ترقُب لعرض عسكري ضخم... لماذا تحتفل الصين بيوم النصر في 3 سبتمبر؟

الأمة الصينية تتهيأ لاستعراض قوة البلد الذي دمرته الحرب العالمية الثانية

سيدة على دراجة تمر بجانب بوابة تيانانمن قبل العرض العسكري المرتقب غداً (أ.ب)
سيدة على دراجة تمر بجانب بوابة تيانانمن قبل العرض العسكري المرتقب غداً (أ.ب)
TT

ترقُب لعرض عسكري ضخم... لماذا تحتفل الصين بيوم النصر في 3 سبتمبر؟

سيدة على دراجة تمر بجانب بوابة تيانانمن قبل العرض العسكري المرتقب غداً (أ.ب)
سيدة على دراجة تمر بجانب بوابة تيانانمن قبل العرض العسكري المرتقب غداً (أ.ب)

تتهيأ ساحة ميدان «تيانانمن» وسط العاصمة الصينية بكين لاستقبال أكبر عرض عسكري في تاريخ البلاد الحديث، وذلك بمناسبة الذكرى الثمانين للحرب العالمية الثانية، والمقرر أن يقام يوم الأربعاء، الثالث من سبتمبر (أيلول) الجاري.

ووفق تقرير نشرته وكالة «أسوشييتد برس»، يحاول الحزب الشيوعي الحاكم تعزيز الشعور القومي من خلال المتاحف المُجددة، وأفلام الحرب الجديدة، والعرض العسكري، الذي يحضره قادة، بمن فيهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.

بالنسبة إلى العالم الخارجي، ستكون الصواريخ والدبابات والطائرات المقاتلة في العرض استعراضاً للقوة، حيث تسعى الصين إلى تصوير نفسها على أنها بديل لحقبة ما بعد الحرب التي تهيمن عليها الولايات المتحدة.

طفل يتفاعل بالقرب من مشهد حرب بمعرض لإحياء الذكرى الثمانين للحرب العالمية الثانية في بكين (أ.ب)

محلياً، يُعدّ إحياء الذكرى جهداً لإظهار مدى التقدم الذي أحرزته البلاد، ومن خلال ذلك، بناء الدعم للحزب وزعيمه، الرئيس شي جينبينغ. كانت الصين جبهة رئيسية في الحرب العالمية الثانية، وهي حقيقة غالباً ما تُغفل في الروايات التي تُركز أكثر على القتال من أجل أوروبا والمعارك البحرية الأميركية في المحيط الهادئ.

قالت إميلي ماتسون، الباحثة في التاريخ الصيني الحديث التي تُدرّس في جامعتي جورج تاون وجورج واشنطن: «إنه جزء مهم للغاية من الرواية التي يُضفي بها الحزب الشيوعي شرعيته كقائد للشعب الصيني».

لم يُعظّم الحزب دائماً من انتهاء الحرب. لم يصل الشيوعيون إلى السلطة إلا بعد أربع سنوات، وكان الجزء الأكبر من القتال من نصيب منافسيهم، الحكومة القومية التي أطاحوا بها عام 1949.

كان صراع الحرب أقل أهمية في العقود الأولى من الحكم الشيوعي، عندما كان التركيز منصباً على بناء دولة اشتراكية.

بدأ هذا الوضع بالتغير عام 1978، عندما أطلق الحزب الإصلاحات التي دفعت بالنهضة الاقتصادية للصين. تحولت رسالته تدريجياً من انتصار الطبقة العاملة إلى بناء الأمة.

طفل يؤدي التحية أمام تمثال يصوّر شخصية بطولية خلال جولته بمعرض لإحياء الذكرى الثمانين للحرب العالمية الثانية في بكين (أ.ب)

قالت ماتسون: «هذه قومية جديدة، إذ بدأت تشمل ليس فقط البروليتاريا الصينية، بل الأمة الصينية بأكملها».

مع مرور الوقت، أصبحت هزيمة اليابان جزءاً من قصة بناء الأمة، ونقطة انطلاق تُشير إلى نهاية فترة طويلة فرضت فيها القوى الأجنبية إرادتها على صين أضعف.

عزز شي، الذي تولى السلطة عام 2012، مساعيه لبناء دولة قوية لا يمكن استغلالها. تصدت حكومته للرسوم الجمركية الأميركية الجديدة هذا العام، مما أجبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تخفيضها.

في عام 2014، خصصت الحكومة يوم 3 سبتمبر (أيلول) -وهو اليوم التالي لاستسلام اليابان رسمياً- لكون يوم النصر. وفي العام التالي، الذكرى السبعين لنهاية الحرب، نظمت عرضاً عسكرياً في هذا اليوم لأول مرة.

طائرة تزود بالوقود جواً من طراز «يو-20» ومقاتلتان شبحيتان من طراز «جي-20» تابعة للجيش الصين تحلق فوق العاصمة بكين في إطار بروفات العرض العسكري المرتقب في ساحة تيانانمن غدا (أ.ب)

يُعرّف مؤرخو الحزب هزيمة اليابان بأنها نقطة تحول. فقد أرست أساساً مهماً لإعادة بناء الأمة، كما قال وانغ جونوي، رئيس المجلس الأكاديمي والتحريري في معهد تاريخ وأدب الحزب.

وقال: «لقد حوّل النصر في الحرب ضد اليابان الأمة الصينية من أزمة عميقة إلى نهضة عظيمة».

بالنسبة إلى الصين، بدأ القتال فيما تُسميه حرب المقاومة الشعبية الصينية ضد العدوان الياباني قبل وقت طويل من الهجوم الياباني على بيرل هاربور عام 1941.

افتُتح معرضٌ شاملٌ عن الحرب في يوليو (تموز) في متحفٍ على مشارف بكين بالقرب من جسر ماركو بولو العريق، حيث تطورت مناوشات عام 1938 إلى غزوٍ يابانيٍّ للصين.

ويُصرّح الحزب، منذ عام 2017، بأن الحرب بدأت قبل ذلك - في عام 1931، عندما احتلت اليابان منطقةً كانت تُعرف آنذاك باسم منشوريا. وتضم المنطقة الشمالية الشرقية متحف الحرب في شنيانغ، الذي أُعيد افتتاحه الشهر الماضي بعد تجديده.

وشاهد زوار المتحفين آثاراً للحياة العسكرية وصوراً بالأبيض والأسود غير واضحة المعالم تُجسّد المعاناة والفظائع.

زوار يتجولون بمعرض يخلّد الذكرى الثمانين للحرب العالمية الثانية في بكين (أ.ب)

وقالت يان هونغجيا، مُعلّمة المرحلة الإعدادية، في المتحف: «لقد دفعنا ثمناً باهظاً للغاية». وقارنت ذلك بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

وأضافت: «لنفكر في الأمر، لو كان أطفال غزة خلال الحرب أطفالنا، فهل كنا مستعدين لإعادة إحياء هذا التاريخ، وهذا الإذلال، وهذا الألم؟».

لاحظت رانا ميتر، مؤرخة جامعة «هارفارد»، التي كتبت باستفاضة عن تجربة الصين في الحرب، بعض التغييرات في عرض الحزب للحرب عندما زارت المعرض نفسه.

أحد هذه التغييرات كان تضخيم دور الطيارين العسكريين السوفيات الذين ساعدوا الصين في السنوات الأولى من القتال، في إشارةٍ إلى تعميق علاقة الصين مع روسيا (يُجري بوتين محادثات مع شي، الثلاثاء).

ومن التغييرات الأخرى ازدياد الأهمية الممنوحة لدور الصين بوصفها عضواً مؤسساً للأمم المتحدة. تُصوّر الصين نفسها مدافعاً عن النظام العالمي في الوقت الذي يُمزق فيه ترمب المعايير الراسخة في العلاقات الدولية أو يُغيّرها حسب رغبته.

وقالت ميتر: «تُستخدم الحرب العالمية الثانية إطاراً للقول إن الصين هي الآن الوريث الحقيقي للنظام العالمي لعام 1945».

زوار يتجولون بمعرض يخلّد الذكرى الثمانين للحرب العالمية الثانية في بكين (أ.ب)

في أربعينات القرن الماضي، واجهت الولايات المتحدة والصين وحلفاؤها الآخرون التوسع العسكري الياباني في آسيا وصدّوه. وبعد ثمانية عقود، أصبحت الولايات المتحدة واليابان حليفتين في مواجهة الصين التي ازدادت قوةً وتمسكاً بما تعده حقوقها.

بالنسبة إلى بعض جيرانها، لا سيما تايوان والفلبين، أصبحت الصين الطرف المتنمر في بحر الصين الجنوبي.

يقول شين كاواشيما، الخبير في الشؤون الصينية بجامعة طوكيو، إن بكين تستغل العرض العسكري لخلق صورة تُبرز وقوفها إلى جانب روسيا ودول أخرى في مواجهة أميركا والدول الغنية الأخرى.

وأضاف: «تحاول الصين أن تُصوّر نفسها على أنها كانت عضواً رئيسياً في قيادة النظام العالمي لما بعد الحرب، وأنها وصلت الآن إلى مرحلة تلحق فيها بالولايات المتحدة وتتفوق عليها».



ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
TT

ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)

رفضت ميانمار، الجمعة، اتهامها بارتكاب إبادة جماعية في حقّ أقليّة الروهينغا المسلمة في الدعوى المرفوعة عليها أمام محكمة العدل الدولية، قائلة إنه «لا أساس» لهذه المزاعم.

وتعقد أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة جلسات لمدّة 3 أسابيع في هذه القضيّة التي رفعتها غامبيا متّهمة ميانمار بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 عبر أعمال قمع مارستها في حقّ أفراد هذه الأقليّة المسلمة سنة 2017.

وشدّد كو كو هلاينغ، الوزير المنتدب من الرئاسة البورمية أمام المحكمة التي تتّخذ في لاهاي مقرّاً، على «وجوب البتّ في هذه المسألة بناءً على وقائع مثبتة وليست ادعاءات لا أساس لها». وأشار إلى أن «الخطابات العاطفية والعروض الملتبسة للوقائع لا تقوم مقام تحليل معمّق للوضع».

ولطالما اعتبرت سلطات ميانمار أن القمع الذي مارسته قوّاتها المسلّحة المعروفة بـ«تاتماداو» كان مبرّراً للقضاء على المتمرّدين الروهينغا بعد هجمات أودت بنحو 12 من عناصر الأمن.

وفرّ مئات الآلاف من أفراد أقليّة الروهينغا المسلمة هرباً من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار ومسلّحون بوذيون إلى دولة بنغلاديش المجاورة، حيث تحدثوا عن أعمال اغتصاب جماعي وقتل وحرائق متعمّدة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

واليوم، يعيش نحو 1.17 مليون منهم في مخيّمات متهالكة في كوكس بازار في بنغلاديش.

«وصمة عار»

واعتبر كو كو هلاينغ في المحكمة أنه «ما كان يجدر بميانمار أن تقف مكتوفة اليدين وتدع الإرهابيين يتحرّكون بلا حسيب أو رقيب في شمال ولاية راكين». وأشار إلى أن «هذه الهجمات كانت مبرّراً لعمليات التطهير، وهو مفهوم عسكري يحيل على عمليات صدّ التمرّد أو مكافحة الإرهاب».

وبموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، يمكن لأيّ دولة أن تقاضي دولة أخرى أمام المحكمة في ضوء شبهات في انتهاك هذا الصكّ القانوني.

وفي 2019، رفعت غامبيا، وهي دولة ذات غالبية مسلمة، هذه القضيّة أمام محكمة العدل الدولية التي تبتّ في منازعات بين الدول.

ورغم أن قرارات محكمة العدل الدولية ليست ملزمة قانوناً، فإن حكماً لصالح غامبيا من شأنه أن يزيد الضغوط السياسية على بورما.

وصرّح الوزير المنتدب من رئاسة ميانمار بأن «إدانة بارتكاب إبادة جماعية من شأنها أن تشكّل وصمة عار على بلدي وشعبي»، مشدّداً على «الأهمية القصوى لهذه الإجراءات بالنسبة إلى سمعة بلدي ومستقبله».

وفي وقت سابق هذا الأسبوع، قدّمت غامبيا شهادات مروّعة عن أعمال القمع التي شملت اغتصابات جماعية وعمليات قتل وتعذيب.

وقال وزير العدل الغامبي متكلّما عن أفراد الروهينغا: «تمّ استهدافهم للقضاء عليهم».

ويتابع خبراء القانون هذه التطوّرات من كثب؛ إذ إنها قد تؤشّر إلى النهج الذي يمكن للمحكمة أن تعتمده في قضيّة مماثلة رفعتها دولة جنوب أفريقيا على إسرائيل على خلفية حملتها العسكرية في غزة في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
TT

لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)

علقت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية على موقف الصين تجاه التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا وإيران، وقالت إن بكين، حسب المحللين، تسعى إلى ترسيخ مكانتها بوصفها قوة استقرار في ظل تلك التحركات، لكن التزامها تجاه حلفائها يتسم بالبراغماتية في جوهره.

ووفقاً للصحيفة، يرى المحللون أن الاضطرابات السياسية في فنزويلا وإيران، بما فيها الضربات العسكرية التي هددت بها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونفذتها بالفعل، قد تتيح فرصاً لتعزيز مكانتها بديلاً موثوقاً ومستقراً للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ يتفاعلان خلال اجتماع ثنائي في مطار غيمهاي الدولي على هامش «قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ» بكوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

وأدت العملية العسكرية الأميركية المفاجئة في فنزويلا إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وترحيله إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات جنائية، منهيةً بذلك حكم زعيم دعمته بكين لسنوات بالقروض وصفقات النفط والدعم الدبلوماسي.

وفي إيران، أعقبت الاحتجاجات الجماهيرية حملة قمع دموية؛ ما أثار تساؤلات جديدة حول بقاء النظام، ودفع ترمب إلى وعد الشعب الإيراني بأن الولايات المتحدة ستتدخل لمساعدتهم. وبدأت البنتاغون في نقل الأفراد والمعدات من المنشآت الرئيسية بالمنطقة، لكن بدا أن ترمب تراجع عن اتخاذ أي إجراء عسكري، واستغلت بكين هذه الفرصة لتوضيح نهجها، أبلغ وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي، الخميس، أن الصين تعارض استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، كما تعارض تطبيق «قانون الغاب».

وأكد وانغ، في بيان صيني، استعداد الصين للعب «دور بنّاء» في حل الخلافات عبر الحوار، وذلك حسب ما صرح به لوزير الخارجية الإيراني.

وقالت الصحيفة إن إجراءات إدارة ترمب قد يكون لها تداعيات حقيقية على الصين ففنزويلا وإيران تُعدّان ركيزتين أساسيتين في التحالف المناهض للولايات المتحدة الذي يقوده الرئيس الصيني شي جينبينغ - بالتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - في مسعى لتعزيز النفوذ بين خصوم الولايات المتحدة، وتأمين إمدادات الطاقة، وإثبات أن واشنطن لم تعد الجهة المهيمنة على السياسة العالمية، وكذلك كوبا، التي هددها ترمب أيضاً.

ولفتت إلى أن هذا الاضطراب قد تكون له تداعيات اقتصادية على بكين أيضاً: فالصين هي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي؛ إذ تشتري معظم إمداداته، كما أنها تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر، وفقاً لشركات استشارية.

وحذّر ترمب هذا الأسبوع من أن أي دولة تستمر في التعامل التجاري مع إيران قد تواجه تعريفة جمركية بنسبة 25 في المائة على تجارتها مع الولايات المتحدة، وهو تحذير موجّه مباشرةً إلى الصين.

ومع ذلك، من المرجّح أن يتبع شي جينبينغ ما وصفه السياسي الأميركي الراحل هنري كيسنجر بأنه جوهر النهج الصيني في السياسة الخارجية: التركيز على المدى البعيد.

وكما يقول بيتس جيل، الباحث البارز في شؤون الأمن الآسيوي بالمكتب الوطني للبحوث الآسيوية في واشنطن، تستطيع الصين تحمّل تبعات هذا النهج البعيد تحديداً؛ لأنها تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة في خلق الفرص اللازمة لذلك.

ويضيف: «بقدر ما ترى الدول في الولايات المتحدة مشكلةً أكثر منها حلاً للتحديات التي تواجهها، ستسعى الصين إلى تقديم بديل».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الصيني شي جينبينغ في قمة قادة مجموعة العشرين بمدينة أوساكا اليابانية 29 يونيو 2019 (رويترز)

وعلى حدّ قول جيل، واشنطن تُسلّم الصين زمام الأمور في مجالات مثل تقديم المساعدات التنموية، وفتح أسواق التصدير، وتوفير الفرص التعليمية، على سبيل المثال.

وتوسّعت الصين بقوة في أميركا اللاتينية، بما في ذلك من خلال مشاريع بنية تحتية ضخمة، ففي فنزويلا، على سبيل المثال، تتراوح تقديرات إجمالي الاستثمارات الصينية، بما في ذلك القروض والاستثمارات في قطاع النفط، بين 60 و100 مليار دولار.

لا تزال الصين متعطشة للنفط

كما عزّزت الصين علاقاتها التجارية مع الشرق الأوسط، مستفيدةً من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران لشراء النفط بأسعار مخفّضة.

ويقول درو طومسون، المسؤول السابق في البنتاغون والمتخصص في الشأن الصيني، إنه على الرغم من انخفاضها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لا تزال الصين تعتمد على الشحنات الخارجية لتأمين نحو ثلثي إمداداتها من النفط الخام، لكن لدى بكين خيارات أخرى عدّة لسدّ النقص في السوق المفتوحة بسهولة.

وتابع: «أخيراً، حصلت الصين على تنوّع مصادر الإمداد الذي لطالما رغبت فيه. فإما فنزويلا، أو جنوب السودان، أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط، أو حتى بابوا غينيا الجديدة، العالم يزخر بالنفط، والصين «بإمكانها شراؤه من أي مكان في السوق المفتوحة».

وفي الشرق الأوسط، لا يكمن ألم بكين في الجانب المالي بقدر ما يكمن في كونها ضربة لطموحاتها الدبلوماسية المتنامية، وقد أكدت تحركات بارزة عدة قامت بها بكين في السنوات الأخيرة رغبتها في لعب دور أكبر في المنطقة، ففي عام 2024، أعلنت بكين، التي تقاربت بشكل متزايد مع القادة الفلسطينيين منذ هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عن اتفاق بين الفصائل الفلسطينية، بما فيها «حماس» و«فتح»، لتعزيز الوحدة بين الخصمين اللدودين خلال حرب غزة.

وأشادت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بالاتفاق بعدّه دليلاً على الدور المتنامي للصين بوصفها وسيطاً مؤثراً في الشرق الأوسط، رغم تحذيرات الخبراء من أن انعدام الثقة العميق وضعف خطط التنفيذ يحولان دون تحقيق وحدة عملية.

وتابعت الصحيفة أنه منذ ذلك الحين، صمد وقف إطلاق النار في غزة بشكل هش إلا أن الانقسامات السياسية الفلسطينية لا تزال راسخة، مع قلة المؤشرات على أن مبادرة بكين قد تُرجمت إلى حكم مستدام أو نفوذ على الأرض؛ ما يؤكد محدودية قدرة الصين على تحويل الاختراقات الدبلوماسية نتائج دائمة.

وذكرت الصحيفة أنه في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات تعصف بطهران، وكان ترمب يهدد بالتدخل، أرسلت إيران سفناً حربية للمشاركة في مناورات «إرادة السلام 2026» العسكرية التي تقودها الصين قبالة سواحل جنوب أفريقيا، والتي تُعدّ جزءاً من أول مناورة متعددة الأطراف لمنظمة «بريكس».

عَلما الصين وأميركا (رويترز)

وذكرت وسائل إعلام محلية أن جنوب أفريقيا طلبت من إيران الانسحاب في اللحظة الأخيرة لتجنب استعداء الولايات المتحدة، لكن الصور أظهرت السفن الإيرانية وهي تغادر للمشاركة في المناورات.

ورغم غياب الهند واقتصار مشاركة البرازيل على المراقبة، فإن المناورات - التي شاركت فيها القوات البحرية الصينية والروسية والجنوب أفريقية - أكدت رغبة بكين في توسيع عضوية ونطاق التكتلات السياسية والاقتصادية التي تقودها.

توسيع نفوذها

واستخدمت الصين منصات مثل مجموعة «بريكس»، ومبادرة الحزام والطريق، ومنظمة شنغهاي للتعاون لتعزيز نفوذها والدفع نحو ما وصفه شي جينبينغ في خطاب ألقاه عام 2023 بـ«الإنصاف والعدالة في الشؤون الدولية»، ومنح الدول النامية صوتاً أقوى.

وقد روَّجت بكين «بريكس» بوصفها أساساً لتحالف دول الجنوب العالمي القادر على دفع عجلة التخلي عن الدولار وبناء روابط تكنولوجية جديدة.

ولكن على الرغم من كل ما تتحدث عنه بكين من شراكات ودعم متبادل، فإن نهجها عملي للغاية، حسب المحللين، وهذا يعني أن التزامها بدعم حلفائها محدود للغاية، لا سيما في الأزمات الوجودية كالأزمة الفنزويلية أو عند مواجهة النظام في طهران.

ويقول أندريا غيسيللي، المحاضر في العلوم السياسية الدولية بجامعة إكستر، إن معظم الدول تدرك تماماً ما ستفعله الصين وما لن تفعله.

ويضيف غيسيللي: «باستثناء عدد محدود جداً من الدول التي تحتل موقعاً استراتيجياً في الدبلوماسية الصينية، مثل روسيا وكوريا الشمالية، فإن الصين مستعدة لتقديم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، وبيع الأسلحة، وتدريب قوات الأمن. ومع ذلك، عندما تشتد الأمور، ستتنحى بكين جانباً، ولن تلتزم أبداً ببقاء أي نظام».

ويتفق معه ثيو نينسيني، الباحث المتخصص في العلاقات الصينية - الإيرانية والمحاضر في معهد الدراسات السياسية في غرينوبل بقوله: «ليس من الواضح أيضاً أن موقف الصين المتحفظ حالياً تجاه الأزمات في فنزويلا وإيران يقوض مصداقيتها السياسية لدى شركائها الدبلوماسيين التقليديين، أو أنه يضر بشكل كبير بسمعتها بوصفها شريكاً مسؤولاً».

صورة تظهر العَلمين الأميركي والصيني (رويترز)

وقال جيل، من المكتب الوطني للبحوث الآسيوية، إنه من غير المرجح أن تتخذ بكين «أي خطوات استفزازية صريحة في هذه المرحلة»، وستكتفي بإصدار بيانات نمطية تعارض «التدخل الأجنبي» في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وأضاف: «في الخفاء، ستعيد القيادة الصينية ومخططوها تقييم العلاقات في أميركا الجنوبية ومنطقة الخليج، وستقدم تطمينات غير رسمية هادئة بشأن الدعم الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي للدول التي قد تكون أهداف واشنطن التالية، مثل إيران وكوبا».

ويقول المحللون إن الصين ستواصل اتباع نهج طويل الأمد، مكتفية باستيعاب الصدمات من واشنطن، واثقة من أن الصبر يبقى أثمن أصول سياستها الخارجية.


حظر 4.7 مليون حساب على منصات التواصل الاجتماعي لقاصرين في أستراليا

قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
TT

حظر 4.7 مليون حساب على منصات التواصل الاجتماعي لقاصرين في أستراليا

قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)

قالت هيئة تنظيم الإنترنت في أستراليا إن الشركات التي تدير منصات ​التواصل الاجتماعي حظرت مجتمعة نحو 5 ملايين حساب لمراهقين في البلاد بعد شهر واحد فقط من بدء سريان أول حظر من نوعه عالمياً على من هم دون سن 16 عاماً، ما يعكس ‌التأثير السريع والواسع ‌للإجراء.

وذكرت ⁠الهيئة ​المعنية ‌بالسلامة الإلكترونية على الإنترنت في أستراليا «إي سيفتي» أن المنصات أزالت حتى الآن نحو 4.7 مليون حساب لمراهقين تقل أعمارهم عن 16 عاماً امتثالاً لقانون دخل حيز ⁠التنفيذ في 10 ديسمبر (كانون الأول). ‌وأكدت بعض المنصات أنها ‍ستبدأ إزالة ‍الحسابات التي تنطبق عليها شروط ‍الحظر خلال الأسابيع التي تسبق الموعد النهائي.

«لوغو» لمنصات مملوكة لشركة «ميتا» وهي من اليمين «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام» (د.ب.أ)

وتمثل هذه الأرقام أول بيانات حكومية حول الامتثال. وتشير إلى أن المنصات تتخذ ​خطوات مهمة للالتزام بالقانون، الذي ربما يعرضها لغرامة تصل إلى 49.⁠5 مليون دولار أسترالي (33 مليون دولار) في حالة عدم الالتزام به، لكنه لا يحمل الأطفال أو آباءهم المسؤولية.

وفاق هذا العدد التقديرات التي أوردتها تقارير قبل صدور القانون استناداً إلى بيانات السكان. وقالت «ميتا» في وقت سابق إنها أزالت نحو 550 ألف حساب ‌لقاصرين من «إنستغرام» و«فيسبوك» و«ثريدز».