في الاغتيال السياسيّ والعسكريّ


متظاهرون يرفعون صور إسماعيل هنية خلال مظاهرة في الرباط للتنديد باغتياله (أ.ف.ب)
متظاهرون يرفعون صور إسماعيل هنية خلال مظاهرة في الرباط للتنديد باغتياله (أ.ف.ب)
TT

في الاغتيال السياسيّ والعسكريّ


متظاهرون يرفعون صور إسماعيل هنية خلال مظاهرة في الرباط للتنديد باغتياله (أ.ف.ب)
متظاهرون يرفعون صور إسماعيل هنية خلال مظاهرة في الرباط للتنديد باغتياله (أ.ف.ب)

إذا كانت الحرب هي السياسة، لكن بوسائل أخرى، كما قال المفكّر البروسيّ كارل فون كلوزفيتز. فإن الاغتيال السياسيّ، كما العسكري، هو لخدمة الأهداف السياسيّة.

اغتيل الفرعون أخناتون من قبل الكهنة فقط لأنه أراد تغيير الآلهة التي كانت سائدة آنذاك، وهو أمر يضرب سلطتهم.

اغتيل الإمبراطور يوليوس قيصر عام 44 ق.م بمؤامرة من قبل مجلس الشيوخ، وللهرب من تسلّطه.

يكتب المفكّر اللبناني الشهير نسيم طالب في كتابه «Antifragile»، الذي يتناول كيفيّة العمل لرفع مستوى المناعة لدى الإنسان والمجتمعات في كلّ الأبعاد، وكيف يمكن التعامل مع المجهول واللامتوقّع: «كانت جوليا أغريبينا تعرف ابنها الإمبراطور جيداً. وكانت تعرف أنه سيُسمّم لها في يوم من الأيام. لذلك بدأت بتناول جرعات صغيرة من السم على دفعات، والهدف هو اكتساب المناعة. ولسخرية القدر، قُتلت أغريبينا بالسيف. ولمن لم يمت بالسُمّ مات بالسيف. والدرس من هذه الحادثة أنه لا يمكن للإنسان أن يكّون مناعة ضد كل شيء وفي كل الأوقات.

اغتالت الولايات المتحدة الأميركيّة المارشال الياباني ياماموتو إيزوروكو عام 1943 عبر إسقاط طائرته فوق المحيط الهادي. فهو المُتهم بالتخطيط للهجوم على بيرل هاربور. وهو المفكر العسكري البحريّ، الذي أبدع في استعمال حاملات الطائرات لمهمّات بعيدة جغرافيّاً، حيث لا تتوفّر قواعد جويّة. فهل انتهت الحرب بعد الاغتيال؟ كلا بالطبع، لم تستسلم اليابان إلا بعد استعمال السلاح النووي على مدنها.

تهدف الاغتيالات إلى الإطاحة بنظام قائم. والهدف هو خلق الفوضى بهدف إحلال نظام آخر. وقد يكون سبب الاغتيال لشخصيّة معيّنة هو في الأدوار التي تلعبها هذه الشخصيّة. أو الأدوار التي من الممكن أن تلعبها في المستقبل، والتي من الممكن أن تؤثّر على استراتيجيّة المُستهدِف. يؤثّر اغتيال هذه الشخصيات أكثر ما يُؤثّر في الدول، حيث عبادة الشخص مُهيمنة. فبمُجرّد إزاحته، تدبّ الفوضى ليتمّ التغيير. في المقابل، اغتيل جون كيندي في أميركا، لكن أميركا انتخبت رئيساً بديلاً له، واستكملت الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتيّ لتنتصر في عام 1991.

اغتيل رئيس الوزراء اللبناني الشهيد رفيق الحريري بسبب أدوار كان من الممكن أن يلعبها في المستقبل. والتي كان من الممكن أن تؤثّر سلباً على ديناميكيّة بعض الأطراف من ضمن ديناميكيّة الصراع الجيوسياسيّ الإقليميّ.

الاغتيالات اليوم

في الصراع الدائر اليوم بين إسرائيل من جهّة، وما يُسمّى وحدة الساحات من جهّة أخرى، لا يمكن الفصل بين الاغتيال السياسيّ والاغتيال العسكريّ، فالبُعدان متماهيان مع بعضهما البعض، خصوصاً في ظلّ هيمنة اللاعب من خارج إطار الدولة على بعض الدول. تستهدف إسرائيل قيادات «حزب الله» العسكريّة، كما قيادات «حماس»، والهدف دائماً هو ضرب مراكز ثقل المنظومة العسكريّة إن كانت العملانيّة أو التكتيكيّة وحتى الاستراتيجية. والهدف دائماً هو محاولة إفشال المنظومة العسكريّة ومنعها من العمل كما خُطّط لها، من قيادة وسيطرة، إلى الاستعلام، إلى اللوجستيّة، إلى الإنتاج العسكريّ وغيرها من الأمور. يُطلق على هذه الاستراتيجيّة اسم «Systemic Operational Design». بكلام آخر، تقارب إسرائيل المنظومة العدوّة على أنها نظام مؤلّف من عدة مستويات، مُعدّة لتعمل مع بعضها البعض بشكل متناسق. تهاجم إسرائيل هذا النظام من عدةّ أبعاد، وفي الوقت نفسه وبكافة الوسائل المتوفّرة لديها، تركّز إسرائيل على مراكز ثقل هذا النظام، لجعله غير قادر على القتال كنظام معيّن. من هنا استهداف قيادات «حزب الله» و«حماس» العسكريّة، حتى الوصول إلى اغتيال قمّة الهرم لدى «حماس».

نظريات اغتيال إسماعيل هنّية

عقب اغتيال هنية مباشرةً أُذيع في طهران أن الاستهداف كان بواسطة صاروخ من خارج إيران. وهو السيناريو الأقلّ إحراجاً للمسؤولين الأمنيّين، لكنه الأكثر تعقيداً.

بعد يوم على حادثة الاغتيال، نشرت صحيفة «النيويورك تايمز» مقالاً تشرح فيه عملية الاغتيال، على أنها حصلت بعد تهريب عبوة قبل شهرين من الحادثة لتُزرع في غرفة هنيّة الموجودة ضمن مُجمّع تحت سيطرة وإدارة الحرس الثوريّ، ولتُفجّر بعدها عن بُعد. استكملت صحيفة «التلغراف» البريطانية سيناريو «التايمز» لتقول إن هناك عملاء جّندوا للعمليّة. يُعدُّ هذا السيناريو الأكثر إحراجاً للأمن القوميّ الإيرانيّ.

أما السيناريو الثالث، فهو السيناريو الرسميّ للحرس الثوري، الذي يقول: أتى الاستهداف بواسطة صاروخ ذكيّ موجّه من الداخل الإيراني. زنة الرأس الحربي 7.5 كلم من المتفجّرات. والمسؤول عن الحادثة هي إسرائيل، وسوف يتم الردّ عليها. يُعدُّ هذا السيناريو الأقلّ ضرراً وإحراجاً للأمن الإيراني، وهو الأكثر قبولاً فيما خصّ منطق التنفيذ.

بعض التوضيحات والملحوظات:

  • بغياب التحقيق الجنائي الميداني والمباشر، لا يمكن معرفة ما إذا كان الانفجار كان قد حصل من داخل الغرفة أو عبر صاروخ من الخارج.
  • مع التحقيق الجنائي الميدانيّ يمكن معرفة مكان الانفجار، نوع الشظايا، كما يمكن تحليل غبار المتفجّرات المتبقّية لمعرفة نوعها وحتى مصدرها.
  • لا تُظهر الصورة الجويّة التي نُشرت عن المبنى الذي حصل فيه الانفجار أيّ معلومة جنائيّة مهمّة. كما لا يمكن رصد ورؤية مكان وزاوية اصطدام الصاروخ بجدار الغرفة، هذا إذا كان التفجير قد حصل من الخارج. والعكس قد يعني أن الانفجار قد حصل من الداخل، لتختلف صورة جدران الغرفة التي وقع فيها الاغتيال.
  • عادة في الاغتيالات المهمّة، يُعتمد مبدأ الغموض. ولتأمين الغموض، يعمد الفاعل إلى عدم ترك أيّ أثر جنائيّ يدل على الجهّة الفاعلة. كذلك الأمر، في هكذا عمليات معقّدة وخطيرة، يعمد المُخطّط إلى ابتكار وسيلة وطريقة التنفيذ. فعلى سبيل المثال وعند اغتيال أب المشروع النووي الإيرانيّ محسن فخري زاده، ابتكرت إسرائيل آلية دون سائق، مُركّب عليها رشاش «ماغ» البلجيكي من عيار 7.62 ملم. استعمل الذكاء الاصطناعي في عملية الاغتيال عن بُعد. وبعد التنفيذ، فُجرّت الآلية ككلّ.

مقالات ذات صلة

«مساحة ضيقة وملاحقة بالرصاص»... كيف دمّرت إسرائيل الصيد في غزة؟

خاص فلسطيني يقف على باب ثلاجة يستخدمه قارباً مؤقتاً ويحاول الصيد بسلة حديدية في ميناء مدينة غزة مارس الماضي (أ.ف.ب)

«مساحة ضيقة وملاحقة بالرصاص»... كيف دمّرت إسرائيل الصيد في غزة؟

يواجه الصيادون في غزة ظروفاً هي الأصعب منذ بدء الحرب الإسرائيلية، إذ تمنعهم قوات الاحتلال من النفاذ إلى البحر بحثاً عن قوتهم، وسط استهدافات لا تتوقف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
آسيا وزير الدفاع الإندونيسي شافري شمس الدين (رويترز)

وزير الدفاع الإندونيسي: نشر قوات في غزة يعتمد على مجلس السلام

قال ​وزير الدفاع الإندونيسي شافري شمس الدين، اليوم الخميس، ‌إن ‌نشر ​القوات الإندونيسية ‌ضمن ⁠قوة ​الأمن الدولية ⁠في غزة سيعتمد على الوضع الراهن لمجلس ⁠السلام.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا ‌)
أوروبا سفيرة إسبانيا لدى إسرائيل آنا ماريا سالومون بيريز (إ.ب.أ)

إسبانيا تنهي رسمياً مهام سفيرتها لدى إسرائيل

أنهت الحكومة الإسبانية رسمياً مهام سفيرتها لدى إسرائيل، بعدما استدعتها إلى مدريد منذ سبتمبر (أيلول) 2025 على خلفية توترات بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
أوروبا سعر لتر البنزين الخالي من الرصاص ووقود الديزل خارج محطة وقود تابعة لشركة «إيسو» في لوتروورث وسط إنجلترا (أ.ف.ب) p-circle

بوتين على خط الوساطة لإنهاء الحرب... مقترحات روسية لتسوية الأزمة

الرئيس الروسي يتوسط مع نظيره الأميركي لوقف الحرب على إيران بعد مرور يوم واحد على تعهده بمواصلة دعم طهران وتأكيد التزام بلاده بمسار الشراكة بين البلدين

رائد جبر (موسكو )
شمال افريقيا السيسي يتحدث في الندوة التثقيفية التي نظمتها القوات المسلحة في إطار احتفالات «يوم الشهيد والمحارب القديم» (الرئاسة المصرية)

السيسي يطالب بإعطاء فرصة لوقف الحرب الإيرانية

دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى إعطاء فرصة لوقف الحرب الإيرانية، والبحث عن «الحلول السلمية».

فتحية الدخاخني (القاهرة)

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.


الحوثي يصطفّ مع إيران ويتحاشى إعلان الدخول في الحرب

زعيم الحوثيين اكتفى بدعوة أتباعه للتظاهر دعماً لإيران دون الانخراط العسكري معها حتى الآن (رويترز)
زعيم الحوثيين اكتفى بدعوة أتباعه للتظاهر دعماً لإيران دون الانخراط العسكري معها حتى الآن (رويترز)
TT

الحوثي يصطفّ مع إيران ويتحاشى إعلان الدخول في الحرب

زعيم الحوثيين اكتفى بدعوة أتباعه للتظاهر دعماً لإيران دون الانخراط العسكري معها حتى الآن (رويترز)
زعيم الحوثيين اكتفى بدعوة أتباعه للتظاهر دعماً لإيران دون الانخراط العسكري معها حتى الآن (رويترز)

حافظ زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، في أحدث ظهور له، على سقف الخطاب السياسي المعتاد تجاه الحرب الدائرة ضد إيران، مؤكداً وقوف جماعته إلى جانب طهران واستعدادها لكل «التطورات»، لكنه تجنب في الوقت ذاته الإعلان عن الانخراط العسكري المباشر في المواجهة.

وجاءت تصريحات الحوثي بمناسبة ما يسمى «يوم القدس العالمي»، وذلك بعد أول خطبة منسوبة إلى المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، الذي تعهد بدوره بمواصلة المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واستهداف القواعد الأميركية في المنطقة، في مؤشر إلى تصاعد الخطاب الإيراني في ظل الحرب الدائرة.

وفي الخطاب المطول في هذه المناسبة التي ابتدعها المرشد الإيراني الأول، روح الله الخميني، قدم الحوثي رواية آيديولوجية للصراع، معتبراً أن الحرب على إيران ليست مجرد مواجهة مع دولة بعينها، بل «حرب على الإسلام والمسلمين».

وشدد على أن الجماعة في اليمن ترى نفسها «معنية بالموقف إلى جانب إيران ضد أعداء الأمة»، مكتفياً بالتأكيد على «الجهوزية لكل التطورات» دون إعلان خطوات عسكرية مباشرة.

عناصر حوثيون في صنعاء يرفعون صور خامنئي (أ.ف.ب)

وأكد الحوثي في خطابه الانتماء إلى ما تسميه طهران «محور المقاومة»، مشيداً بالرد العسكري الإيراني على الولايات المتحدة وإسرائيل، وزاعماً أنه يمثل «نموذجاً للمنطقة».

كما حرص على توجيه رسائل تعبئة إلى أتباع الجماعة، مركزاً على البعد الديني للصراع وربطه بالقضية الفلسطينية و«يوم القدس»، في محاولة للحفاظ على حالة التعبئة الشعبية وتبرير أي تصعيد محتمل في المستقبل.

وفي موقف يعكس التماهي السياسي مع طهران، أشاد الحوثي أيضاً باستهداف إيران دول المنطقة، زاعماً أن لها الحق في ذلك بسبب وجود قواعد أميركية تُنفذ منها الهجمات على إيران، وهي الرواية التي تكررها طهران رغم عدم صحة هذه السردية المزعومة.

حسابات معقدة

على الرغم من اللهجة التصعيدية في الخطاب الحوثي، لم تعلن الجماعة حتى الآن أي تدخل عسكري مباشر إلى جانب إيران، وهو ما يعكس، بحسب محللين يمنيين، جملة من الحسابات السياسية والعسكرية المعقدة.

فمن جهة، يدرك الحوثيون أن فتح جبهة جديدة في اليمن قد يعرضهم لضربات أميركية أو إسرائيلية مباشرة، خصوصاً في ظل حساسية الممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب، التي تعد أحد أهم طرق التجارة العالمية.

مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الحوثيين للتضامن مع إيران (أ.ف ب.)

ومن جهة أخرى، قد تفضل الجماعة الاحتفاظ بورقة التصعيد كخيار لاحق في حال توسعت الحرب إقليمياً، وهو ما يمنحها هامشاً أوسع للمناورة السياسية والعسكرية ويعزز موقعها داخل المحور الذي تقوده إيران في المنطقة.

كما يرى مراقبون أن الخطاب الحوثي يعكس رغبة في إظهار الالتزام الآيديولوجي مع طهران دون التورط فوراً في تكلفة عسكرية قد تكون مرتفعة، إذ رفعت الجماعة مستوى الدعم الخطابي لإيران لكنها أبقت الباب مفتوحاً أمام جميع الخيارات، في انتظار ما ستؤول إليه تطورات المواجهة.

عامان من التصعيد

منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 دخل البحر الأحمر وباب المندب مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعد رفع الحوثيين لافتة مساندة الفلسطينيين في غزة عبر استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل، قبل أن تتوسع الهجمات لاحقاً لتشمل سفناً دولية أخرى، ومهاجمة إسرائيل نفسها.

وخلال نحو عامين تبنت الجماعة تنفيذ 228 هجوماً على سفن تجارية وعسكرية باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، مع إعلانها إطلاق مئات الصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.

حوثيون في صنعاء يرفعون العلم الإيراني وصور خامنئي (رويترز)

وأدت الهجمات الحوثية إلى إغراق أربع سفن تجارية (روبيمار، توتور، ماجيك سيز، إتيرنيتي سي)، وقرصنة سفينة «غالاكسي ليدر»، فضلاً عن إصابة أكثر من 30 سفينة بأضرار متفاوتة أثناء عبورها البحر الأحمر وخليج عدن. كما أسفرت الهجمات عن مقتل نحو 11 بحاراً وإصابة واعتقال آخرين.

في المقابل، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، تضمنت نحو 2000 ضربة جوية وبحرية خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، استهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

كما نفذت إسرائيل 19 موجة من الضربات طالت بنى تحتية في مناطق سيطرة الحوثيين، شملت مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصنعي أسمنت ومحطات كهرباء، رداً على إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه أراضيها.

وبعد نحو ثمانية أسابيع، توقفت الحملة العسكرية الأميركية التي كان أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025 عقب وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.


تحطم طائرة تزود بالوقود أميركية في غرب العراق

مقاتلة «إف-16» تتزود بالوقود جواً من طائرة «كي سي 135 ستراتوتانكر» التابعة لسلاح الجو الأميركي (سنتكوم)
مقاتلة «إف-16» تتزود بالوقود جواً من طائرة «كي سي 135 ستراتوتانكر» التابعة لسلاح الجو الأميركي (سنتكوم)
TT

تحطم طائرة تزود بالوقود أميركية في غرب العراق

مقاتلة «إف-16» تتزود بالوقود جواً من طائرة «كي سي 135 ستراتوتانكر» التابعة لسلاح الجو الأميركي (سنتكوم)
مقاتلة «إف-16» تتزود بالوقود جواً من طائرة «كي سي 135 ستراتوتانكر» التابعة لسلاح الجو الأميركي (سنتكوم)

أعلن الجيش الأميركي الخميس تحطم إحدى طائراته للتزود بالوقود جوا من طراز «كي سي 135 ستراتوتانكر» في غرب العراق، بينما هبطت بسلام طائرة ثانية شملتها الحادثة.

وقالت القيادة المركزية الأميركية في وقت سابق إنها ‌تُجري ‌عملية ​إنقاذ ‌بعد ⁠فقدانها ​طائرة عسكرية في «المجال ⁠الجوي الصديق» بالعراق خلال النزاع ⁠الدائر ‌مع إيران. وقال ‌الجيش «شاركت ​طائرتان في ‌الحادث. ‌سقطت إحداهما في غرب العراق، ‌بينما هبطت الأخرى ⁠بسلام». وأضاف أن ⁠الحادث لم يكن نتيجة نيران معادية أو ​صديقة.

وأوضحت وسائل إعلام أميركية أن الطائرة المفقودة في غرب العراق كانت تقل طاقما يتألف من 6 أفراد.

وأعلنت جماعة «المقاومة ‌الإسلامية في العراق»، وهي ‌تحالف يضم فصائل مسلحة متحالفة مع ​إيران، مسؤوليتها عن إسقاط ‌الطائرة. الجماعة في بيان لها إنها أسقطت ‌الطائرة «دفاعا عن سيادة بلدنا وأجوائه المستباحة من قبل طيران قوات الاحتلال». وأضافت أنها أسقطت الطائرة الأميركية «بالسلاح المناسب».

وهذه رابع طائرة عسكرية أميركية على الأقل تتحطم منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بعد إسقاط ثلاث طائرات من طراز «إف-15» بنيران صديقة فوق الكويت. وذكرت القيادة العسكرية حينها أن الحادثة وقعت خلال قتال تضمن «هجمات من طائرات إيرانية وصواريخ بالستية وطائرات مسيّرة».

ودخلت طائرات «كي سي 135 ستراتوتانكر» الخدمة قبل أكثر من 60 عاما، وهي تتكون عادة من طاقم مكون من ثلاثة أفراد: طيار، ومساعد طيار، وعنصر ثالث يقوم بتشغيل آلية تزويد الطائرات الأخرى بالوقود، وفق معطيات الجيش الأميركي. لكن بعض مهام الطائرة تتطلب وجود ملاّح، ويمكن للطائرة أن تحمل ما يصل إلى 37 راكبا، وفق المصدر نفسه.