التصعيد يعيد ملف اللاجئين السوريين في لبنان إلى الواجهة

دمشق تعلن وقوفها إلى جانب إيران في الدفاع عن نفسها وإسرائيل تستهدف دفاعاتها

نقطة العبور الحدودية في جديدة يابوس من الجانب السوري (أرشيفية - أ.ف.ب)
نقطة العبور الحدودية في جديدة يابوس من الجانب السوري (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

التصعيد يعيد ملف اللاجئين السوريين في لبنان إلى الواجهة

نقطة العبور الحدودية في جديدة يابوس من الجانب السوري (أرشيفية - أ.ف.ب)
نقطة العبور الحدودية في جديدة يابوس من الجانب السوري (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد التصعيد الإسرائيلي في لبنان ضد «حزب الله» ملف اللاجئين السوريين في لبنان إلى الواجهة، مع ازدياد احتمالات توسع الحرب في المنطقة على نحو خطير بعد توجيه إسرائيل ضربات ضد إيران، وإعلان دمشق الوقوف إلى جانب إيران في الدفاع عن نفسها.

وفي زيارته إلى دمشق، اليوم (السبت)، حمل وزير المهجرين في حكومة تسيير الأعمال اللبنانية، عصام شرف الدين، ملف اللاجئين السوريين في لبنان بعدما أضيف إليه ملف الوافدين اللبنانيين إلى سوريا، مع تجاوز أعداد العائدين والوافدين من لبنان إلى سوريا الـ500 ألف شخص خلال شهر، منهم 348.237 عائداً سورياً و156.505 وافدين لبنانيين.

وتعد زيارة شرف الدين إلى دمشق «استكمالاً للزيارات السابقة والتطورات الحاصلة»، وفق ما قاله خلال اجتماعه مع وزير الداخلية السوري محمد الرحمون، إلا أن واقعاً جديداً في هذا الملف سيفرض نفسه على الجانبين. وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) بأن الوزيرين بحثا «عودة اللاجئين السوريين من لبنان، والتسهيلات المقدمة للوافدين اللبنانيين إلى سوريا»، جراء العدوان الإسرائيلي.

وقال الرحمون خلال الاجتماع الذي جرى في مبنى وزارة الداخلية، إن «الدولة السورية قدمت كل التسهيلات اللازمة لتأمين عودة المهجرين السوريين والأشقاء اللبنانيين القادمين إلى سوريا، كما قدمت التسهيلات لجميع القادمين عن طريق المراكز الحدودية، حيث سمحت بالدخول بموجب أي وثيقة تثبت هويتهم، ومعالجة أوضاعهم ضمن المراكز، وكذلك السماح للأشقاء اللبنانيين بالدخول بأي وثيقة سفر صادرة عن السلطات اللبنانية».

كما نقلت «سانا» عن شرف الدين شكره للدولة السورية على «تقديم كل التسهيلات لعودة المهجرين السوريين، واللبنانيين القادمين إلى سوريا».

اجتماع وزير المهجرين اللبناني عصام شرف الدين مع وزير الداخلية السوري محمد الرحمون بدمشق السبت (وزارة الداخلية السورية)

وسائل إعلام لبنانية قالت، في وقت سابق، إن شرف الدين، وبتكليف من مجلس الوزراء اللبناني، قام بزيارة رسمية إلى دمشق لبحث «موضوعَيّ استضافة النازحين اللبنانيين في سوريا، وتفعيل ملف عودة النازحين السوريين من لبنان إلى سوريا، مع وزير الداخلية السوري ووزير الإدارة المحلية»

وزاد التصعيد الإسرائيلي والحرب على «حزب الله» من تعقيد ملف اللاجئين السوريين في لبنان، مع تزايد تدفق الهاربين من القصف في لبنان باتجاه سوريا، و«محاولة الحكومتين اللبنانية والسورية زيادة حصتيهما من المساعدات الإنسانية، الأمر الذي فرض على الجانبين إعادة ترتيب وتنسيق هذا الملف»، وفق ما قالته مصادر متابعة في دمشق لـ«الشرق الأوسط»، ورأت في ذلك فرصة لدمشق لتأكيد مطالبها «برفع العقوبات الاقتصادية عنها».

وقالت المصادر إن مماطلة دمشق في إعادة اللاجئين من لبنان خلال السنوات الماضية انقلبت إثر التصعيد إلى «ترحيب وفتح الحدود أمامهم إلى جانب الوافدين اللبنانيين»، إلا أنها كانت «متنبهة إلى ضرورة تنظيم هذا الدخول عبر كل المعابر وتسجيل مَن لا يحمل أوراقاً قانونية من الذين غادروا بطريقة غير شرعية، ما يؤكد عملها على إحكام الإمساك بملف إعادة اللاجئين، وإدارته بما يتناسب مع مطالبها».

هاربون من الحرب في لبنان يسيرون لعبور نقطة المصنع اللبنانية على الحدود مع سوريا (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتقدر الحكومة اللبنانية أعداد اللاجئين السوريين بنحو مليوني لاجئ، بينما تقول المفوضية العليا للاجئين إن عدد المسجلين لديها يبلغ نحو 800 ألف لاجئ. وأعلنت الحكومة اللبنانية عام 2022، عن وضعها خطة لإعادة اللاجئين السوريين بالتنسيق مع الحكومة السورية، تهدف إلى إعادة 15 ألف لاجئ كل شهر، وتمكنت من إعادة عدة دفعات على فترات متقطعة، حيث واجهت الخطة معوقات كثيرة، أهمها إصرار المنظمات الدولية على ضمان عودة آمنة للاجئين، في حين كانت دمشق تصر على ضرورة تأمين التمويل اللازم لإعادة تأهيل البنى التحتية في المناطق المدمرة التي سيعود إليها اللاجئون، والمطالبة برفع العقوبات الدولية وإطلاق عملية إعادة الإعمار. في المقابل كانت الضغوط تزداد حدة في الداخل اللبناني لحل هذا الملف، فيما تتصاعد مخاوف الدول الأوروبية من احتمال ارتفاع موجات الهجرة غير الشرعية إليها في حال تمت إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم بشكل قسري.

وجاءت زيارة الوزير اللبناني إلى دمشق بعد ساعات من شن إسرائيل ضربات على إيران وسوريا، فيما عدته دمشق «انتهاكاً وقحاً لسيادة وحرمة الأراضي الإيرانية والسورية»، وفق بيان وزارة الخارجية السورية، اليوم (السبت)، الذي أدان الضربات الإسرائيلية بوصفها «خرقاً فاضحاً للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة». معلناً تأييد سوريا «حق إيران المشروع في الدفاع عن نفسها، وحماية أراضيها وحياة مواطنيها»، وعن وقوف سوريا إلى جانب إيران في وجه ما تتعرض له من عدوان.

غارة إسرائيلية قرب ممر غير شرعي على الحدود السورية - اللبنانية (المرصد السوري لحقوق الإنسان)

وشنت طائرات حربية إسرائيلية غارات، فجر اليوم (السبت)، مستهدفة الدفاعات الجوية السورية بكتيبة الرادار في تل القليب بمحافظة السويداء، والفوج 19 دفاع جوي في حمص، كما سمعت أصوات انفجارات قوية غرب العاصمة دمشق، وفق مصادر محلية.

وقال «المرصد السوري لحقوق الإنسان» إن الضربات الإسرائيلية تزامنت مع محاولة الدفاعات الجوية السورية في محافظات دمشق وريف دمشق وحمص وحماة وطرطوس، التصدي للطائرات الإسرائيلية التي هاجمت إيران، أثناء تحليقها في الأجواء قرب الحدود السورية - الأردنية وقاعدة التنف.

كما أعلن مصدر عسكري سوري أن «العدو الإسرائيلي شن عدواناً جوياً برشقات من الصواريخ من اتجاه الجولان السوري المحتل والأراضي اللبنانية مستهدفاً بعض المواقع العسكرية في المنطقة الجنوبية والوسطى». وأن وسائط الدفاع الجوي تصدت للصواريخ وأسقطت عدداً منها، وفق وكالة الأنباء الرسمية (سانا).


مقالات ذات صلة

عبدي يعلن اكتمال دمج مؤسسات «قسد» العسكرية والإدارية في الدولة السورية

المشرق العربي أرشيفية لمظلوم عبدي قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (ا.ف.ب)

عبدي يعلن اكتمال دمج مؤسسات «قسد» العسكرية والإدارية في الدولة السورية

أعلن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، الخميس، اكتمال عملية دمج المؤسسات العسكرية والإدارية والأمنية التابعة للإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي يحمل أعضاء «الخوذ البيضاء» (الدفاع المدني السوي) جثمان محمد غمرة المتطوع السابق قبل دفنه في قرية الحفة بمحافظة اللاذقية يوم الاثنين الماضي (أ.ب)

لجنة سورية تحيل محقق شرطة إلى القضاء بعد وفاة شاب إثر توقيفه

أعلنت لجنة رسمية كلَّفتها السلطات السورية بالتحقيق في ملابسات وفاة شاب يعاني من مرض الهيموفيليا في مخفر للشرطة، إحالة أحد المحققين إلى القضاء

منصور حسين (اللاذقية - دمشق) منصور حسين (دمشق)
المشرق العربي نتنياهو وزوجته سارة يدليان بصوتيهما في انتخابات «الليكود» يوم 18 أغسطس (أ.ف.ب)

إعلام إسرائيلي: ضرب مطار أبو الظهور «حملة انتخابية لنتنياهو في إدلب»

نفذت إسرائيل خلال أسبوعين 27 غارة و36 عملية برية في سوريا، وما زالت تصعّد في غزة والضفة الغربية...

نظير مجلي (تل ابيب )
شؤون إقليمية شنت إسرائيل غارات جوية مكثفة على القاعدة الجوية في «مطار أبو الظهور العسكري» شمال غربي سوريا بزعم استخدامه قاعدةً تركية (رويترز)

تركيا تنفي أي وجود عسكري لها بمطار أبو الظهور قبل أو في أثناء هجوم إسرائيل

أكدت تركيا أنها ستواصل دعم جهود سوريا لتطوير قدراتها العسكرية، نافية وجود أي وفد لها بالقاعدة الجوية بمطار أبو الظهور العسكري قبل أو في أثناء الهجوم الإسرائيلي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي وقفة في ساحة ترافالغر بلندن 19 أغسطس 2017 تزامناً مع الذكرى الرابعة لهجمات الغوطة الكيميائية التي وقعت في 21 أغسطس 2013 (غيتي)

عمليات التفتيش على الأسلحة الكيميائية في سوريا لم تُستكمل... والملف لم يغلق

المعطيات المتاحة تشير إلى وجود عناصر في هذا البرنامج لم تكن معلنة لمنظمة الحظر من النظام، بما في ذلك ذخائر ومواد ووثائق ذات صلة.

موفق محمد (دمشق)

ثمن السلم الصعب... كيف وضعت حرب الخليج الأولى أوزارها في صيف 1988؟

انفجار في مطار مهرآباد في طهران بعد الضربة الجوية العراقية في 22 سبتمبر 1980 (ويكيبيديا)
انفجار في مطار مهرآباد في طهران بعد الضربة الجوية العراقية في 22 سبتمبر 1980 (ويكيبيديا)
TT

ثمن السلم الصعب... كيف وضعت حرب الخليج الأولى أوزارها في صيف 1988؟

انفجار في مطار مهرآباد في طهران بعد الضربة الجوية العراقية في 22 سبتمبر 1980 (ويكيبيديا)
انفجار في مطار مهرآباد في طهران بعد الضربة الجوية العراقية في 22 سبتمبر 1980 (ويكيبيديا)

في 20 أغسطس (آب) من عام 1988، التقطت منطقة الشرق الأوسط أنفاسها بعد 8 سنوات عجاف لواحدة من أطول الحروب النظامية وأكثرها دموية في القرن العشرين.

لم يكن قرار وقف إطلاق النار بين العراق وإيران، المستند إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598، مجرد توقيع بروتوكولي على وثيقة سلام، بل كان لحظة فارقة تحولت فيها جبهات القتال الممتدة من شط العرب جنوباً إلى جبال كردستان شمالاً، من مستنقع للموت والنزيف الاقتصادي والبشري إلى منصة لترقب حذر. 8 سنوات من خنادق تشبه خنادق الحرب العالمية الأولى، وهجمات الموجات البشرية، وحرب المدن، وحرب الناقلات في مياه الخليج العربي، وضعت الدولتين الجارتين أمام حقيقة مرة: استحالة الحسم العسكري الكامل.

وجاء الإعلان عن قبول القرار الدولي ليمثل تحولاً دراماتيكياً في سياسة طهران وبغداد، خصوصاً بعد الإعلان الشهير للمرشد الإيراني الأول (الخميني) بأن قبوله بالهدنة كان «كجرعة السم»، في حين اعتبرت بغداد الخطوة انتصاراً استراتيجياً حافظ على بوابتها الشرقية، لينتهي فصل من فصول المواجهة الدامية ويفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية جديدة صاغت وجه المنطقة لعقود تلت.

صورة أرشيفية تعود لعام 1978 للخميني في حديقة منزله بمدينة نوفيل لو شاتو في فرنسا (غيتي)

ميزان القوى العسكري والإنهاك الاقتصادي قُبيل الهدنة

شهد النصف الأول من عام 1988 تحولاً نوعياً في سير العمليات العسكرية، إذ نجح الجيش العراقي في استعادة المبادرة الاستراتيجية عبر سلسلة من المعارك الخاطفة، أطلق عليها اسم عمليات «توكلنا على الله».

طيارون عراقيون يستعدون لضرب أهداف إيرانية خلال الحرب العراقية الإيرانية وتظهر خلفهم طائرات «الميراج إف1» (ويكيبيديا)

وتمكنت القوات العراقية من تحرير شبه جزيرة الفاو الاستراتيجية في غضون ساعات، تلاها استعادة جزر مجنون وحقول نفط مجنون ومناطق الشلامجة.

هذا التراجع الميداني الإيراني تزامن مع ضغوط اقتصادية خانقة على طهران، حيث انخفضت صادرات النفط بشكل حادّ وتراجعت إمدادات الأسلحة بفعل العزلة الدولية، بينما كانت بغداد تحظى بدعم تسليحي ومالي دولي وعربي واسع، ما جعل استمرار الحرب بالنسبة لإيران مسألة انتحار اقتصادي وعسكري.

حرب الناقلات والتدخل الدولي في مياه الخليج

لم تقتصر المواجهة على الجبهات البرية، بل امتدت لتشمل الممر المائي الحيوي في الخليج العربي عبر ما عُرف بـ«حرب الناقلات».

استهدفت الهجمات المتبادلة سفن الشحن التجاري وناقلات النفط لقطع الشريان الاقتصادي للطرفين.

هذا التصعيد دفع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، إلى التدخل لحماية ممرات الملاحة الدولية، حيث جرى رفع العلم الأميركي على الناقلات الكويتية (عملية الإرادة الصالحة).

الفرقاطة سهند تحترق بعد أن ضربت بصواريخ البحرية الأميركية (ويكيبيديا)

وبلغ التوتر ذروته في يوليو (تموز) 1988 عندما أسقطت الطرّادة الأميركية «يو إس إس فينسينس» طائرة ركاب مدنية إيرانية (الرحلة 655) فوق مضيق هرمز، ما أرسل إشارة واضحة لطهران بأن النزاع كاد يتحول إلى مواجهة مباشرة مع قوى دولية كبرى.

كواليس القرار 598: «تجرع السم» في طهران والاحتفال في بغداد

في 18 يوليو 1988، فاجأت إيران المجتمع الدولي بإعلان قبولها الرسمي وغير المشروط لقرار مجلس الأمن رقم 598، الذي كانت قد تحفظت عليه منذ صدوره في يوليو 1987.

جندي إيراني يرتدي قناع غاز خلال الحرب بين إيران والعراق (ويكيبيديا)

وفي 20 يوليو، ألقى الخميني خطاباً تاريخياً موجهاً للشعب الإيراني، وصف فيه قرار وقف الحرب بأنه كان أكثر ألماً من «تجرع السم»، مشيراً إلى أن القرار اتُّخذ بناءً على تقارير القادة العسكريين والاقتصاديين الذين أكدوا استحالة الاستمرار.

في المقابل، استقبلت العاصمة العراقية بغداد، بقيادة الرئيس الراحل صدام حسين، النبأ باحتفالات شعبية وعسكرية عارمة، واعتبرت القيادة العراقية هذا القبول إقراراً بهزيمة المشروع الإيراني لتصدير الثورة عسكرياً.

20 أغسطس 1988: دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ واستحقاقات السلام

المبعوث الأممي الخاص السابق يان إلياسون (ويكيبيديا)

في تمام الساعة الثامنة من صباح يوم 20 أغسطس (آب) 1988، دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ رسمياً بموجب الاتفاق الذي أشرف عليه الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، خافيير بيريز ديكييار.

وانتشرت على طول خط الحدود، البالغ نحو 1200 كيلومتر، بعثة مراقبي الأمم المتحدة العسكرية (UNIIMOG)، التي ضمّت ضباطاً وجنوداً من عشرات الدول (مثل كندا، وإيطاليا، والسنغال) للتأكد من عدم خرق الهدنة.

الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، هواري بومدين رئيس الجزائر السابق، وشاه إيران محمد رضا بهلوي، اتفاقية الجزائر 1975 (ويكيبيديا)

ورغم صمت المدافع، بدأت معركة دبلوماسية معقدة في جنيف السويسرية، رعاها المبعوث الأممي الخاص يان إلياسون، تركزت حول ملفات شائكة مثل تبادل الأسرى (الذي شمل مئات الآلاف من الجنود مثل معسكرات الأسر في الرمادي وأراك)، وتنظيف شط العرب من الغوارق البحرية، وإعادة ترسيم الحدود وفق اتفاقية الجزائر لعام 1975 التي كان العراق قد ألغاها في بداية الحرب.


«اللجنة المصرية - القطرية» لتعزيز العلاقات وتعميق الشراكة

وزير الخارجية المصري والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر (الخارجية المصرية)
TT

«اللجنة المصرية - القطرية» لتعزيز العلاقات وتعميق الشراكة

وزير الخارجية المصري والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر (الخارجية المصرية)

تشهد العلاقات المصرية القطرية زخماً جديداً مع انعقاد «اللجنة العليا المشتركة» بين البلدين، التي تتوج سنوات التقارب اللافت منذ إنهاء القطيعة بين البلدين في 2021، وصولاً لمشروعات استثمارية قطرية ضخمة بمصر في أواخر 2025، وحديث جديد عن شراكات مرتقبة.

وتلعب «اللجنة العليا» دوراً مهماً في تعزيز تلك العلاقات وتعميق الشراكة وترجمة الفرص الاستثمارية، ما يؤكد، بحسب خبراء في مصر وقطر، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن مسار التعاون «يحقق نجاحات متواصلة».

وعادت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين مصر وقطر في 20 يناير (كانون الثاني) 2021، عقب توقيع «اتفاقية العلا» التي أنهت مقاطعة استمرت منذ يونيو (حزيران) 2017، قبل أن تشهد تعيين سفيرين جديدين في صيف عام 2021، وتبادل اللقاءات الرفيعة المستوى بدءاً من ديسمبر (كانون الأول) 2022 بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وكبار المسؤولين بالبلاد، وما أعقب ذلك من زيارات على مستويات دبلوماسية مختلفة بين مسؤولي البلدين.

ومنذ عودة العلاقات، عقدت لقاءات ثناية للجنة المصرية القطرية في إطار ترتيبات العلاقات، قبل أن تنتقل أعمال الدورة الخامسة إلى مستوى اللجنة العليا وذلك في مارس (آذار) 2024، بالدوحة برئاسة وزيري خارجية البلدين وتستمر هكذا في الدورة السادسة بالعلمين المصرية، في 28 أغسطس (آب) 2025 والدورة السابعة الحالية التي احتضنتها مصر أيضاً.

إشادة مصرية

وأشاد السيسي، في لقاء مع رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني بمدينة العلمين، الخميس، «بما تشهده العلاقات الثنائية بين البلدين من تقدم ونمو، وتطلعه لمواصلة تعزيز هذه العلاقات في مختلف القطاعات السياسية والتجارية والاستثمارية»، مؤكداً أهمية البناء على مخرجات اللجنة العليا المصرية القطرية المشتركة من أجل الارتقاء بالتعاون الثنائي في مختلف المجالات، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

وأفادت الخارجية المصرية، في بيان، بانعقاد الدورة السابعة للجنة العليا المشتركة بمدينة العلمين الخميس، برئاسة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ورئيس وزراء قطر، بحضور عدد من وزراء ومسؤولي البلدين.

الرئيس السيسي خلال استقباله رئيس الوزراء القطري الخميس في العلمين (الرئاسة المصرية)

وفي كلمته، أشاد عبد العاطي «بالنقلة النوعية التي تشهدها العلاقات المصرية القطرية بتوجيهات قيادتي البلدين»، مؤكداً أن انتظام انعقاد اللجنة العليا المشتركة «يعكس الحرص المتبادل على تعزيز أطر التعاون في شتى المجالات، وترجمة الزخم السياسي القائم إلى خطوات عملية تحقق مصالح الشعبين».

وأشار إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري بين مصر وقطر بنسبة 80 في المائة خلال عام 2025، لافتاً إلى أنه «بخلاف مشروع علم الروم العقاري لتطوير الساحل الشمالي الذي تجاوز 29 مليار دولار، يتم تدشين مشروع تصنيع وقود الطائرات النفاثة المستدام في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات قطرية مباشرة تتجاوز 200 مليون دولار في مرحلته الأولى».

وأكد عبد العاطي، أهمية البناء على الزخم الذي حققه «المنتدى الاستثماري المصري - القطري» الذي عقد بالقاهرة في ديسمبر 2025، والتطلع إلى استضافة النسخة الثالثة منه بالقاهرة بمشاركة مجالس الأعمال والشركات من البلدين.

من جانبه، أشاد الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، بما تشهده العلاقات القطرية المصرية «من تطور متنامٍ في مختلف المجالات»، مثمناً انعقاد الدورة السابعة للجنة العليا المشتركة وما تمثله من آلية مهمة لمتابعة مجالات التعاون ودفع تنفيذ المشروعات والاتفاقيات المشتركة.

وبحسب مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير، رخا أحمد حسن، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، فإن الانعقاد المنتظم للجنة «يعكس انتقال العلاقات المصرية - القطرية إلى مرحلة أكثر رسوخاً واستقراراً، بحيث لم تعد العلاقة محصورة في الملفات الثنائية»، ويؤكد وجود «إرادة سياسية لدى البلدين لترجمة التقارب إلى آليات مؤسسية مستدامة تعزز التطور في العلاقات وشراكة البلدين».

ويتفق معه المحلل القطري عبد الله الخاطر في حديث لـ«الشرق الأوسط»، بأن العلاقات بين البلدين «تشهد تنامياً ملحوظاً وأن اللجنة القطرية المصرية من اللجان الأساسية والمهمة القادرة دفع العلاقات إلى آفاق أرحب».

اتفاقات ثنائية

وفي ختام أعمال اللجنة المصرية القطرية، تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون بين «الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية»، و«صندوق قطر للتنمية»، واتفاقية منحة بشأن إنشاء «مستشفى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني» بمحافظة سوهاج (جنوب مصر)، بجانب مذكرة تفاهم بين الجهاز المركزي للمحاسبات وديوان المحاسبة القطري للتعاون في مجالات العمل الرقابي، واتفاقية للمساعدة الإدارية المتبادلة في المجال الجمركي، بحسب البيان المصري.

وخلال مؤتمر صحافي مع رئيس وزراء قطر، قال وزير الخارجية المصري، إن «بلاده تسعى لتعميق التعاون بين البلدين في العديد من المجالات، سواء الطاقة أو المواد الغذائية»، معرباً عن اعتزاز مصر بصفقة «علم الروم»، العقارية، مؤكداً أن هناك مبادرات وشراكات ومشروعات أخرى.

جانب من انعقاد الدورة السابعة للجنة العليا المصرية القطرية المشتركة بالعلمين (الخارجية المصرية)

وشدد الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، على «أن العلاقات مع مصر أخوية وراسخة تستند إلى شراكة قوية وتنسيق مستمر في عدد من الملفات»، مشيراً إلى أن مشروع «علم الروم» سيكون إضافة للعلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع مصر.

واللافت في هذه الشراكة، بحسب رخا، أنها لم تعد محصورة في ملف واحد، فهناك تعاون اقتصادي واستثماري وتجاري، إلى جانب التنسيق السياسي والدبلوماسي، و«هو ما يعكس رغبة في جعل التطور الحالي مساراً مؤسسياً وليس مجرد تقارب ظرفي مرتبط بأزمة إقليمية معينة كملفي قطاع غزة وإيران اللذين تقود القاهرة والدوحة جهود وساطة فيهما».

ويخلص إلى «أن العلاقات حالياً في مرحلة بناء شراكة تقوم على المصالح المشتركة والحاجة إلى التنسيق المستمر على كل المستويات»، مؤكداً «أن تطور العلاقات المصرية - القطرية لا يمثل فقط مكسباً ثنائياً للقاهرة والدوحة، وإنما يمكن أن يتحول إلى رافعة للتنسيق العربي في ملفات المنطقة».


اليمن يدفع نحو معركة استعادة الدولة وإنهاء التهديد الحوثي

من آثار القصف الحوثي على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (إعلام عسكري)
من آثار القصف الحوثي على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (إعلام عسكري)
TT

اليمن يدفع نحو معركة استعادة الدولة وإنهاء التهديد الحوثي

من آثار القصف الحوثي على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (إعلام عسكري)
من آثار القصف الحوثي على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (إعلام عسكري)

دخلت المواجهة اليمنية خلال أغسطس (آب) الحالي مرحلة جديدة من التصعيد، مع انتقال الجماعة الحوثية لتهديد السفن في البحر الأحمر وتكثيف هجماتها على الساحل الغربي، وميناء المخا، ومأرب، ومناطق تعز، والضالع وشبوة وبقية خطوط التماس؛ وهو الأمر الذي دفع القيادة اليمنية باتجاه تثبيت معركة استعادة الدولة وإنهاء التهديد الحوثي بوصفه مدخلاً لأي سلام مستدام.

وتزامن التصعيد البري مع استمرار تهديد الجماعة المدعومة من إيران للممرات البحرية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاس الهجمات على حركة الملاحة الدولية وعلى قدرة الموانئ اليمنية على العمل، وسط تحركات سياسية وعسكرية للشرعية تسعى إلى حشد موقف إقليمي ودولي أكثر تشدداً تجاه الحوثيين.

وقال نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، في أحدث تصريحاته، إن التصعيد الحوثي الأخير يأتي بتوجيهات من «الحرس الثوري» الإيراني، مشيراً إلى أن الجماعة بدأت استهداف السفن المدنية في البحر الأحمر وباب المندب، بما فيها سفينة هندية، في محاولة، وفقاً له، لمضاعفة الحصار على اليمنيين وإغلاق ميناء المخا، الذي يمثّل منفذاً بحرياً مهماً للمحافظات الواقعة خارج سيطرة الحوثيين، وفي مقدمتها تعز والحديدة.

نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (إعلام عسكري)

وخلال اجتماع موسع لأعضاء المجالس المحلية ومديري المكاتب التنفيذية والمشايخ والأعيان والشخصيات الاجتماعية في مديريتي المخا وموزع بمحافظة تعز، قال صالح إن الساحل الغربي تعرض، وفق إحصاءات عرضها، لـ56 صاروخاً باليستياً و44 طائرة مسيَّرة انتحارية، مؤكداً أن هذه الهجمات لم تحقق أهدافها العسكرية، باستثناء إلحاق أضرار بالأعيان المدنية والموانئ، وفي مقدمها ميناء المخا.

ورأى أن كثافة استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة تعكس، من وجهة نظره، عجز الحوثيين عن خوض مواجهة مباشرة، إلى جانب كونها محاولة انتقامية بعد إفشال مخططات إيران والجماعة للوصول إلى باب المندب.

تحركات على جبهات عدة

تزامنت هذه التصريحات مع معلومات أوردتها مصادر دفاعية وأمنية لمنصة «ديفانس لاين» عن تحركات حوثية شملت زرع شبكات ألغام جديدة في خطوط التماس خلال الأسبوع الأخير، ولا سيما في المناطق الوسطى والشرقية من البلاد.

وقالت المصادر إن الجماعة دفعت أيضاً بمنصات لإطلاق الطائرات المسيّرة إلى جبهات غربية وشرقية، وحركت مركبات مخصصة لنقل هذه المنصات ونشرها بالقرب من مناطق المواجهة، في خطوة تعكس، وفق المعلومات، مساعيها لتوسيع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة في العمليات البرية.

ورصد سكان محليون، حسب المصادر، مركبات جديدة محملة بمنصات إطلاق نُقلت من صنعاء باتجاه محافظة الجوف شرقاً، في حين تحدثت تقارير عن تحريك منصات وقطع طيران مسيّر باتجاه الحديدة ومحافظات الساحل الغربي، ونشرها في مرتفعات حيوية مطلة على البحر الأحمر.

لحظة انفجار أحد الصواريخ التي أطلقها الحوثيون على ميناء المخا اليمني (أ.ب)

وامتدت التحركات، وفق المصادر نفسها، إلى مناطق في ذمار، وتعز، وإب، وريمة، والمحويت وحجة، بما يشير إلى محاولة الجماعة إنشاء شبكة أوسع لوسائل الهجوم المسيّر وربط مواقع الإطلاق بخطوط المواجهة البرية والمناطق الساحلية.

وفي المقابل، قال طارق صالح إن القوات الحكومية طورت خلال الفترة الماضية قدراتها في مجالات الطيران المسيّر والمدفعية والتدريب، عادَّاً أن هذه القدرات أربكت حسابات الحوثيين وإيران. كما أشاد بما وصفه بإنجازات البحرية اليمنية وخفر السواحل في مواجهة شبكات تهريب الأسلحة الإيرانية وقطع خطوط الإمداد إلى الجماعة.

معركة عنوانها استعادة الدولة

ولا ينفصل التحرك العسكري عن مسار سياسي يركز على أن أي تسوية يمنية مقبلة يجب أن تعالج أصل الصراع المرتبط بالانقلاب على مؤسسات الدولة واحتكار السلاح، بدلاً من الاكتفاء بترتيبات مؤقتة لوقف القتال.

وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، خلال لقائه سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن، إن استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب الحوثي يمثلان أساس تحقيق السلام والاستقرار، مشدداً على أن التسوية المستدامة تتطلب معالجة جذور الأزمة وإعادة الاعتبار لسيادة مؤسسات الدولة.

وبحث الجانبان - حسب الإعلام الرسمي- التطورات السياسية والعسكرية والأمنية في اليمن والمنطقة، إلى جانب المخاطر الناجمة عن الهجمات الحوثية على أمن البحر الأحمر والممرات الملاحية الدولية وحركة التجارة العالمية.

وأكد المحرّمي أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تواصل رفع جاهزيتها والاستعداد لمختلف الاحتمالات، محذّراً من أن استمرار التصعيد الحوثي يقوّض فرص التسوية ويطيل أمد الأزمة.

ودعا المجتمع الدولي إلى زيادة الضغط على الحوثيين وتجفيف مصادر تمويلهم وتسليحهم، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والهجمات التي تهدد اليمن والمنطقة والملاحة الدولية.

وفي السياق نفسه، عدَّ التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية اليمنية أن التصعيد الحوثي يضع البلاد أمام «مفترق طرق»، مؤكداً أن المواجهة، حسب موقفه، لن تنتهي إلا بهزيمة الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.

وأدان التكتل الهجمات على مأرب والساحل الغربي ومختلف الجبهات، واستهداف المدنيين والمناطق السكنية وتجمعات النازحين وميناء المخا، داعياً إلى توحيد الصف الوطني خلف مجلس القيادة الرئاسي.

التصعيد يطال العمل الإنساني

ولا تتوقف تداعيات التصعيد عند الجبهات والممرات البحرية؛ إذ تتزامن التحركات العسكرية مع ضغوط متزايدة على العمل الإنساني في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وسط استمرار القيود المفروضة على العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية.

وقالت وزارة حقوق الإنسان اليمنية إن الجماعة صعّدت، منذ يونيو (حزيران) 2024، حملتها ضد العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، من خلال مداهمة المنازل والمكاتب واحتجاز موظفين أمميين وعاملين في منظمات دولية ومحلية، إلى جانب اقتحام مقار منظمات إنسانية.

وأشارت الوزارة إلى أن بعض المحتجزين لا يزالون رهن الاعتقال، بعد أن تجاوزت مدة احتجاز بعضهم عامين، عادَّة أن هذه الممارسات انعكست بصورة مباشرة على مستوى الاستجابة الإنسانية ورفعت حجم الاحتياجات في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

واتهمت الوزارة الحوثيين كذلك بالتدخل في توزيع المساعدات ونهب جزء منها وتحويلها، وحرمان مستحقين من الوصول إليها بصورة عادلة، محذّرة من أن استهداف العاملين والمنظمات الإنسانية يحدّ من قدرة المجتمع الدولي على الوصول إلى المدنيين وتقديم المساعدة لهم.

ودعت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف عملي وحازم لإطلاق سراح العاملين المحتجزين، ووقف استهداف المنظمات، وضمان بيئة آمنة ومحايدة تمكنها من مواصلة عملها.