تماشياً مع تسارع تنامي العلاقات بين الرياض واستوكهولم، شدد نائب وزير الخارجية السويدي، جان كنوتسون، على تطلع بلاده إلى تعظيم الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، واستثمارها في الحوارات الثنائية الإقليمية والدولية، مؤكداً على ضرورة تعزيز العمل الإنساني في غزة، واحتكام تل أبيب إلى القانون الدولي في حماية المدنيين.
وأضاف كنوتسون: «تعدّ السعودية لاعباً دولياً رئيسياً وشريكاً مهماً في (حوار السويد)، سواء في المسائل الإقليمية والعالمية، ويتجلى ذلك على الأقل في التدفق المستمر للزيارات الثنائية في كلا الاتجاهين التي قمنا بها على مدى الأعوام القليلة الماضية، والمشاركة السويدية في الأحداث الدولية التي تقام هنا».
وتابع كنوتسون، الذي يزور السعودية على رأس وفد دبلوماسي يضم 15 سفيراً لبلاده لدى مختلف دول العالم، في حواره مع «الشرق الأوسط» من الرياض: «كان وزير خارجيتنا ووزير التنمية الدولية والتجارة هنا خلال الأشهر الستة الماضية، وكنت هنا بنفسي في العام الماضي لحضور اجتماع دولي مهم». وأضاف كنوتسون: «كما تعدّ السعودية أكبر سوق لصادراتنا في الشرق الأوسط، حيث زاد تبادلنا التجاري بشكل مطرد خلال السنوات الماضية؛ إذ بلغ إجمالي الصادرات السويدية - على سبيل المثال الخشب وخام الحديد والمنتجات الصيدلانية ومنتجات التكنولوجيا الفائقة - في العام الماضي نحو 1.5 مليار دولار».
اختيار الرياض لاحتضان «الحوار السويدي»
وقال كنوتسون: «الغرض من زيارتي هذه المرة هو المشاركة في الاجتماع السنوي بين سفراء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والإدارة العليا في الحكومة في استوكهولم، حيث اخترنا الرياض هذا العام؛ لأنها مكان يحدث فيه الكثير بالفعل، كما توفر الزيارة الفرصة للقاء بالنظراء الرئيسيين لشراكتنا، بصفتي سفيراً سابقاً لدى المملكة، ويسعدني إعادة الاتصال بالمكان الذي قضيت فيه ثلاثة أعوام مثيرة للاهتمام للغاية».
تعاون متجدد
وزاد كنوتسون: «لدى السويد تعاون وشراكات مع المملكة في عدد من المجالات بشكل متزايد؛ بما في ذلك قطاعنا الخاص الديناميكي؛ إذ كان جزءاً من شراكتنا منذ أوائل الخمسينات من القرن الماضي، وبصمته آخذة في النمو».
ووفق كنوتسون، فإن الشركات السويدية تعدّ رائدة في مجال الابتكار وفي طليعة «التكنولوجيا الخضراء» و«المستدامة»، وكذلك في علوم الحياة والرعاية الصحية، مشيراً إلى أنها «مستعدة لتقديم كثير من الحلول الحيوية في (رؤية 2030)».
الحرب الإسرائيلية في غزة
وعن موقف بلاده من العدوان الإسرائيلي على المدنيين في غزة وخان يونس ورفح وتهجير السكان، قال كنوتسون: «نتفهم أن لإسرائيل، مثل أي دولة أخرى، الحق في الدفاع عن نفسها. لكن العمل العسكري يتحتم أن يتوافق مع القانون الدولي؛ بما في ذلك القانون الإنساني الدولي. تجب حماية المدنيين».
وحول مبررات قطع التمويل السويدي عن «الأونروا»، شدد كنوتسون على أن «الهجمات المباشرة على المدنيين والممتلكات المدنية غير قانونية»، مؤكداً على ضرورة «تطبيق مبادئ التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، والتناسب، والحذر»، مبيناً أن «مدى عواقب الحرب على السكان المدنيين في غزة يثير تساؤلات جدية».
وقال نائب وزير الخارجية السويدي إن «الوضع الإنساني الكارثي في غزة يثير قلقاً بالغاً، وكذلك التحذيرات بشأن المجاعة وخطر المجاعة؛ إذ لا بد من ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل ودون عوائق».
وأكد نائب وزير الخارجية السويدي على ضرورة تقيد تل أبيب بالقانون الدولي؛ بما في ذلك «القانون الإنساني الدولي»، مشدداً على حماية المدنيين في قطاع غزة ورفح وخان يونس.
وأضاف كنوتسون: «السويد تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار لأسباب إنسانية. وبالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والشركاء الآخرين، فإننا ننقل رسائل واضحة ومنسقة إلى إسرائيل بشأن الحاجة الملحة لوصول المساعدات الإنسانية».
تمويل «الأونروا»
وعلى صعيد ذي صلة، قال كنوتسون: «إننا ندرك جيداً الدور الحاسم الذي تلعبه (الأونروا) في جهود الإغاثة الإنسانية في غزة، وبوصفها عامل استقرار في المنطقة، ونكنّ أقصى درجات الاحترام للوضع الصعب الذي يعمل فيه الموظفون في غزة».
ومضى بالقول: «بعد ورود تقارير عن تورط موظفين في الهجمات التي وقعت يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، طرحنا مع الجهات المانحة الأخرى أسئلة حاسمة على المنظمة. قررت الحكومة السويدية الآن إصدار دفعة أولية لـ(الأونروا) تبلغ نحو 18 مليون يورو (200 مليون كرونة سويدية) بعد تأكيداتها الخطية المباشرة للسويد فيما يتعلق بزيادة الشفافية والإجراءات الأكثر صرامة».
وزاد: «سنراقب من كثب لضمان تنفيذ (الأونروا) ما وعدت به. وفي هذه الحالة الحادة، حيث تكون الاحتياجات بين السكان المدنيين ضخمة، فإن الأولوية القصوى هي إنقاذ الأرواح. (الأونروا) هي المنظمة التي تستطيع مساعدة الفلسطينيين الضعفاء».
تحقيقات جنائية حول «الإسلاموفوبيا»
وحول نتائج التحقيقات الجنائية الجارية في النظام القضائي بشأن جرائم الكراهية المحتملة، خصوصاً «الإسلاموفوبيا» و«حرق القرآن الكريم»، قال كنوتسون إن «الحكومة السويدية حازمة وثابتة في رفضها القوي أي عمل من أعمال التعصب. إن الأفعال الدنيئة التي ارتكبها عدد قليل من الأفراد في المظاهرات بالسويد لا تعكس بأي حال من الأحوال رأي الحكومة السويدية».
وأكد كنوتسون على أن بلاده «تلتزم التزاماً قوياً بمكافحة أي دعوة إلى الكراهية القومية العنصرية أو الدينية، التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف»، مبيناً أن «القانون الجنائي السويدي يجرم مثل هذا التحريض، وذلك في المقام الأول من خلال تجريم (التحريض ضد السكان)».
ووفق كنوتسون، فإنه في 12 أكتوبر الماضي أدانت محكمة مقاطعة لينشوبينغ رجلاً متهماً بارتكاب جريمة «التحريض ضد مجموعة من السكان»، حيث كان «وزع مقطع فيديو في خريف 2020، تُحرق فيه، من بين أمور أخرى، نسخة من القرآن الكريم وتُترك خارج المسجد، وأدين الشخص بالتحريض على الكراهية ضد مجموعة معينة على أساس الدين، بينما تم استئناف الحكم أمام محكمة الاستئناف».
الانضمام إلى «الناتو»
وعن حيثيات انضمام السويد إلى «حلف شمال الأطلسي»، أوضح كنوتسون أن عضوية بلاده في حلف «الناتو»، تجعل السويد أكثر أماناً و«حلف شمال الأطلسي» أقوى، مشيراً إلى أن «جوهر النظام الأمني الأوروبي هو حق كل دولة في اختيار ترتيباتها الأمنية الخاصة».
وذهب إلى أنه بانضمام بلاده إلى «حلف شمال الأطلسي»، «مارست السويد هذا الحق» الذي، برأيه، «لا يقدر بثمن، فتحملت المسؤولية عن تشكيل الأمن في المناطق المجاورة للبلاد، وفي المنطقة الأوروبية الأطلسية».
ولفت إلى أن هذا «الخيار» يحظى بتأييد أغلبية ساحقة في البرلمان الوطني وبالشعبية، مؤكداً أن «الاختيار» ينطوي على رؤية أن «روسيا ستشكل تهديداً خطيراً طويل الأمد على الأمنين الأوروبي والسويدي، والجزء الخاص بنا من أوروبا بشكل أساسي. وسينطوي على مسؤوليات كبيرة وفرص جديدة لتعزيز أمننا».
وأضاف كنوتسون أن «عضوية السويد وفنلندا في (حلف شمال الأطلسي) تعيد رسم خريطة السياسة الأمنية في الجزء الخاص بنا من أوروبا بشكل أساسي.
تأمين البحر الأحمر
وحول موقف بلاده من تحالف حماية البحر الأحمر، قال كنوتسون: «ترحب السويد بإطلاق عملية (أسبيدس) التابعة للاتحاد الأوروبي. ومن المهم أن يساهم الاتحاد الأوروبي في الحفاظ على حرية الملاحة وحماية السفن في البحر الأحمر».
وأكد كنوتسون على أن «العملية دفاعية فقط، وتفويضها يقتصر على توفير الوعي بالوضع البحري، ومرافقة السفن، وحمايتها من الهجمات المحتملة متعددة المجالات في البحر»، مشيراً إلى أن بلاده تشارك بأربعة ضباط.









