تهديد الحوثيين المتصاعد للملاحة ينذر بعسكرة البحر الأحمر

مخاوف على السلام اليمني... وتشكيك في جدوى الرد الدولي

قرصن الحوثيون سفينة «غالاكسي ليدر» بزعم أنها ناقلة إسرائيلية (إ.ب.أ)
قرصن الحوثيون سفينة «غالاكسي ليدر» بزعم أنها ناقلة إسرائيلية (إ.ب.أ)
TT

تهديد الحوثيين المتصاعد للملاحة ينذر بعسكرة البحر الأحمر

قرصن الحوثيون سفينة «غالاكسي ليدر» بزعم أنها ناقلة إسرائيلية (إ.ب.أ)
قرصن الحوثيون سفينة «غالاكسي ليدر» بزعم أنها ناقلة إسرائيلية (إ.ب.أ)

مع دخول البحرية الفرنسية إلى جانب البحرية الأميركية والبريطانية للتصدي للهجمات الحوثية في واحد من أهم ممرات التجارة العالمية، تتصاعد المخاوف في الأوساط اليمنية من عسكرة البحر الأحمر دوليا، ومن آثار الصراع المحتمل مع الجماعة الموالية لإيران على مساعي السلام اليمني.

وأعلنت هيئة الجيوش الفرنسية، الأحد، تدمير مسيرتين حوثيتين في البحر الأحمر كانتا متجهتين نحو الفرقاطة المتعددة المهمات «لانغدوك» العاملة في البحر الأحمر، لتنضم باريس بذلك إلى القوات الأميركية والبريطانية التي تحاول الاكتفاء بالتصدي للتهديدات الحوثية دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع الجماعة.

مدمرة فرنسية (أ.ف.ب)

وفي حين وجدت الجماعة الحوثية في حرب غزة فرصة للهروب من أزمتها الداخلية والتشويش على مساعي السلام، ومحاولة تبييض جرائمها بحق اليمنيين، صعدت أخيرا من تهديداتها باستهداف السفن الدولية كافة في البحر الأحمر التي تذهب لإسرائيل، بعد أن كانت قصرت التهديد على السفن التي لها صلة بإسرائيل.

وتمكنت الجماعة التي تقول الحكومة اليمنية إنها أداة إيرانية، من قرصنة سفينة «غالاكسي ليدر» الشهر الماضي وهي ناقلة شحن دولية تديرها شركة يابانية، بمزاعم أنها سفينة إسرائيلية، واقتادتها إلى سواحل الحديدة وحولتها إلى مزار لأتباعها.

وبين المخاوف من أن يقود السلوك الحوثي إلى إجبار المجتمع الدولي على تغيير سياسته تجاه الأزمة اليمنية، يشكك سياسيون يمنيون في جدوى العقوبات الأميركية، الأخيرة، كما يستبعدون أن تخوض واشنطن مواجهة عسكرية حاسمة مع الجماعة، كما يستبعدون أن تقوم الجماعة نفسها بهجوم واسع من شأنه إحداث تهديد فعلي للقوات الأميركية أو الدولية المنتشرة في البحر الأحمر.

وكانت واشنطن أعلنت فرض عقوبات على 13 فرداً وكياناً مسؤولين عن توفير ما قيمته عشرات الملايين من الدولارات من العملات الأجنبية الناتجة عن بيع السلع الإيرانية وشحنها لصالح ميليشيات الحوثي الإرهابية بدعم من (فيلق) القدس التابع لـ«الحرس الثوري الإيراني».

التدخل يخدم الحوثيين

يعتقد الصحافي اليمني عبد الله السنامي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن دخول فرنسا على خط المواجهة العسكرية ضد الحوثيين في البحر الأحمر قد يصب في صالح الجماعة.

يتخوف اليمنيون من تحول البحر الأحمر إلى مسرح للمواجهة العسكرية (أ.ب)

ويقول إن «الأعمال العسكرية الدفاعية في البحر الأحمر ستزيد من تأجيج الموقف، لأن أي عمل عسكري في الممر الملاحي العالمي، يؤثر عليه، وهذا ما يريده الحوثيون الذين يروجون أنهم ضد الغرب (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا) الذي يعمل لدعم إسرائيل، وبالتالي وجدوا مبررا لما يقولونه في شعاراتهم، ولا أظن أن ذلك سيمنع الجماعة من استهداف السفن».

التصعيد الحوثي المتدرج والمتتالي بما في ذلك الإعلان عن استهداف أي سفينة من وإلى إسرائيل، يعتقد السنامي أنه سيقود إلى إدخال الصراع في المنطقة نحو مرحلة جديدة، ويرى أنها مرحلة كانت متوقعة وفق تاريخ الصراع الجيوسياسي على جغرافيا اليمن منذ القدم.

ويمكن القول - وفقا للسنامي - إن تعقيدات الأحداث العالمية، مثل الصراع في أوكرانيا، وملف الصين، وملف الديون الأميركية، والصراع في فلسطين، كلها تعيق أي تحرك فعّال ضد الحوثيين. ويقرأ الصحافي أن الوضع قد يبقى كما هو عليه (قصف بمسيرة وتهديد وردّ) وهذا - برأيه - لن يكون له تأثير كبير، ما دامت النقطة الأهم في البحر الأحمر (باب المندب) بعيدة نسبياً عن الحوثيين.

ولا يستبعد أن يكون هناك صراع عسكري على هذه النقطة، التي يتوقع أن الحوثيين ينظرون إليها بوصفها هدفا استراتيجيا، إذ يسعون إلى استثمار التعاطف الشعبي والقيام بعمل عسكري للسيطرة على معسكر العمري والمخا وجزيرة ميون.

تتهم الحكومة اليمنية الجماعة الحوثية بالاستعداد لجولة جديدة من الحرب (سبأ)

ومع وصول الصراع في اليمن إلى مرحلة (المهم)، المتمثلة في السيطرة على الممر الملاحي في البحر الأحمر، يعتقد السنامي، أن جهود السلام ستتأثر كثيرا بالأحداث، وقد تنشط إرهاصات السلام، «لكنها غلاف زائف لما يريده كل طرف، نظرا لتشابك وتقاطع مصالح وأهداف الأطراف المحلية المتصارعة إقليمياً ودولياً» وفق تعبيره.

استشعار دولي للخطر

يرى المحلل السياسي والصحافي اليمني رماح الجُبري أن الحضور الفرنسي في البحر الأحمر إلى جانب بريطانيا وأميركا تأكيد على الإجماع الدولي في استشعار خطر الجماعة الحوثية التي قدمت نفسها بوصفها ذراعا إيرانية لاتهامها المصالح اليمنية.

ويقول الجبري: «خلال سنوات الحرب في اليمن لا سيما مع تولي الملف اليمني من قبل المبعوث مارتن غريفيث وبعدها إدارة الرئيس بايدن حصلت الجماعة الحوثية على حوافز كثيرة جعلتها تطمع بالحكم في اليمن بدءا من التعامل معها بوصفها طرفا سياسيا وسلطة، كما يسمونها، (أمر واقع) وكذا إلغاء تصنيفها بوصفها منظمة إرهابية».

ويرى أن الجماعة «حظيت بتدليل دولي مع استمرارها في ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وعبثها بالجهود الدولية لتحقيق السلام دون لغة رادعة تضعها في مكانها الحقيقي وتحد من طموحات مموليها في إيران».

وفي ظل التصعيد الأخير من قبل الحوثيين، يعلق الجبري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «يبدو أن المجتمع الدولي سيدفع ثمن سياسته الخاطئة في التعامل مع الجماعة الحوثية، وسيدفع اليمنيون أيضاً ثمنا إضافيا كون الشواطئ والمياه الإقليمية اليمنية ستتحول ربما إلى ساحة للصراع الدولي».

استغل الحوثيون حرب غزة لتبييض جرائمهم في الداخل اليمني (إعلام حوثي)

أما إذا بات التهديد الحوثي حقيقيا لدرجة تهديد مصالح الدول الكبرى، فيعتقد الجبري أن المجتمع الدولي سيكون مجبرا للدخول في عملية عسكرية في اليمن على الأقل لتحرير مدينة الحديدة والساحل الغربي وصولاً إلى ميناء ميدي بمحافظة حجة لضمان الحماية للملاحة البحرية والتجارة الدولية.

هذا السيناريو، وفق تقديره، قد لا يتوافق مع عدم الرغبة الإقليمية حالياً في العودة لمسار الحرب، حيث من الممكن أن تصل الأطراف اليمنية حاليا إلى اتفاق وهدنة مزمنة وهو ما سيستفيد منه الحوثيون بدرجة رئيسية.

ويعتقد الجُبري أن استفادة الحوثيين ستكمن في التغطي بغطاء الشرعية في حال أصبحت جزءا منها في اتفاق شامل، والهروب من ردة الفعل الدولية تجاه عملياتهم الإرهابية التي شملت عمليات القرصنة والقصف في البحر الأحمر.

تدابير رادعة

يشدد وكيل وزارة الإعلام اليمنية فياض النعمان على تدابير رادعة إزاء ما يسميه إرهاب الجماعة الحوثية، بحق اليمن والمنطقة والعالم وعدم السماح لتحويل الجغرافيا اليمنية لوكر إرهابي آخر للجماعات مثل «داعش» و«القاعدة».

ويدعو النعمان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى «مغادرة التصريحات الإعلامية والتحركات الدبلوماسية والبدء في اتخاذ منظومة الإجراءات الرادعة للدول الفاعلة في المنطقة».

ويضيف «يجب ألا تقتصر التحركات على العقوبات بحق الشخصيات الحوثية والجهات الداعمة لها، بل يجب إيقافها وفق القانون الدولي وعدم السماح لتهديد الأمن القومي والملاحي في البحر الأحمر».

انتهزت الجماعة الحوثية الهدنة لتعزيز قدراتها العسكرية وجباية الأموال (رويترز)

كما يدعو النعمان إلى تدخل من قبل الدول المعنية لمواجهة التهديد الحوثي، وأن تعزز التعاون الدولي والإقليمي لحماية الممرات البحرية الحيوية من الأعمال الإرهابية.

ويرى وكيل وزارة الإعلام فياض النعمان أن الأزمة اليمنية أصبحت ورقة مهمة في ملف المنطقة، وأن الممارسات الحوثية المدعومة من إيران سواء في الداخل اليمني أو العابر للجغرافيا اليمنية له تأثير كبير على الجهود المبذولة من أجل إنعاش عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة.

وفيما كان الحوثيون منذ البداية شرارة إشعال الحرب في اليمن، يجزم النعمان أنهم لا يمكن أن يكونوا طرفا في تحقيق سلام شامل.


مقالات ذات صلة

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

العالم العربي المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

يستمر تدهور القطاع الصحي في اليمن وعجزه عن مواجهة تفشي الأوبئة والأمراض القاتلة، في ظل تداخل صعوبات تفرضها عوامل الحرب والفقر والنزوح والمناخ وضعف التمويل.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

ازدادت التحذيرات اليمنية من تصاعد دور المراكز الصيفية الحوثية في التعبئة الفكرية للأطفال، وسط استمرار قطع مرتبات المعلمين؛ مما يهدد التعليم والهوية الوطنية...

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

كشف تقرير دولي عن تغذية الحوثيين للنزاعات القبلية في إب بنسبة 40 في المائة من الأحداث، لإحكام السيطرة ومنع أي حراك مجتمعي، وسط تصاعد الانتهاكات والرفض الشعبي.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

العليمي يحذّر من إعادة تموضع الحوثيين بدعم إيراني، ويدعو لردع دولي حازم، وسط تأكيدات عسكرية يمنية بالجاهزية، وتضامن مدني واسع مع السعودية ضد التهديدات الإقليمية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

تثير إجراءاتٌ حوثية تربط تسليم نتائج الطلاب بالمشاركة في معسكرات صيفية قلقَ اليمنيين، وسط تحذيرات من انتهاك حق التعلم، وتعريض مستقبل الأطفال لمخاطر متصاعدة.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».