أقوى رجل في باكستان يخرج من الظل لمواجهة الهند

الجنرال عاصم منير قال إن «أي مغامرة عسكرية» من جانب نيودلهي «ستُقابل برد سريع وحاسم ومتصاعد»

قائد الجيش الباكستاني يتحدث إلى قواته في منطقة تيلا بإقليم جهلوم الباكستاني يوم الخميس الماضي 1 مايو (مكتب العلاقات العامة في القوات المسلحة الباكستانية - أ.ف.ب)
قائد الجيش الباكستاني يتحدث إلى قواته في منطقة تيلا بإقليم جهلوم الباكستاني يوم الخميس الماضي 1 مايو (مكتب العلاقات العامة في القوات المسلحة الباكستانية - أ.ف.ب)
TT

أقوى رجل في باكستان يخرج من الظل لمواجهة الهند

قائد الجيش الباكستاني يتحدث إلى قواته في منطقة تيلا بإقليم جهلوم الباكستاني يوم الخميس الماضي 1 مايو (مكتب العلاقات العامة في القوات المسلحة الباكستانية - أ.ف.ب)
قائد الجيش الباكستاني يتحدث إلى قواته في منطقة تيلا بإقليم جهلوم الباكستاني يوم الخميس الماضي 1 مايو (مكتب العلاقات العامة في القوات المسلحة الباكستانية - أ.ف.ب)

حتى وقت قريب، كان أقوى رجل في باكستان يفضّل البقاء خلف الكواليس. يتحكّم بشدة في ظهوره العلني ويقتصر في تصريحاته على خطب معدّة مسبقاً خلال مناسبات عسكرية.

لكن بعد الهجوم الإرهابي الدموي قبل نحو أسبوعين في الجزء الخاضع للسيطرة الهندية من كشمير، أصبح قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، في مركز التوتر المتزايد بين باكستان والهند.

ومع تصاعد الضغوط في الهند للرد بقوة على الهجوم الذي أسفر عن مقتل أكثر من عشرين سائحاً هندوسياً قرب بلدة باهالجام، بدأ منير في تحديد نبرة الموقف الباكستاني بخطابه الحاد.

ويوم الخميس الماضي، وأثناء مناورة عسكرية، وقف منير فوق دبابة مخاطباً القوات قائلاً: «لا مجال للغموض. أي مغامرة عسكرية من جانب الهند ستُقابل برد سريع وحاسم ومتصاعد»، في إشارة إلى تعهد باكستان بالرد على أي هجوم هندي بما يساويه أو يفوقه.

فتاة باكستانية خلال احتجاج ضد الهند رُفعت فيه صور الجنرال منير في كراتشي يوم 2 مايو الجاري (إ.ب.أ)

فُسّرت تعليقات منير في الهند وباكستان على أنها محاولة لإظهار القوة وكسب الدعم الشعبي، خاصة في ظل معاناة باكستان من انقسامات سياسية وأزمات اقتصادية أدت إلى تآكل الولاء التقليدي للمؤسسة العسكرية التي لطالما لعبت دوراً خفياً في توجيه السياسة الداخلية.

لكن رد فعل منير يبدو أعمق من مجرد حسابات سياسية. ويصفه محللون بأنه متشدد تجاه الهند، وأن مواقفه قد تشكّلت من خلال قيادته لأهم وكالتين استخباريتين عسكريتين في باكستان، ومن اعتقاده بأن الصراع المستمر مع الهند ذو طابع ديني في جوهره.

وقد استشهد كثيرون في الهند بتصريحات أدلى بها منير قبل ستة أيام من الهجوم الإرهابي، حيث قال أمام جالية باكستانية في إسلام آباد إن كشمير — التي تنقسم بين الهند وباكستان ويطالب بها الطرفان بالكامل — هي «شريان الحياة» لباكستان.

وتُعد هذه العبارة جزءاً راسخاً من الخطاب القومي الباكستاني، حيث تعكس الأهمية الاستراتيجية والرمزية لكشمير في الهوية الوطنية. وقد وصفت وزارة الخارجية الهندية هذا التصريح بالتحريضي، مؤكدة أن كشمير «جزء لا يتجزأ» من الهند.

وسواء تصاعدت الأزمة الحالية أم هدأت، فإن ذلك سيعتمد بقدر كبير على الدبلوماسية الدولية، إلى جانب الديناميات السياسية الداخلية.

وقد دعت الولايات المتحدة والأمم المتحدة كلاً من الهند وباكستان، وهما دولتان تمتلكان أسلحة نووية، إلى العمل على التهدئة. كما صرّح الممثل الدائم لباكستان في الأمم المتحدة، عاصم أحمد، يوم الجمعة، بأن المسؤولين الباكستانيين ناقشوا التوترات مع نظرائهم الصينيين. وتعد الصين حليفاً لباكستان ولها مصالح اقتصادية هناك.

لكن قد لا تكون الدبلوماسية كافية. فقد وعد رئيس الوزراء الهندي القوي، ناريندرا مودي بأن الهند ستلاحق «كل إرهابي وداعميه إلى أقاصي الأرض».

جانب من مناورات عسكرية للجيش الباكستاني في منطقة تيلا بإقليم جهلوم الباكستاني يوم الخميس الماضي 1 مايو (مكتب العلاقات العامة في القوات المسلحة الباكستانية - أ.ب)

وفي أعقاب هجمات على قوات الأمن الهندية في كشمير عامي 2016 و2019، ردت الهند بضرب ما قالت إنها معسكرات إرهابية داخل باكستان. أما هذه المرة، ومع مقتل 26 شخصاً في موقع سياحي — وهو أعنف هجوم من نوعه منذ عقود في المنطقة — قال الكاتب والصحافي الهندي أديتيا سينها إن «ضربة جوية عابرة عبر الحدود على معسكرات مفترضة لن تُرضي عطش الدم لدى مؤيدي اليمين المتطرف» في الهند.

من جهته، تحدث منير بعد هجوم باهالجام بعبارات أيديولوجية صريحة توحي بعدم إيمانه بإمكانية تحقيق سلام دائم مع الهند.

وفي 26 أبريل (نيسان)، خاطب منير طلاب الأكاديمية العسكرية الباكستانية في حفل تخرج، مستشهداً بـ«نظرية الدولتين» — الإطار الفكري الذي تأسست عليه باكستان عام 1947، والذي يفترض أن الهندوس والمسلمين أمتان منفصلتان تستوجبان أوطاناً منفصلة.

وقد ظلت هذه النظرية تشكل حجر الأساس في الهوية القومية والسياسة الخارجية الباكستانية. وفي الماضي، كان الجنرالات الباكستانيون يستخدمون هذا الخطاب الأيديولوجي في أوقات التوتر مع الهند ويقللون منه عندما تسود نغمة دبلوماسية. لكن إحياء منير لهذه النظرية وتكرارها فُسر من قبل كثيرين في الهند على أنه تحول كبير في الموقف الباكستاني تجاه الهند.

وكان لتصويره كشمير على أنها «شريان الحياة» لباكستان وقع خاص في الهند. ففي الخطاب ذاته، قال منير: «لن نتخلى عن إخواننا الكشميريين في كفاحهم البطولي ضد الاحتلال الهندي».

وقال شيخار غوبتا، رئيس تحرير صحيفة «ذا برينت» (ThePrint) الهندية الإلكترونية، إن توقيت وتصعيد تلك التصريحات يجعل من الصعب على الهند تجاهلها.

الجنرال منير يتحدث إلى جنوده خلال مناورات عسكرية في منطقة تيلا بإقليم جهلوم الباكستاني يوم الخميس الماضي 1 مايو (مكتب العلاقات العامة في القوات المسلحة الباكستانية - أ.ب)

وقد رفض المسؤولون الباكستانيون أي ربط بين تصريحات منير والهجوم في كشمير. وقال عاصم أحمد، المندوب الباكستاني الدائم في الأمم المتحدة، إن ادعاءات الهند بوجود صلة باكستانية لا أساس لها، وإن «جذر عدم الاستقرار» في جنوب آسيا يبقى النزاع غير المحسوم حول كشمير.

كشمير... حروب وتمردات

لقد كانت منطقة كشمير مركزاً للتنافس الهندي-الباكستاني منذ تقسيم الهند البريطانية عام 1947 الذي أسفر عن إنشاء البلدين. وقد شهدت كشمير حروباً وتمردات وانتشاراً عسكرياً مطولاً، مما جعلها واحدة من أكثر المناطق قابلية للاشتعال في العالم.

وليست هذه المواجهة الحالية أول أزمة إقليمية يتعامل معها منير. ففي عام 2019، عندما تسبب تفجير انتحاري في كشمير في شن الهند ضربات جوية وتصعيد عسكري مؤقت، كان منير يتولى قيادة وكالة الاستخبارات الباكستانية القوية، مديرية الاستخبارات المشتركة (ISI). لكن ولايته انتهت بعد بضعة أشهر عندما أقاله رئيس الوزراء آنذاك عمران خان.

وقد عارض خان لاحقاً ترقية منير إلى منصب قائد الجيش، وظلت علاقتهما متوترة. وبعد أن ساءت علاقة خان بالقيادة العسكرية، تمت الإطاحة به في أبريل 2022، وتولى منير قيادة الجيش بعد ذلك بسبعة أشهر. وقضى خان الذي لا يزال يتمتع بشعبية واسعة (بين مناصريه)، عامين في السجن حتى الآن.

ويحرص منير على السيطرة على صورته العامة، ويتجنب التصريحات العفوية. وتتميز خطاباته بالقوة والوضوح، وغالباً ما تتضمن إشارات دينية.

وقال حسين حقاني، السفير الباكستاني السابق لدى الولايات المتحدة، إن منير «منغمس في التدين»، وإن ذلك ينعكس على نظرته للعلاقات مع الهند. وأضاف: «في أفضل الأحوال، قد يسعى إلى إدارة التوتر — وتحقيق أكبر قدر ممكن من النقاط السياسية في هذه الأثناء».

وبهذا، يبدو منير امتداداً للتوجه الديني المتزايد داخل القوات المسلحة الباكستانية، وهو المسار الذي بدأه الجنرال محمد ضياء الحق في الثمانينات، بالتنسيق مع الولايات المتحدة خلال فترة دعم حركة طالبان لمحاربة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان.

وقد شهدت فترة قيادة منير تزايداً في سيطرة الجيش على السياسة والمجتمع في باكستان، وسط اتهامات بتضييق الخناق على المعارضة.

وقال حقاني: «يبدو أنه يفضّل السيطرة على أن يكون محبوباً». وأضاف: «هذا هو نهجه في السياسة الداخلية، ويبدو أنه سيكون نهجه في التعامل مع الهند أيضاً».

وقد اتضح أن الجيش بدأ يأخذ دوراً أقوى في العلاقة مع الهند، إذ عمل على ترسيخ السيطرة المؤسسية على أي مفاوضات مستقبلية من خلال تعيين رئيس جهاز الاستخبارات كـ«مستشار الأمن القومي»، وهو دور كان يشغله تقليدياً جنرالات متقاعدون أو مدنيون.

حتى الآن، لا تزال العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مجمّدة. وأصبحت الرسائل العلنية العدائية، بدلاً من الدبلوماسية الهادئة، هي وسيلة التواصل الرئيسية. وفي مناخ كهذا، يزداد خطر سوء التقدير بشكل كبير.

وقال زاهد حسين، وهو محلل سياسي وأمني في إسلام آباد، إن باكستان ستكون مضطرة للرد إذا شنت الهند ضربات عسكرية.

وأضاف: «السؤال هو ما إذا كان السيد مودي سيختار التوقف عند هذا الحد. حتى الضربات الهندية المحدودة يمكن أن تتصاعد إلى صراع أوسع نطاقاً».

* خدمة نيويورك تايمز

«في أفضل الأحوال، قد يسعى (الجنرال منير) إلى إدارة التوتر — وتحقيق أكبر قدر ممكن من النقاط السياسية في هذه الأثناء»

حسين حقاني، السفير الباكستاني السابق لدى الولايات المتحدة


مقالات ذات صلة

7 قتلى بانفجارين على جانب طريق في شمال غربي باكستان

آسيا نقل متطوعون جثمان أحد ضحايا تفجيرين متزامنين على جانب الطريق إلى مستشفى في بانو (أ.ف.ب)

7 قتلى بانفجارين على جانب طريق في شمال غربي باكستان

قُتل 7 أشخاص جراء انفجارين وقعا على جانب طريق في إقليم خيبر بختونخوا بشمال غربي باكستان.

«الشرق الأوسط» (بيشاور (باكستان))
شؤون إقليمية صورة نشرها حساب لاريجاني الرسمي على منصة «إكس» من لقائه مع رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير الأربعاء

تأكيد باكستاني- إيراني على توسيع التعاون الأمني

عقد أمين مجلس الأمن القومي الإيراني اجتماعات مع رئيس أركان الجيش الباكستاني داعياً إلى تفعيل التعاون الثنائي بشكل أكثر ديناميكية

«الشرق الأوسط» (لندن - إسلام آباد)
آسيا أفراد من الجيش يتفقدون موقع الهجوم الانتحاري خارج مقر قوة الحدود في بيشاور حيث قتل ثلاثة أفراد من القوات شبه العسكرية الباكستانية (أ.ف.ب)

3 قتلى في هجوم انتحاري استهدف مقر شرطة الحدود الباكستانية

أسفر تفجير انتحاري عن مقتل ثلاثة عناصر أمن باكستانيين عند مقر شرطة الحدود في مدينة بيشاور بولاية خيبر بختونخوا الحدودية مع أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)

«إنذار حقيقي» لدول أخرى... بنغلاديش تخوض معركة ضد الحصبة

مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)
مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)
TT

«إنذار حقيقي» لدول أخرى... بنغلاديش تخوض معركة ضد الحصبة

مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)
مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)

تكافح بنغلاديش لاحتواء أسوأ تفشٍّ للحصبة في العالم، وهي أزمة تفاقمت بسبب ضعف البيانات وقصور جهود التوعية وفجوات التطعيم، ويقول خبراء إنها تشكل إنذاراً لدول أخرى من خطر قاتل لتراجع معدلات التحصين، وفق «رويترز».

وقالت «منظمة الصحة العالمية» إن بنغلاديش، التي تعثر برنامجها للتطعيم الروتيني في 2025، أبلغت عن 202 ألف حالة اشتباه إصابة بالحصبة، تأكدت 22 ألفاً منها في المعامل، منذ بدء ​التفشي في منتصف مارس (آذار) وحتى 9 أكتوبر (تشرين الأول). ويمثل ذلك أكبر عدد من الحالات المشتبه بها في أي بلد هذا العام.

وقالت المنظمة إن 1147 شخصاً توفوا حتى الآن جراء هذا المرض شديد العدوى، وكان الأطفال دون الخامسة يشكلون 94 في المائة من الوفيات المسجلة.

وتظهر تجربة بنغلاديش صعوبة احتواء تفشٍّ للمرض عندما تنخفض تغطية التطعيم إلى ما دون 95 في المائة، وهو المستوى الذي تقول «منظمة الصحة العالمية» إنه ضروري لمنع التفشيات. وكانت بنغلاديش قد اقتربت من بلوغ هذا المستوى في السنوات القليلة الماضية، لكن التغطية تراجعت في 2025.

آباء يرعون أطفالهم الذين يتلقون العلاج في جناح عزل المصابين بالحصبة (رويترز)

وخلص استعراض أجرته «رويترز» لوثائق «منظمة الصحة العالمية»، إلى جانب مقابلات مع أكثر من 10 علماء وعاملين في مجال الصحة ومسؤولين، إلى أن استجابة بنغلاديش الطارئة أعاقتها أيضاً بيانات أغفلت ملايين الأطفال، وقصور في الاستعداد، وإخفاق في الوصول إلى عدد كافٍ من الآباء والأمهات.

وقال مارك جيت مستشار اللقاحات في «منظمة الصحة العالمية» وأستاذ بكلية الصحة العامة العالمية في جامعة نيويورك: «هذا إنذار حقيقي لكل بلد».

وأضاف أن منع التفشي بالتطعيمات أسهل وأقل تكلفة وأكثر أماناً من الاستجابة لحالة طارئة.

وتابع: «ستوقف الاستجابة التفشي في نهاية المطاف، لكن في هذه الأثناء سيصاب كثيرون بالحصبة وسيموت بعضهم».

وقال ضياء الدين حيدر المساعد الخاص لرئيس الوزراء طارق رحمن لشؤون الصحة لـ«رويترز» في سبتمبر (أيلول)، إن الحكومة تبذل كل ما في وسعها لإنهاء التفشي. ولم ترد الحكومة على أسئلة إضافية أرسلت في أكتوبر لإعداد هذا التقرير.

«لم يأتوا إلا بعد أن دفنت ابني»

في منطقة سيلهيت بشمال شرقي البلاد، إحدى أكثر المناطق تضرراً في الدولة التي يبلغ عدد سكانها 178 مليون نسمة، توفي أرمان ‌حسين البالغ من العمر عامين ‌في يوليو (تموز)، من دون تلقي تطعيم بعد 24 ساعة من إدخاله المستشفى لتلقي علاج موله أفراد أسرته ببيع عربة الركشو ذات الثلاث عجلات التي يملكونها. ​ونجت ‌شقيقته البالغة ⁠من العمر 4 ​أعوام، ⁠والتي لم تتلقَّ أيضاً التطعيم.

أقارب يواسون الطفل استياك محمود زيان البالغ من العمر 6 سنوات والذي يتلقى العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة (رويترز)

وقال والده أمين ميا البالغ من العمر 26 عاماً، إن قريتهم النائية في سيلهيت لم يزُرها أي من العاملين في القطاع الصحي لتقديم التطعيمات في الوقت المناسب. وأضاف: «لم يأتوا إلا بعد أن دفنت ابني».

وتقول «منظمة الصحة العالمية» إن الحصبة تقتل عادة شخصين أو 3 من كل ألف حالة، لكن المرض قد يكون أكثر فتكاً في البلدان الفقيرة بسبب عوامل مثل سوء التغذية.

وفي بلدة تشاتاك، التي تقع أيضاً في منطقة سيلهيت، توفيت ابنة النجار همايون رشيد، البالغ من العمر 30 عاماً، في يونيو (حزيران)، عن عمر 9 أشهر من دون تلقي التطعيم. وكان يمكن أن تتلقى لبيبة أختر جرعة تطعيم في أبريل (نيسان)، عندما خفض برنامج طارئ سن التطعيم إلى 6 أشهر بدلاً من 9.

وقال والدها: «لم يأتِ أي عامل صحي ليخبرنا».

وقال وزير الصحة سردار محمد سخاوات حسين في مايو (أيار)، إن الحملة الطارئة خفضت الحالات في بؤر التفشي إلى «ما يقارب الصفر»، وإن التفشي أصبح تحت السيطرة.

لكن بنغلاديش أبلغت في سبتمبر عن متوسط يومي بلغ 1198 حالة إصابة جديدة بالحصبة، التي تتسبب في ارتفاع الحرارة والسعال وطفح جلدي. وكان ذلك أعلى إجمالي منذ مايو.

ويأتي تفشي المرض ببنغلاديش في وقت يتزايد فيه التردد إزاء اللقاحات، خصوصاً في الدول الأكثر ثراء، وسط تشكك يروج له أشخاص مثل وزير الصحة الأميركي.

وقال خبراء إن الحصول على التطعيمات والوعي بها يمثلان عقبتين كبريين ⁠في بنغلاديش.

وحتى وقت قريب، كانت بنغلاديش قصة نجاح في مجال التطعيم. وأشارت تقديرات «منظمة الصحة العالمية» و«منظمة الأمم المتحدة للطفولة» (يونيسف)، إلى أن تغطية الجرعة الأولى من اللقاح ‌بلغت 96 في المائة في 2024، و93 في المائة للجرعة الثانية التي تعطى لاستيعاب النسبة القليلة من الأطفال الذين لا يكتسبون مناعة بعد جرعة واحدة.

لكن في العام نفسه، ‌اندلعت احتجاجات أنهت 15 عاماً من حكم رئيسة الوزراء الشيخة حسينة. وفي الاضطرابات السياسية التي أعقبت ذلك، أضرب العاملون في مجال الصحة، وتأخرت طلبات ​اللقاحات، وتعطلت جرعات المتابعة التي تصاحب عادة البرامج الروتينية.

وخلصت تقديرات «منظمة الصحة العالمية» و«اليونيسف»، في تقرير نشر في يوليو، ‌إلى أن تغطية الجرعة الأولى انخفضت إلى 90 في المائة في 2025، في حين بلغت تغطية الجرعة الثانية 86 في المائة؛ أي أقل بعدة نقاط مئوية من نسبة 95 في المائة اللازمة لإيجاد ما يعرف بمناعة القطيع.

يتلقى معصوم البالغ من العمر 8 سنوات العلاج في جناح عزل المصابين بالحصبة - الذي يعاني من اكتظاظ شديد - في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)

وأثار التقرير أيضاً تساؤلات ‌بشأن جودة البيانات الرسمية عن التطعيمات ضد الحصبة وغيرها من الأمراض للأعوام من 2023 إلى 2025.

وقال إن الأرقام الأولية أظهرت في بعض الأحيان أن أعداد من تلقوا التطعيم تجاوزت 100 في المائة من المستهدفين، مما يشير إلى أخطاء في احتساب الجرعات أو الأعداد المستهدفة.

البرنامج الطارئ أغفل الملايين

مع ذلك، عندما اندلع تفشي الحصبة، استجابت بنغلاديش بسرعة، وبدا في البداية أنها تكسب المعركة.

وأعقب البرنامج الطارئ تباطؤ أولي في الحالات الجديدة بعد تلقي ما يقرب من 20 مليون طفل اللقاح في أبريل ومايو. وقالت الحكومة إنها غطت كل طفل في الفئة العمرية المستهدفة بين 6 أشهر و5 سنوات.

لكن البرنامج لم يحقق هدفه في الواقع. واتضح ذلك عندما تضمن تدخل صحي روتيني آخر في يونيو (حزيران)، قائمة مستهدفين تزيد بـ4 ملايين طفل على حملة الحصبة، رغم أنها تغطي الفئة العمرية نفسها.

وقال حيدر لـ«رويترز» في 14 سبتمبر، مع ارتفاع حالات الحصبة مجدداً: «هناك فجوة»، وعزا عدم وصول الأطفال إلى التطعيم، إلى تردد الآباء والأمهات، أو إصابة الأطفال بأمراض.

وظهرت أيضاً تحديات أخرى.

وتظهر وثائق اطلعت عليها «رويترز»، ولم يُنشر عنها من قبل، تفاصيل اجتماعات عقدت في أبريل وأغسطس (آب)، بين الحكومة و«منظمة الصحة العالمية» وشركاء صحيين آخرين، وكيف ربما أدى السعي ⁠للتحرك بسرعة إلى أوجه قصور.

وأشارت محاضر اجتماع عقد في 19 أبريل، إلى أن الحكومة اختارت إجراء جولة واحدة فقط مما يسمى فحوص الجاهزية قبل إطلاق برنامج التطعيم الطارئ بسبب ضيق الوقت، بدلاً من الجولات الأربع المعتادة. وتشمل الفحوص كل شيء؛ من التأكد من توافر ثلاجات لحفظ اللقاحات باردة إلى تحديد عدد الأطفال الذين ينبغي تطعيمهم.

وجاء في المحاضر أن جولة واحدة من الفحوص خلصت إلى أن معظم المناطق، وليس جميعها، كانت جاهزة.

الفقراء «يدفعون الثمن»

قال البروفسور محمود الرحمن، عالم الأوبئة ورئيس لجنة التحقق الوطنية للقضاء على الحصبة والحصبة الألمانية في بنغلاديش: «عندما لا تجرى فحوص الجاهزية على نحو سليم، غالباً ما يكون الأطفال الأفقر والأصعب وصولاً إليهم، هم من يفوتهم التطعيم ويدفعون الثمن».

وقال حيدر إن حملة أبريل أطلقت خلال 4 أسابيع. لكن تاج الإسلام عبد الباري، الذي قاد برنامج التحصين في بنغلاديش حتى 2017، قال إن الحملات تتطلب عادة شهوراً من التخطيط.

وبحلول اجتماع أغسطس، جرى تحديد أوجه قصور في التنفيذ. وأشارت المحاضر إلى أن نسبة الأطفال الذين لديهم حالات حصبة مؤكدة ولم يتلقوا التطعيم، ظلت «دون تغيير يذكر بين ما قبل الحملة (82 في المائة) وما بعدها (85 في المائة)... مما يؤكد استمرار فجوات التغطية».

ولم ترد «منظمة الصحة العالمية» على أسئلة بشأن اجتماعي أبريل وأغسطس. لكن نائب ممثل المنظمة في بنغلاديش الطبيب راجيش ناروال، قال إن المنظمة مصممة على دعم الحكومة في هدفها تطعيم كل طفل معرض للخطر.

وأضاف: «يجب أن يصبح التحصين الروتيني أكثر فاعلية وقدرة على الصمود، حتى لا تتكرر هذه الفجوات».

وفي سيلهيت، حيث تظهر السجلات الرسمية وفاة 180 طفلاً، قالت 8 من 16 أسرة قابلتها «رويترز» في سبتمبر، إنها لم ترَ عاملين صحيين يقدمون التطعيمات. وقالت 6 أسر على الأقل، إن العاملين الصحيين لم يزوروا المنطقة إلا بعد وفاة طفل بالحصبة في منطقتهم.

وفي نهاية سبتمبر، أطلقت الحكومة حملة جديدة تستهدف 3.4 مليون طفل فاتتهم حملات سابقة.

وقال وزير الصحة في مؤتمر صحافي: «سنشرك الناس في جميع القرى حتى لا يُترك أي طفل خلف الركب».

لكن الوصول إلى كل طفل لا يزال تحدياً. وتقول «اليونيسف» ومكتب إحصاءات بنغلاديش، إن ما يصل إلى 40 في المائة من الأطفال غير مسجلين، في حين أظهرت بيانات حكومية أن نحو ثلث وظائف العاملين الصحيين شاغرة.


توقيف مؤسس «حركة الصراصير» في الهند... إطلاق سراح رئيسة رابطة الطلاب ومثول زعيم حركة الصراصير أمام المحكمة اليوم

أبهيجيت ديبكي مؤسس «حركة الصراصير» ونيها بورا يتحدثان في مؤتمر صحافي بالعاصمة الهندية نيودلهي - الخميس 17 أكتوبر 2026 (رويترز)
أبهيجيت ديبكي مؤسس «حركة الصراصير» ونيها بورا يتحدثان في مؤتمر صحافي بالعاصمة الهندية نيودلهي - الخميس 17 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

توقيف مؤسس «حركة الصراصير» في الهند... إطلاق سراح رئيسة رابطة الطلاب ومثول زعيم حركة الصراصير أمام المحكمة اليوم

أبهيجيت ديبكي مؤسس «حركة الصراصير» ونيها بورا يتحدثان في مؤتمر صحافي بالعاصمة الهندية نيودلهي - الخميس 17 أكتوبر 2026 (رويترز)
أبهيجيت ديبكي مؤسس «حركة الصراصير» ونيها بورا يتحدثان في مؤتمر صحافي بالعاصمة الهندية نيودلهي - الخميس 17 أكتوبر 2026 (رويترز)

أفادت عدة ‌تقارير إعلامية، اليوم (السبت)، بأن الشرطة الهندية أوقفت مؤسس حركة «كوكروتش» (الصراصير) أبهيجيت ديبكي الجمعة، قبل مسيرة في نيودلهي ​شارك فيها مئات الأشخاص الذين لوحوا بالعلم الوطني وطالبوا باستقالة رئيس مفوضية الانتخابات في الهند.

وقالت قناتا «إنديا توداي» و«نيودلهي تي في» التلفزيونيتان إن ديبكي أوقف لمنع الإخلال بالأمن، وسيُستدعى للمثول أمام قاضٍ تنفيذي اليوم السبت.

ونظم حزب «كوكروتش جاناتا» الذي يقوده شبان، وجماعات معارضة ومنظمات طلابية، ‌مظاهرات شبه ‌يومية هذا الشهر، للمطالبة باستقالة جيانيش ​كومار ‌رئيس ⁠مفوضية الانتخابات، ​بسبب ⁠تعديلات لقوائم الناخبين قال منتقدون إنها تخدم مصالح حزب «بهاراتيا جاناتا» بزعامة رئيس الوزراء ناريندرا مودي.

وتم شطب أكثر من 130 مليون ناخب خلال عملية المراجعة، لكن مفوضية الانتخابات نفت تفضيلها لأي حزب، وقالت إن الناخبين الذين شُطبوا بالخطأ يمكنهم إعادة تسجيل أنفسهم. واتهم حزب «بهاراتيا جاناتا» منافسيه بمحاولة تقويض ⁠الديمقراطية عبر التشكيك في ‌العمليات الانتخابية المشروعة.

وأُفرج اليوم عن الناشطة الطلابية نيها بورا، وهي ​من أبرز وجوه الاحتجاجات، بعدما ‌احتجزتها الشرطة أيضاً الجمعة، بينما كانت تحاول الوصول ‌إلى وسط العاصمة مع عشرات المؤيدين.

وأوضحت الشرطة أن بورا أُطلقت بعد استكمال الإجراءات المتعلقة باحتجازها، في حين تم توقيف ديبكي في قضية جديدة تتعلق بالإخلال بالسلام والأمن وسيمثل أمام محكمة اليوم.

وقالت بورا لوكالة أنباء آسيا الدولية (إيه إن آي) بعد الإفراج عنها: «أرجوكم، ارحموا شعب الهند. اعزلوا جيانيش كومار وأوقفوا المراجعة الخاصة المكثفة، حتى يتنفس المواطنون العاديون في هذا البلد الصعداء، ويشعروا ‌بالارتياح وتُضمن حقوقهم في التصويت».

مناصرون لـ«حركة الصراصير» خلال مسيرة الجمعة 16 أكتوبر في نيودلهي (أ.ب)

واحتجزت الشرطة ديبكي لدى خروجه من منزل ⁠في وسط نيودلهي، ⁠واقتادته إلى سيارة تابعة لها وانطلقت به بعد مشادة قصيرة، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

ودعا ديبكي إلى تنظيم مظاهرة يوم الجمعة، دعماً لاثنين من قادة الحزب أوقفا وحبسا هذا الأسبوع لمدة 5 أيام بتهمة التظاهر في موقع للاحتجاجات مخالفَين حظراً مفروضاً.

وكانت الشرطة قد التقت ديبكي في وقت سابق من يوم الجمعة، وحذرته من المضي قدماً في الاحتجاج.

وبرزت «حركة الصراصير» بوصفها أحد أكبر التحديات السياسية التي يواجهها مودي وحزبه «بهاراتيا جاناتا» خلال فترة حكم رئيس الوزراء الممتدة منذ 12 ​عاماً.

وأدى اعتصام استمر لأسابيع ​نظمه أنصار الحركة في وقت سابق من العام، إلى إجبار وزير التعليم دارمندرا برادان على الاستقالة، بسبب تسريب أسئلة امتحانات.

 

 

 

 

 

 


كوريا الشمالية تختبر طوربيداً مزوّداً بتقنيات الذكاء الاصطناعي

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يتفقد دبابة قتال جديدة في موقع غير مُعلن عنه في كوريا الشمالية  (أرشيفية - ا.ف.ب)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يتفقد دبابة قتال جديدة في موقع غير مُعلن عنه في كوريا الشمالية (أرشيفية - ا.ف.ب)
TT

كوريا الشمالية تختبر طوربيداً مزوّداً بتقنيات الذكاء الاصطناعي

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يتفقد دبابة قتال جديدة في موقع غير مُعلن عنه في كوريا الشمالية  (أرشيفية - ا.ف.ب)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يتفقد دبابة قتال جديدة في موقع غير مُعلن عنه في كوريا الشمالية (أرشيفية - ا.ف.ب)

ذكرت وكالة ​الأنباء المركزية الكورية الشمالية، اليوم (السبت)، أن كوريا الشمالية أجرت الخميس ‌تجربة ‌تحت ​الماء ‌لنظام ⁠سلاح ​طوربيد جديد ⁠للتحقق من تحسينات تقنية، واصفة التجربة بأنها ناجحة وخطوة مهمة ⁠في تطوير القوة ‌البحرية للبلاد.

وأضافت ‌الوكالة ​أن ‌الاختبار أثبت ‌فاعلية تكنولوجيا الدفع التي تم تطويرها من خلال ‌أكثر من 180 اختبارا على مدى ⁠السنوات ⁠الخمس الماضية، وأنه تم استخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأهداف وتوجيهها في هذا الطوربيد الجديد العالي ​السرعة ​والموجه بدقة.