كيف تعمل إسرائيل على «هندسة التجويع» في غزة؟

TT

كيف تعمل إسرائيل على «هندسة التجويع» في غزة؟

أطفال فلسطينيون يتجمعون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في خان يونس جنوب غزة يوم الجمعة الماضي (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يتجمعون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في خان يونس جنوب غزة يوم الجمعة الماضي (أ.ب)

عاش سكان قطاع غزة خلال فترة، اقتربت من العامين من الحرب الإسرائيلية، فترات بالغة الصعوبة، لم تقتصر على الهجمات العسكرية فقط، بل زادها معاناةً استخدامُ «التجويع» كسلاح للحرب التي ضربت الفلسطينيين في كل مناحي الحياة.

لكن ذلك «التجويع» لم يكن عشوائياً، وفق ما أظهرت الأنماط التي لجأت إليها إسرائيل في إدخال المساعدات إلى القطاع طوال فترة الحرب، والتي بدت ممنهجة للموازنة بين ادعاء حكومة بنيامين نتنياهو استمرار إدخالها للمساعدات، والضغط بسلاح «التجويع» لتهجير سكان قطاع غزة.

تزاحم للحصول على طعام من تكية خيرية في مدينة غزة يوم 28 أغسطس 2025 (رويترز)

وفي أغسطس (آب) الماضي، أعلنت الأمم المتحدة وخبراء دوليون رسمياً للمرة الأولى تفشي المجاعة على نطاق واسع في غزة، وأفاد منسق الأمم المتحدة للإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، أنه كان من الممكن منع هذه المجاعة «إذا سُمح لنا بذلك... الأغذية تتكدس على الحدود بسبب العرقلة الممنهجة من إسرائيل».

3 مراحل من التجويع

واجه سكان غزة 3 مراحل من التجويع الفعلي؛ الأولى كانت في مدينة غزة وشمالها، التي كان يقطنها حينها نحو 380 ألف نسمة (غالبية السكان كانوا قد نزحوا جنوباً)، وامتدت من نهاية شهر يناير (كانون الثاني)، حتى مايو (أيار) 2024. واضطر سكان تلك المناطق إلى تناول أكل الحيوانات للتغلب على انقطاع الدقيق «الطحين» وكافة المواد الغذائية وغيرها، قبل أن يسمح ببدء دخول المواد الغذائية بشكل تدريجي.

وجاءت المرحلة الثانية للتجويع لفترة قصيرة في مناطق وسط وجنوب القطاع، وهي المناطق التي كانت تحتضن ما يصل إلى نحو مليون و900 ألف نسمة، قبل أن يُسمح بإدخال الدقيق لتلك المناطق وانخفاض الأسعار مجدداً فيها.

وفي المرحلة الثالثة، فرضت إسرائيل سياسة التجويع الأشد فتكاً على كل أنحاء القطاع، وبدأ منذ نهاية مايو الماضي، وتتواصل فصولها مع اشتدادها تارةً وتراجعها تارةً حتى هذا اليوم.

وقتلت إسرائيل بسلاح التجويع «440 شخصاً، بينهم 147 طفلاً» حتى الأحد. فيما سجلت 162 حالة، بينهم 32 طفلاً، منذ أن أعلن مرصد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) الأممي، قطاع غزة، وخاصةً محافظة غزة وشمالها، منطقة تعاني المجاعة في أغسطس الماضي.

أساليب مناورة إسرائيلية

بعد تواصلها مع عدة مؤسسات تتبع جهات أممية وغيرها، أدخلت إسرائيل كميات من الدقيق، ولكنها لم تسمح لأي جهة بتأمين هذه المساعدات للوصول إلى مخازن تلك المؤسسات وتوزيعها بشكل عادل، سواء من شمال أو جنوب القطاع.

وأمر الجيش الإسرائيلي تلك المؤسسات بأن توقف شاحناتها في شوارع عامة بالقرب من المناطق التي تسيطر عليها، وهو الأمر الذي ساهم في أن تقتل قواته مئات الغزيين ممن كانوا يتهافتون لمناطق دخول المساعدات.

ومع تصاعد الانتقادات حتى من الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمجاعة التي قُتل بسببها مزيد من سكان غزة، عادت إسرائيل للمناورة عبر إدخال كميات أخرى من المساعدات.

لكن إسرائيل تحت ذريعة ألا تصل المساعدات إلى «حماس» وتسيطر عليها، قصفت بالطائرات المسيرة من حاولوا تأمين المساعدات، ما تسبب بمزيد من الفوضى التي دفعت عصابات اللصوص إلى السيطرة على تلك المساعدات وبيعها في السوق السوداء بمبالغ باهظة الثمن.

أطفال فلسطينيون ينتظرون دورهم للحصول على طعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة أغسطس الماضي (د.ب.أ)

ومرة أخرى، انتهت المساعدات بعيداً عن مستحقيها، وزادت بالتبعية من أعداد وفيات المجاعة وسوء التغذية، خاصةً أن حليب الأطفال وغيره من المكملات الغذائية الصحية كان أيضاً ينهب.

تجار القطاع الخاص

لم تقف عملية «هندسة التجويع» الإسرائيلية عند حد تعميق الفوضى، بل إن حكومة نتنياهو لجأت إلى اتخاذ قرار بإدخال مواد غذائية عبر تجار القطاع الخاص، وسط محاولات إعلامية منها بادعاء أن هذه الخطوة ستحسن الوضع الحياتي للغزيين.

لكن السكان في القطاع فوجئوا بأن أسعار تلك المواد باهظة الثمن، ولا تستطيع الغالبية شراءها لعدم توفر السيولة النقدية لديهم، وكذلك عدم توفر أي فرص عمل للغالبية العظمى من السكان.

ووفقاً لتجار تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، فإن البضائع لم يُسمح بدخولها لكل التجار بهدف المنافسة، بل مررتها إسرائيل إلى تاجرين فقط، هما بالأساس يعملان لصالح مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة أميركياً وإسرائيلياً، ولم يسمح بالمنافسة من قبل تجار آخرين.

ورغم أن تلك البضائع سمح بإدخالها بتحويلات بنكية، وليس سيولة نقدية، فإن القائمين على إدخالها يجبرون السكان على شرائها عبر تحويلات إلكترونية بشكل جزئي، وجزء آخر نقداً. الأمر الذي يُصعب على المواطنين القدرة على شراء احتياجاتهم.

وبحسب المصادر، فإن إسرائيل فرضت على أولئك التجار على سبيل المثال، إدخال الدواجن المجمدة إلى قطاع غزة لمرة واحدة فقط، وانتعش السوق بكميات متوسطة منها، وكان سعرها باهظ الثمن ووصل ثمن الكيلو الواحد 120 شيقلاً (نحو 37 دولاراً)، فيما كان قبيل الحرب لا يتعدى الكيلو الواحد أكثر من دولار.

استغلال صور الجمعيات الخيرية

في مواجهة المجاعة المستمرة، أقدمت جمعيات خيرية ومبادرون يجمعون التبرعات من الخارج لدعم السكان بمشاريع مختلفة، منها تقديم الطعام لهم، فلجأوا إلى شراء كميات من الدواجن وقاموا بتصوير مشاريعهم الخيرية.

لكن إسرائيل استغلت ذلك، بادعاء أنها تعمل على تخفيف الأزمة الإنسانية كما وصفتها، في وقت صنفتها الأمم المتحدة بأنها «مجاعة حقيقية»، لكن الحقيقة التي غابت عن الجميع في ثنايا التفاصيل أن ما دخل كان كمية متوسطة، ولم يستطع شراءها سوى الأغنياء والجمعيات الخيرية وغيرها، وكان ذلك لمرة واحدة، ولم تدخل مرةً ثانية، بل ذهبت السلطات الإسرائيلية إلى إدخال مجمدات بعد نحو أسبوعين من ذلك، ولمرة واحدة، وبثمن باهظ جداً.

شاحنات المساعدات تصطف أمام معبر رفح استعداداً للدخول إلى قطاع غزة (تصوير: محمد عبده حسنين)

ولم يقف هذا الأمر عند هذا الحد، وفعلت ذلك أيضاً في مواد أخرى أدخلتها من خضار ومواد تنظيف وغيره، وقامت بإدخالها لمرة واحدة فقط، بينما سمحت بإدخال المساعدات الإنسانية بشكل مستمر للسكان، التي شملت بشكل أساسي مواد أساسية، مثل: الطحين والزيوت والسكر وغيره، إلا أنها كانت تُنهب من قبل عصابات اللصوص المنظمة وغير المنظمة، وتباع في السوق السوداء بأسعار باهظة، قبل أن تتراجع الأسعار وتصبح أكثر قبولاً، لكنها ما زالت ليست في متناول يد الجميع.

وفي سبيل هدفها، تعميق التجويع في غزة، اشترط الجيش الإسرائيلي على سائقي شاحنات المساعدات بأن يتوقفوا في طرق عامة وأماكن محددة، ما سهّل سرقتها.

وكانت حجج إسرائيل ألا تصل المساعدات إلى أيدي «حماس» ونهبها من قبلهم، في وقت كانت فعلياً تنهب من قبل جهات أخرى، الأمر الذي يشير إلى تعمد الاحتلال الإسرائيلي خلال فترات الانتقادات الدولية لها بتجويع سكان قطاع غزة، هندسة عملية التجويع.

وحتى فترة قريبة، لم تكن إسرائيل تسمح بتأمين المساعدات الطبية، التي كانت تتعرض هي الأخرى للسرقة والنهب، قبل أن تسمح بتأمينها من قبل عناصر مسلحة محدودة.


مقالات ذات صلة

تهريب البضائع... سبيل الغزيين لمواجهة القيود الإسرائيلية

المشرق العربي فلسطينيون نازحون ينتظرون للحصول على وجبة طعام في مطبخ خيري بخان يونس يوم الجمعة (أ.ف.ب)

تهريب البضائع... سبيل الغزيين لمواجهة القيود الإسرائيلية

تدفع القيود الإسرائيلية كثيراً من التجار إلى إيجاد أي طرق لتهريب ما يمكن تهريبه، لتعويض السكان في قطاع غزة عما يفقدونه.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رجل يقف فوق مبنى ينظر إلى خيام فلسطينيين نازحين في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: 12 خرقاً إسرائيلياً لوقف إطلاق النار في غزة منذ فجر اليوم

ارتكبت القوات الإسرائيلية، منذ فجر اليوم السبت، 12 خرقاً جديداً لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، شملت قصفاً مدفعياً وإطلاق نار مكثفاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنديان إسرائيليان يستجيبان لبلاغ عن حادث أمني في عسقلان بجنوب إسرائيل - 10 أكتوبر 2023 (رويترز)

مقتل جنديَيْن إسرائيليَيْن في غزة بانفجار عرضي لمسيّرة

قُتل جنديان إسرائيليان في قطاع غزة، الخميس، جراء انفجار عرضي لطائرة مسيّرة إسرائيلية، وفق ما أعلن مسؤول عسكري الجمعة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية نتنياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

نتنياهو يهاجم أمام الأمم المتحدة منتقديه وأعداءه ودولا غربية

هاجم نتنياهو منتقدي إسرائيل أمام الأمم المتحدة، بعد انسحاب عشرات المندوبين من كلمته، ودافع عن سياسات بلاده تجاه إيران وغزة والضفة وسوريا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرها القصف الإسرائيلي خلال الحرب بشمال قطاع غزة (رويترز)

بريطانيا تقدم مساعدات بقيمة 88 مليون جنيه إسترليني لقطاع غزة

أعلنت الحكومة البريطانية، اليوم الخميس، عن تقديم حزمة دعم بقيمة 88 مليون ‌جنيه إسترليني لقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«حماس»: نرفض أن يكون الدم الفلسطيني وقوداً للانتخابات الإسرائيلية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
TT

«حماس»: نرفض أن يكون الدم الفلسطيني وقوداً للانتخابات الإسرائيلية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)

قال رئيس حركة «حماس» خليل الحية، السبت، إن الحركة ترفض أن يكون الدم الفلسطيني وقوداً للحملات الانتخابية في إسرائيل، متهماً كل الأحزاب الإسرائيلية بالمشاركة في قتل فلسطينيين.

وقال الحية: «رسالتي للعالم، لا نقبل أبداً أن يكون الدم الفلسطيني هو وقود الانتخابات الإسرائيلية». وأضاف: «كلٌّ، كما يقال، تآجر (شارك) في دمنا، ما يعنينا هو أن يصل شعبنا الفلسطيني إلى أهدافه ومبتغاه وحقوقه المشروعة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأشار الحية إلى أن الانتخابات الإسرائيلية «متكررة بين الحين والآخر، وشعبنا الفلسطيني يبحث عما يحقق حقوقه، وبغض النظر عمن يأتي من الأحزاب الإسرائيلية... شعبنا الفلسطيني عانى من كل الأحزاب الإسرائيلية على مدار التاريخ وعشرات السنين».

وقال إن «الدعاية الإسرائيلية والدعاية الانتخابية إنما وقودها الدم الفلسطيني والحق الفلسطيني، ويتصارعون على من يهضم الحق الفلسطيني، لا من يتعايش ويقدم نفسه للعالم كإنسان».

وتشهد إسرائيل انتخابات تشريعية في 27 أكتوبر (تشرين الأول).

وبحسب استطلاعات الرأي، يُتوقَّع أن تكون متقاربة النتائج بين المعسكر الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والمعسكر الذي يقوده خصمه الرئيسي الوسطي غادي آيزنكوت زعيم حزب «يشار» (مستقيم).


مصر: رحيل الزند يسترجع معارك القضاء و«الإخوان» خلال حكم مرسي

المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)
المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)
TT

مصر: رحيل الزند يسترجع معارك القضاء و«الإخوان» خلال حكم مرسي

المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)
المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)

جاءت وفاة المستشار أحمد الزند، وزير العدل المصري الأسبق، السبت، لتستعيد فصولاً من المواجهة التي خاضها الراحل مع جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة، خلال حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، عندما كان (الزند) رئيساً لنادي القضاة، وما تلاها من مواقف بعد سقوط حكم «الإخوان» عام 2013، وسط تباين حاد في ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، بين نعيه بوصفه أحد رموز القضاء المصري، ومنشورات تعيد تصريحاته ومواقفه الجدلية، وصولاً إلى تعليقات حمل بعضها قدراً من «الشماتة».

وتُوفي الزند (مواليد 1946) عن عمر ناهز 80 عاماً، بعد وعكة صحية نُقل على أثرها إلى المستشفى، وفقاً لما أعلنته أسرته، وشُيّع جثمانه من «مسجد المشير طنطاوي» (شرق القاهرة).

ونعى «نادي قضاة مصر»، في بيان، السبت، الزند، واصفاً إياه بأنه «فقيد القضاء المصري ورمز من رموزه»، متذكّراً ما وصفه بـ«أدوار ومواقف في خدمة القضاء وقضاياه». كما نعاه عدد من القضاة والشخصيات العامة، بينهم المستشار حمدي عبد التواب، وكيل نادي القضاة السابق، الذي وصفه بـ«الأب الروحي» و«أسد القضاة»، في حين تداول آخرون صوراً ومقاطع من فترات رئاسته للنادي، مشيدين بما عدّوه مواقف داعمة لاستقلال القضاء.

في المقابل، أعادت منشورات «سوشيالية» نشر مقاطع للزند ارتبطت بمواقفه الحادة من جماعة «الإخوان» وقياداتها، إلى جانب تصريحات أخرى أثارت انتقادات واسعة في حينها. وتحوّلت بعض التعليقات من استعادة الخلاف السياسي إلى «الشماتة» في وفاته.

وانتُخب الزند رئيساً لـ«نادي قضاة مصر» عام 2009، ثم أعيد انتخابه عام 2012، ليصبح أحد أبرز وجوه المواجهة القضائية مع نظام «الإخوان»، لا سيما عقب «الإعلان الدستوري» الذي أصدره مرسي، وما تبعه من تحركات لتعليق العمل بالمحاكم، ورفض الإشراف على الاستفتاء.

وتولى الزند وزارة العدل في مايو (أيار) 2015، قبل أن يُعفى من منصبه في مارس (آذار) 2016، عقب أزمة أثارها تصريحه بأنه سيعاقب المخطئ «حتى لو كان نبياً»، رغم استدراكه العبارة واعتذاره عنها.

ويرى الباحث المصري في شؤون الحركات الإسلامية ماهر فرغلي، أن إعادة تداول المقاطع الجدلية للزند مع إعلان وفاته «أمر متوقع»، بالنظر إلى ارتباط حضوره بمرحلة شديدة الاستقطاب في تاريخ مصر الحديث.

وقال فرغلي لـ«الشرق الأوسط» إن «الشماتة في موت الخصوم ليست جديدة لدى جماعة (الإخوان)، واستدعاء هذه المقاطع يأتي ضمن التذكير بمواقف الزند منها، ودوره في الصدام بين نادي القضاة والجماعة، وما أعقب أحداث 30 يونيو (حزيران)».

وأضاف أن الزند «كان لاعباً بارزاً في المشهد القضائي، وكانت له تصريحات شديدة في هجومه على (الإخوان)»، موضحاً أن «الجماعة وأنصارها يحمّلونه، وفقاً لتصورهم، جانباً من المسؤولية عن الأحكام والملاحقات التي تعرضوا لها خلال تلك الفترة». لكن فرغلي لفت، في الوقت نفسه، إلى أن «الزند نفسه كان حاداً في تصريحاته»، وأن «بعض عباراته أثارت قطاعات واسعة من الرأي العام، ومن بينها المقطع الذي عُرف إعلامياً بحديث (الأسياد والعبيد)، فضلاً عن تصريحه بأنه سيعاقب المخطئ (حتى لو كان النبي)، وهي الأزمة التي انتهت بإعفائه من منصب وزير العدل رغم اعتذاره».

وترى الدكتورة آية صلاح، أستاذة علم الاجتماع السياسي، أن اسم الزند «ارتبط بمرحلة شائكة وملغّمة في التاريخ المصري، وكان حضوره صاخباً واقترن بتصريحات ومواقف أثارت جدلاً واسعاً».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «منصات التواصل أحيت تلك التصريحات، خصوصاً أن المقاطع المصوّرة يعاد تداولها بصورة انتقائية، وأحياناً مجتزأة من سياقها، وفقاً لموقف كل طرف والغرض الذي يسعى إليه».

وبحسب صلاح، لا يتحوّل إعلان وفاة الشخصيات الخلافية على مواقع التواصل إلى مناسبة للنعي فقط، بقدر ما يصبح «لحظة لإعادة تنشيط الذاكرة السياسية وإعادة تقييم صاحبها».

وأضافت: «كان من الطبيعي أن تستخدم قطاعات من (الإخوان) وأنصارهم خبر الوفاة لاسترجاع فصول صراع الجماعة مع مؤسسات الدولة خلال حكم مرسي وما أعقب 30 يونيو، باعتبار الزند أحد أبرز وجوه المواجهة القضائية معها؛ فالجدل الذي رافق رحيله لا يرتبط بشخصه فقط، وإنما بمرحلة سياسية لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، رغم ابتعاده عن المجال العام منذ سنوات قبل وفاته».


ارتفاع أسعار البيض في مصر... «سندوتشات المدارس» تعوض «خسائر الطيبات»

متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)
متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)
TT

ارتفاع أسعار البيض في مصر... «سندوتشات المدارس» تعوض «خسائر الطيبات»

متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)
متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)

تعد شيماء محمود (35 عاماً)، التي تسكن في منطقة شبرا الخيمة (شمال القاهرة)، البيض لنجلها يونس، كجزء شبه يومي لا يمكن الاستغناء عنه في الوجبة المدرسية (السندوتشات)، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «البيض هو أرخص»، ومناسب للمدرسة، لكنها شكت من زيادة تكلفة الوجبة المدرسية مع قفزة أسعار البيض هذه الأيام.

مثل شيماء تعتمد ملايين الأمهات على البيض كوجبة رئيسة خلال أيام الدراسة، ما انعكس في زيادة معدلات الطلب في السوق، عكس التراجع الذي شهدته الأسواق خلال الشهور الماضية، وأرجعه البعض إلى تأثير «نظام الطيبات» الغذائي، للراحل ضياء العوضي، والذي يحظر تناول البيض، أو الدجاج، وكثير من الأصناف الأخرى بداعي «الضرر».

ووصل متوسط سعر كرتونة البيض 140 جنيهاً (الدولار نحو 52 جنيهاً) في الأسواق، مرتفعة من نحو 90 جنيهاً قبل عدة أسابيع، في وقت يعتبر رئيس شعبة الثروة الداجنة بغرفة القاهرة التجارية، عبد العزيز السيد، أن ارتفاع السعر لا يصل لحد «تعويض خسائر» الفترة الماضية، وإنما «نقطة تعادل»، بمعنى تغطية تكلفة الإنتاج مع هامش ربح بسيط، لافتاً إلى أن جزءاً من الزيادة «غير مبرر، ومفروض من قبل الحلقات الوسيطة (الباعة)، أما أصحاب المزارع فيبيعون الكرتونة بـ115 جنيهاً».

وسبق أن أثار التراجع الكبير في سعر البيض الفترة الماضية جدلاً واسعاً واستغاثات من أصحاب المزارع، بدعوى تكبدهم خسائر، مطالبين آنذاك الحكومة بالتدخل لضبط المنظومة، ووضع آلية تحقق للمنتجين أسعاراً عادلة، ولم يلق المقترح صدى شعبياً، أو رسمياً، وسط تساؤلات عن غياب مثل هذه الدعوات في أوقات ارتفاع أسعار البيض، والدجاج.

ويفسر السيد الزيادة الكبيرة الأخيرة في سعر البيض بأنها نتيجة لقلة المعروض مقارنة بالفترة الماضية مع زيادة الطلب، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار، وفق سياسة «العرض والطلب». وأضاف: «في الشهور السابقة كانت لدينا وفرة كبيرة في الإنتاج، مع تراجع الطلب سواء بسبب الطيبات، أو انخفاض القوة الشرائية للمواطن، ما كبد المنتجين خسائر كبيرة، أدت إلى تخارج جزء منهم من السوق».

ويقول الخبير الاقتصادي وائل النحاس، لـ«الشرق الأوسط»، إن سوق الدواجن شهدت خسائر كبيرة الفترة الماضية، لم يصمد فيها سوى كبار المنتجين، بينما خرج الكثيرون، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيادات كانت متوقعة، سواء في أسعار الدواجن، أو البيض.

وتابع رئيس شعبة الثروة الداجنة: «مع انطلاق الدراسة، وهو الموسم الذي يتزايد فيه الطلب على البيض، فالأسرة التي لديها 3 أطفال تستهلك نحو كرتونة كل عشرة أيام، وهذا أدى إلى زيادة السعر».

وتشهد مصر معدلات مرتفعة من التضخم، إذ سجل معدل التضخم على أساس سنوي في أغسطس (آب) الماضي 14.5 في المائة مقارنة بـ14.9 في المائة يوليو (تموز) الماضي.

وتوقع الخبير الاقتصادي أن تكون الزيادة في سعر البيض مجرد بداية لسلسلة من الزيادات التضخمية في منتجات الدواجن خصوصاً، سواء في ظل زيادة علف الذرة الصفراء بمتوسط من 14 إلى 17 في المائة، وفول الصويا نحو 14 في المائة، وكلها من الأعلاف المستخدمة في تربية الدواجن، أو زيادة سلة الغذاء بوجه عام، نتيجة الأوضاع الإقليمية.

وأضاف: «الزيادات ستكون في السلع الأساسية التي يستخدمها المواطن، ولا يستطيع الاستغناء عنها، وتضعه هو والحكومة في مأزق».