في اليابان المعرضة دوماً للزلازل... كيف تصمد المباني؟

مبانٍ «راقصة» بفضل «العوازل الزلزالية»

تصاعد الدخان من المنازل التي احترقت عقب الزلزال في واجيما (أ.ب)
تصاعد الدخان من المنازل التي احترقت عقب الزلزال في واجيما (أ.ب)
TT

في اليابان المعرضة دوماً للزلازل... كيف تصمد المباني؟

تصاعد الدخان من المنازل التي احترقت عقب الزلزال في واجيما (أ.ب)
تصاعد الدخان من المنازل التي احترقت عقب الزلزال في واجيما (أ.ب)

حلّ عام 2024 ثقيلاً على اليابان، إذ ضرب زلزال بعد ظهر أمس (الاثنين)، مناطق عدة في البلاد بلغت قوته 7.6 درجة، موقعاً عشرات القتلى.

وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية اليابانية رصد أكثر من 140 هزة أرضية منذ وقوع الزلزال لأول مرة يوم الاثنين. وحذرت الوكالة من احتمال حدوث مزيد من الهزات القوية في الأيام المقبلة.

وتكافح فرق الإنقاذ اليوم (الثلاثاء)، في هذا البلد الذي يشهد الزلازل باستمرار، للوصول إلى مناطق انهارت فيها المباني وتضررت الطرق وانقطعت الكهرباء عن عشرات الآلاف من المنازل.

وأمرت الحكومة اليابانية نحو 100 ألف شخص بإخلاء منازلهم مساء الاثنين، وأرسلتهم إلى مراكز رياضية وصالات للألعاب الرياضية في المدارس، وهي أماكن تستخدم عادة مراكز إجلاء في حالات الطوارئ، كما فر بعض سكان المناطق الساحلية لمناطق مرتفعة، بينما ضربت أمواج «تسونامي» الساحل الغربي لليابان وجرفت بعض السيارات والمنازل في البحر.

تظهر هذه الصورة الجوية التي قدمتها وكالة «جيجي برس» الأضرار التي لحقت بمدينة سوزو بمحافظة إيشيكاوا في 2 يناير 2024 (أ.ف.ب)

بداية... لماذا تكثر الزلازل في اليابان؟

بحسب تقرير لموقع «لايف ساينس»، تشهد اليابان باستمرار زلازل بسبب وقوعها في منطقة «حزام النار» بالمحيط الهادي التي تشهد نشاطاً زلزالياً وبركانياً مرتفعاً. وتمتد هذه المنطقة في جنوب شرقي آسيا وصولاً إلى حوض المحيط الهادي.

ووفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية، فإنَّ 81 في المائة من أكبر الزلازل في العالم تحدث في هذا الحزام النشيط.

لذلك، تفرض السلطات في الأرخبيل معايير بناء صارمة بحيث تكون المباني عموماً مقاومة للزلازل القوية.

مبانٍ «راقصة»

وتعد اليابان موطناً لبعض المباني الأكثر مرونة في العالم، ويكمن سرها في قدرتها على التمايل أو «الرقص» أثناء تحرك الأرض تحتها، بحسب تقرير أعدته شبكة «بي بي سي».

وتهيمن المباني الشاهقة في طوكيو وأوساكا ويوكوهاما على مناظر المدينة المحيطة بها. تعطي الأبراج انطباعاً بأنها ثابتة مثل أي هيكل من صنع الإنسان، لكن الزلازل تكشف أن هذا المنظور مجرد وهم. ففي اليابان، يجب أن تكون ناطحات السحاب قادرة على الحركة.

مستويان للمرونة في المباني

الأبراج الشاهقة في اليابان ليست مباني عادية، بحسب جون ساتو، المهندس الإنشائي والأستاذ المشارك في جامعة طوكيو، وأوضح أن جميع المباني، حتى لو كانت هياكل صغيرة أو مؤقتة يجب أن تكون قادرة على مقاومة الزلازل في البلاد.

وهناك مستويان رئيسيان للمرونة يعمل المهندسون على تحقيقهما: الأول تحمل الزلازل الأصغر حجماً، وهو النوع الذي قد يتعرض له المبنى 3 أو 4 مرات خلال عمره الافتراضي باليابان. وبهذا الحجم، فإن أي ضرر يتطلب الإصلاح غير مقبول. يجب أن يكون المبنى مصمماً بشكل جيد، بحيث يمكنه الخروج من هذه الزلازل سالماً.

أما المستوى الثاني من القدرة على الصمود فهو تحمل الزلازل الشديدة، كالزلزال الذي ضرب اليابان أمس، وهي تعدّ أكثر ندرة. تم تحديد هذا المعيار بواسطة زلزال كانتو الكبير الذي وقع عام 1923. كان هذا زلزالاً كبيراً - بلغت قوته 7.9 درجة - دمر طوكيو ويوكوهاما، وقتل أكثر من 140 ألف شخص.

بالنسبة للزلازل ذات القوة الكبرى من هذا المعيار، لم يعد الحفاظ على المباني بشكل مثالي هو الهدف. وأي ضرر لا يسبب خسائر بشرية مقبول، بحسب الشبكة.

وقال زيغي لوبكوفسكي، المتخصص في الزلازل بجامعة «كوليدج لندن»: «أنت تصمم المباني لحماية حياة الناس. هذا هو الحد الأدنى من المتطلبات».

رصدت أكثر من 140 هزة أرضية منذ وقوع الزلزال لأول مرة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

العزل الزلزالي

لتحمل القوى الهائلة للزلزال، يجب على المباني أن تمتص أكبر قدر ممكن من الطاقة الزلزالية، وقال ساتو: «عندما يتمكن الهيكل من امتصاص كل الطاقة من الزلزال، فإنه لن ينهار».

وتعني «العوازل الزلزالية» وضع طبقات من المطاط السميك تحت الأعمدة الحاملة للمبنى لتحمل الصدمات أو امتصاصها، أحياناً تكون بسيطة مثل كتل من المطاط يبلغ سمكها نحو 30 أو 50 سم (12 إلى 20 بوصة) - لمقاومة حركات الزلزال. أينما تنزل أعمدة البناء إلى الأساس، فإنها تستقر على هذه الوسادات المطاطية.

مرونة من الأعلى إلى الأسفل

تعد التكيفات مع قاعدة المبنى إحدى الطرق الرئيسية التي يتم بها تصميم المباني لمقاومة الزلازل. لكن مخمدات الحركة (أو الصمام المنظم للحركة) على طول ارتفاع المبنى يمكنها أيضاً تحسين المرونة.

وأوضح لوبكوفسكي أنه «قد يتحرك مبنى شاهق مسافة 1.5 متر (5 أقدام) ولكن إذا وضعت مخمدات على مستويات معينة فيمكنك تقليل هذه الحركة بشكل كبير، مما يمنع تلف البنية الفوقية».

تميل المخمدات إلى أن تبدو مثل مضخة الدراجة، إلا أنها مملوءة بالسائل بدلاً من الهواء، وشرح لوبكوفسكي أنه «عندما تقوم بضغط المضخة، فإنها تدفع ضد السائل، وبالتالي لن يحدث ضغطاً كبيراً ولكنه سيتحرك قليلاً. هذه العملية يمكن أن تقلل من الاهتزازات داخل المبنى».

المنازل المتضررة والمدمرة على طول أحد شوارع واجيما بمحافظة إيشيكاو (أ.ف.ب)

خطوات إضافية استعداداً للزلازل

إضافة إلى الأبنية المضادة للزلازل، عادة ما تجري المدارس والشركات اليابانية تدريبات للتعامل مع حالات الطوارئ في 1 سبتمبر (أيلول)، الذكرى السنوية لزلزال 1923، الذي أصبح الآن معروفاً باسم «يوم الوقاية من الكوارث».

علاوة على ذلك، وزعت حكومة مدينة طوكيو كتيباً يحمل اسم «دعونا نستعد»، على جميع مواطنيها، يحدد كيفية استعداد الناس وتعاملهم مع الكوارث المختلفة.

وتضم مدينة طوكيو أكبر فريق إطفاء في العالم، تم تدريبه خصيصاً لمنع أنواع الحرائق السريعة التي تنتشر بعد الزلازل.

وتم تعزيز البنية التحتية لمترو طوكيو بشكل جيد للتعامل مع الزلازل، حيث تتوقف القطارات فوراً في حالة وقوع أي هزة قوية.

وكانت اليابان تعرضت في الفترة ما بين 5 و14 فبراير (شباط) إلى ما لا يقل عن 10 زلازل تراوحت قوتها ما بين 4.1 و5.8 درجة، وفقاً لما ذكرته الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي، إلا أن هذه الزلازل وغيرها من الهزات الأرضية الشديدة التي تعرضت لها الدولة لم تتسبب في خسائر بشرية كبيرة بالمقارنة مع زلازل ضربت باقي دول العالم، وذلك باستثناء الزلزال الذي دمّر طوكيو في 1923 وخلّف أكثر من 100 ألف قتيل، وكارثة زلزال 11 مارس (آذار) 2011 الذي بلغت قوته 9.1 درجة وضرب هونشو كبرى جزر اليابان، وتسبب في موجات «تسونامي» ضربت السواحل الشرقية لليابان، وأسفرت عن مقتل أكثر من 18 ألف شخص. لكن بعد كارثة زلزال 2011 تمكنت طوكيو إلى حد كبير من التعايش مع قسوة الطبيعة عموماً، والزلازل على وجه التحديد، والوقاية من آثارها، خصوصاً من خلال هندسة البنايات المقاومة للزلازل.


مقالات ذات صلة

مقتل 8 أشخاص وإصابة طفل جراء زلزال ضرب أفغانستان

آسيا زلزال سابق في أفغانستان (أرشيفية-رويترز)

مقتل 8 أشخاص وإصابة طفل جراء زلزال ضرب أفغانستان

قالت الهيئة المعنية بإدارة الكوارث في أفغانستان إن ثمانية أشخاص لقوا حتفهم وأُصيب طفل واحد، اليوم الجمعة، عندما انهار منزل في العاصمة كابل عقب زلزال.

«الشرق الأوسط» (كابل )
آسيا أشخاص يتفقدون مبنى تضرر جراء زلزال ضرب مانادو في شمال سولاويزي في إندونيسيا (إ.ب.أ)

مقتل شخص على الأقل في زلزال قوته 7.4 درجات في شرق إندونيسيا

ضرب زلزال بحري بقوة 7,4 درجات شرق إندونيسيا، وفق ما أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية فيما أصدر مركز أميركي تحذيرا من احتمال حدوث «موجات تسونامي

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
أوروبا علم إيطاليا مرفرفاً (أرشيفية - رويترز)

زلازل تهز جزراً إيطالية في البحر المتوسط

هزت زلازل عدة جزر إيطالية بالبحر المتوسط في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (روما )
أميركا اللاتينية صورة تُظهر جانباً من مدينة سانتياغو في تشيلي (رويترز-أرشيفية)

زلزال بقوة 6.6 درجة يضرب وسط تشيلي

قال المركز الألماني لأبحاث علوم الأرض إن زلزالاً بقوة 6.6 درجة ضرب وسط تشيلي، يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (سانتياغو)
آسيا مرشد سياحي في منطقة باهالغام بالشطر الهندي من كشمير (أرشيفية - أ.ب)

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

لقي شخص حتفه وانهارت منازل عدة بعدما ضرب زلزال بقوة ست درجات ‌كشمير بشمال ‌باكستان، الاثنين، ⁠حسبما ​أفاد ‌مسؤول والمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

مقتل 3 من خفر السواحل الباكستاني في هجوم مسلح ببحر العرب

ناقلة نفط أثناء عبورها في بحر ‌العرب (أرشيفية-رويترز)
ناقلة نفط أثناء عبورها في بحر ‌العرب (أرشيفية-رويترز)
TT

مقتل 3 من خفر السواحل الباكستاني في هجوم مسلح ببحر العرب

ناقلة نفط أثناء عبورها في بحر ‌العرب (أرشيفية-رويترز)
ناقلة نفط أثناء عبورها في بحر ‌العرب (أرشيفية-رويترز)

قال مسؤولون أمنيون، اليوم الأحد، إن متمردين انفصاليين ​قتلوا ثلاثة من أفراد خفر السواحل الباكستاني في أول هجوم من نوعه على زورق تابع لخفر السواحل أثناء تنفيذ دورية في بحر ‌العرب، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وذكر مسؤولون ‌في المخابرات ​والشرطة ‌أن ⁠الزورق ​كان ينفذ ⁠دورية روتينية في منطقة ساحلية قريبة من حدود باكستان مع إيران عندما فتح المسلحون النار وقتلوا ثلاثة كانوا ⁠على متنه.

وتزيد هذه الواقعة ‌من ‌التحديات الأمنية في ​إقليم ‌بلوشستان، وهو بؤرة تمرد تشهد ‌تمرداً مسلحاً، حيث دأبت جماعات مسلحة على استهداف قوات الأمن والبنية التحتية.

وأعلن «جيش ‌تحرير بلوشستان»، وهو جماعة انفصالية محظورة، مسؤوليته عن ⁠الهجوم. ⁠وذكر في بيان: «بعد العمليات البرية، يمثل التحرك على الحدود البحرية تطوراً جديداً في الاستراتيجية العسكرية لجيش تحرير بلوشستان».

وذكر المسؤولون في المخابرات والشرطة أن السلطات فتحت تحقيقاً، وأنه جرى تشديد الإجراءات ​الأمنية ​في المنطقة.


حوافز صينية لتايوان بعد زيارة زعيمة المعارضة

الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى ترحيبه بتشنغ لي وون رئيسة حزب «كومينتانغ» أكبر أحزاب المعارضة في تايوان الجمعة (رويترز)
الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى ترحيبه بتشنغ لي وون رئيسة حزب «كومينتانغ» أكبر أحزاب المعارضة في تايوان الجمعة (رويترز)
TT

حوافز صينية لتايوان بعد زيارة زعيمة المعارضة

الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى ترحيبه بتشنغ لي وون رئيسة حزب «كومينتانغ» أكبر أحزاب المعارضة في تايوان الجمعة (رويترز)
الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى ترحيبه بتشنغ لي وون رئيسة حزب «كومينتانغ» أكبر أحزاب المعارضة في تايوان الجمعة (رويترز)

كشفت الصين، الأحد، عن 10 إجراءات تحفيزية جديدة لتايوان؛ تشمل تخفيف القيود المفروضة على السياحة، والسماح بعرض المسلسلات التلفزيونية «الصحية»، وتسهيل مبيعات المواد الغذائية، وذلك عقب زيارة قامت بها زعيمة المعارضة.

وتأتي هذه الخطوة في ختام زيارة إلى الصين قامت بها تشنغ لي وون، رئيسة حزب «كومينتانغ»، أكبر أحزاب المعارضة في تايوان؛ حيث التقت الرئيس الصيني شي جينبينغ، وتحدثت عن الحاجة إلى السلام والمصالحة.

وذكرت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) الإجراءات ‌العشرة، وقالت إنها تشمل «استكشاف» إمكانية إنشاء آلية اتصال منتظمة ‌بين حزب «كومينتانغ» والحزب «الشيوعي» الصيني، والاستئناف الكامل للرحلات الجوية بين الجانبين، والسماح للأفراد من شنغهاي ومقاطعة فوجيان بزيارة تايوان.

وأضافت «شينخوا» أن آلية ستتأسس لتخفيف معايير التفتيش على المنتجات الغذائية ومنتجات مصايد الأسماك، لكن ذلك يجب أن يكون على أساس سياسي يتمثل في «معارضة استقلال تايوان».

كما أشارت الوكالة إلى أن الإجراءات تتضمن السماح ‌بعرض المسلسلات التلفزيونية والوثائقية والرسوم ‌المتحركة التايوانية، شريطة أن تكون «ذات توجه صحيح ومحتوى صحي وجودة ‌إنتاج عالية».

وقال مجلس شؤون البر الرئيسي في ‌تايوان، المعني بسياسة الجزيرة حيال الصين، في بيان إن ما تصفه الصين بأنه «تنازلات من جانب واحد» ليس سوى «حبوب مسمومة مغلفة على شكل هدايا كريمة». وأضاف البيان أن ‌الحكومة التايوانية تساند التبادل الصحي والمنظم عبر المضيق، لكن يجب ألا يخضع ذلك لشروط وأهداف سياسية مسبقة.

وفي بيان أيضاً، رحب حزب «كومينتانغ» بإعلان الصين، ووصفه بأنه «هدية» لشعب تايوان.

وترفض الصين التحدث مع الرئيس التايواني لاي تشينغ-ته، وتصفه بأنه «انفصالي» التوجه. ومن جانبه، يرفض لاي مطالبات بكين بالسيادة على الجزيرة التي تتمتع بحكم ديمقراطي.

وتتبادل الصين وتايوان الاتهامات بشأن عدم استئناف السياحة الصينية على نطاق واسع إلى الجزيرة منذ انتهاء جائحة «كوفيد-19». واشتكت تايوان من قبل أيضاً من القيود الصينية على استيراد بعض المنتجات الزراعية والسمكية، قائلة إن الصين استخدمت في بعض الحالات حججاً غير مبررة تتعلق بمنع انتشار الآفات والأمراض.


طائرات حربية صينية حول تايوان تزامناً مع لقاء شي وزعيمة المعارضة

استقبل شي جينبينغ زعيمة المعارضة وممثلي حزبها في «قاعة الشعب» وسط تصفيق حار من كلا الجانبين (رويترز)
استقبل شي جينبينغ زعيمة المعارضة وممثلي حزبها في «قاعة الشعب» وسط تصفيق حار من كلا الجانبين (رويترز)
TT

طائرات حربية صينية حول تايوان تزامناً مع لقاء شي وزعيمة المعارضة

استقبل شي جينبينغ زعيمة المعارضة وممثلي حزبها في «قاعة الشعب» وسط تصفيق حار من كلا الجانبين (رويترز)
استقبل شي جينبينغ زعيمة المعارضة وممثلي حزبها في «قاعة الشعب» وسط تصفيق حار من كلا الجانبين (رويترز)

في الوقت نفسه الذي التقى فيه الرئيس الصيني شي جينبينغ، زعيمة المعارضة التايوانية، رصدت وزارة الدفاع الوطني التايوانية 17 طائرة عسكرية و7 سفن حربية وسفينة رسمية واحدة تابعة للصين حول تايوان ابتداءً من منتصف الصباح إلى منتصف الظهيرة ليوم الجمعة. وأضافت الوزارة أنَّ 15 من الطائرات الـ17 عبرت خط الوسط ودخلت منطقة تحديد الدفاع الجوي الشمالية والجنوبية الغربية لتايوان. ورداً على ذلك، نشرت تايوان طائرات وسفناً حربية وأنظمة صاروخية ساحلية لمراقبة نشاط جيش التحرير الشعبي الصيني، حسب موقع «تايوان نيوز»، السبت.

مقاتلة صينية تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات «شاندونغ» خلال تدريبات عسكرية حول تايوان (أرشيفية - أ.ب)

التقى شي رئيسة حزب «كومينتانغ»، تشنغ لي-وون، في وقت مبكر من صباح الجمعة في بكين. ووصفت تشنغ لي-وون زيارتها بأنَّها «مهمة سلام تهدف إلى تخفيف التوتر»، وأبلغت شي بأنَّها تتطلع إلى أن يقدم كل من حزبها، أكبر حزب معارض في تايوان، والحزب الشيوعي الصيني على تعزيز «إضفاء الطابع المؤسسي» للسلام بين الصين وتايوان.

قال شي، إن بكين «لن تتهاون إطلاقاً» في مسألة استقلال الجزيرة، وهي القضية التي تعدّ السبب الرئيسي في تقويض السلام عبر مضيق تايوان، ودعا إلى بذل الجهود من أجل «إعادة التوحيد».

رئيسة حزب «كومينتانغ» التايواني تشنغ لي-وون في زيارة لبكين (أ.ب)

وقالت الولايات المتحدة، الجمعة، إنَّ أي تواصل هادف عبر مضيق تايوان يجب أن يتركز على الحوار بين بكين والسلطات المنتخبة ديمقراطياً في الجزيرة، وذلك عقب لقاء شي جينبينغ وتشنغ. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركي: «إن الولايات المتحدة لا تتخذ موقفاً (معيناً) بشأن الحل النهائي للخلافات عبر المضيق»، وحثَّ بكين على وقف ضغوطها العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية على تايوان. وأضاف لـ«رويترز»: «نعارض أي تغييرات أحادية الجانب على الوضع الراهن من جانب أي من الطرفين».

وتُعَدُّ الولايات المتحدة أهم داعم دولي لتايوان، وتزوِّدها بالأسلحة رغم أنه لا تَّوجد علاقات دبلوماسية رسمية بينهما. وطالبت الصين مراراً الولايات المتحدة بالتوقف عن تسليح تايوان. ودعمت واشنطن خطط الحكومة التايوانية لزيادة الإنفاق الدفاعي.

وأكد كل من شي جينبينغ ورئيسة حزب «كومينتانغ» القريب الموالي لبكين مجدداً أنَّهما يرغبان في المضي قدماً في إعادة توحيد سلمي لتايوان والبر الرئيسي، على الرغم من أنه لم يتضح كيف سيحققان ذلك. ولم تستبعد الصين استخدام القوة، وعزَّزت تدريباتها العسكرية حول تايوان، حيث أرسلت سفناً حربية ومقاتلات أقرب إلى الجزيرة وتستقطب بشكل مستمر الحلفاء الدبلوماسيين الباقين لتايوان. واستقبل شي جينبينغ زعيمة المعارضة وممثلي حزبها وسط تصفيق حار من كلا الجانبين. وقال الرئيس الصيني: «إن الاتجاه الأكبر لتقارب المواطنين على جانبي المضيق بشكل أوثق لن يتغير. هذه ضرورة تاريخية. لدينا ثقة كاملة في ذلك». وكانت تشنغ لي-وون قد وصلت إلى بكين الثلاثاء الماضي، بعد زيارة مدينتَي شنغهاي ونانغينغ.

وترغب جمهورية الصين الشعبية في تعزيز التبادلات على أساس رفض استقلال تايوان. وقالت تشنغ لي-وون إن حزبها والحزب الشيوعي الصيني يتعين أن يعملان معا لإضفاء الطابع المؤسسي لتحقيق سلام عبر مضيق تايوان. كما دعت إلى مزيد من الحوار والتعاون، بما في ذلك معالجة الأسباب الجذرية للصراع. وكانت آخر مرة التقى فيها شي مع أحد زعماء حزب «كومينتانغ» الموالي للصين في عام 2016، عندما زار هونغ هسيو-تشو بكين. ويؤيِّد حزب «كومينتانغ» تحسين العلاقات الاقتصادية والتجارية، ويفضِّل الحوار مع بكين.

زعيمة المعارضة التايوانية تشنغ لي-وون تنزل من الطائرة في مطار شنغهاي (أ.ف.ب)

وتتلقى تايوان شحنات من الأسلحة من الولايات المتحدة، الأمر الذي يمثِّل نقطة خلاف جوهرية مع الولايات المتحدة. ومن المرجح أن زيارة تشنغ إلى الصين أيضاً ستتم متابعتها من كثب في واشنطن، لا سيما قبل الزيارة المقررة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الصين في منتصف مايو (أيار) المقبل. وقال شي لزعيمة المعارضة خلال لقائهما في تصريحات نقلتها محطات التلفزيون التايوانية: «أبناء الوطن على جانبي المضيق هم صينيون، أفراد عائلة واحدة تنشد السلام والتنمية والتبادل والتعاون». ونقلت وسائل الإعلام الرسمية، في بيان منفصل عنه، قوله إن جانبَي المضيق ينتميان إلى «صين واحدة». وأضاف: «استقلال تايوان هو السبب الرئيسي في تقويض السلام في مضيق تايوان، ولن نتهاون مع ذلك أو نتغاضى عنه إطلاقاً».

زعيمة المعارضة التايوانية تشنغ لي-وون خلال مؤتمر صحافي في تايبيه قبل توجهها لزيارة الصين الثلاثاء (إ.ب.أ)

وترفض الصين التحدث إلى الرئيس التايواني، لاي تشينغ-تي، لأنَّها تعدّه «انفصالياً». ودعت إدارة لاي زعيمة المعارضة إلى مطالبة الصين بوقف تهديداتها لتايوان، مؤكدة على ضرورة أن تتواصل بكين مع الحكومة المنتخبة ديمقراطياً في تايبه.

وقال تشيو تشوي-تشنغ، كبير المسؤولين عن السياسة مع الصين في تايوان الجمعة، إنَّ شعب تايوان وحده هو مَن يملك حق تقرير مصيره، وإن على الصين أن تتعاون مع حكومة تايبه المنتخبة ديمقراطياً والشرعية. وأردف يقول لصحافيين في تايبه: «يتعمَّد الشيوعيون الصينيون خلق انطباع زائف بأنَّ تايوان شأن داخلي صيني».

مشاة يمرون أمام شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

وكان حزب «كومينتانغ» يحكم الصين بأكملها حتى غادرت حكومة جمهورية الصين التي كان يقودها إلى تايوان في عام 1949 بعد الهزيمة في الحرب الأهلية مع الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ مؤسِّس جمهورية الصين الشعبية. ولم يتم توقيع أي معاهدة سلام أو هدنة على الإطلاق بين الطرفين، ولا تعترف أي من الحكومتين رسمياً بالأخرى حتى الآن.

وخلال اللقاء عبَّرت تشنغ عن أملها في ألا يكون مضيق تايوان، بفضل جهود الحزبين، بؤرة صراع محتمل، وألا يتحوَّل لساحة لتدخل قوى خارجية. وأضافت أنَّ على جانبي المضيق مواصلة التخطيط وبناء آليات مؤسسية ومستدامة للحوار والتعاون.

ترمب وجينبينغ بعد محادثات القمة الأميركية - الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)

ورصدت وزارة الدفاع الوطني منذ بداية الشهر الحالي طائرات عسكرية صينية 68 مرة وسفناً 84 مرة. ومنذ سبتمبر (أيلول) 2020، زادت بكين استخدامها لتكتيكات المنطقة الرمادية بزيادة عدد الطائرات العسكرية والسفن البحرية العاملة حول تايوان بشكل تدريجي. ويُعرِّف مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (سي إس آي إس) تكتيكات المنطقة الرمادية بأنَّها «جهد أو سلسلة من الجهود تتجاوز الردع الثابت، وضمان تحقيق أهداف الأمن لدولة ما دون اللجوء إلى الاستخدام المباشر والهائل للقوة».