فيصل بن فرحان: نريد سوريا في موقعها ومكانتها الطبيعيين

صلى في «الأموي»... واستعرض الأوضاع والعلاقات مع الشرع... والشيباني أكد أن للمملكة دوراً محورياً في إعادة الإعمار

الرئيس أحمد الشرع مرحباً بالأمير فيصل بن فرحان السبت (أ.ف.ب)
الرئيس أحمد الشرع مرحباً بالأمير فيصل بن فرحان السبت (أ.ف.ب)
TT

فيصل بن فرحان: نريد سوريا في موقعها ومكانتها الطبيعيين

الرئيس أحمد الشرع مرحباً بالأمير فيصل بن فرحان السبت (أ.ف.ب)
الرئيس أحمد الشرع مرحباً بالأمير فيصل بن فرحان السبت (أ.ف.ب)

شهدت العلاقات السعودية - السورية قفزة جديدة مع زيارة وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، لدمشق يوم السبت.

تخللت الزيارة محطات عدة أظهرت عزم البلدين على تعزيز التعاون في المجالات كافة، مع إظهار المملكة عزمها على المضي بمساعدة السوريين لبلوغ الاستقرار والتعافي الاقتصادي، بعدما أمنت رفع العقوبات عن هذا البلد الذي عانى الويلات خلال 14 عاماً من النزاع الداخلي.

زيارة الأمير فيصل بن فرحان لدمشق تخللتها محطات عدة: صلاة في الجامع الأموي، ولقاء مع الرئيس أحمد الشرع، ومحادثات مع نظيره أسعد الشيباني، أعقبها مؤتمر صحافي مشترك أظهرا فيه مدى رغبة البلدين بشراكة من شأنها إيصال «سوريا الجديدة وشعبها» إلى الاستقرار واستعادة مكانتها بين الأشقاء العرب.

واستقبل الرئيس الشرع، في قصر تشرين بالعاصمة دمشق، اليوم، الأمير فيصل بن فرحان والوفد الاقتصادي رفيع المستوى المرافق له.

ونقل الأمير فيصل بن فرحان تحيات الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان. ثم جرى استعراض العلاقات الثنائية بين البلدين، وبحث السبل الرامية لدعم أمن واستقرار المنطقة، واستعراض المساعي الهادفة إلى تقوية اقتصاد سوريا ومؤسساتها، وبما يسهم في تحقيق تطلعات شعبها.

وفود اقتصادية

نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن وزير الخارجية السعودي قوله في مؤتمر صحافي مع الشيباني: «استعرضت مع فخامة الرئيس أحمد الشرع فرص تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات، بما يعكس الروابط الأخوية والتاريخية بين البلدين والشعبين، وعبّرت خلال هذه الزيارة عن تطلع المملكة لتعزيز الشراكة مع الأشقاء في سوريا، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار ودعم فرص النهوض الاقتصادي لتكون سوريا في موقعها ومكانتها الطبيعيين».

وكشف أن المملكة ستقدم بمشاركة دولة قطر دعماً مالياً مشتركاً للعاملين في القطاع العام في سوريا.

وأضاف: «جرى بحث أوجه الدعم الاستثماري والتعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، واليوم يرافقنا في الزيارة وفد اقتصادي رفيع المستوى، لإجراء مباحثات لتعزيز أوجه التعاون في مختلف المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، وستتبع ذلك وفود اقتصادية في الأيام المقبلة، تضم عدداً كبيراً من رجال الأعمال في المملكة، بمجالات الطاقة والزراعة والتجارة والبنية التحتية وتقنيات الاتصال والمعلومات».

الأمير فيصل بن فرحان ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع مرافقين في الجامع الأموي بدمشق السبت (أ.ف.ب)

وقال: «ما قامت به المملكة بالتنسيق مع الأشقاء في سوريا من جهود لرفع العقوبات هو تمثيل لوقوف الأخ مع أخيه... ويعكس ذلك حرص المملكة على وحدة سوريا واستقرارها وعودة دورها الفاعل في الإقليم، ونؤكد أن المملكة ستبقى في مقدمة الدول التي تقف إلى جانب سوريا في مسيرة إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي، وهناك توجه ورغبة كبيرة من المستثمرين في المملكة للاستفادة من هذه الفرص، في التعامل مع الأشقاء السوريين، ما يعزز المصالح المشتركة للبلدين».

ورأى الوزير السعودي أن «لدى سوريا كثيراً من الفرص والقدرات، وهي قادرة على أن تقوم بنفسها وبسواعد أبنائها، والشعب السوري أثبت في دول المهجر وفي العالم، قدرته على الإبداع والنجاح في مختلف المجالات، واليوم أمامه فرصة للنهوض بوطنه، ونحن معهم يداً بيد، بتوجيهات من سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء لتقديم كل أوجه الإسناد والدعم للشعب السوري، ونعمل بشكل وثيق ومستمر مع الحكومة السورية في مساعي وجهود تحقيق تطلعات الشعب السوري، وتعزيز وحدته الوطنية بما يجسد العلاقات الأخوية والتاريخية بين البلدين الشقيقين».

مؤتمر صحافي مشترك لوزيري الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والسوري أسعد الشيباني بدمشق السبت (أ.ب)

رؤية مشتركة للمنطقة

أكد وزير الخارجية السوري أن سوريا والسعودية تدخلان مرحلة قوية من التعاون الاستثماري والاقتصادي المشترك، مشيراً إلى أن قوة الشراكة بين البلدين تكمن في المصالح المتبادلة، والاحترام المتبادل، والرؤية المشتركة لمنطقة مستقرة.

ونقلت «سانا» عن الشيباني قوله في المؤتمر الصحافي: «ناقشنا كثيراً من الأمور، وكان هناك اجتماع مخصص في مجالي الاقتصاد والطاقة، ومجالات الاستثمار المشتركة، وأتوجه بشكر خاص إلى قيادة المملكة العربية السعودية ومؤسساتها الدبلوماسية، فقد كان الدعم الذي قدمته لسوريا منذ لحظة التحرير، واضحاً وبناءً وعميق الأثر، وهذا الدعم لم يكن رمزياً بل ملموساً، وجاء في اللحظة التي كان فيها الشعب السوري بأمس الحاجة إليه».

وأضاف الشيباني: «نحن ممتنون بشكل خاص للدور الذي قامت به السعودية، خصوصاً في موضوع رفع العقوبات، وهذه الإجراءات لم تضعف الحكومات، بل أضعفت العائلات والشعب السوري، ولم تستهدف الأنظمة، بل استهدفت بقاءنا وتعافينا، وندرك تماماً أن رفع العقوبات ليس سوى بداية، فالعمل الحقيقي قد بدأ الآن».

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتحدث للصحافيين بدمشق السبت (أ.ب)

وأشار إلى أن «سوريا والمملكة تدخلان في مرحلة قوية من التعاون الاستثماري والاقتصادي المشترك، وهذه المبادرات الاستراتيجية تهدف إلى إعادة بناء البنية التحتية، وإنعاش الزراعة وإعادة تدوير عجلة الاقتصاد، وخلق فرص عمل حقيقية للسوريين».

وأكد الشيباني أن إعادة إعمار سوريا لن تفرض من خارج سوريا، بل ستبنى من الشعب السوري ولأجله، وسيكون للسعودية دور محوري في هذه المرحلة.

بيان سعودي - قطري

لاحقاً، أعلنت السعودية وقطر، السبت، عن تقديم دعم مالي مشترك للعاملين في القطاع العام السوري لمدة 3 أشهر، وذلك استمراراً لجهود الرياض والدوحة في دعم وتسريع وتيرة تعافي الاقتصاد السوري، وامتداداً لدعمها السابق في سداد متأخرات سوريا لدى مجموعة البنك الدولي، والتي بلغت نحو 15 مليون دولار. ويأتي هذا الدعم في إطار حرص السعودية وقطر على دعم استقرار سوريا، وتخفيف المعاناة الإنسانية، وتعزيز مصالح الشعب السوري، وذلك انطلاقاً من الروابط الأخوية والعلاقات التاريخية التي تجمع بين شعوب الدول الثلاث.

الرئيس أحمد الشرع مستقبلاً الأمير فيصل بن فرحان بحضور الشيباني ومسؤولين من البلدين السبت (سانا)

وأكدت السعودية وقطر في بيان نقلته وكالة الأنباء السعودية (واس)، أن هذا الدعم يعكس التزامهما الثابت بدعم جهود التنمية، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في سوريا، والمساهمة في تحسين الظروف المعيشية للشعب السوري. كما أعربتا عن تطلعهما إلى تنسيق الجهود مع المجتمع الدولي بشكل عام، وشركاء التنمية من المنظمات الإقليمية والدولية بشكل خاص، في إطار رؤية واضحة وشاملة، تسهم في تحقيق الدعم الفاعل والمستدام، وتعزيز فرص التنمية للشعب السوري.

محادثات اقتصادية

وتضمن جدول الزيارة أيضاً جلسة مباحثات بين الوفد السعودي ونظرائه من الجانب السوري. وقال وزير الطاقة السوري محمد البشير لـ«الشرق الأوسط»، إن الجلسة بحثت سبل العمل المشترك وتشكيل ورش لتنظيم هذا العمل، والاستثمارات التي سيتم التعاقد عليها لاحقاً في اجتماع من المنتظر أن يعقد قريباً، ولفت إلى اهتمام المملكة بالاستثمار في كل المجالات كالطاقة والسياحة والزراعة والصناعات الزراعية.

وضم الوفد الاقتصادي الذي رافق الأمير فيصل بن فرحان، المستشار بالديوان الملكي محمد بن مزيد التويجري، ونائب وزير المالية عبد المحسن بن سعد الخلف، ومساعد وزير الاستثمار عبد الله بن علي الدبيخي، ووكيل وزارة الخارجية لشؤون الاقتصاد والتنمية عبد الله بن فهد بن زرعه، وعدداً من المسؤولين في مختلف القطاعات.


مقالات ذات صلة

الإمارات تدين استهداف بعثتها في دمشق

الخليج مبنى وزارة الخارجية الإماراتية في أبوظبي (وام)

الإمارات تدين استهداف بعثتها في دمشق

أعربت دولة الإمارات عن إدانتها واستنكارها الشديدين لأعمال الشغب ومحاولات تخريب الممتلكات والاعتداءات التي استهدفت مقر بعثتها ومقر رئيس البعثة في دمشق.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
المشرق العربي عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

الخارجية السورية تؤكد رفضها أي اعتداء على البعثات الدبلوماسية

أكدت وزارة الخارجية والمغتربين السورية، في بيان السبت، «موقفها الثابت رفض أي اعتداء أو محاولة اقتراب من السفارات والمقار الدبلوماسية» في دمشق.

المشرق العربي جندي إسرائيلي في هضبة الجولان (أ.ب)

قتيل بنيران إسرائيلية في جنوب سوريا

أفادت وسائل إعلام رسمية سورية، الجمعة، بمقتل رجل بنيران إسرائيلية في محافظة القنيطرة قرب هضبة الجولان المحتلة في جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي تفقد الأضرار الناجمة عن عمليات الرش الإسرائيلية في قرى الشريط الفاصل يناير الماضي (مديرية زراعة القنيطرة)

الجنوب السوري: زراعة متضررة وبيئة مهددة بالانتهاكات الإسرائيلية

ألقت الانتهاكات الإسرائيلية في جنوب سوريا بظلالها على قطاعي الزراعة وتربية المواشي في محافظتي القنيطرة ودرعا، وسط قيود متزايدة على وصول السكان إلى أراضيهم.

«الشرق الأوسط» (القنيطرة )
الاقتصاد صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

بغداد ودمشق تناقشان تأهيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط

بحث وزير النفط السوري مع نظيره العراقي تأهيل أنابيب نقل النفط، وعلى رأسها خط «كركوك - بانياس» لتعزيز عملية التصدير.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.


الأردن: نتعامل مع الأحداث الإقليمية بكل كفاءة

المومني متحدثاً خلال إيجاز صحافي في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات
المومني متحدثاً خلال إيجاز صحافي في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات
TT

الأردن: نتعامل مع الأحداث الإقليمية بكل كفاءة

المومني متحدثاً خلال إيجاز صحافي في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات
المومني متحدثاً خلال إيجاز صحافي في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات

أعلن وزير الاتصال الحكومي الناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني، اليوم السبت، أن الأردن يتعامل مع الأحداث الإقليمية بكل كفاءة واقتدار، بفضل المؤسسية العالية، واحترافية الأجهزة الأمنية والعسكرية وفي ظل القيادة الحكيمة والقرار الشجاع الذي يتم بشكل مستمر.

وقال المومني خلال إيجاز صحافي في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات: «هدفنا الاستراتيجي الأول في التعامل مع الأحداث الراهنة هو الحفاظ على الأمن الوطني الأردني من أي تهديد أو هجوم قد يأتي ويحاول النيل من الأمن والاستقرار الأردني، وهذا الهدف الاستراتيجي الأول الذي تقوم به بشكل كبير القوات المسلحة والدفاعات الجوية والسلاح الجوي».

أما الهدف الاستراتيجي الثاني، وفق المومني، فهو «تقليل تداعيات هذه الأزمة على الأردن والمواطنين والاقتصاد الوطني، للتأكد من القيام بالإجراءات الضرورية لتقليل تداعيات الأزمة واستمرار عجلة الحياة بالدوران، حتى يتمكن المواطنون والشركات من القيام بأدوارهم على أكمل وجه، وهذا ما تسعى إليه الدول للحفاظ على أمنها واستقرارها ولهذا السبب وُجدت الدول والجيوش».

وأشار إلى أن هناك تقارير يومية متتابعة تُرفع إلى رئيس الوزراء حول واقع الحال وآليات تعامل القطاعات مع التحديات والقرارات المطلوب اتخاذها، ويقدمها بدوره ضمن نسق مستمر إلى العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الذي يوجه بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة للتأكد من حماية الأمن الوطني الأردني والتأكد من تقليل تداعيات الأزمة على المواطن الأردني.

وأشار المومني إلى أن الوزارات والقطاعات المختلفة فعّلت خططها المعدّة مسبقاً بالتنسيق مع المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات وتعمل بتكامل وفاعلية في مواجهة الظروف الإقليمية بما يضمن الاستجابة الفعالة.

وأوضح أن من القرارات التي اتخذتها الحكومة بهذا الشأن دعم المؤسسة المدنية الاستهلاكية والعسكرية، وإيقاف حصرية ميناء العقبة من الاستيراد، وإعفاء أسعار الحاويات من الضرائب، وهذه أمثلة على القرارات التي اتخذتها الحكومة للتأكد من تمكين القطاعات.

وشدّد على أن سلاسل التوريد تعمل بانتظام واستدامة، وأن السلع الأساسية متوفرة، والمحروقات تتدفق بشكل مستمر، لافتاً إلى أن هناك 267 سفينة وصلت إلى ميناء العقبة الشهر الماضي.

وقال المومني إن الاقتصاد الأردني أظهر منعة ومرونة في التعامل مع هذه الأحداث بفضل التخطيط المسبق والمؤسسية العالية إلى جانب دور القطاع الخاص الذي أثبت قدرة كبيرة على التكيف والتعامل مع التحديات، مشيراً إلى أنه تم الإعلان عن إجراءات ترشيد تتكامل مع جهود تمكين القطاعات وتعزيز استدامة الخدمات.

وجدد المومني التأكيد على ضرورة استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية ومن الإعلام المهني المسؤول والحذر من حجم التضليل والأخبار الزائفة التي تزداد في مثل هذه الظروف.