اتفاق إثيوبيا مع «أرض الصومال» يعمّق أزمة «السد» ويفاقم التوترات بالبحر الأحمر

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال توقيعه قانوناً يلغي اتفاق إقليم أرض الصومال الانفصالي مع أديس أبابا (الرئاسة الصومالية - «إكس»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال توقيعه قانوناً يلغي اتفاق إقليم أرض الصومال الانفصالي مع أديس أبابا (الرئاسة الصومالية - «إكس»)
TT

اتفاق إثيوبيا مع «أرض الصومال» يعمّق أزمة «السد» ويفاقم التوترات بالبحر الأحمر

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال توقيعه قانوناً يلغي اتفاق إقليم أرض الصومال الانفصالي مع أديس أبابا (الرئاسة الصومالية - «إكس»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال توقيعه قانوناً يلغي اتفاق إقليم أرض الصومال الانفصالي مع أديس أبابا (الرئاسة الصومالية - «إكس»)

وسعت الصومال تحركاتها الإقليمية والدولية الساعية لمواجهة اتفاق مبدئي بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، تحصل بموجبه أديس أبابا على ميناء تجاري وقاعدة عسكرية على البحر الأحمر.

وجاء الاتفاق الإثيوبي مع الإقليم في وقت يشهد البحر الأحمر اضطرابات متصاعدة، على وقع توتر غير مسبوق نتيجة استهداف ميليشيا «الحوثي» لسفن تجارية بالمنطقة، فضلاً عن احتشاد قوى بحرية تابعة لدول عدة، وانسداد أفق التفاوض بين مصر والسودان من جانب، وإثيوبيا من جانب آخر، بشأن «سد النهضة».

ومنذ توقيع مذكرة التفاهم بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مع زعيم «أرض الصومال»، موسى بيهي عبدي، بداية يناير (كانون الثاني) الحالي، لم تتوقف ردود الفعل الإقليمية والدولية، التي غلب عليها الرفض للاتفاق، سواء باعتباره «انتهاكاً للسيادة الصومالية»، أو من زاوية التحذير من تداعياته المحتملة في زيادة منسوب التوتر في منطقة القرن الأفريقي التي تعاني أزمات سياسية وأمنية.

وبموجب الاتفاق بين أديس أبابا و«أرض الصومال» ستحصل إثيوبيا على حق الانتفاع بشريط ساحلي بطول 20 كيلومتراً بميناء بربرة على ساحل البحر الأحمر، لمدة 50 عاماً لتتمركز به القوات البحرية الإثيوبية، مقابل اعترافها الرسمي باستقلال «أرض الصومال»، سيكون الأول من نوعه دولياً، فضلاً عن منح الأخير 20 في المائة من أسهم الخطوط الجوية الإثيوبية.

الرئيس الصومالي معلناً أمام برلمان بلاده رفض اتفاق إثيوبيا مع أرض الصومال (الرئاسة الصومالية - «إكس»)

ورفضت الحكومة الصومالية الاتفاق بشدة، ووصفه الرئيس حسن شيخ محمود بأنه «انتهاك غير مشروع» من جانب أديس أبابا للسيادة الصومالية، مؤكداً أنه «لا يمكن لأحد أن ينتزع شبراً من الصومال»، كما استدعت مقديشو سفيرها لدى إثيوبيا للتشاور، ولاحقاً وقع الرئيس الصومالي قانوناً يلغي الاتفاق.

رفض مصري

وأبدت مصر رفضاً حاسماً للاتفاق الإثيوبي مع «أرض الصومال»؛ إذ أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأحد، أن الصومال دولة عربية، وله حقوق طبقاً لميثاق الجامعة العربية، في الدفاع المشترك لأي تهديد له، مضيفاً في مؤتمر صحافي، عقب مباحثاته بالقاهرة مع نظيره الصومالي، أن مصر لن تسمح لأحد بتهديد الصومال أو المساس بأمنه، قائلاً: «محدش (لا أحد) يجرب مصر ويحاول (أن) يهدد أشقاءها، خاصة لو أشقاؤها طلبوا منها الوقوف معهم».

وسبق لوزير الخارجية المصري سامح شكري، أن حذر خلال اجتماع للمجلس الوزاري للجامعة العربية، الأسبوع الماضي، من مغبة ما وصفه بالسياسات «الأحادية» لإثيوبيا، التي قال إنها «باتت مصدراً لبث الاضطراب في محيطها الإقليمي».

يتزامن التوتر الراهن في مدخل البحر الأحمر مع انقضاء آخر اجتماعات التفاوض المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي، والتي استضافتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا الشهر الماضي، دون تحقيق اتفاق، حسبما أعلنت وزارة الري المصرية، في بيان. وتابع البيان أن «مصر ستراقب عن كثب عملية ملء وتشغيل سد النهضة، وأنها تحتفظ بحقها المكفول بموجب المواثيق الدولية للدفاع عن أمنها المائي والقومي في حالة تعرضه للضرر».

وفشلت المفاوضات المتقطعة على مدى أكثر من 10 سنوات في التوصل إلى اتفاق بشأن ملء وتشغيل السد الإثيوبي، الذي تؤكد القاهرة أنه «يضر بمصالحها المائية»، وتتهم إثيوبيا بإفشال المفاوضات، وهو ما تنفيه الأخيرة.

تداعيات خطيرة

ترى بسنت عادل الباحثة بمركز «فاروس للدراسات الاستراتيجية»، وهو مركز بحثي مصري متخصص في الشؤون الأفريقية، أن الاتفاق الإثيوبي مع «أرض الصومال» ستكون له تداعيات وصفتها بـ«الخطيرة»، سواء على الداخل الصومالي أو على الأمن الإقليمي، خاصة في ظل الأوضاع المشتعلة بالفعل في المنطقة، سواء العدوان على غزة أو هجمات الحوثيين على الممرات المائية بالبحر الأحمر أو اشتعال الحرب الأهلية في السودان أخيراً.

وأضافت عادل لـ«الشرق الأوسط» أن الاتفاق يؤدي إلى تأجيج الخلافات بين الصومال وإقليم أرض الصومال الانفصالي في وقت تجري فيه محاولات جادة لإعادة فتح قنوات الحوار بين مقديشو وهارجيسا (عاصمة أرض الصومال)، وهو ما ستكون له تداعيات سلبية بالغة على مسار المصالحة الوطنية داخل الصومال.

وتشير الباحثة المتخصصة في العلاقات الدولية إلى أن الاتفاق سيؤدي كذلك إلى تزايد القوى العسكرية في البحر الأحمر في سياق إقليمي وعالمي معقد؛ إذ تشهد المنطقة زيادة الوجود العسكري المكثف في الآونة الأخيرة، وسط تنافس القوى الدولية والإقليمية على النفوذ في هذه المنطقة الاستراتيجية التي تربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما يعكس رغبة القوى الدولية والإقليمية في السيطرة على المنطقة، وتأمين مصالحها الاستراتيجية، وتوسيع نفوذها السياسي والعسكري.

ولا تستبعد بسنت عادل أن يقود التوتر الناجم عن عقد الاتفاقية بين إقليم الصومال الانفصالي وإثيوبيا إلى مواجهات عسكرية، لا سيما أن أغلب دول المنطقة تعاني من هشاشة أمنية، وربما لأن القوى الدولية والإقليمية تسعى لتحقيق أهداف مختلفة في المنطقة، وقد يؤدي هذا الاتفاق إلى تصادم مصالحها.

وحذرت بالفعل دول ومنظمات إقليمية ودولية عدة، من بينها جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، من خطورة الخطوة الإثيوبية على السلم والأمن في منطقة القرن الأفريقي.

تنشيط الإرهاب

ولا تقتصر التداعيات المتوقعة للاتفاق الإثيوبي مع «أرض الصومال» على تصعيد حدة التوتر على مستوى الدول، بل يمتد الأمر إلى تنظيمات إرهابية تنشط بكثافة في منطقة القرن الأفريقي، وهو ما تراه الدكتورة نرمين توفيق الباحثة في الشؤون الأفريقية والمتخصصة في شؤون التنظيمات المتطرفة، «أمراً محتملاً بقوة».

وتشير توفيق في حديثها لـ«الشرق الأوسط» إلى أن البيئة الأمنية في شرق أفريقيا تعاني من هشاشة واضحة، وهناك العديد من التنظيمات الإرهابية العاملة في المنطقة، ولديها ارتباطات فكرية وتنظيمية بجماعات أكبر مثل «القاعدة» و«داعش»، منوهة بأن «حركة الشباب» التي تنشط في جنوب ووسط الصومال لديها هدف مركزي هو استهداف أي وجود أجنبي في الصومال، فضلاً عن اعتبارها إقليم «أرض الصومال» جزءاً من نطاق تحركاتها.

وتضيف الباحثة أن العداء الذي تكنه التنظيمات الإرهابية النشطة في القرن الأفريقي تجاه إثيوبيا سيكتسب بعداً دينياً وسياسياً؛ فإثيوبيا دولة مسيحية، ولها علاقات وطيدة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وهو ما يضيف بعداً أوسع لتنشيط خلايا تلك التنظيمات واستنفارها في المنطقة لاستهداف المصالح الإثيوبية، وقد يمتد الأمر إلى مصالح الدول التي تدعمها، الأمر الذي ينذر بخطر أكبر قد يطال العديد من دول المنطقة التي تعاني وضعاً أمنياً وسياسياً واقتصادياً غير مستقر، علاوة على ما تمتلكه التنظيمات الإرهابية في المنطقة من قدرة على تنفيذ عمليات داخل العديد من دول المنطقة، وسبق لها بالفعل تنفيذ العديد من الاستهدافات في إثيوبيا وجيبوتي وكينيا وأوغندا، فضلاً عن توطنها بالصومال.


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية الصومالي: أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية غير قابل للحياة

خاص وزير الخارجية الصومالي عبد السلام علي (الخارجية الصومالية)

وزير الخارجية الصومالي: أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية غير قابل للحياة

وجّه وزير الخارجية الصومالي تحذيراً واضحاً من مغبة أي اعتراف أحادي بمناطق انفصالية، معتبراً أن مثل هذه الخطوات غير قابلة للحياة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
أفريقيا جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

«اجتماع زامبيا» لمعالجة تراجع فرص السلام شرق الكونغو

تشهد أزمة شرق الكونغو الديمقراطية، اجتماعاً في زامبيا؛ بحثاً عن تهدئة وإمدادات إنسانية، وسط تصاعد أعمال القتال المستمر منذ العام الماضي، امتداداً لعقود من العنف

محمد محمود (القاهرة )
تحليل إخباري الرئيس الصومالي خلال استقبال رئيس الوزراء الأسبق عبدي فارح شيردون في أبريل الماضي (وكالة الأنباء الصومالية)

تحليل إخباري انطلاق مُبكر لحراك الانتخابات الرئاسية في الصومال

انطلاق مبكر لحراك الانتخابات الرئاسية بدأه رئيس الوزراء الصومالي الأسبق المعارض البارز، عبدي فرح شيردون، بعقد مؤتمر في العاصمة مقديشو.

محمد محمود (القاهرة )
تحليل إخباري صوماليون يتظاهرون دعماً لوحدة أراضي الصومال في مقديشو 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)

تحليل إخباري مواقف عربية وإسلامية موحدة «تُضيق الخناق» على تحركات إسرائيل بأرض الصومال

تتوالى المواقف العربية والإسلامية الموحدة، والتي تتفق على «رفض الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة».

أحمد جمال (القاهرة)
العالم العربي مظاهرات في مدن ولاية هيرشبيلى رفضاً للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال (وكالة الأنباء الصومالية)

تحركات عربية وإسلامية متصاعدة لرفض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

تتوالى التحركات العربية والإسلامية الرافضة للاعتراف الإسرائيلي للإقليم الانفصالي في الصومال، وقررت منظمة التعاون الإسلامي (56 دولة) عقد اجتماع وزاري السبت.

محمد محمود (القاهرة)

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».


واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية
TT

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

أكد سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى اليمن ستيفن فاغن دعم بلاده لإجراء حوار جنوبي سياسي شامل تستضيفه السعودية.

جاء ذلك خلال اجتماع عقده مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.

وقالت السفارة الأميركية أمس في منشور على منصة «إكس» إن فاغن شدّد خلال الاجتماع على أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار في اليمن، وذلك بعد اضطرابات أشعلتها تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في شرق اليمن وجنوبه في الأسابيع القليلة الماضية.

وكان الإعلام الرسمي اليمني أفاد بأن عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي التقى في العاصمة السعودية الرياض، السفير فاغن لبحث العلاقات الثنائية، ومستجدات الأوضاع على الساحتين الوطنية والإقليمية.

​وتطرّق اللقاء إلى الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والدور البارز الذي تلعبه في دعم أمن واستقرار اليمن.

ونقلت المصادر الرسمية عن المحرمي تأكيده أن دور واشنطن يمثل عنصراً حاسماً في تعزيز تماسك الدولة اليمنية، وقدرتها على تجاوز التحديات الراهنة، لا سيما في ملفي مكافحة المنظمات الإرهابية، والحد من عمليات التهريب، وهما مما يهدد الأمن سواء القومي أو الإقليمي.

تأمين عدن

​واستعرض اللقاء - وفق المصادر الرسمية - التطورات المحلية الأخيرة، والإجراءات المتخذة لتأمين العاصمة المؤقتة عدن، وحماية المقار السيادية للدولة من أي عبث، بما يسهم في تثبيت الوضع الأمني، والحفاظ على السكينة العامة وحماية مصالح المواطنين والمؤسسات الحكومية.

​وشدّد المحرّمي على أهمية تكثيف التعاون الدولي لتجفيف منابع تمويل الحوثيين والجماعات الإرهابية، ورفع كفاءة قوات خفر السواحل والأجهزة الأمنية لتشديد الرقابة على المنافذ ومنع تهريب الأسلحة والمواد الممنوعة التي تستخدمها الميليشيا لزعزعة الاستقرار في المنطقة.

​كما ناقش الجانبان - وفق المصادر نفسها - الاستعدادات الجارية لانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي في العاصمة السعودية الرياض، حيث أكد المحرّمي أن هذا الحوار يمثل محطة تاريخية لتوحيد الجبهة الداخلية، وصياغة رؤية سياسية جامعة تلبي تطلعات اليمنيين في الجنوب.

وأشار المحرّمي إلى أن نجاح هذا الاستحقاق، برعاية السعودية، سيسهم بشكل مباشر في تعزيز التوافق الوطني ودعم الجهود الرامية لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار الشامل.