خلافاً لوضعها السابق خلال عقد التسعينات، بدت جماعة «طالبان» الأفغانية هذه المرة أكثر حظاً وذكاءً عندما استولت على كابل و زمام السلطة في أفغانستان، بعد الانسحاب الأميركي. وهناك احتمالات متزايدة لأن يستمر نظام «طالبان» الذي بات مقبولاً بشكل متزايد لدى القوى الإقليمية، لمدة أطول من المتوقع.

ورث نظام «طالبان» في كابل آلية دولة جيدة التجهيز وفعالة بناها بشق الأنفس خبراء عسكريون أميركيون وخبراء في بناء الدولة قدموا إليها من واشنطن ومن عواصم غربية أخرى. احتفظت «طالبان» بذكاء بتلك المرافق من أجهزة الدولة التي خلفها نظام أشرف غني والتي ناسبت بقاءهم، مثل هياكل وزارة المالية والبنوك التي تديرها الدولة، لكنها تخلت تماماً عن وزارة شؤون المرأة.
هذه المرة لا تواجه «طالبان» أي تهديد عسكري داخلي، على غرار ذلك القائد الأسطوري أحمد شاه مسعود قائد «التحالف الشمالي» الذي واجهوه في نظامهم السابق. وتلقى التحالف دعماً عسكرياً ومالياً عام 1990 من دول إقليمية، مثل إيران، وروسيا، والهند، لكن هذه المرة لا تقدم هذه الدول الإقليمية المساعدة لابن أحمد شاه مسعود الذي يقيم في طاجيكستان وفي بعض الأحيان في أوروبا ويتظاهر بأنه يقود مجموعات عسكرية معارضة لحكم «طالبان». كما عمل «التحالف الشمالي» واجهةً أمامية للجيش الأميركي عندما بدأ غزوه أفغانستان عام 2001 حين اقترنت الضربات الجوية الأميركية بتقدم «التحالف الشمالي» صوب كابل التي كانت خاضعة لسيطرة «طالبان» في العام نفسه.

هذه المرة، يبدو أن دول المنطقة لا تريد إضعاف «طالبان»؛ لأنها تواصل بقوة حملة عسكرية ضد «داعش» في أفغانستان، وهي حملة تحظى بدعم القوى الإقليمية؛ بما فيها روسيا وإيران.
وأخيراً وليس آخراً، هناك ما يوحي بأن «طالبان» تتصرف كحكومة منذ وصولها إلى السلطة في أغسطس (آب) 2021. فوفقاً للخبراء الدوليين الذين يراقبون حال الاقتصاد في ظل حكم «طالبان» الأفغانية، «كانت إدارة الاقتصاد الكلي لـ(طالبان) أفضل من المتوقع، كما يتضح من سعر الصرف المستقر، وانخفاض التضخم، والتحصيل الفعال للإيرادات، ونمو الصادرات». وتشير بعض التقارير إلى أن خبراء ماليين باكستانيين يساعدون نظام «طالبان» في إدارة الشؤون المالية للدولة.
في حين ذكر خبير الشأن الأفغاني في «معهد الولايات المتحدة للسلام»، ويليام بيرد، في مقال رأي عن الاقتصاد الأفغاني، أنه «لا توجد مقارنة على الإطلاق مع تلك المدة التي أدارت فيها (طالبان) الاقتصاد خلال فترة حكمها السابقة (1996-2001)».

واستطرد بيرد: «لم يكن لهذا النظام سيطرة على العملة الأفغانية، وكان هناك تضخم مفرط. كانت إيرادات الحكومة ضئيلة، وكان الاقتصاد الأفغاني يحتضر إلى حد كبير، خصوصاً بعد حظر (طالبان) الأفيون للمرة الأولى عام 2000، وكان متوسط نصيب الفرد من الدخل الوطني أقل من 200 دولار، وكانت المؤشرات الاجتماعية، مثل وفيات الأمهات والأطفال، مروعة».
وأضاف بيرد: «هذه المرة، استفادت (طالبان) من الدرس بعدما واجهت شدائد خلال نحو 20 عاماً من التمرد. على سبيل المثال؛ قاموا بجمع إيرادات كبيرة فيما تشبه المنافسة مع الحكومة السابقة، وقدموا إيصالات ضريبية للمواطنين لمنع تكرار المطالبة عند نقاط التفتيش المختلفة على الطرق، وأصدروا تصاريح للتعدين وغيرها من النشاطات».
وإذا تدهور الوضع الإنساني أكثر من ذلك، وإذا ازدادت حدة الانقسام في «طالبان»، وإذا ما بات تهديد «داعش» أكثر شراً، فقد يغرق الأفغان في الفوضى. والأمر الأكثر خطورة أنه إذا اتخذ التحدي السياسي لسلطة قادة «طالبان» العليا طابعاً عسكرياً، فإن الفوضى التي ستنجم عن ذلك قد تؤدي إلى إقدام جماعات «طالبان» و«داعش - خراسان» على تقاسم الأراضي الأفغانية.




