مصر والإدارة السورية الجديدة... «عقبات» أمام مساعي التقارب

تحفظات برلمانية و«سوشيالية» على اتصال وزيري خارجية البلدين

وزير الخارجية المصري يناقش مع مستشار الأمن القومي البريطاني الوضع في سوريا خلال استقباله الخميس بالقاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يناقش مع مستشار الأمن القومي البريطاني الوضع في سوريا خلال استقباله الخميس بالقاهرة (الخارجية المصرية)
TT

مصر والإدارة السورية الجديدة... «عقبات» أمام مساعي التقارب

وزير الخارجية المصري يناقش مع مستشار الأمن القومي البريطاني الوضع في سوريا خلال استقباله الخميس بالقاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يناقش مع مستشار الأمن القومي البريطاني الوضع في سوريا خلال استقباله الخميس بالقاهرة (الخارجية المصرية)

تحفظات برلمانية مصرية، وانتقادات بمنصات التواصل الاجتماعي، تلت اتصالاً هاتفياً جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بنظيره في الحكومة الانتقالية السورية، أسعد الشيباني، قبل يومين، ما أثار تساؤلات بشأن مستقبل العلاقات، خصوصاً بعد اعتراضات سابقة على ظهور شخص مدان باغتيال مسؤول مصري راحل برفقة قائد الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع.

تلك المواقف والتحفظات «قد تُشكل عقبات ستكون مسار مناقشات، بعد إبداء مصر حسن النية وحدوث الاتصال، والأمر يتوقف على الجانب السوري بعد ذلك ليُحدد هدم (العلاقات) أم البناء»، وفق تقديرات وزير الخارجية المصري الأسبق السفير، محمد العرابي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط».

وجرى اتصال هاتفي بين عبد العاطي والشيباني، مساء الثلاثاء، تضمن تأكيد الوزير المصري عدداً من المحددات، وهي: «وقوف مصر بشكل كامل مع الشعب السوري ودعم تطلعاته المشروعة، ودعوة الأطراف السورية كافة في هذه المرحلة الفاصلة إلى الحفاظ على مؤسساتها الوطنية ومقدراتها ووحدة وسلامة أراضيها، وأهمية أن تتبنى العملية السياسية مقاربة شاملة وجامعة لكل القوى الوطنية السورية، تعكس التنوع المجتمعي والديني والطائفي والعرقي، وأن تكون سوريا مصدر استقرار بالمنطقة».

«الخارجية المصرية» أعلنت الثلاثاء الماضي عن اتصال هاتفي بين عبد العاطي والشيباني

وجرى الاتفاق في نهاية الاتصال على «استمرار التواصل خلال الفترة المقبلة»، وفق إفادة للخارجية المصرية، دون حديث عن تعاون مشترك.

ووفق المحلل السياسي المصري والأكاديمي الدكتور عمرو الشوبكي، فإن «العقبات التي تبدو أمام مساعي التقارب يمكن حلها بالتواصل المباشر، كما حدث مع الملفات العالقة سابقاً بين مصر وتركيا، بجانب الالتزام بشرط عدم التدخل في الشؤون المصرية»، وهو أمر يتفق معه خبير استراتيجي وعسكري سوري، مرجحاً ابتعاد الإدارة السورية الجديدة عن كل ما يبعد دمشق عن القاهرة، وذلك حسب حديثين منفصلين لـ«الشرق الأوسط».

وبعد انتقادات منه للإدارة السورية الجديدة، في سلسلة تغريدات، اعترض النائب المصري، محمود بدر، في منشور عبر منصة «إكس»، الأربعاء على اتصال الوزيرين المصري والسوري، قائلاً: «أنا متحفظ جداً على الاتصال (...) ومتفهم الوساطة التي حصلت والمقدمات التي بدأت بالتغريدة التي كتبها الشيباني نفسه عن تطلعه لعلاقات مع مصر، لكن يبقى أن بيان الخارجية المصرية قال كلام مصر من أول أزمة سوريا (سواء) لبشار الأسد أو للشيباني».

وأبدى الشيباني، عبر منشور على «إكس»، عقب المحادثات «سعادته باتصال نظيره المصري، الذي أكد فيه أهمية دور البلدين في تحقيق الاستقرار والازدهار للمنطقة، وأن مصر وسوريا يجمعهما تاريخ واحد، ومستقبل واعد بإذن الله».

وجاء ذلك بعد أيام من حديث المسؤول السوري عن «التطلع إلى بناء علاقات مهمة واستراتيجية مع مصر تحت احترام سيادة البلدين، وعدم التدخل في شؤون أي منهما».

ووفق تقدير السفير العرابي، فإن «مصر، كغيرها من الدول، لها محددات في التعامل مع هذه الإدارة الجديدة، وكل دولة تتعامل طبقاً لمحدداتها، والقاهرة تعد سوريا دولة مهمة، وما قامت به من اتصال هاتفي خطوة مدروسة ورصينة، وليس باندفاع أو تباطؤ، والبيان تحدّث عن عموميات مرتبطة باستقرار المنطقة دون حديث عن تعاون بانتظار شكل سوريا الفترة المقبلة».

وعن الانتقادات بمنصات التواصل بشأن ظهور مدانين أو متهمين بالإرهاب، يعتقد العرابي أن «هذه موضوعات ستثار، وعلى الإدارة الجديدة -بعد أن أبدت مصر حسن نية بالتواصل- أن تسعى للقاهرة، وتقرر هي ماذا تريد للعلاقات هدماً أم بناء»، مستدركاً: «لكن الانتقادات ليست مَن تقرر الخطوة المصرية، فخطوات القاهرة محددة ومعروفة، ويجب أن تراعى».

«ورغم وجود هذه العقبات فإن ذلك لا يمنع مصر من التواصل والتفاعل، وبحث حل كل الملفات العالقة»، وفق الشوبكي، مؤكداً أن مصر سبقت أن حلت ملفاتها العالقة مع تركيا بالمفاوضات، والأمور قريبة، وإن كان الوضع بين تركيا وسوريا مختلفاً بوجود نظام مستقر لدى أنقرة.

ويرى الشوبكي، أن «الخلافات حول بعض الملفات يجب أن تُحل بالتواصل المباشر، خصوصاً أننا إزاء مسار انتقالي في سوريا ينال دعم العالم، ومن المهم التفاعل معه والحضور بشكل مؤثر».

وباعتقاد الخبير الاستراتيجي والعسكري السوري عبد الله الأسعد، فإن هناك أهمية أن يتم البُعد عن كل ما يؤدي إلى أزمة بين القيادتين المصرية والسورية، في ظل أهمية أن تستمر الأخيرة بعيدة عن السيطرة الإيرانية.

ولا يستبعد الأسعد تجاوز أي عقبات في العلاقات، ووصول وفد مصري لدمشق، مثل جميع الوفود التي تأتي من مختلف أنحاء العالم، متوقعاً أن تفعل الإدارة السورية الجديدة كل ما يجعلها داخل المحيط العربي، وأن تمنع أي شيء يؤدي للتباعد.

وقبل أيام ناشد النائب المُقرب من السلطات مصطفى بكري، عبر منشور بمنصة «إكس»، بدر عبد العاطي بالتراجع عن أي زيارة محتملة لسوريا، مشيراً إلى أن الشرع التقى أحد المحكوم عليهم بالإعدام بتهم التحريض على اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات قبل سنوات.

وكان الشرع قد التقى محمود فتحي، وهو مطلوب مصري مصنف على قوائم «الإرهاب»، بحضور مستشار العلاقات الخارجية في حزب «العدالة والتنمية» التركي، ياسين أقطاي، الشهر الماضي.

وتحدّث بكري وقتها في تغريدة قائلاً: «بعد استقبال (الشرع) قاتل الشهيد هشام بركات قرر أن يمنح الإقامة لمن يسميهم المقاتلين الأجانب، أي أن سوريا ستصبح قندهار العرب، يجتمع فيها الإرهابيون لينطلقوا إلى بلدانهم متآمرين».

في حين يرى الخبير الاستراتيجي والعسكري السوري، عبد الله الأسعد أنه «لم يسمع أن هناك مصرياً معارضاً سيكون في الإدارة الجديدة، أو أنها ستضم فصائل مسلحة أو معارضة لدول المنطقة»، متوقعاً في ظل الدعم الغربي ألا تقدم الإدارة الجديدة على جلب مشكلات لها بضم مقاتلين لجيشها محل انتقاد أو رفض دولي، أو أن تبتعد عن القاهرة أو أي دولة عربية.

ولم تتوقف منصات التواصل عن إبداء مخاوف أو تحفظات مماثلة أيضاً، وكان أحدث موقف من الناشط المصري لؤي الخطيب، متحدثاً عقب اتصال وزيري خارجية مصر وسوريا، مؤكداً أن ضرورة أن يكون «الهدف في النهاية هو استقرار سوريا، وألا تبقى مصدر تهديد لأي طرف».

وأظهرت وثيقة لم يتسن التأكد من صحتها ترقيات منسوبة للإدارة الجديدة، لعدة شخصيات أجنبية، من بينهم علاء محمد عبد الباقي، وهو مصري الجنسية، ومصنف «إرهابياً»، وملاحق قضائياً بالقاهرة، فضلاً عن وصول المعارض المصري عبد الرحمن يوسف القرضاوي لدمشق، وانتقاد القاهرة في مقطع فيديو من هناك قبل توقيفه في لبنان.

ويرى العرابي، أن «استنتاجات الرأي العام المصري تحمل نظرة إيجابية وسلبية للوضع الجديد في سوريا، وهناك عقبات أو مخاوف مقلقة، منها عدم الاستقرار الداخلي بسوريا، ووجود سلاح في أيدي الكثير، ووجود المقاتلين الأجانب ووجهتهم»، مشدداً على أن تلك أمور مشروعة، خصوصاً أن مصر دولة كبيرة وحريصة على استقرار المنطقة، ويجب تفهم مخاوفها.

وهذا ما أكده وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الخميس، في لقاء جوناثان باول، مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء البريطاني، مشدداً على «ضرورة أن تتسم عملية الانتقال السياسي في سوريا بالشمولية عبر ملكية وطنية، دون تدخلات خارجية، بما يدعم وحدة واستقرار سوريا بكل مكوناتها وأطيافها».

لذا يؤكد الشوبكي، ضرورة أن تتواصل مصر مع سوريا، وتناقش كل المخاوف، بشرط وحيد تضعه هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية المصرية، مشدداً على أن التواصل ليس معناه الاتفاق، مستدلاً بوجود خلافات بين أنقرة وطهران، ورغم ذلك بينهما اتصالات وليست قطيعة.


مقالات ذات صلة

مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

شمال افريقيا عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)

مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

توجه مصر دفّة الاهتمامات نحو المنطقة الاقتصادية للقناة، وسط تطلع مصري إلى تسريع المشروعات الصناعية الروسية.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا القطاع الخاص في مصر ينتظر مصير زيادة الأجور (مجلس الوزراء المصري)

زيادة الأجور في مصر تثير تساؤلات حول موقف القطاع الخاص

أثار إعلان الحكومة المصرية رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع العام (الحكومي)، تساؤلات بشأن موقف القطاع الخاص، وسط تكهنات باجتماع قريب لـ«المجلس القومي للأجور».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير البترول المصري كريم بدوي في أثناء متابعته تجهيز إحدى سفن التغييز (وزارة البترول المصرية)

استئناف ضخ الغاز من إسرائيل... هل يخفف أزمة الطاقة في مصر؟

بعد شهر تقريباً من توقف إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر، عاد الحديث مجدداً عن إمكانية استئناف ضخ الكميات المتفق عليها وفقاً «لاتفاق تصدير الغاز».

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا بوتين تحدث عن إنشاء «مركز لوجيستي للحبوب والطاقة» في مصر (الخارجية المصرية)

«مركز لوجيستي للحبوب والطاقة»... مساعٍ مصرية لمواجهة التحديات المتصاعدة

سلّط حديث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن إنشاء «مركز لوجيستي للحبوب والطاقة» في مصر، الضوء على المساعي المصرية لمواجهة التحديات المتصاعدة.

عصام فضل (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات من الحياة اليومية للريف (الشرق الأوسط)

«مربعات النيل»... قراءة تشكيلية معاصرة تنبض بروح التراث المصري

يذهب التشكيلي المصري عاصم عبد الفتاح أبعد من تصوير الواقع، ليُقدّم ما يسميه «هندسة المشاعر»...

نادية عبد الحليم (القاهرة )

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.