أفغان عائدون لبلدهم بعد ترحيلهم من إيران يحاولون البدء من جديد

أفغانيات مرحّلات يقلن إنهن فقدن مستقبلهن الذي بنينه في المنفى

حقائب تخص أفغاناً مرحَّلين من إيران ملقاة بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مخيم للمهاجرين العائدين بالقرب من معبر إسلام قلعة الحدودي في ولاية هرات بأفغانستان.. 22 يوليو 2025 (رويترز)
حقائب تخص أفغاناً مرحَّلين من إيران ملقاة بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مخيم للمهاجرين العائدين بالقرب من معبر إسلام قلعة الحدودي في ولاية هرات بأفغانستان.. 22 يوليو 2025 (رويترز)
TT

أفغان عائدون لبلدهم بعد ترحيلهم من إيران يحاولون البدء من جديد

حقائب تخص أفغاناً مرحَّلين من إيران ملقاة بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مخيم للمهاجرين العائدين بالقرب من معبر إسلام قلعة الحدودي في ولاية هرات بأفغانستان.. 22 يوليو 2025 (رويترز)
حقائب تخص أفغاناً مرحَّلين من إيران ملقاة بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مخيم للمهاجرين العائدين بالقرب من معبر إسلام قلعة الحدودي في ولاية هرات بأفغانستان.. 22 يوليو 2025 (رويترز)

حبيبة، امرأة أفغانية فرَّت من حكم «طالبان» للحصول على درجة علمية بالهندسة في إيران، تم ترحيلها في يوليو (تموز) عندما كانت على وشك إكمال دراستها.

وقالت المرأة البالغة من العمر 31 عاماً، والتي طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها، خوفاً من التداعيات، إنها عادت إلى وطنها لا تحمل شيئاً سوى جهاز الكمبيوتر (لابتوب) ووثائقها، أي ما تبقَّى من آثار مستقبل كادت تضمنه.

مواطنون أفغان تم ترحيلهم من إيران يصلون إلى معبر إسلام قلعة الحدودي في ولاية هرات بأفغانستان... 20 يوليو 2025 (رويترز)

وهي من مئات الآلاف الذين أُجبروا على العودة في الأسابيع الماضية مع تكثيف إيران عمليات طرد الأفغان في أعقاب حربها مع إسرائيل.

وقالت حبيبة لـ«رويترز» في بلدة إسلام قلعة الحدودية الأفغانية: «كنت على وشك تحقيق هدفي».

امرأة أفغانية تم ترحيلها من إيران تسجل أطفالها للتطعيم داخل خيمة تابعة لمنظمة الصحة العالمية في مخيم للمهاجرين العائدين بالقرب من معبر إسلام قلعة الحدودي في ولاية هرات بأفغانستان... 21 يوليو 2025 (رويترز)

وأضافت أنها ادخرت ما يكفي من المال لإكمال أطروحتها، وهي الخطوة النهائية قبل التخرج، والآن عليها أن تبدأ من جديد في بلد يحظر على الفتيات الذهاب إلى المدارس الثانوية والجامعات.

وتقول وكالات إغاثة إن اتهامات السلطات الإيرانية للمواطنين الأفغان بالتجسس لصالح إسرائيل تسببت في زيادة عمليات الترحيل.

امرأة أفغانية رُحِّلت من إيران تحمل طفلها منتظرة تسجيل نفسها في معسكر للمهاجرين العائدين بالقرب من معبر إسلام قلعة الحدودي في ولاية هرات بأفغانستان... 20 يوليو 2025 (رويترز)

700 ألف أفغاني طُردوا من إيران

وأفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن نحو 700 ألف أفغاني طُردوا من إيران منذ بداية يونيو (حزيران). ويتشارك البلدان حدوداً برية بطول 920 كيلومتراً.

ويصرُّ المسؤولون الإيرانيون على أن أولئك الذين تم ترحيلهم لم تكن معهم وثائق، وأن معظمهم غادروا طوعاً، وعزوا ذلك إلى مخاوف تتعلق بالأمن والموارد.

وذكرت وسائل إعلام محلية أن وزير الداخلية، إسكندر مؤمني، قال في يوليو إن 70 في المائة من مليون شخص غادروا منذ مارس (آذار)، غادروا طواعية.

ونقلت وسائل الإعلام المحلية عن نادر ياراحمدي، وهو مستشار بوزارة الداخلية الإيرانية ورئيس مركز شؤون الأجانب والمهاجرين التابع لها، قوله إن بطاقات التعداد المؤقتة التي يحملها نحو مليونَي مواطن أفغاني أُلغيت منذ مارس، وكان أمامهم مهلة حتى يوليو للمغادرة. وأضاف أن هناك 2.1 مليون أفغاني آخرين في إيران ليست لديهم وثائق.

وزاد عدد الأفغان العائدين بشدة بعد أن خاضت إسرائيل وإيران حرباً استمرَّت 12 يوماً في يونيو. وتشير تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن إيران رحَّلت أكثر من 30 ألف أفغاني في المتوسط يومياً خلال الحرب، بزيادة 15 مثلاً مقارنة بنحو ألفين قبل ذلك.

لكن المسؤولين الإيرانيين قللوا من أهمية مزاعم التجسُّس بوصفها تقارير إعلامية منفردة. وقال ياراحمدي إن الحملة تستهدف المهاجرين غير الشرعيين.

وقال عمال إغاثة في إسلام قلعة إن بعض العائدين وصلوا بعد أيام دون طعام أو ماء. بينما قال مؤمني إن عمليات الترحيل تمت «باحترام وكرامة»، لكنه أقرَّ بأن الحرب تسبَّبت في تسارع عمليات المغادرة مما جعل كثيرين يرحَّلون دون تلقي أجورهم أو جمع متعلقاتهم.

وأجرت «رويترز» مقابلات مع 26 أفغانياً عادوا من إيران في الآونة الأخيرة، ووصف عدد منهم البلد الذي عادوا إليه بأنه «غير مألوف وغير صالح للعيش الآن». ونفى معظمهم ما قيل حول كونهم مهاجرين غير شرعيين في إيران، وقالوا إنهم كانوا يحملون شكلاً من أشكال الوثائق.

الأفغانية رحيلة تم ترحيلها مع ابنتيها من إيران تجلس داخل منزل والدها في هرات بأفغانستان... 24 يوليو 2025 (رويترز)

العودة إلى القيود

قالت رحيلة، البالغة من العمر 37 عاماً، إنها كانت قد أسَّست مصدر رزق ثابتاً في طهران باعتمادها خبيرة تجميل وخياطة. والآن عادت إلى مدينة هرات الأفغانية مع ابنتيها، وتقول إن «المستقبل بلا معالم».

وتقول إنها انفصلت عن زوجها منذ سنوات عدة بعد معاناته من إدمان المخدرات، وتربي ابنتيها بمفردها منذئذٍ.

وتمنع القيود المفروضة من حركة «طالبان» النساء من معظم صور العمل، ومن السفر لمسافات طويلة دون محرم.

وقالت رحيلة: «ليس لدي معين ولا محرم». وذكرت أن والدها، على الرغم من أنه محرم، فإنه مسن وغير قادر على مرافقتها أو تقديم الدعم لها، مما يجعلها مقيدة فعلياً.

ويؤدي تدفق اللاجئين العائدين إلى أفغانستان، من إيران وباكستان، إلى إنهاك عمليات تقديم المساعدات في بلد يعاني بالفعل من انهيار اقتصادي، وتناقص عدد المانحين، وحظر تعليم الفتيات في المرحلة الثانوية.

إلا أن عملية التطهير الإيرانية التي أعقبت الصراع هي التي أرهقت السلطات الأفغانية وموظفي الإغاثة الذين يقول كثير منهم إنهم لم يكونوا مستعدين لحجم عمليات الترحيل وسرعتها.

وحثَّت الحكومة التي تقودها حركة «طالبان» إيران على المضي قدماً بالتدريج، وإتاحة الوقت للعائدين لتسوية شؤونهم المالية واستعادة ممتلكاتهم الشخصية.

وفي حين تحدَّثت النساء العائدات عن الحقوق والفرص الضائعة، فإن الرجال الأفغان تحدَّثوا عن تفكك الأسر، وتعطل خططهم، ومستقبلهم الذي يكتنفه الغموض.

وقال رحيم أوزبك (59 عاماً)، وهو حارس أمن، إنه اعتُقل في موقع عمله وتم ترحيله بمفرده، ويعيش الآن في مسجد قرب معبر إسلام قلعة بعيداً عن زوجتيه وأطفاله السبعة الذين بقوا في إيران على الرغم من أنهم مواطنون أفغان أيضاً.

وأضاف أنه دفع مبلغاً من المال في دفعة مقدمة للإيجار في إيران، لكن صاحب العقار لم يردها.

وتابع والدموع في عينيه: «ليست لديّ أي أصول أو مدخرات، وليس لدي أي مأوى أو مكان للإقامة... لا أعرف ماذا أفعل».

وقال منصور أحمد (21 عاماً)، وهو حداد من كابل، إنه اعتُقل في مكان عمله أيضاً، وتم ترحيله دون عائلته.

وذكر أن الضباط الإيرانيين اتهموه بمساعدة شخص ما على الهروب من معسكر ترحيل، وضربوه عندما أنكر ذلك.

وأضاف: «عندما تكلمت، ضربوني. وعندما التزمت الصمت، ضربوني مرة أخرى... ثم وضعوني في الحبس الانفرادي».

وظهرت علامات حمراء وكدمات واضحة على ظهره وكتفيه تتماشى مع تعرضه للضرب أو الركل.

نادية فيضي فنانة أفغانية فرَّت من الصراع في بلدها وهاجرت إلى ألمانيا تُرتب أمتعتها وتحضر بعض الملابس لارتدائها من سيارتها التي تحتوي على معظم متعلقاتها الشخصية في بون بألمانيا... 15 يوليو 2025 (رويترز)

أمن وعمل

ينفي المسؤولون الإيرانيون حدوث انتهاكات ممنهجة. وقال علي رضا بيجدلي، القائم بالأعمال الإيراني في كابل، إنه لا توجد تقارير رسمية عن سوء المعاملة، لكنه أقرَّ بأن «بعض الأشخاص قد يكونون غير راضين عن طريقة معاملتهم أو احتجازهم أو ترحيلهم».

وتقول السلطات الإيرانية إنها حاولت منع تفريق العائلات، لكنها تعترف بأن الاستعجال بعد الحرب أدى إلى تفريق بعض العائلات. وتم تشجيع الطلاب على المغادرة مع أقاربهم بموجب خطة العودة الطوعية.

ومع قول كثير من الأفغان إن الحياة في إيران كانت صعبة، واتسمت بالتمييز والتكاليف الباهظة والشعور الدائم بأنهم غير مرحب بهم، فقد كانت لديهم أهداف. وكان بعضهم يعمل، والبعض الآخر يدرس.

وتقول رحيلة: «كان الوضع في إيران صعباً للغاية... كان الناس يعاملوننا بقسوة. تعرضنا للذل والإهانة. لكن على الأقل كان هناك أمن وعمل. كان بإمكان النساء العمل... وكان ذلك جيداً لنا».


مقالات ذات صلة

«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

شمال افريقيا جانب من الجثامين التي عُثر عليها في أجدابيا شرق ليبيا (صفحات موثوقة)

«مقبرة أجدابيا» الليبية تعيد ملف الانتهاكات ضد «المهاجرين» إلى الواجهة

قال الحقوقي الليبي طارق لملوم إن جريمة التخلص من 21 أفريقياً ودفنهم في مقبرة جماعية بمدينة أجدابيا شرق ليبيا «ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مؤتمر مصري يستعرض جهود الحكومة في رعاية أبنائها بالخارج يوم 3 أغسطس 2025 (وزارة الخارجية المصرية)

تحويلات المغتربين المصريين... معيشة وترفيه واستثمار

تستند أسر مصرية كثيرة من طبقات اجتماعية مختلفة في معيشتها على تحويلات المغتربين، والتي باتت تشهد مؤخراً زيادات غير مسبوقة وُصفت بـ«القفزات التاريخية».

رحاب عليوة (القاهرة)
الولايات المتحدة​  سيارة إسعاف تنقل امرأة تعرضت لإطلاق نار من قبل ضابط هجرة في مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأميركية (رويترز)

مقتل امرأة بنيران موظفي الهجرة في منيابوليس بأميركا

أطلق موظف هجرة أميركي النار على امرأة في سيارتها في منيابوليس، فأرداها قتيلة، في أحدث واقعة ​عنف خلال الحملة التي تشنها إدارة ترمب ضد المهاجرين.

«الشرق الأوسط» (منيابوليس)
الولايات المتحدة​ سيارة مدرعة تابعة للشرطة تصل إلى موقع إطلاق نار في مينيابوليس بالولايات المتحدة (أ.ب)

أميركا: مقتل امرأة برصاص رجل أمن خلال حملة لملاحقة المهاجرين في مينيابوليس

أعلنت السلطات الأميركية اليوم الأربعاء أن ضابطاً فيدرالياً أطلق النار على سائقة سيارة في مينيابوليس وأرداها قتيلة، بعد أن حاولت دهس عناصر من قوات إنفاذ القانون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا مهاجرون بضواحي مدينة صفاقس (أ.ف.ب)

تونس ترحّل أكثر من 8 آلاف مهاجر في 2025

قالت المنظمة الدولية للهجرة في تونس، الأربعاء، إنها ساعدت في إعادة 8853 مهاجراً إلى بلدانهم خلال عام 2025.

«الشرق الأوسط» (تونس)

لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
TT

لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)

علقت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية على موقف الصين تجاه التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا وإيران، وقالت إن بكين، حسب المحللين، تسعى إلى ترسيخ مكانتها بوصفها قوة استقرار في ظل تلك التحركات، لكن التزامها تجاه حلفائها يتسم بالبراغماتية في جوهره.

ووفقاً للصحيفة، يرى المحللون أن الاضطرابات السياسية في فنزويلا وإيران، بما فيها الضربات العسكرية التي هددت بها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونفذتها بالفعل، قد تتيح فرصاً لتعزيز مكانتها بديلاً موثوقاً ومستقراً للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ يتفاعلان خلال اجتماع ثنائي في مطار غيمهاي الدولي على هامش «قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ» بكوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

وأدت العملية العسكرية الأميركية المفاجئة في فنزويلا إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وترحيله إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات جنائية، منهيةً بذلك حكم زعيم دعمته بكين لسنوات بالقروض وصفقات النفط والدعم الدبلوماسي.

وفي إيران، أعقبت الاحتجاجات الجماهيرية حملة قمع دموية؛ ما أثار تساؤلات جديدة حول بقاء النظام، ودفع ترمب إلى وعد الشعب الإيراني بأن الولايات المتحدة ستتدخل لمساعدتهم. وبدأت البنتاغون في نقل الأفراد والمعدات من المنشآت الرئيسية بالمنطقة، لكن بدا أن ترمب تراجع عن اتخاذ أي إجراء عسكري، واستغلت بكين هذه الفرصة لتوضيح نهجها، أبلغ وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي، الخميس، أن الصين تعارض استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، كما تعارض تطبيق «قانون الغاب».

وأكد وانغ، في بيان صيني، استعداد الصين للعب «دور بنّاء» في حل الخلافات عبر الحوار، وذلك حسب ما صرح به لوزير الخارجية الإيراني.

وقالت الصحيفة إن إجراءات إدارة ترمب قد يكون لها تداعيات حقيقية على الصين ففنزويلا وإيران تُعدّان ركيزتين أساسيتين في التحالف المناهض للولايات المتحدة الذي يقوده الرئيس الصيني شي جينبينغ - بالتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - في مسعى لتعزيز النفوذ بين خصوم الولايات المتحدة، وتأمين إمدادات الطاقة، وإثبات أن واشنطن لم تعد الجهة المهيمنة على السياسة العالمية، وكذلك كوبا، التي هددها ترمب أيضاً.

ولفتت إلى أن هذا الاضطراب قد تكون له تداعيات اقتصادية على بكين أيضاً: فالصين هي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي؛ إذ تشتري معظم إمداداته، كما أنها تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر، وفقاً لشركات استشارية.

وحذّر ترمب هذا الأسبوع من أن أي دولة تستمر في التعامل التجاري مع إيران قد تواجه تعريفة جمركية بنسبة 25 في المائة على تجارتها مع الولايات المتحدة، وهو تحذير موجّه مباشرةً إلى الصين.

ومع ذلك، من المرجّح أن يتبع شي جينبينغ ما وصفه السياسي الأميركي الراحل هنري كيسنجر بأنه جوهر النهج الصيني في السياسة الخارجية: التركيز على المدى البعيد.

وكما يقول بيتس جيل، الباحث البارز في شؤون الأمن الآسيوي بالمكتب الوطني للبحوث الآسيوية في واشنطن، تستطيع الصين تحمّل تبعات هذا النهج البعيد تحديداً؛ لأنها تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة في خلق الفرص اللازمة لذلك.

ويضيف: «بقدر ما ترى الدول في الولايات المتحدة مشكلةً أكثر منها حلاً للتحديات التي تواجهها، ستسعى الصين إلى تقديم بديل».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الصيني شي جينبينغ في قمة قادة مجموعة العشرين بمدينة أوساكا اليابانية 29 يونيو 2019 (رويترز)

وعلى حدّ قول جيل، واشنطن تُسلّم الصين زمام الأمور في مجالات مثل تقديم المساعدات التنموية، وفتح أسواق التصدير، وتوفير الفرص التعليمية، على سبيل المثال.

وتوسّعت الصين بقوة في أميركا اللاتينية، بما في ذلك من خلال مشاريع بنية تحتية ضخمة، ففي فنزويلا، على سبيل المثال، تتراوح تقديرات إجمالي الاستثمارات الصينية، بما في ذلك القروض والاستثمارات في قطاع النفط، بين 60 و100 مليار دولار.

لا تزال الصين متعطشة للنفط

كما عزّزت الصين علاقاتها التجارية مع الشرق الأوسط، مستفيدةً من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران لشراء النفط بأسعار مخفّضة.

ويقول درو طومسون، المسؤول السابق في البنتاغون والمتخصص في الشأن الصيني، إنه على الرغم من انخفاضها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لا تزال الصين تعتمد على الشحنات الخارجية لتأمين نحو ثلثي إمداداتها من النفط الخام، لكن لدى بكين خيارات أخرى عدّة لسدّ النقص في السوق المفتوحة بسهولة.

وتابع: «أخيراً، حصلت الصين على تنوّع مصادر الإمداد الذي لطالما رغبت فيه. فإما فنزويلا، أو جنوب السودان، أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط، أو حتى بابوا غينيا الجديدة، العالم يزخر بالنفط، والصين «بإمكانها شراؤه من أي مكان في السوق المفتوحة».

وفي الشرق الأوسط، لا يكمن ألم بكين في الجانب المالي بقدر ما يكمن في كونها ضربة لطموحاتها الدبلوماسية المتنامية، وقد أكدت تحركات بارزة عدة قامت بها بكين في السنوات الأخيرة رغبتها في لعب دور أكبر في المنطقة، ففي عام 2024، أعلنت بكين، التي تقاربت بشكل متزايد مع القادة الفلسطينيين منذ هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عن اتفاق بين الفصائل الفلسطينية، بما فيها «حماس» و«فتح»، لتعزيز الوحدة بين الخصمين اللدودين خلال حرب غزة.

وأشادت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بالاتفاق بعدّه دليلاً على الدور المتنامي للصين بوصفها وسيطاً مؤثراً في الشرق الأوسط، رغم تحذيرات الخبراء من أن انعدام الثقة العميق وضعف خطط التنفيذ يحولان دون تحقيق وحدة عملية.

وتابعت الصحيفة أنه منذ ذلك الحين، صمد وقف إطلاق النار في غزة بشكل هش إلا أن الانقسامات السياسية الفلسطينية لا تزال راسخة، مع قلة المؤشرات على أن مبادرة بكين قد تُرجمت إلى حكم مستدام أو نفوذ على الأرض؛ ما يؤكد محدودية قدرة الصين على تحويل الاختراقات الدبلوماسية نتائج دائمة.

وذكرت الصحيفة أنه في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات تعصف بطهران، وكان ترمب يهدد بالتدخل، أرسلت إيران سفناً حربية للمشاركة في مناورات «إرادة السلام 2026» العسكرية التي تقودها الصين قبالة سواحل جنوب أفريقيا، والتي تُعدّ جزءاً من أول مناورة متعددة الأطراف لمنظمة «بريكس».

عَلما الصين وأميركا (رويترز)

وذكرت وسائل إعلام محلية أن جنوب أفريقيا طلبت من إيران الانسحاب في اللحظة الأخيرة لتجنب استعداء الولايات المتحدة، لكن الصور أظهرت السفن الإيرانية وهي تغادر للمشاركة في المناورات.

ورغم غياب الهند واقتصار مشاركة البرازيل على المراقبة، فإن المناورات - التي شاركت فيها القوات البحرية الصينية والروسية والجنوب أفريقية - أكدت رغبة بكين في توسيع عضوية ونطاق التكتلات السياسية والاقتصادية التي تقودها.

توسيع نفوذها

واستخدمت الصين منصات مثل مجموعة «بريكس»، ومبادرة الحزام والطريق، ومنظمة شنغهاي للتعاون لتعزيز نفوذها والدفع نحو ما وصفه شي جينبينغ في خطاب ألقاه عام 2023 بـ«الإنصاف والعدالة في الشؤون الدولية»، ومنح الدول النامية صوتاً أقوى.

وقد روَّجت بكين «بريكس» بوصفها أساساً لتحالف دول الجنوب العالمي القادر على دفع عجلة التخلي عن الدولار وبناء روابط تكنولوجية جديدة.

ولكن على الرغم من كل ما تتحدث عنه بكين من شراكات ودعم متبادل، فإن نهجها عملي للغاية، حسب المحللين، وهذا يعني أن التزامها بدعم حلفائها محدود للغاية، لا سيما في الأزمات الوجودية كالأزمة الفنزويلية أو عند مواجهة النظام في طهران.

ويقول أندريا غيسيللي، المحاضر في العلوم السياسية الدولية بجامعة إكستر، إن معظم الدول تدرك تماماً ما ستفعله الصين وما لن تفعله.

ويضيف غيسيللي: «باستثناء عدد محدود جداً من الدول التي تحتل موقعاً استراتيجياً في الدبلوماسية الصينية، مثل روسيا وكوريا الشمالية، فإن الصين مستعدة لتقديم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، وبيع الأسلحة، وتدريب قوات الأمن. ومع ذلك، عندما تشتد الأمور، ستتنحى بكين جانباً، ولن تلتزم أبداً ببقاء أي نظام».

ويتفق معه ثيو نينسيني، الباحث المتخصص في العلاقات الصينية - الإيرانية والمحاضر في معهد الدراسات السياسية في غرينوبل بقوله: «ليس من الواضح أيضاً أن موقف الصين المتحفظ حالياً تجاه الأزمات في فنزويلا وإيران يقوض مصداقيتها السياسية لدى شركائها الدبلوماسيين التقليديين، أو أنه يضر بشكل كبير بسمعتها بوصفها شريكاً مسؤولاً».

صورة تظهر العَلمين الأميركي والصيني (رويترز)

وقال جيل، من المكتب الوطني للبحوث الآسيوية، إنه من غير المرجح أن تتخذ بكين «أي خطوات استفزازية صريحة في هذه المرحلة»، وستكتفي بإصدار بيانات نمطية تعارض «التدخل الأجنبي» في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وأضاف: «في الخفاء، ستعيد القيادة الصينية ومخططوها تقييم العلاقات في أميركا الجنوبية ومنطقة الخليج، وستقدم تطمينات غير رسمية هادئة بشأن الدعم الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي للدول التي قد تكون أهداف واشنطن التالية، مثل إيران وكوبا».

ويقول المحللون إن الصين ستواصل اتباع نهج طويل الأمد، مكتفية باستيعاب الصدمات من واشنطن، واثقة من أن الصبر يبقى أثمن أصول سياستها الخارجية.


حظر 4.7 مليون حساب على منصات التواصل الاجتماعي لقاصرين في أستراليا

قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
TT

حظر 4.7 مليون حساب على منصات التواصل الاجتماعي لقاصرين في أستراليا

قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)

قالت هيئة تنظيم الإنترنت في أستراليا إن الشركات التي تدير منصات ​التواصل الاجتماعي حظرت مجتمعة نحو 5 ملايين حساب لمراهقين في البلاد بعد شهر واحد فقط من بدء سريان أول حظر من نوعه عالمياً على من هم دون سن 16 عاماً، ما يعكس ‌التأثير السريع والواسع ‌للإجراء.

وذكرت ⁠الهيئة ​المعنية ‌بالسلامة الإلكترونية على الإنترنت في أستراليا «إي سيفتي» أن المنصات أزالت حتى الآن نحو 4.7 مليون حساب لمراهقين تقل أعمارهم عن 16 عاماً امتثالاً لقانون دخل حيز ⁠التنفيذ في 10 ديسمبر (كانون الأول). ‌وأكدت بعض المنصات أنها ‍ستبدأ إزالة ‍الحسابات التي تنطبق عليها شروط ‍الحظر خلال الأسابيع التي تسبق الموعد النهائي.

«لوغو» لمنصات مملوكة لشركة «ميتا» وهي من اليمين «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام» (د.ب.أ)

وتمثل هذه الأرقام أول بيانات حكومية حول الامتثال. وتشير إلى أن المنصات تتخذ ​خطوات مهمة للالتزام بالقانون، الذي ربما يعرضها لغرامة تصل إلى 49.⁠5 مليون دولار أسترالي (33 مليون دولار) في حالة عدم الالتزام به، لكنه لا يحمل الأطفال أو آباءهم المسؤولية.

وفاق هذا العدد التقديرات التي أوردتها تقارير قبل صدور القانون استناداً إلى بيانات السكان. وقالت «ميتا» في وقت سابق إنها أزالت نحو 550 ألف حساب ‌لقاصرين من «إنستغرام» و«فيسبوك» و«ثريدز».


تقرير: خلافات مكتومة داخل «طالبان» تطفو على السطح بعد قرار قطع الإنترنت

صورة أرشيفية لمُقاتل من «طالبان» يقف حارساً بينما يتلقى الناس حصصاً غذائية تُوزعها منظمة إغاثة إنسانية صينية بكابل السبت 30 أبريل 2022 (أ.ب)
صورة أرشيفية لمُقاتل من «طالبان» يقف حارساً بينما يتلقى الناس حصصاً غذائية تُوزعها منظمة إغاثة إنسانية صينية بكابل السبت 30 أبريل 2022 (أ.ب)
TT

تقرير: خلافات مكتومة داخل «طالبان» تطفو على السطح بعد قرار قطع الإنترنت

صورة أرشيفية لمُقاتل من «طالبان» يقف حارساً بينما يتلقى الناس حصصاً غذائية تُوزعها منظمة إغاثة إنسانية صينية بكابل السبت 30 أبريل 2022 (أ.ب)
صورة أرشيفية لمُقاتل من «طالبان» يقف حارساً بينما يتلقى الناس حصصاً غذائية تُوزعها منظمة إغاثة إنسانية صينية بكابل السبت 30 أبريل 2022 (أ.ب)

كشفت تحقيقات لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عن تصدعات لافتة داخل قيادة حركة «طالبان»، بعد أن تجاهل مسؤولون كبار قراراً أصدره الزعيم الأعلى للحركة، هبة الله أخوند زاده، يقضي بقطع خدمة الإنترنت عن أفغانستان، قبل أن يُعاد تشغيلها بعد أيام قليلة دون إعلان رسمي.

ويستند التحقيق إلى تسجيل صوتي مسرَّب يعود إلى يناير (كانون الثاني) 2025، حذّر فيه أخوند زاده من أن الخلافات الداخلية المتصاعدة قد تقود إلى انهيار حكومة «طالبان»؛ في إشارة نادرة إلى صراع مكتوم داخل هرم السلطة في الحركة.

ووفق التحقيق، يتمحور الخلاف حول جناحين رئيسيين داخل «طالبان»: جناح يتمركز في قندهار، يدين بالولاء المطلق لأخوند زاده، ويدفع باتجاه حكم ديني متشدد، منغلق على العالم الخارجي، وآخر في كابل، يضم وزراء وشخصيات نافذة تتبنى نهجاً أكثر براغماتية، يقوم على انفتاح محدود على المجتمع الدولي، ومحاولات لإنعاش الاقتصاد، إلى جانب تخفيف القيود المفروضة على تعليم النساء والفتيات.

دعت «الأمم المتحدة» الأحد سلطات «طالبان» إلى رفع حظر تفرضه منذ 3 أشهر على عمل موظفاتها الأفغانيات في مقارّها بأفغانستان (أ.ف.ب)

ورغم نفي «طالبان» المتكرر وجود أي انقسام في قيادتها، فإن قرار قطع الإنترنت، في أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، شكّل، وفق مصادر مطلعة، نقطة تحوّل مفصلية. فبعد ثلاثة أيام فقط، عادت الخدمة إلى مختلف أنحاء البلاد، في خطوةٍ كشفت لاحقاً أن وزراء نافذين في كابل تحركوا لإلغاء القرار، فيما عُدّ تحدياً غير مسبوق لسلطة الزعيم الأعلى.

ويرى محللون أن دلالة هذه الخطوة لا تكمن في مسألة الإنترنت بحد ذاتها، بل في كسر مبدأ «الطاعة المطلقة» الذي حكم سلوك «طالبان» تاريخياً، إذ يُنظر إلى أخوند زاده بوصفه المرجعية العليا غير القابلة للمساءلة داخل الحركة.

ويشير التحقيق إلى أن تركز السلطة في قندهار، وفرض قيود صارمة على النساء، ومنع التعليم والعمل، شكّلت عوامل رئيسية في تعميق التوتر بين الجناحين، وسط مخاوف متزايدة لدى تيار كابل من أن استمرار العزلة الدولية سيقود أفغانستان إلى طريق مسدود.

وعلى الرغم من استمرار الخطاب الرسمي الذي ينفي وجود أي شرخ داخلي، فإن لهجة التصريحات المتبادلة، خلال الأسابيع الأخيرة، تعكس، وفق مراقبين، عمق الخلاف داخل «طالبان»، وتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل حكم الحركة، وما إذا كانت هذه الانقسامات ستظل في إطارها السياسي الضيق، أم ستتطور إلى صراع أوسع قد يعيد رسم ملامح السلطة في أفغانستان.