقريباً. الجهاديون بالقرب من التلّة» المطلة على كاتي. وقال ساكن آخر: «دخل الطيران أيضاً المعركة».

صورة من مقطع مُصوَّر للاشتباكات في مالي أمس (أ.ف.ب)

من جانبه، ودان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أمس (السبت)، «أعمال العنف» في مالي، بعدما أعلنت جماعة مسلحة أنَّ مقاتليها شنّوا مع متمردين من الطوارق هجمات ضد الجيش في أنحاء الدولة التي يتولَّى مجلس عسكري الحكم فيها.

وجاء في بيان لستيفان دوجاريك، المتحدث باسم غوتيريش، أن «الأمين العام يشعر بقلق بالغ حيال التقارير عن هجمات في مواقع عدة بأنحاء مالي»، ويدعو إلى «دعم دولي منسّق للتعامل مع الخطر المتزايد للتطرّف العنيف والإرهاب في منطقة الساحل، وتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت جماعة على صلة بتنظيم «القاعدة»، السبت، أنَّها نفّذت مع متمردين من الطوارق هجمات كانت الأكثر تنسيقاً التي تشهدها الدولة الفقيرة الواقعة في غرب أفريقيا منذ سنوات.

ووقعت الهجمات في محيط العاصمة باماكو ومناطق أخرى، بينما أعلن متمرّدو الطوارق أنهم سيطروا على مدينة كيدال في الشمال.

وأضاف البيان أن غوتيريش «يدين بشدّة أعمال العنف هذه، ويعرب عن تضامنه مع الشعب المالي، ويشدد على ضرورة حماية المدنيين والبنى التحتية المدنية». كما دعا إلى «تنسيق أمني قوي، وتعاون في أنحاء المنطقة».

ونقلت مجموعة «​سايت إنتليجنس» عن جماعة ‌«نصرة ‌الإسلام ​والمسلمين» التابعة ‌لتنظيم «⁠القاعدة» ​قولها، في ⁠بيان، إنها مسؤولة ⁠عن ‌هجمات ‌منسقة في ​أنحاء ‌مالي، ‌السبت، بالاشتراك ‌مع «جبهة تحرير ⁠أزواد» التي يهيمن ⁠عليها الطوارق.

مسلحون يتجوَّلون في شوارع كاتي بينما يتردَّد صدى إطلاق النار في مدن عدة بمالي أمس (أ.ف.ب)

وطلبت سفارة الولايات المتحدة الأميركية في مالي من رعاياها الابتعاد عن المناطق التي تشهد معارك ضارية بين وحدات عسكرية مالية ومجموعات مسلحة «مجهولة». وقالت السفارة إنَّها تتابع التقارير عن انفجارات وإطلاق نار بالقرب من كاتي ومطار باماكو، ولهذا «يجب على الأميركيين الاحتماء».

وتعاني مالي منذ عام 2021 من أزمة أمنية؛ إذ أسفرت هجمات نفَّذها متطرفون وجماعات إجرامية وانفصاليون عن مقتل الآلاف، ودفعت عشرات الآلاف إلى النزوح.

وأكد المجلس العسكري الذي وصل إلى السلطة إثر انقلابَين في 2020 و2021 أنَّ توليه الحكم يرمي إلى مكافحة المتطرفين بفاعلية أكبر، إلا أنَّ الهجمات لم تتوقف.

وقال شاهد من «رويترز» إنَّه سمع دوي انفجارَين قويَّين، كما سمع إطلاق نار متواصلاً، في وقت مبكر من صباح السبت، بالقرب من قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية، خارج العاصمة باماكو، وإنَّ جنوداً انتشروا لإغلاق الطرق في المنطقة. كما شهدت مدينة سيفاري بوسط البلاد وبلدة كيدال ومدينة جاو في الشمال اضطرابات مماثلة في التوقيت نفسه تقريباً. وقال شاهد من سيفاري: «يمكن سماع دوي إطلاق النار في كل مكان».

وابتعد النظام العسكري في مالي عن فرنسا وعدد من الشركاء الغربيين، كما فعلت النيجر وبوركينا فاسو اللتان يحكمهما أيضاً مجلسان عسكريان، واختار التقارب سياسياً وعسكرياً مع روسيا.