دعوات يمنية إلى إنصاف الأطفال الضحايا ضمن مسار العدالة الانتقالية

دراسة حقوقية كشفت عن استمرار الانتهاكات

أطفال اليمن واجهوا آلاف الانتهاكات في ظل الصراع الدائر منذ أكثر من عقد (أ.ف.ب)
أطفال اليمن واجهوا آلاف الانتهاكات في ظل الصراع الدائر منذ أكثر من عقد (أ.ف.ب)
TT

دعوات يمنية إلى إنصاف الأطفال الضحايا ضمن مسار العدالة الانتقالية

أطفال اليمن واجهوا آلاف الانتهاكات في ظل الصراع الدائر منذ أكثر من عقد (أ.ف.ب)
أطفال اليمن واجهوا آلاف الانتهاكات في ظل الصراع الدائر منذ أكثر من عقد (أ.ف.ب)

دعا حقوقيون يمنيون إلى إعادة تأهيل الضحايا من الأطفال ضمن مسار العدالة الانتقالية، في حين أظهرت دراسة حديثة استمرار الانتهاكات الجسيمة ضدهم؛ إذ تصدّر التجنيد قائمة الانتهاكات، في وجود فجوة واسعة بين الالتزامات التشريعية والدولية والحماية الفعلية، رغم توقيع الاتفاقيات وخطط العمل مع الأمم المتحدة.

وكشفت الدراسة التي أصدرها التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن (تحالف رصد) عن أن تجنيد الأطفال في النزاع المسلح في اليمن حاز على نسبة 88.7 في المائة من قائمة الانتهاكات، يليه القتل أو الإصابة بنسبة 61.7 في المائة، والعنف الجنسي 51 في المائة، والهجمات على المدارس والمستشفيات 50 في المائة.

وقال رئيس التحالف الحقوقي، مطهر البذيجي، إن الدراسة واحدة من مخرجات مشروع تعزيز الوعي وضمان حقوق الأطفال في أثناء النزاع باليمن خلال مرحلته الثانية، بالتعاون مع معهد «دي تي».

أطفال يمنيون في سن الدراسة يقفون أمام مبنى متهالك اتُّخذ مدرسة مؤقتة في محافظة تعز (أ.ف.ب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف من الدراسة محاولة سدّ فجوة معرفية لطالما عاقت الجهود الوطنية والدولية في توثيق الانتهاكات الستة الجسيمة للأطفال وتحليلها ضمن إطار شامل للعدالة الانتقالية، مذكّراً بأن الأطفال هم الفئة الأكثر هشاشة والأكثر تضرراً من النزاع، ولا تزال هناك حاجة إلى التوثيق الدقيق للانتهاكات ضدهم، وإصلاح المؤسسات وإشراكهم في مساعي السلام.

وبيّنت الدراسة أن الهجمات على المرافق التعليمية واستخدام المدارس لأغراض عسكرية تسببا في تعطيل أو تدمير آلاف المدارس وحرمان أكثر من مليون طفل من التعليم، مما أسهم في ارتفاع معدلات التسرب والانقطاع الدراسي.

ضرورة إعادة التأهيل

تشير الدراسة إلى أنه، ورغم وجود قانون لحقوق الطفل منذ عام 2002 ومصادقة اليمن على اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولاتها، فإن غياب التعديلات التشريعية وضعف آليات الإنفاذ والانقسام المؤسسي أفقدت هذه المنظومة فاعليتها، إذ قيّم 73.3 في المائة من المشاركين في الاستطلاع أن الإطار القانوني إما ضعيف وإما ضعيف جداً.

بسبب الحرب فقد الأطفال في اليمن الكثير من حقوقهم وواجهوا ظروفاً غير إنسانية (أ.ف.ب)

ترى رانيا خالد، الإخصائية الاجتماعية اليمنية، أن أي تأهيل للأطفال المتأثرين بالحرب في اليمن يظل تحدياً كبيراً في ظل غياب مؤسسات الدولة واستمرار النزاع وتعدد القوى المسيطرة، لكن ذلك لا يعني أنه مستحيل.

ونوهت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن إعادة تأهيل الأطفال تتطلب تفكيراً مرحلياً وعملياً أكثر من الحلول الشاملة والفورية، ورغم أنه من الصعب الوصول إلى كل الأطفال المتأثرين بالانتهاكات، فإنه يمكن بدء العمل على مستويات تدريجية، فخلال السنوات الماضية، أظهرت التجارب الميدانية أن التدخلات المجتمعية الصغيرة وأيضاً تدخلات بعض مؤسسات المجتمع المدني وبعض المنظمات الدولية يمكن أن تُحدث فارقاً حقيقياً.

وبينما شدّدت على ضرورة التركيز على الأطفال في المخيمات والمدارس ومراكز النزوح، اقترحت تدريب المعلمين والمتطوعين على مهارات الدعم النفسي الأولي، وتوفير مساحات آمنة للأطفال في المدارس والمخيمات ومراكز المجتمع المدني، وتقديم تدخلات مجتمعية محلية صغيرة يقودها مختصون ومنظمات تعمل في الميدان، وتضمين الدعم النفسي في المشاريع الإنسانية والتعليمية القائمة.

الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن ألحقتا ضرراً بالغاً بالأطفال (أ.ف.ب)

ووصفت الدراسة الإطار القانوني لحماية الطفل في اليمن بالشكلي، وذلك لأنه لم تتم ترجمة مصادقة الدولة على الاتفاقيات الدولية وقانون حقوق الطفل إلى ممارسات فعّالة بسبب غياب التعديلات التشريعية وضعف التنفيذ والانقسام المؤسسي، ما دفع 73.3 في المائة من المشاركين في بحث الدراسة إلى اعتباره غير فاعل.

وتسبّب الانقسام المؤسسي وتعدد السلطات في تعميق الأزمة، حيث تسببت ازدواجية القوانين وضعف العمل التشريعي في تفكيك المرجعية القانونية الوطنية، مما جعل المجلس الأعلى للأمومة والطفولة خارج دور التنسيق، لتصبح خطط الحماية مرتهنة بدعم المانحين وحده.

دمج المصالحة والمساءلة

أظهر المراجعون التشريعيون ثغرات جوهرية مثل تحديد سن الزواج لما دون الخامسة عشرة، وعدم تجريم تجنيد الأطفال صراحة، وتضارب النصوص المتعلقة بالمسؤولية الجنائية للأحداث، وضعف الحماية من جرائم الاستغلال والعنف الجنسي، فيما لا تتناسب العقوبات المقررة مع جسامة بعض الجرائم مثل الاغتصاب، مما يقوّض فاعلية السياسة الجنائية ويكرّس الإفلات من العقاب.

أطفال جنّدتهم الجماعة الحوثية يشاركون في إحدى مناوراتها العسكرية (أ.ب)

ورصدت الدراسة غياب التزام فعلي ببنود اتفاقية حقوق الطفل، مقيّمة أداء المؤسسات الحكومية في حماية حقوق الأطفال بالضعيف أو الضعيف جداً، مع تسجيل تباينات طفيفة بين مناطق السيطرة المختلفة، في حين كان القاسم المشترك هو قصور الاستجابة والفاعلية في جميع الحالات، مع تعطّل البرلمان وغياب دور المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، مما جعل خطط الحماية مرهونة بدعم المانحين.

وترتب عن تلك الانتهاكات وقوع الآثار النفسية في الصدارة على المدى القصير، وتلتها الصعوبات الاجتماعية، في حين حلّت الآثار الاقتصادية في المرتبة الأخيرة، وعلى المدى الطويل، تصدرت الصعوبات النفسية المرتبة الأولى، وتلاها فقدان فرص التعليم والعمل، ثم الانخراط المحتمل في العنف أو التجنيد مجدداً، بالإضافة إلى تراجع الثقة بالأسرة والمجتمع، والعزلة الاجتماعية وتدهور العلاقات.

ويذهب القاضي والباحث القانوني محمد الهتار، وهو معدّ الدراسة، إلى أن تطبيق العدالة الانتقالية في اليمن يواجه صعوبات كبيرة بسبب استمرار النزاع وتعدد مراكز القوى، غير أن القضاء يمكن أن يُسهم في حماية الأطفال عبر إجراءات تمهّد لإنصافهم.

أطفال جنّدتهم الجماعة الحوثية يخضعون لإعادة تأهيلهم في مأرب برعاية «مركز الملك سلمان» (أ.ب)

ويقترح الهتار، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، تعزيز دور المؤسسات المعنية بحقوق الطفل، وإنشاء لجنة وطنية لتوثيق الانتهاكات وتلقي الشكاوى بآليات آمنة وسريعة، مع زيادة الضغط الأممي لضمان التزام الأطراف بخطط حماية الأطفال وربط الدعم الدولي بمستوى التزامها، وإنشاء إطار تنسيقي يجمع الجهات الرسمية والمنظمات المحلية والدولية لتوحيد الجهود، وتنفيذ برامج للدعم النفسي وجبر الضرر والتوعية.

وبينما تعذّر التواصل مع ممثلي وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان في الحكومة اليمنية للرد على ما ورد في الدراسة، يتوقع الهتار أن تلك الإجراءات المقترحة إلى جانب برامج الدعم النفسي والاجتماعي وجبر الضرر، والتوعية والتثقيف ستمهّد لعدالة انتقالية صديقة للطفل تعزّز الثقة بإمكانية تحقيق الإنصاف ومنع تكرار الانتهاكات.


مقالات ذات صلة

انفلات الثأر القبلي يكشف زيف مزاعم الحوثيين باحتواء الصراعات

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)

انفلات الثأر القبلي يكشف زيف مزاعم الحوثيين باحتواء الصراعات

تصاعدت حوادث الثأر والعنف القبلي في مناطق الحوثيين على الرغم من ادعاءاتهم تبني سياسات للصلح وإنهاء النزاعات التي يستغلونها لتعزيز نفوذهم وجني مزيد من الموارد.

وضاح الجليل (عدن)
المشرق العربي دعا عدد من السفراء الأجانب لخفض التصعيد وتسوية الخلافات بالحوار في اليمن (السفارة البريطانية)

دعوات دولية لخفض التصعيد وتسوية الخلافات بالحوار في اليمن

العليمي:«الإجراءات الأحادية التي اتخذها المجلس الانتقالي الجنوبي تمثل خرقاً صريحاً لمرجعيات المرحلة الانتقالية وتهديداً مباشراً لوحدة القرار الأمني، والعسكري».

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي يمنيان يبيعان الحبوب المنتجة محلياً في سوق بوسط صنعاء (إ.ب.أ)

انفجار أسعار في مناطق سيطرة الحوثيين يخنق معيشة السكان

التهمت موجة غلاء جديدة ما تبقّى من قدرة السكان الشرائية، في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يضاعفون الجبايات، بالتوازي مع تراجع عالمي في أسعار المواد الاستهلاكية

وضاح الجليل (عدن)
المشرق العربي أكد طارق صالح أن الظروف الراهنة مواتية لصالح حسم المعركة واستعادة الدولة ومؤسساتها (سبأ)

مسؤولان يمنيان يرفعان جاهزية الجبهات العسكرية

يعتقد المسؤولون اليمنيون أن جماعة الحوثي هي العدو الرئيسي والوحيد للشعب اليمني، وأن الظروف الراهنة مواتية لصالح حسم المعركة، واستعادة الدولة ومؤسساتها.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي الجماعة الحوثية منحت مهدي المشاط رئيس مجلس حكمها شهادة الماجستير (إعلام حوثي)

هوس قادة الحوثيين بالشهادات العليا يفاقم انهيار التعليم الجامعي

يتعرض طلاب الدراسات العليا في الجامعات اليمنية لابتزاز قادة حوثيين لإعداد رسائلهم للماجستير، والدكتوراه، في حين يجري إغراق التعليم الجامعي بممارسات كسب الولاء

وضاح الجليل (عدن)

الداخلية السورية تعلن مقتل شخص واعتقال 8 بعملية أمنية ضد خلية لـ«داعش»

من العملية الأمنية في تدمر عقب هجوم «داعش» (أرشيفية - وزارة الداخلية)
من العملية الأمنية في تدمر عقب هجوم «داعش» (أرشيفية - وزارة الداخلية)
TT

الداخلية السورية تعلن مقتل شخص واعتقال 8 بعملية أمنية ضد خلية لـ«داعش»

من العملية الأمنية في تدمر عقب هجوم «داعش» (أرشيفية - وزارة الداخلية)
من العملية الأمنية في تدمر عقب هجوم «داعش» (أرشيفية - وزارة الداخلية)

أعلنت السلطات السورية، الثلاثاء، أن قواتها قتلت زعيم خلية مرتبطة بتنظيم «داعش» واعتقلت 8 آخرين، على خلفية الهجوم الدامي الذي استهدف، الأحد، قوات الأمن بشمال البلاد.

ووفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، قالت الوزارة في بيان إن العملية «استهدفت موقع خلية إرهابية تتبع لتنظيم (داعش) الإرهابي»، وأدت العملية إلى «إلقاء القبض على جميع أفراد الخلية وعددهم 8، وحُيّد (قُتل) العنصر التاسع، متزعم الخلية، أثناء المداهمة».

وأفادت الوزارة بعملية أمنية ثانية بناء على المعلومات التي جمعتها من العملية الأولى، وأسفرت العمليتان عن «ضبط أحزمة ناسفة، وكواتم صوت، وصواريخ من نوع ميم-دال، إلى جانب أسلحة رشاشة».

وقالت الداخلية إن المجموعة المستهدفة «مسؤولة عن تنفيذ عدد من العمليات الإرهابية التي استهدفت دوريات أمنية وعسكرية في محافظتي إدلب وحلب».

وتأتي هذه العملية بعد هجوم استهدف، الأحد، دورية لإدارة أمن الطرق في ريف إدلب، ما أسفر عن مقتل أربعة من عناصر قوى الأمن الداخلي وإصابة خامس، حسب وزارة الداخلية السورية.

وأفادت وكالة الأنباء الرسمية «سانا» بأن مسلحين أطلقوا النار على الدورية أثناء تنفيذ مهامها على طريق معرة النعمان جنوب المحافظة.

وتبنى تنظيم «داعش» لاحقاً الهجوم، وفق ما أورده موقع «سايت» المتخصص في شؤون الجماعات الجهادية.

ويأتي ذلك بعد أيام من استهداف وفد عسكري مشترك في مدينة تدمر وسط سوريا، ما أدى إلى مقتل ثلاثة أميركيين، بينهم جنديان ومدني يعمل مترجماً، إضافة إلى إصابة عناصر من القوات الأميركية والسورية، حسب واشنطن ودمشق.


تسهيلات مصرية لمستثمرين في السياحة بسيناء لتعويض خسائر حرب غزة

أحد المنتجعات السياحية الفاخرة في مدينة طابا (هيئة تنشيط السياحة)
أحد المنتجعات السياحية الفاخرة في مدينة طابا (هيئة تنشيط السياحة)
TT

تسهيلات مصرية لمستثمرين في السياحة بسيناء لتعويض خسائر حرب غزة

أحد المنتجعات السياحية الفاخرة في مدينة طابا (هيئة تنشيط السياحة)
أحد المنتجعات السياحية الفاخرة في مدينة طابا (هيئة تنشيط السياحة)

أقرت مصر حزمة واسعة من التسهيلات لمستثمري منطقة طابا ونويبع، الواقعتين على شاطئ البحر الأحمر بجنوب سيناء، بعد تضرر الأنشطة السياحية هناك على مدار العامين الماضيين، نتيجة الحرب في قطاع غزة والتوترات الأمنية المحيطة بالمنطقة.

وبحسب تصريحات إعلامية لرئيس الهيئة العامة للتنمية السياحية في مصر، مصطفى منير، فإنه تمت الموافقة من جانب إدارة الهيئة على منح المستثمرين عاماً إضافياً لتأجيل سداد المديونيات، مع وقف المطالبة بالسداد لمدة 18 شهراً دون فوائد، لافتاً إلى أن هذه القرارات جاءت استجابة لمطالب المستثمرين وبعد عدة اجتماعات ميدانية وجولات تفقدية للمنطقة.

وتضمنت حزمة التسهيلات المقررة مد فترة الإعفاء من سداد قيمة الأراضي إلى 3 سنوات بدلاً من عامين، إلى جانب تجميد المديونيات لمدة سنة ونصف السنة دون فرض أي أعباء إضافية.

وأوضح أن المنطقة تعرضت لضغوط استثنائية أدت إلى توقّف غالبية المقاصد السياحية، مشيراً إلى أن عدد الفنادق العاملة حالياً لا يتجاوز 6 فنادق من بين 55 فندقاً مسجلة في المنطقة.

حوافز حكومية لمنتجعات جنوب سيناء في مصر لتنشيط السياحة (هيئة تنشيط السياحة)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أشارت تقارير إعلامية مصرية إلى «إغلاق نحو 90 في المائة من المنشآت السياحية في مدينتي طابا ونويبع الواقعتين بسيناء على شاطئ البحر الأحمر وتراجع معدل الإشغالات الفندقية في منتجع شرم الشيخ ومدن جنوب سيناء نتيجة الحرب على غزة».

الدكتور يسري الشرقاوي، مستشار الاستثمار الدولي ورئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، عدّ التسهيلات المالية التي تقدمها الحكومة المصرية لمساندة المشروعات السياحية المتعثرة خطوة مهمة، لكنها لا تمثل حلاً كاملاً في مواجهة تداعيات الظروف الجيوسياسية الراهنة، مشدداً على ضرورة تبني استراتيجية متعددة المحاور.

وقال الشرقاوي، لـ«الشرق الأوسط»: «تُعد السياحة أحد أهم المصادر للعملة الصعبة في مصر، وكان تأثير الظروف الجيوسياسية على مناطق سيناء، خصوصاً المناطق الجنوبية المتضررة جغرافياً، تأثيراً مباشراً وحاداً».

وتابع: «اليوم، تنظر الحكومة المصرية إلى عام 2026 بوصفه عاماً مرتقباً للهدوء النسبي والاستقرار، وهو العام الذي سيأتي أيضاً بعد شهور من الافتتاح الكامل للمتحف المصري الكبير، والتدابير المتخذة تهدف إلى جعل عام 2026 عاماً ذهبياً لقطاع السياحة إذا ما تلاشت التأثيرات الخارجية»، مؤكداً أن الحلول المالية المطروحة حالياً ستسهم في سداد الفواتير الكبيرة المستحقة على أصحاب المشروعات السياحية المتعثرة في سيناء، ومتوقعاً المزيد من المساعدات التدريجية في هذا الصدد.

وبحسب تصريحات رئيس الهيئة العامة للتنمية السياحية في مصر، مصطفى منير، فإن الهيئة حرصت على جمع مطالب المستثمرين، وإقرار ما يدعم استمرارية النشاط في المنطقة التي تمثل أحد أهم المقاصد في جنوب سيناء.

واستقبلت مصر، وفق بيانات رسمية 15.7 مليون سائح خلال عام 2024، ما يُعدّ أعلى رقم تحققه البلاد في تاريخها. كما أعلنت زيادة أعداد السائحين خلال الربع الأول من العام الحالي 2025 بنسبة 25 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، رغم التحديات الجيوسياسية التي تواجهها المنطقة.

ودعا الشرقاوي إلى ضرورة تدخل أوسع من الحكومة على 3 محاور متزامنة لضمان جذب أعداد أكبر من السائحين؛ أولها المحور الدبلوماسي والسياسي، عبر استمرار الجهد المكثف، ممثلاً في وزارة الخارجية وتحت توجيهات القيادة السياسية، لضمان التحسن التدريجي المستقر في الظروف الجيوسياسية وتلاشي أثرها، إلى جانب الترويج النوعي، من خلال إعداد وزارة السياحة والآثار المصرية برامج ترويجية جاذبة تستهدف إعادة تثبيت الرؤية الآمنة لأسواق السياحة الدولية تدريجياً، خاصة للوافدين إلى سيناء.

وتابع: «كما يجب أن يكون هناك ترويج مدعوم للسياحة الداخلية للحفاظ على نسب الإشغال داخل هذه المنطقة، فلا يمكن لأي منطقة في العالم أن تتجاوز جميع الآثار إلا إذا تضافرت الأيدي الداخلية مع الدعم الخارجي».


«الخط الأصفر» يشعل التوترات بين مصر وإسرائيل

منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

«الخط الأصفر» يشعل التوترات بين مصر وإسرائيل

منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)
منظر عام لكتلة خرسانية تمثل «الخط الأصفر» الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

في وقت تحدث فيه إعلام إسرائيلي عن زيادة وتيرة التوتر بين مصر وإسرائيل في الفترة الحالية، بسبب ممارسات حكومة بنيامين نتنياهو في قطاع غزة، قال مصدر مصري مسؤول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأجهزة المصرية رصدت ما تقوم به إسرائيل من مخالفات لاتفاق شرم الشيخ، وأعدت به ملفاً وأبلغت به واشنطن للتأكيد على أن القاهرة ملتزمة ومصرة على تنفيذ الاتفاق».

ووفق عسكريين سابقين بمصر، فإن «القاهرة ترى في ممارسات إسرائيل بغزة محاولة للتملص من خطة ترمب المتفق عليها، واللجوء لترسيخ وجود عسكري إسرائيلي دائم فيما يعرف بالخط الأصفر بغزة، مما يهدد الأمن القومي المصري».

و«الخط الأصفر» هو خط تقسيم يفصل قطاع غزة إلى جزأين، وفقاً لخطة السلام الموقعة بشرم الشيخ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهي الخطة التي تهدف إلى إنهاء حرب غزة. ويفصل الخط الأصفر 47 في المائة من الأراضي في المنطقة الغربية التي يسيطر عليها الفلسطينيون، عن 53 في المائة من قطاع غزة التي تسيطر عليها إسرائيل، وتقريباً جميع الفلسطينيين في غزة نزحوا إلى المنطقة الغربية من الخط.

قمة مرتقبة بين ترمب ونتنياهو آخر الشهر تناقش خطة السلام في غزة (أ.ف.ب)

وكشف تقرير لـ«القناة 14» الإسرائيلية عن نشاط للجيش الإسرائيلي فيما يعرف بـ«الخط الأصفر»، وتعديل التضاريس الجغرافية لقطاع غزة، وهو ما تعدّه القاهرة «تهديداً مباشراً لمصالحها الإقليمية»، وفق القناة، التي ذكرت أن «ذلك أغضب مصر ودفعها للشكوى إلى الولايات المتحدة، متهمة إسرائيل بأنها تعمل على تقسيم قطاع غزة إلى جزأين، وتغيير التركيبة الديموغرافية والتضاريسية للمنطقة».

وحسب التقرير، فإن القاهرة «تنظر بقلق بالغ لما يجري في قطاع غزة، خصوصاً بعد تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي إيل زامير، حول الخط الأصفر، باعتباره خطاً دفاعياً وهجومياً جديداً»، حيث إن نشاط الجيش الإسرائيلي في المنطقة «الصفراء» - الذي يشمل تدمير بنية تحتية للأنفاق وهدم منازل - «يفسر في القاهرة على أنه استعداد لترسيخ وجود عسكري طويل الأمد في غزة، ما دفع مصر إلى التحرك الدبلوماسي العاجل باتجاه واشنطن»، وفق القناة العبرية.

وأكد نائب مدير المخابرات الحربية ورئيس جهاز الاستطلاع السابق بمصر، لواء أركان حرب أحمد كامل، أن «مصر غاضبة بشدة من محاولات إسرائيل التملص من التزامها بخطة السلام المتفق عليها، وتحركاتها في المنطقة الصفراء توحي برغبتها في تثبيت وجود عسكري دائم في غزة وقرب الحدود المصرية، مما يمثل تهديداً للأمن القومي المصري».

مصادر تتحدث عن اشتراطات مصرية لعقد قمة بين السيسي ونتنياهو (إعلام عبري)

كامل، وهو مستشار بالأكاديمية العسكرية المصرية للدراسات العليا والاستراتيجية قال لـ«الشرق الأوسط»: «الموقف المصري واضح ومحدد وثابت في عده قضايا رئيسية تخص الأمن القومي المصري، ويقوم على أن السلام هو الهدف الرئيسي والاستراتيجي للسياسة الخارجية المصرية، واحترام مصر للاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، خصوصاً اتفاقيه السلام الموقعة عام 1979، والملحق العسكري المرفق بالاتفاقية وتعديلاته الخاصة بزيادة أعداد القوات المسلحة المصرية في سيناء، وضرورة احترام إسرائيل للاتفاقيات الموقعة بين الجانبين».

وأوضح أن «هناك اشتراطات مصرية للتهدئة مع إسرائيل تتعلق بتنفيذ اتفاق غزة طبقاً لمبادرة الرئيس الأميركي ترمب بمراحلها المختلفة، والبدء فوراً في المرحلة الثانية دون عرقلة أو أسباب واهية، مع التأكيد على تثبيت وقف إطلاق النار الدائم والتحول إلى مرحلة السلام، وقيام إسرائيل بالتنفيذ الدقيق للاتفاقية ودخول المساعدات الإنسانية بالكميات المتفق عليها، وفتح معبر رفح في الاتجاهين».

ومن الشروط كذلك بحسب كامل، «رفض مصر الهجرة القسرية أو الطوعية لسكان قطاع غزة، وكذلك الإجراءات الإسرائيلية بالضفة الغربية الخاصة بإقامة المستوطنات وضم الضفة الغربية لإسرائيل، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من كامل أراضي القطاع بما فيها محور فيلادلفيا والعودة لحدود 7 أكتوبر 2023، والتأكيد أن الوجود الإسرائيلي الحالي هو وضع مؤقت مرهون بتطور تنفيذ مراحل الاتفاق، وأن الخطوط الملونة ومنها الخط الأصفر، هي خطوط وهمية لا يعتد بها».

الشرط الرابع، وفق كامل، متعلق بـ«مدى تجاوب نتنياهو وحكومته مع المطالب العربية الواضحة في المبادرة العربية، والخاصة بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، والشروع والموافقة على حل الدولتين وعدم التهجير للفلسطينيين؛ سواء بغزة أو الضفة، وإبداء النوايا الحسنة الخاصة بحسن الجوار وعدم الاعتداء، والتجاوب مع المطالب الدولية الخاصة بإخلاء المنطقة من التهديد بالسلاح النووي، وانضمام إسرائيل للاتفاقيات الدولية بذات الشأن».

مسلحون من «حماس» يرافقون أعضاء «الصليب الأحمر» نحو منطقة داخل «الخط الأصفر» الذي انسحبت إليه القوات الإسرائيلية في مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)

ويعتقد أن «مصر لن تتجاوب مع المساعي الأميركية والإسرائيلية الخاصة بعقد اجتماع بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، دون تقديم إسرائيل مبادرة واضحة ومحددة لرغبتها في السلام واستقرار المنطقة، وتكون قابلة للتنفيذ».

وذكرت التقارير الإسرائيلية أن الولايات المتحدة حاولت فعلياً تنظيم قمة ثلاثية في واشنطن؛ بين السيسي ونتنياهو بحضور ترمب، لكن الفكرة ارتطمت بجدار الشروط المصرية التي وصفها الإعلام العبري بـ«غير المقبولة» من وجهة النظر الإسرائيلية، لكن التقارير ذاتها أشارت إلى أن القاهرة تتوقع أن يمارس ترمب ضغوطاً خلال لقائه المرتقب مع نتنياهو في فلوريدا نهاية الشهر الحالي، لـ«كبحه» والحد من خطواته في غزة.

وقال رئيس الأركان السابق للجيش المصري، اللواء سمير فرج، إن «هناك تعويلاً كبيراً على القمة التي ستعقد بين ترمب ونتنياهو ومخرجاتها، وإن ترمب بالقطع سيضغط على نتنياهو للالتزام بخطة السلام في غزة، التي تحمل اسم ترمب شخصياً».

ونوه فرج في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأن مصر ستقيم الموقف في إطار ما ستتمخض عنه قمة ترمب ونتنياهو، ولكن في الوقت ذاته، فإن موقفها واضح وثابت في أنها لا تقبل أبداً بتثبيت الوجود العسكري الإسرائيلي في الخط الأصفر، أو في أي منطقة من غزة، وكل ما تفعله حكومة نتنياهو تدرك القاهرة تماماً أنه محاولة لعرقلة خطة السلام التي تنص على الانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي من جميع أراضي غزة.