وضع حادث إطلاق النار على الحدود بين مصر وغزة، وما ترتب عليه من مقتل جندي مصري، العلاقات التي تمر بوقت صعب بين القاهرة وتل أبيب، أمام سيناريوهين. إذ يرى دبلوماسي مصري سابق وخبير عسكري، تحدثت إليهما «الشرق الأوسط»، أن العلاقات بين مصر وإسرائيل تقف أمام مفترق طرق بعد الحادث الأخير؛ أحدهما توتر أعمق بينهما، والثاني طي صفحة إطلاق النار وتقديم تل أبيب تنازلات ترضي القاهرة، وصولاً إلى «انفراجة».
ومنذ 7 مايو (أيار) الحالي، تشهد علاقات البلدين توتراً إثر سيطرة تل أبيب على الجانب الفلسطيني من معبر رفح الحدودي مع مصر، ورد القاهرة برفض التنسيق مع إسرائيل بشأن المعبر، والتلويح من قبل رئيس هيئة الاستعلامات ضياء رشوان، قبل أيام، بالانسحاب من الوساطة في مفاوضات الهدنة بغزة.

ووصلت العلاقات منعطفاً صعباً، الاثنين، مع إعلان الجيش المصري، في بيان، «استشهاد أحد العناصر المكلفة بالتأمين في حادث إطلاق النيران بمنطقة الشريط الحدودي برفح»، مشيراً إلى «إجراء تحقيق بواسطة الجهات المختصة في الحادث».
وجاء الإعلان المصري بعد حديث الجيش الإسرائيلي عن أن حادث إطلاق النار «قيد المراجعة ومناقشات جارية مع المصريين»، بعد إعلان وسائل إعلام إسرائيلية عن «حادث استثنائي» بين القوات المصرية والإسرائيلية على الحدود.
ومساء الاثنين، نقلت قناة «القاهرة الإخبارية» عن مصدر أمني مصري مطلع، قوله إنَّ «التحقيقات الأولية لحادث إطلاق النيران واستشهاد جندي على الحدود تُشير لإطلاق نار بين عناصر من قوات الاحتلال الإسرائيلي وعناصر من المقاومة الفلسطينية». وذكر المصدر أنّ «إطلاق النيران جرى في عدة اتجاهات وقام عنصر التأمين المصري باتخاذ إجراءات الحماية والتعامل مع مصدر النيران»، دون تحديد الجهة المتسببة في مقتله.
وحسب المصدر، «جرى تشكيل لجان تحقيق للوقوف على تفاصيل حادث إطلاق النيران الذي أدى إلى استشهاد أحد العناصر المكلفة بالتأمين لتحديد المسؤوليات، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكراره مستقبلاً».
فيما قال مصدر أمني آخر لقناة «القاهرة الإخبارية»، مساء الاثنين، إن الهجوم الإسرائيلي على محور فيلادلفيا، القريب من المعبر، «يخلق أوضاعاً ميدانية ونفسية يصعب السيطرة عليها ومرشحة للتصعيد».
وبينما تتصاعد وتيرة الحادث بين القاهرة وتل أبيب، كان من المنتظر أن تبدأ جولة مفاوضات جديدة بشأن هدنة غزة خلال أيام، وسط حديث أوروبي عن الموافقة على العودة لإدارة معبر رفح عبر بعثة كما كان اتفاق 2005.
«توتر أعمق»
مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حسين هريدي، يتوقع في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «يضيف حادث الحدود مزيداً من التوتر على علاقات البلدين على المستوى الرسمي، وبصورة أعمق وأخطر على المستوى الشعبي».
الدبلوماسي المصري السابق يرى أن «هناك استياءً شعبياً كبيراً مما حدث، وهناك أيضاً مطالب وشروط مصرية تتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من رفح وعودة الإدارة الفلسطينية لمعبر رفح مع البعثة الأوروبية التي أعلنت موافقتها الاثنين».
ويتمسك هريدي بأن «الأفق القريب لا يحمل انفراجةً بين مصر وإسرائيل حتى ولو بعد انتهاء حرب غزة»، ويشير إلى احتمال تأثير حادث إطلاق النار على مفاوضات الهدنة المرتقبة، مؤكداً أن «أي قرار على شاكلة سحب السفير لا يمكن الجزم به، ويبقى بيد صانع القرار حسب نتائج التحقيقات».
«انفراجة»
في المقابل، يرى اللواء عادل العمدة، الخبير العسكري المصري، والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن حادث الحدود «لن يحمل أي تأثير كبير على العلاقات، خصوصاً أن تلك الحوادث الفردية تكررت من الجانب المصري ولم تؤثر».
ويسترجع حادث الجندي المصري محمد صلاح، في يونيو (حزيران) 2023 تجاه عناصر إسرائيلية قبل شهور في هذا الصدد، غير أنه يدعو «للتمهل وانتظار نتائج التحقيقات ومن المتسبب في تلك الوفاة، خصوصاً والحادث وقع أثناء تبادل إطلاق نار بين عناصر فلسطينية وإسرائيلية».
ويعتقد أن الحادث لا يترتب عليه «قرار حتمي أو مصيري، خصوصاً وأن اتساع الصراع في المنطقة ليس في صالح أي طرف»، مؤكداً أن «التحقيقات سيترتب عليها مسار التحرك المصري، لكن القاهرة مدركة تماماً للمشهد وتحترم اتفاقياتها».
ويرى أن حادث الحدود ستتم معالجته وفق «آليات في معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، قادرة على حل أي تجاوز»، ويعتقد بحدوث «انفراجة في علاقات البلدين جراء ذلك الحادث، أبرز مظاهرها إمكانية انسحاب إسرائيلي من الجانب الفلسطيني، كما طلبت القاهرة، خصوصاً في ظل الضغوط العربية والدولية».








