فروا من الحرب في إثيوبيا... لتجدهم القنابل الأميركية

«الطريق الشرقي» من «أكثر طرق الهجرة ازدحاماً وخطورة بالعالم»

قال فانتا علي أحمد من منطقة تيغراي في إثيوبيا: «لقد دمرت القنابل الأميركية الأرض وكل من عليها». أُصيب بأبريل في قصف مركز احتجاز للمهاجرين في صعدة باليمن (نيويورك تايمز)
قال فانتا علي أحمد من منطقة تيغراي في إثيوبيا: «لقد دمرت القنابل الأميركية الأرض وكل من عليها». أُصيب بأبريل في قصف مركز احتجاز للمهاجرين في صعدة باليمن (نيويورك تايمز)
TT

فروا من الحرب في إثيوبيا... لتجدهم القنابل الأميركية

قال فانتا علي أحمد من منطقة تيغراي في إثيوبيا: «لقد دمرت القنابل الأميركية الأرض وكل من عليها». أُصيب بأبريل في قصف مركز احتجاز للمهاجرين في صعدة باليمن (نيويورك تايمز)
قال فانتا علي أحمد من منطقة تيغراي في إثيوبيا: «لقد دمرت القنابل الأميركية الأرض وكل من عليها». أُصيب بأبريل في قصف مركز احتجاز للمهاجرين في صعدة باليمن (نيويورك تايمز)

استيقظ الرجال في منتصف الليل على صوت هدير الطائرات الحربية. لم يكن الخوف بالأمر الجديد؛ حيث كان علي أحمد، الذي كان قيد الحبس مع أكثر من 100 مهاجر داخل سجن متهالك، فبعد أن وصل قطار الحرب الأهلية إلى منطقته، تيغراي، في إثيوبيا عام 2020، فرّ على طول أحد أخطر طرق التهريب في العالم.

وفي أثناء رحلة الهروب، داعبه الأمل في الوصول إلى المملكة العربية السعودية عبر البحر الأحمر، إلا أنه بدلاً من ذلك، وبينما كان يمر عبر أراضٍ يمنية يسيطر عليها الحوثيون، جرى اعتقاله وأُرسل إلى مركز احتجاز للمهاجرين في شمال اليمن.

مركز احتجاز المهاجرين المدمر في شمال اليمن (نيويورك تايمز)

وعلى مدار أسابيع خلال مارس (آذار) وأبريل (نيسان) من هذا العام، سمع دوي ضربات جوية أميركية بالقرب من المكان، في إطار حملة ضد الحوثيين المدعومين من إيران. ومع ذلك، كانت تلك المرة الأولى التي تقترب فيها الطائرات بهذا الشكل.

حين سقطت قنابل عدة وزنها 250 رطلاً على السجن في 28 أبريل، ونسفت السقف، سقط المهاجر فنتا على الأرض، حسبما يتذكر. في البداية، ظنّ أنه الوحيد الذي أُصيب، لكنه أدرك بوقت لاحق أنه كان من المحظوظين.

فقد سقط 10 أشخاص كانوا بجواره قتلى، بينما تُرك آخرون وأطرافهم تتدلى من الجلد الممزق، على حد وصفه.

قال فنتا، 32 عاماً، والذي نجا بعدما أصيب بكسر في الساقين وكسر في الذراع: «كان المكان وكل من فيه ممزقاً. لا أعرف لماذا قصفتنا أميركا».

في مايو اندلعت احتجاجات في صنعاء عاصمة اليمن حيث ألقت اللوم على غارة جوية أميركية تسببت في مقتل مهاجرين أفارقة كانوا محتجزين بمركز احتجاز في صعدة (غيتي)

بعد أكثر من شهرين على الهجوم الذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 60 شخصاً وإصابة 65 آخرين، بحسب السلطات الصحية في الحكومة الحوثية، لم تظهر إلا القليل من الإجابات. حمّل الحوثيون الولايات المتحدة المسؤولية، وكشف تحقيق أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» أن ما لا يقل عن 3 قنابل «GBU-39» أميركية الصنع ـ بذخائر موجهة صغيرة نسبياً مصممة لتقليل الأضرار الجانبية ـ قد استُخدمت في الهجوم، ما يشير إلى أن واشنطن هي على الأرجح من نفذ القصف.

من ناحيتها، لم تعلن القيادة المركزية الأميركية، التي تُشرف على العمليات العسكرية في المنطقة، مسؤوليتها عن الهجوم، واكتفت بقول إن المسؤولين «على علم بادعاءات سقوط ضحايا مدنيين نتيجة الضربات الأميركية في اليمن»، وإنها تُجري تحقيقاً في الأمر، بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز»، السبت.

ناجون من الغارة

زار مراسل «نيويورك تايمز» ناجين من الغارة، وما تبقى من السجن في مايو (أيار)، ورافقه مسؤول من الحكومة الحوثية؛ كي يتمكن من الوصول إلى المواقع المحظورة.

أما الرجال الذين نجوا من الهجوم، فلم يكن لديهم شك يُذْكر إزاء هوية الجهة المنفذة للهجوم.

عن ذلك، قال فنتا، بينما كان مستلقياً على سرير في أحد مستشفيات مدينة صعدة اليمنية، وجسده يهتز من الضحك: «ماذا يُفترض بنا أن نقول لأميركا؟ هل يمكنني الرد على أميركا؟ أن أهددها مثلاً؟».

وقال بنيام أكسا، 26 عاماً، عامل يومي من تيغراي كُسرت ساقه في القصف: «أنا أريد فقط أن أعرف لماذا جرى استهدافنا. ماذا فعلنا لهم حتى يُعاقبونا بهذا الشكل؟».

جدير بالذكر هنا أن الطريق إلى صعدة من العاصمة اليمنية صنعاء مكتظ بجماعات من المهاجرين الأفارقة. ومن صعدة ـ الواقعة في أقصى شمال اليمن، ومعقل الحوثيين ـ يستغرق الأمر نحو يوم سيراً على الأقدام لبلوغ حدود السعودية، وجهتهم النهائية.

وحديثاً، في إحدى فترات بعد الظهر، شاهد صحافي شاحنة حمراء تتوقف قبل نقطة تفتيش أمنية مباشرة. خرج منها العشرات من المهاجرين، وبدأوا في التفرق على جانب الطريق، وهم يحاولون تجنب ضبطهم.

وقبل بضعة أشهر، كان فنتا في الموقف نفسه. أما في تيغراي، فكان يعمل في الزراعة، كما عمل بعض الأحيان حارس أمن، وقال: «اشتعلت الحرب في كل مكان».

وبالفعل، ركب قارب تهريب عبر المضيق الذي يفصل أفريقيا عن شبه الجزيرة العربية. ومن مدينة عدن في جنوب اليمن، قطع رحلة طويلة شمالاً سيراً على الأقدام، في مواجهة مشقة الجوع والعطش حتى وصل إلى الحدود السعودية، على حد قوله.

«الطريق الشرقي»

تُعرف هذه الرحلة باسم «الطريق الشرقي» ـ وهو من «أكثر طرق الهجرة ازدحاماً وخطورة في العالم»، وفق المنظمة الدولية للهجرة.

العام الماضي، حاول عشرات الآلاف من الأشخاص عبور هذا الطريق، هاربين من النزاع، والفقر، والجفاف، والقمع السياسي في دول مثل إثيوبيا وإريتريا والصومال.

يعاني اليمن نفسه من حرب أهلية منذ عام 2014، حين أطاح الحوثيون الحكومة المعترف بها دولياً من العاصمة صنعاء. وأسفرت الحرب عن مقتل مئات الآلاف بسبب العنف، والمرض، والمجاعة. ومع انسحاب التحالف تدريجياً، بقي الحوثيون متمسكين بالسلطة في شمال غربي اليمن، حيث يحكمون بقبضة من حديد.

من جهته، وقبل أن يتمكن فنتا من العبور، جرى اعتقاله بتهمة تناول الكحوليات، حسبما قال. وفي السجن، كان المهاجرون يسمعون الضربات الجوية القريبة، ويراقبون بقلق نشرات الأخبار عن حملة القصف الأميركية، بحسب روايته.

وعندما بدأت الضربات الأميركية في 2024، في عهد الرئيس بايدن، صرّح المسؤولون أن الهدف منها ردع الحوثيين عن إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على إسرائيل ومهاجمة السفن في البحر الأحمر.أما قادة الحوثيين، فيقولون إن عملياتهم تهدف إلى الضغط على إسرائيل لوقف قصف غزة، وزيادة تدفق المساعدات الإنسانية.

من جهتها، بدأت إدارة ترمب هي الأخرى حملة قصف خاصة بها في مارس.

وأعلن البنتاغون أنه نفّذ أكثر من 1000 ضربة جوية في اليمن، استهدفت «الكثير من مراكز القيادة والسيطرة، وأنظمة الدفاع الجوي، ومرافق تصنيع أسلحة متقدمة، ومستودعات أسلحة متطورة»، إلا أنه لا يزال من غير الواضح لماذا قد يكون السجن من بين الأهداف. وقد التزم المسؤولون الصمت بشأن الضربات الفردية. ففي بيان صدر في 27 أبريل، قالت القيادة المركزية الأميركية إنه حفاظاً على سرية العمليات، فإنها «لن نكشف عن تفاصيل ما قمنا به أو ما سنقوم به».

وبعد يوم واحد فقط من صدور البيان، ضُرب السجن، الذي كان في داخله أكثر من 100 مهاجر إثيوبي ومهاجر إريتري واحد، بحسب المقدم أحمد علي الخراسي، مدير السجن.

وأضاف أن المحتجزين وُجّهت لهم تهم بارتكاب جرائم متنوعة، مثل تهريب الحشيش، وشرب الكحوليات، والقتل، وكانوا يقضون فترات سجنهم تمهيداً لترحيلهم.

وأضاف: «الجميع يعرف أن هذا المكان سجن منذ عام 2019، فلماذا يُستهدف؟».

وفي الخارج، وعند أنقاض السجن، وضعت السلطات المحلية شظايا القنابل التي أصابت المنشأة على أقمشة بيضاء.


مقالات ذات صلة

تركيا: السلام مع الأكراد يواجه موقفاً متشدداً من الحكومة

شؤون إقليمية نفَّذ 25 من مسلحي حزب «العمال» الكردستاني انسحاباً من تركيا إلى شمال العراق في 26 أكتوبر الماضي (رويترز)

تركيا: السلام مع الأكراد يواجه موقفاً متشدداً من الحكومة

تنتهي اللجنة المكلفة بوضع الأساس القانوني لنزع أسلحة «العمال» الكردستاني من تقريرها النهائي خلال الأسبوع المقبل، وسط معلومات عن خلوه من مطالب الأكراد والمعارضة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في بروكسل الأربعاء (رويترز)

المفوضية الأوروبية تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو

كشفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأربعاء، عن تفاصيل دعم الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا بـ90 مليار يورو على مدار العامين المقبلين.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الولايات المتحدة​ لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز) play-circle

أميركا استخدمت طائرة سرية بتمويه يجعلها تبدو مدنية لاستهداف قارب في الكاريبي

ذكرت تقارير إعلامية أن الجيش الأميركي استخدم طائرة سرية تم طلاؤها لتبدو كطائرة مدنية في أول هجوم على قارب يشتبه في قيامه بتهريب المخدرات في الكاريبي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية قائد الوحدة الصاروخية في الحرس الثوري الإيراني أمير علي حاجي زاده يقدّم شرحاً إلى وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في معرض الصواريخ الإيراني 20 سبتمبر 2023 (إرنا)

مسؤول غربي: إيران باعت روسيا عتاداً عسكرياً بـ4 مليارات دولار منذ عام 2021

ذكرت شبكة «بلومبرغ»، الاثنين، نقلاً عن مسؤول أمني غربي، أن إيران باعت روسيا عتاداً عسكرياً بأكثر من 4 مليارات دولار لدعم حربها على أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا جنود من جيش إندونيسيا يفرغون مساعدات موجهة للمتضررين من فيضانات إقليم آتشيه تاميانغ كانت على متن مروحية عسكرية (أ.ب)

تقارير: باكستان وإندونيسيا تقتربان من إبرام صفقة دفاعية

قال 3 مسؤولين أمنيين مطلعين إن وزير الدفاع الإندونيسي التقى قائد القوات الجوية ​الباكستانية في إسلام آباد؛ لمناقشة صفقة محتملة تشمل بيع طائرات حربية.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)

ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
TT

ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)

رفضت ميانمار، الجمعة، اتهامها بارتكاب إبادة جماعية في حقّ أقليّة الروهينغا المسلمة في الدعوى المرفوعة عليها أمام محكمة العدل الدولية، قائلة إنه «لا أساس» لهذه المزاعم.

وتعقد أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة جلسات لمدّة 3 أسابيع في هذه القضيّة التي رفعتها غامبيا متّهمة ميانمار بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 عبر أعمال قمع مارستها في حقّ أفراد هذه الأقليّة المسلمة سنة 2017.

وشدّد كو كو هلاينغ، الوزير المنتدب من الرئاسة البورمية أمام المحكمة التي تتّخذ في لاهاي مقرّاً، على «وجوب البتّ في هذه المسألة بناءً على وقائع مثبتة وليست ادعاءات لا أساس لها». وأشار إلى أن «الخطابات العاطفية والعروض الملتبسة للوقائع لا تقوم مقام تحليل معمّق للوضع».

ولطالما اعتبرت سلطات ميانمار أن القمع الذي مارسته قوّاتها المسلّحة المعروفة بـ«تاتماداو» كان مبرّراً للقضاء على المتمرّدين الروهينغا بعد هجمات أودت بنحو 12 من عناصر الأمن.

وفرّ مئات الآلاف من أفراد أقليّة الروهينغا المسلمة هرباً من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار ومسلّحون بوذيون إلى دولة بنغلاديش المجاورة، حيث تحدثوا عن أعمال اغتصاب جماعي وقتل وحرائق متعمّدة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

واليوم، يعيش نحو 1.17 مليون منهم في مخيّمات متهالكة في كوكس بازار في بنغلاديش.

«وصمة عار»

واعتبر كو كو هلاينغ في المحكمة أنه «ما كان يجدر بميانمار أن تقف مكتوفة اليدين وتدع الإرهابيين يتحرّكون بلا حسيب أو رقيب في شمال ولاية راكين». وأشار إلى أن «هذه الهجمات كانت مبرّراً لعمليات التطهير، وهو مفهوم عسكري يحيل على عمليات صدّ التمرّد أو مكافحة الإرهاب».

وبموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، يمكن لأيّ دولة أن تقاضي دولة أخرى أمام المحكمة في ضوء شبهات في انتهاك هذا الصكّ القانوني.

وفي 2019، رفعت غامبيا، وهي دولة ذات غالبية مسلمة، هذه القضيّة أمام محكمة العدل الدولية التي تبتّ في منازعات بين الدول.

ورغم أن قرارات محكمة العدل الدولية ليست ملزمة قانوناً، فإن حكماً لصالح غامبيا من شأنه أن يزيد الضغوط السياسية على بورما.

وصرّح الوزير المنتدب من رئاسة ميانمار بأن «إدانة بارتكاب إبادة جماعية من شأنها أن تشكّل وصمة عار على بلدي وشعبي»، مشدّداً على «الأهمية القصوى لهذه الإجراءات بالنسبة إلى سمعة بلدي ومستقبله».

وفي وقت سابق هذا الأسبوع، قدّمت غامبيا شهادات مروّعة عن أعمال القمع التي شملت اغتصابات جماعية وعمليات قتل وتعذيب.

وقال وزير العدل الغامبي متكلّما عن أفراد الروهينغا: «تمّ استهدافهم للقضاء عليهم».

ويتابع خبراء القانون هذه التطوّرات من كثب؛ إذ إنها قد تؤشّر إلى النهج الذي يمكن للمحكمة أن تعتمده في قضيّة مماثلة رفعتها دولة جنوب أفريقيا على إسرائيل على خلفية حملتها العسكرية في غزة في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
TT

لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)

علقت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية على موقف الصين تجاه التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا وإيران، وقالت إن بكين، حسب المحللين، تسعى إلى ترسيخ مكانتها بوصفها قوة استقرار في ظل تلك التحركات، لكن التزامها تجاه حلفائها يتسم بالبراغماتية في جوهره.

ووفقاً للصحيفة، يرى المحللون أن الاضطرابات السياسية في فنزويلا وإيران، بما فيها الضربات العسكرية التي هددت بها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونفذتها بالفعل، قد تتيح فرصاً لتعزيز مكانتها بديلاً موثوقاً ومستقراً للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ يتفاعلان خلال اجتماع ثنائي في مطار غيمهاي الدولي على هامش «قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ» بكوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

وأدت العملية العسكرية الأميركية المفاجئة في فنزويلا إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وترحيله إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات جنائية، منهيةً بذلك حكم زعيم دعمته بكين لسنوات بالقروض وصفقات النفط والدعم الدبلوماسي.

وفي إيران، أعقبت الاحتجاجات الجماهيرية حملة قمع دموية؛ ما أثار تساؤلات جديدة حول بقاء النظام، ودفع ترمب إلى وعد الشعب الإيراني بأن الولايات المتحدة ستتدخل لمساعدتهم. وبدأت البنتاغون في نقل الأفراد والمعدات من المنشآت الرئيسية بالمنطقة، لكن بدا أن ترمب تراجع عن اتخاذ أي إجراء عسكري، واستغلت بكين هذه الفرصة لتوضيح نهجها، أبلغ وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي، الخميس، أن الصين تعارض استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، كما تعارض تطبيق «قانون الغاب».

وأكد وانغ، في بيان صيني، استعداد الصين للعب «دور بنّاء» في حل الخلافات عبر الحوار، وذلك حسب ما صرح به لوزير الخارجية الإيراني.

وقالت الصحيفة إن إجراءات إدارة ترمب قد يكون لها تداعيات حقيقية على الصين ففنزويلا وإيران تُعدّان ركيزتين أساسيتين في التحالف المناهض للولايات المتحدة الذي يقوده الرئيس الصيني شي جينبينغ - بالتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - في مسعى لتعزيز النفوذ بين خصوم الولايات المتحدة، وتأمين إمدادات الطاقة، وإثبات أن واشنطن لم تعد الجهة المهيمنة على السياسة العالمية، وكذلك كوبا، التي هددها ترمب أيضاً.

ولفتت إلى أن هذا الاضطراب قد تكون له تداعيات اقتصادية على بكين أيضاً: فالصين هي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي؛ إذ تشتري معظم إمداداته، كما أنها تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر، وفقاً لشركات استشارية.

وحذّر ترمب هذا الأسبوع من أن أي دولة تستمر في التعامل التجاري مع إيران قد تواجه تعريفة جمركية بنسبة 25 في المائة على تجارتها مع الولايات المتحدة، وهو تحذير موجّه مباشرةً إلى الصين.

ومع ذلك، من المرجّح أن يتبع شي جينبينغ ما وصفه السياسي الأميركي الراحل هنري كيسنجر بأنه جوهر النهج الصيني في السياسة الخارجية: التركيز على المدى البعيد.

وكما يقول بيتس جيل، الباحث البارز في شؤون الأمن الآسيوي بالمكتب الوطني للبحوث الآسيوية في واشنطن، تستطيع الصين تحمّل تبعات هذا النهج البعيد تحديداً؛ لأنها تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة في خلق الفرص اللازمة لذلك.

ويضيف: «بقدر ما ترى الدول في الولايات المتحدة مشكلةً أكثر منها حلاً للتحديات التي تواجهها، ستسعى الصين إلى تقديم بديل».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الصيني شي جينبينغ في قمة قادة مجموعة العشرين بمدينة أوساكا اليابانية 29 يونيو 2019 (رويترز)

وعلى حدّ قول جيل، واشنطن تُسلّم الصين زمام الأمور في مجالات مثل تقديم المساعدات التنموية، وفتح أسواق التصدير، وتوفير الفرص التعليمية، على سبيل المثال.

وتوسّعت الصين بقوة في أميركا اللاتينية، بما في ذلك من خلال مشاريع بنية تحتية ضخمة، ففي فنزويلا، على سبيل المثال، تتراوح تقديرات إجمالي الاستثمارات الصينية، بما في ذلك القروض والاستثمارات في قطاع النفط، بين 60 و100 مليار دولار.

لا تزال الصين متعطشة للنفط

كما عزّزت الصين علاقاتها التجارية مع الشرق الأوسط، مستفيدةً من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران لشراء النفط بأسعار مخفّضة.

ويقول درو طومسون، المسؤول السابق في البنتاغون والمتخصص في الشأن الصيني، إنه على الرغم من انخفاضها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لا تزال الصين تعتمد على الشحنات الخارجية لتأمين نحو ثلثي إمداداتها من النفط الخام، لكن لدى بكين خيارات أخرى عدّة لسدّ النقص في السوق المفتوحة بسهولة.

وتابع: «أخيراً، حصلت الصين على تنوّع مصادر الإمداد الذي لطالما رغبت فيه. فإما فنزويلا، أو جنوب السودان، أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط، أو حتى بابوا غينيا الجديدة، العالم يزخر بالنفط، والصين «بإمكانها شراؤه من أي مكان في السوق المفتوحة».

وفي الشرق الأوسط، لا يكمن ألم بكين في الجانب المالي بقدر ما يكمن في كونها ضربة لطموحاتها الدبلوماسية المتنامية، وقد أكدت تحركات بارزة عدة قامت بها بكين في السنوات الأخيرة رغبتها في لعب دور أكبر في المنطقة، ففي عام 2024، أعلنت بكين، التي تقاربت بشكل متزايد مع القادة الفلسطينيين منذ هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عن اتفاق بين الفصائل الفلسطينية، بما فيها «حماس» و«فتح»، لتعزيز الوحدة بين الخصمين اللدودين خلال حرب غزة.

وأشادت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بالاتفاق بعدّه دليلاً على الدور المتنامي للصين بوصفها وسيطاً مؤثراً في الشرق الأوسط، رغم تحذيرات الخبراء من أن انعدام الثقة العميق وضعف خطط التنفيذ يحولان دون تحقيق وحدة عملية.

وتابعت الصحيفة أنه منذ ذلك الحين، صمد وقف إطلاق النار في غزة بشكل هش إلا أن الانقسامات السياسية الفلسطينية لا تزال راسخة، مع قلة المؤشرات على أن مبادرة بكين قد تُرجمت إلى حكم مستدام أو نفوذ على الأرض؛ ما يؤكد محدودية قدرة الصين على تحويل الاختراقات الدبلوماسية نتائج دائمة.

وذكرت الصحيفة أنه في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات تعصف بطهران، وكان ترمب يهدد بالتدخل، أرسلت إيران سفناً حربية للمشاركة في مناورات «إرادة السلام 2026» العسكرية التي تقودها الصين قبالة سواحل جنوب أفريقيا، والتي تُعدّ جزءاً من أول مناورة متعددة الأطراف لمنظمة «بريكس».

عَلما الصين وأميركا (رويترز)

وذكرت وسائل إعلام محلية أن جنوب أفريقيا طلبت من إيران الانسحاب في اللحظة الأخيرة لتجنب استعداء الولايات المتحدة، لكن الصور أظهرت السفن الإيرانية وهي تغادر للمشاركة في المناورات.

ورغم غياب الهند واقتصار مشاركة البرازيل على المراقبة، فإن المناورات - التي شاركت فيها القوات البحرية الصينية والروسية والجنوب أفريقية - أكدت رغبة بكين في توسيع عضوية ونطاق التكتلات السياسية والاقتصادية التي تقودها.

توسيع نفوذها

واستخدمت الصين منصات مثل مجموعة «بريكس»، ومبادرة الحزام والطريق، ومنظمة شنغهاي للتعاون لتعزيز نفوذها والدفع نحو ما وصفه شي جينبينغ في خطاب ألقاه عام 2023 بـ«الإنصاف والعدالة في الشؤون الدولية»، ومنح الدول النامية صوتاً أقوى.

وقد روَّجت بكين «بريكس» بوصفها أساساً لتحالف دول الجنوب العالمي القادر على دفع عجلة التخلي عن الدولار وبناء روابط تكنولوجية جديدة.

ولكن على الرغم من كل ما تتحدث عنه بكين من شراكات ودعم متبادل، فإن نهجها عملي للغاية، حسب المحللين، وهذا يعني أن التزامها بدعم حلفائها محدود للغاية، لا سيما في الأزمات الوجودية كالأزمة الفنزويلية أو عند مواجهة النظام في طهران.

ويقول أندريا غيسيللي، المحاضر في العلوم السياسية الدولية بجامعة إكستر، إن معظم الدول تدرك تماماً ما ستفعله الصين وما لن تفعله.

ويضيف غيسيللي: «باستثناء عدد محدود جداً من الدول التي تحتل موقعاً استراتيجياً في الدبلوماسية الصينية، مثل روسيا وكوريا الشمالية، فإن الصين مستعدة لتقديم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، وبيع الأسلحة، وتدريب قوات الأمن. ومع ذلك، عندما تشتد الأمور، ستتنحى بكين جانباً، ولن تلتزم أبداً ببقاء أي نظام».

ويتفق معه ثيو نينسيني، الباحث المتخصص في العلاقات الصينية - الإيرانية والمحاضر في معهد الدراسات السياسية في غرينوبل بقوله: «ليس من الواضح أيضاً أن موقف الصين المتحفظ حالياً تجاه الأزمات في فنزويلا وإيران يقوض مصداقيتها السياسية لدى شركائها الدبلوماسيين التقليديين، أو أنه يضر بشكل كبير بسمعتها بوصفها شريكاً مسؤولاً».

صورة تظهر العَلمين الأميركي والصيني (رويترز)

وقال جيل، من المكتب الوطني للبحوث الآسيوية، إنه من غير المرجح أن تتخذ بكين «أي خطوات استفزازية صريحة في هذه المرحلة»، وستكتفي بإصدار بيانات نمطية تعارض «التدخل الأجنبي» في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وأضاف: «في الخفاء، ستعيد القيادة الصينية ومخططوها تقييم العلاقات في أميركا الجنوبية ومنطقة الخليج، وستقدم تطمينات غير رسمية هادئة بشأن الدعم الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي للدول التي قد تكون أهداف واشنطن التالية، مثل إيران وكوبا».

ويقول المحللون إن الصين ستواصل اتباع نهج طويل الأمد، مكتفية باستيعاب الصدمات من واشنطن، واثقة من أن الصبر يبقى أثمن أصول سياستها الخارجية.


حظر 4.7 مليون حساب على منصات التواصل الاجتماعي لقاصرين في أستراليا

قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
TT

حظر 4.7 مليون حساب على منصات التواصل الاجتماعي لقاصرين في أستراليا

قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)

قالت هيئة تنظيم الإنترنت في أستراليا إن الشركات التي تدير منصات ​التواصل الاجتماعي حظرت مجتمعة نحو 5 ملايين حساب لمراهقين في البلاد بعد شهر واحد فقط من بدء سريان أول حظر من نوعه عالمياً على من هم دون سن 16 عاماً، ما يعكس ‌التأثير السريع والواسع ‌للإجراء.

وذكرت ⁠الهيئة ​المعنية ‌بالسلامة الإلكترونية على الإنترنت في أستراليا «إي سيفتي» أن المنصات أزالت حتى الآن نحو 4.7 مليون حساب لمراهقين تقل أعمارهم عن 16 عاماً امتثالاً لقانون دخل حيز ⁠التنفيذ في 10 ديسمبر (كانون الأول). ‌وأكدت بعض المنصات أنها ‍ستبدأ إزالة ‍الحسابات التي تنطبق عليها شروط ‍الحظر خلال الأسابيع التي تسبق الموعد النهائي.

«لوغو» لمنصات مملوكة لشركة «ميتا» وهي من اليمين «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام» (د.ب.أ)

وتمثل هذه الأرقام أول بيانات حكومية حول الامتثال. وتشير إلى أن المنصات تتخذ ​خطوات مهمة للالتزام بالقانون، الذي ربما يعرضها لغرامة تصل إلى 49.⁠5 مليون دولار أسترالي (33 مليون دولار) في حالة عدم الالتزام به، لكنه لا يحمل الأطفال أو آباءهم المسؤولية.

وفاق هذا العدد التقديرات التي أوردتها تقارير قبل صدور القانون استناداً إلى بيانات السكان. وقالت «ميتا» في وقت سابق إنها أزالت نحو 550 ألف حساب ‌لقاصرين من «إنستغرام» و«فيسبوك» و«ثريدز».