شهود يروون «فظائع» الفاشر... والأقمار الاصطناعية تكشف استمرار القتل

سوداني مصاب بعد فراره من الفاشر عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها (أ.ب)
سوداني مصاب بعد فراره من الفاشر عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها (أ.ب)
TT

شهود يروون «فظائع» الفاشر... والأقمار الاصطناعية تكشف استمرار القتل

سوداني مصاب بعد فراره من الفاشر عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها (أ.ب)
سوداني مصاب بعد فراره من الفاشر عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها (أ.ب)

جمع مقاتلون على ظهور جِمال نحو مائتي رجل قرب مدينة الفاشر السودانية مطلع الأسبوع، واقتادوهم إلى خزان، وهم يرددون ألفاظاً عنصرية قبل أن يبدأوا في إطلاق النار، وذلك وفقاً لرواية رجل قال إنه كان بينهم. وأوضح الرجل، ويُدعى الخير إسماعيل، في مقابلة مصورة أجراها معه صحافي محلي في بلدة طويلة بإقليم دارفور بغرب البلاد، إن أحد الخاطفين تعرف عليه من أيام الدراسة وتركه يهرب.

وقال إسماعيل: «قال لهم لا تقتلوه»، حتى بعد أن قتلوا كل من معه بمن فيهم أصدقاء له. وأضاف أنه كان يُحضر الطعام لأقاربه الذين كانوا لا يزالون في المدينة عندما سيطرت عليها «قوات الدعم السريع»، يوم الأحد، وكان، كغيره من المعتقلين، أعزل بلا سلاح.

وكان إسماعيل واحداً من أربعة شهود، وستة من موظفي الإغاثة أجرت وكالة «رويترز» مقابلات معهم، وقالوا أيضاً إن الفارين من الفاشر جُمعوا في قرى مجاورة، وفُصل الرجال عن النساء، ثم تم إبعادهم. وفي رواية سابقة، قال أحد الشهود إن دويّ إطلاق نار سُمع بعد ذلك.

ولطالما حذر ناشطون ومحللون من عمليات قتل انتقامية على أساس عرقي من «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية، إذا سيطرت على الفاشر، آخر معقل للجيش السوداني في دارفور.

أفراد من «قوات الدعم السريع» يسيرون وسط جثث أشخاص عُزّل ومركبات محترقة في أثناء هجوم بالقرب من الفاشر (رويترز)

ونشرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان روايات أخرى، أمس (الجمعة)، تشير إلى تقديرات بأن مئات المدنيين والعزل ربما يكونون قد أُعدموا. وتُعد عمليات القتل على هذا النحو جرائم حرب.

ونفت «قوات الدعم السريع»، التي يُمثل «انتصارها» في الفاشر نقطة تحول في الحرب الأهلية السودانية المستمرة منذ عامين ونصف العام، ارتكاب هذه الانتهاكات، قائلةً إن الروايات من نسج خيال أعدائها، ووجَّهت إليهم اتهامات مضادة.

ونددت منظمة أطباء بلا حدود بما وصفتها «الفظائع» وعمليات القتل المروعة على أساس عرقي التي ترتكبها «قوات الدعم السريع» بالفاشر بغرب السودان. وقالت المنظمة إن أعداداً كبيرة من سكان الفاشر لا تزال تواجه خطر الموت، مشيرةً إلى أن «قوات الدعم السريع» تمنع السكان من الوصول إلى مناطق آمنة. ودعت «أطباء بلا حدود» ميليشيا «قوات الدعم السريع» إلى تجنيب المدنيين المخاطر والسماح لهم بالوصول إلى مناطق آمنة.

كانت مديرة برنامج الأغذية العالمي سيندي ماكين، قد طالبت في وقت سابق من اليوم بالسماح للمنظمة بالعمل بكامل استقلاليتها في السودان، وذلك بعد موجة عنف في مدينة الفاشر بإقليم دارفور في أعقاب سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها.

نقل الرجال للتحقيق

وأفادت وكالة «رويترز» للأنباء بأنها تحققت من ثلاثة مقاطع فيديو على الأقل نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر رجالاً يرتدون زي «قوات الدعم السريع»، وهم يطلقون النار على أسرى عزل، ومن 12 مقطعاً آخر تَظهر فيها مجموعات من الجثث بعد إطلاق نار على ما يبدو.

ووصف قائد كبير في «قوات الدعم السريع» هذه الروايات بأنها «تضخيم إعلامي» من الجيش والمقاتلين المتحالفين معه «للتغطية على هزيمتهم وفقدانهم مدينة الفاشر». وقال إن قيادة القوات أمرت بالتحقيق في أي انتهاكات ارتكبها أفرادها الذين تم اعتقال العديد منهم، مضيفاً أن «قوات الدعم السريع» ساعدت الناس على مغادرة المدينة ودعت منظمات الإغاثة إلى مساعدة من بقوا فيها. وذكر أن جنود الجيش السوداني والمقاتلين الذين تظاهروا بأنهم مدنيون تم «أسرهم» للتحقيق معهم. وقال لوكالة «رويترز» للأنباء رداً على طلب للتعليق: «لم تكن هناك عمليات قتل كما يروج البعض».

من جانبهم، أفاد شهود لمنظمة «أطباء بلا حدود» بأن مجموعة مكونة من 500 مدني وجندي من القوات المسلحة السودانية والجماعات المتحالفة معها حاولت الهرب في 26 أكتوبر (تشرين الأول)، لكن معظمهم قُتلوا أو أُسروا على يد «قوات الدعم السريع» وحلفائها. وذكرت المنظمة اليوم أن «ناجين أفادوا بفصل الأفراد بعضهم عن بعض حسب الجنس والعمر أو الهوية العرقية، ولا يزال كثير منهم قيد الاحتجاز للحصول على فدى تتراوح بين 5 ملايين و30 مليون جنيه سوداني (ثمانية آلاف إلى 50 ألف دولار)».

القتل مستمر

وقال باحثون في جامعة ييل الأميركية إن صوراً جديدة التُقطت بالأقمار الاصطناعية تُظهر مؤشرات على استمرار عمليات القتل الجماعي داخل مدينة الفاشر ومحيطها في غرب السودان، بعد أيام من سيطرة قوات الدعم السريع عليها.ومنذ سقوط المدينة، توالت شهادات عن إعدامات ميدانية وعنف جنسي وهجمات على عمال الإغاثة وعمليات نهب وخطف، بينما لا تزال الاتصالات مقطوعة إلى حدّ كبير.

صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر تجمعاً لأشخاص خارج إحدى القرى في شمال شرقي الفاشر بعد سيطرة «الدعم السريع» على المدينة (أ.ف.ب)

وقال مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل في تقرير الجمعة إن الصور الجديدة تُظهر مؤشرات على أن جزءا كبيرا من سكان المدينة «قُتلوا أو أُسروا أو يختبئون».وحدّد الباحثون ما لا يقل عن 31 موقعا تحتوي على أجسام يُرجّح أنها لجثث بشرية بين الاثنين والجمعة، في أحياء سكنية وحرم جامعي ومواقع عسكرية.وأضاف التقرير أن «مؤشرات استمرار القتل الجماعي واضحة للعيان».

صورة بالأقمار الاصطناعية لمستشفى الأطفال في الفاشر (أ.ف.ب)

ازدياد أعداد النازحين

إلى ذلك، أعلنت شبكة أطباء السودان، اليوم (السبت)، وصول 642 نازحاً من الفاشر إلى منطقة الدبة بالولاية الشمالية. وقالت الشبكة، في بيان صحافي اليوم، إنها «تتابع بقلق بالغ ازدياد حركة النزوح من مدينة الفاشر، حيث وصل خلال الساعات الماضية 642 نازحاً إلى الولاية الشمالية بعد رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر جراء المجازر التي ترتكبها (الدعم السريع) في الفاشر».

وأضافت أن «النازحين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية، في ظل انعدام المأوى ونقص الغذاء والمياه الصالحة للشرب وغياب الخدمات الصحية الأساسية، خصوصاً بين الأطفال والنساء وكبار السن». وتابعت: «إن هذه الأسر الفارة من ويلات الحرب لجأت إلى الولاية الشمالية بحثاً عن الأمان، إلا أنها تواجه الآن تحديات معيشية خطيرة تفوق قدرة المجتمعات المستضيفة على الاستجابة لها، مع توقعات بأن يتضاعف عدد الوافدين بشكل كبير خلال الأيام القادمة نتيجة استمرار تدهور الأوضاع في دارفور».

وناشدت شبكة «أطباء السودان» السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية والإغاثية داخل السودان وخارجه، التحرك العاجل لتقديم المساعدات الطبية والغذائية العاجلة، وتوفير المأوى والدعم النفسي والاجتماعي للنازحين، تفادياً لانهيار الوضع الإنساني بشكل كامل. وأكدت أن «الاستجابة السريعة في هذه اللحظة الحرجة قد تنقذ آلاف الأرواح التي أنهكها النزوح والجوع والخوف».

وترسخ سيطرة «قوات الدعم السريع» على الفاشر مسألة تقسيم السودان الذي تقلصت مساحته بالفعل بعد استقلال جنوب السودان عنه في عام 2011 عقب حرب أهلية استمرت عقوداً.

ودعا قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) مقاتليه، في كلمة ألقاها مساء الأربعاء، إلى حماية المدنيين. وقال إنه ستتم محاكمة من يرتكبون انتهاكات. وبدا أنه اعترف بالتقارير التي تحدثت عن اعتقالات عندما أمر بالإفراج عن المعتقلين.

وينتمي معظم المقاتلين، الذين يصدون تقدم «قوات الدعم السريع» في الفاشر، إلى قبيلة الزغاوة التي يعود تاريخ عداوتها مع مقاتلي «قوات الدعم السريع»، ومعظمهم من العرب، إلى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. واتُّهمت «الدعم السريع»، التي كانت تُعرف آنذاك باسم «ميليشيا الجنجويد»، بارتكاب فظائع في دارفور.

وقال أليكس دي وال، وهو خبير في الإبادة الجماعية ومتخصص في شؤون دارفور، إن أعمال «قوات الدعم السريع» المبلَّغ عنها في الفاشر تبدو «مشابهة جداً لما فعلوه في جنينة وأماكن أخرى»، في إشارة إلى مدينة أخرى في دارفور سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» خلال المراحل الأولى من الحرب، وكذلك في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وقالت الولايات المتحدة إن «قوات الدعم السريع» ارتكبت إبادة جماعية في جنينة، وإن المحكمة الجنائية الدولية تحقق في الهجوم. ويتهم الجيش السوداني وآخرون الإمارات بمساعدة «قوات الدعم السريع»، وهي اتهامات تنفيها الإمارات.

«لا يمكننا القول إنهم أحياء»

قالت ماري بريس، مستشارة الحماية في منظمة «قوة السلام اللاعنفية»، وهي منظمة غير حكومية تعمل في الطويلة، إن الواصلين «هم من النساء والأطفال وكبار السن من الرجال بشكل عام»، مضيفةً أن الشاحنات التي نظَّمتها «قوات الدعم السريع» نقلت بعض الأشخاص من قرني إلى الطويلة فيما نُقل آخرون إلى مكان آخر.

ونشرت «قوات الدعم السريع» أمس، مقطع فيديو، قالت إنه يُظهر تقديم مساعدات غذائية وطبية للنازحين في جارني. وقال عمال الإغاثة إن القوات ربما تحاول أيضاً إبقاء الناس في البلدات التي تسيطر عليها لجذب المساعدات الأجنبية.

وكان نحو 260 ألف شخص لا يزالون في الفاشر وقت الهجوم، لكن لم يتم إحصاء سوى 62 ألف شخص في أماكن أخرى، ولم يكن هناك سوى عدة آلاف منهم في الطويلة التي تسيطر عليها قوة محايدة.

صورة التقطت بالقمر الاصطناعي قبل أيام لدخان يتصاعد من مدينة الفاشر السودانية (أ.ف.ب)

وفي شهادة أخرى من الشهادات التي حصلت عليها وكالة «رويترز» وتحققت منها، قالت تهاني حسن، وهي عاملة نظافة سابقة في مستشفى، إنها فرَّت إلى الطويلة في وقت مبكر من يوم الأحد، بعد مقتل زوج شقيقتها وعمها برصاص طائش. وأضافت أنه في الطريق، ألقى ثلاثة رجال يرتدون زي «قوات الدعم السريع» القبض عليها وعلى أسرتها وفتشوهم وضربوهم وأهانوهم. وقالت: «ضربونا بشدة. ألقوا بملابسنا على الأرض. حتى أنا كامرأة تم تفتيشي»، مضيفةً أن طعامهم وماءهم سُكب على الأرض أيضاً.

ووصلوا في نهاية المطاف إلى جارني، حيث فصل المقاتلون النساء والأطفال عن الرجال. ولم يرَ غالبيتهم ذويهم مرة أخرى، بما في ذلك شقيق تهاني وزوج أختها الثانية. وقالت تهاني: «لا يمكننا أن نقول إنهم أحياء، بسبب الطريقة التي عاملونا بها، إنْ لم يقتلوكم فإن الجوع والعطش سيقتلكم».


مقالات ذات صلة

مسؤول أممي: 70 % من سكان السودان يعيشون تحت خط الفقر جراء الحرب

شمال افريقيا واحد من كل أربعة سودانيين يعيش في فقر مدقع بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

مسؤول أممي: 70 % من سكان السودان يعيشون تحت خط الفقر جراء الحرب

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي كارل سكاو لدى لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في الخرطوم الجمعة (وكالة السودان للأنباء «سونا»)

الأمم المتحدة: السودانيون يعيشون «أكبر أزمة جوع في العالم»

وصف برنامج الأغذية العالمي الأوضاع في السودان بأنها «أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم»، تواجه أكثر من 19 مليون شخص من جملة سكان البلاد، معلناً عودته إلى الخرطوم.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طالبات سودانيات حصلن على شهادة المرحلة الثانوية (مدرسة الصداقة)

المدارس المصرية تتهيأ لانعقاد «الثانوية السودانية»

يستعد عدد من المدارس المصرية لاستقبال آلاف الطلاب السودانيين الوافدين، الذين يخوضون امتحانات «الشهادة الثانوية السودانية»، بدءاً من الاثنين المقبل.

أحمد جمال (القاهرة)

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.