«القرصنة الحوثية» تثير استياءً يمنياً وتعزّز المخاوف في البحر الأحمر

اتهامات لإيران بالمسؤولية... ودعوات لتحييد خطر الجماعة

السفينة التجارية «غلاكسي ليدر» التي قرصنها الحوثيون في البحر الأحمر (أ.ب)
السفينة التجارية «غلاكسي ليدر» التي قرصنها الحوثيون في البحر الأحمر (أ.ب)
TT

«القرصنة الحوثية» تثير استياءً يمنياً وتعزّز المخاوف في البحر الأحمر

السفينة التجارية «غلاكسي ليدر» التي قرصنها الحوثيون في البحر الأحمر (أ.ب)
السفينة التجارية «غلاكسي ليدر» التي قرصنها الحوثيون في البحر الأحمر (أ.ب)

أثارت حادثة قرصنة الجماعة الحوثية لإحدى السفن التجارية الدولية في البحر الأحمر استياءً واسعاً في الأوساط اليمنية؛ لجهة ما يمكن أن يجلبه هذا السلوك من مخاطر على اليمن والجوار الإقليمي، بما في ذلك استغلال هذه التطورات من قِبل الجماعة للتهرب من استحقاقات مساعي السلام.

وإلى جانب انعكاسات الحادثة المتوقعة على الصعيد الاقتصادي، وربما الأمني في البحر الأحمر؛ يعزز المراقبون اليمنيون الاتهامات لإيران بالوقوف خلف سلوك الحوثيين الذي تزعم الجماعة أنه يأتي نصرةً للفلسطينيين في غزة، وهو الشعار الذي يتهكم منه الشارع اليمني لجهة الخراب الذي تسببت فيه الجماعة منذ انقلابها بما في ذلك مقتل نحو 300 ألف يمني.

مسلّحان حوثيان يتطلعان إلى السفينة المقرصنة بعد رسوها في ميناء الصليف (إكس)

وكانت الجماعة الحوثية تبنّت الأحد قيامها بقرصنة سفينة «غلاكسي ليدر» المتجهة من تركيا إلى شرق آسيا، وهي تقلّ شحنة سيارات، واقتادتها إلى ميناء الصليف الخاضع لسيطرتها على البحر الأحمر، وهدّدت بعمليات مماثلة قالت: إنها ستستهدف السفن الإسرائيلية أو أي سفينة على صلة بتل أبيب.

وزعمت الجماعة أنها ستعامل طاقم السفينة وفقاً لتعاليم الإسلام، في حين نفت إسرائيل ملكيتها للسفينة، وقالت: إن ملكيتها بريطانية وإدارتها يابانية، كما نفت وجود أي فرد من مواطنيها على متنها، مع تحذيرها من خطورة الخطوة الحوثية على سلامة الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بالتحذيرات من تهور الحوثيين، مع بيان المخاطر في حال تحول البحر الأحمر ساحةً للصراع المسلح، بما في ذلك الأثر الإنساني المتوقع على تدفق السلع والشحن وارتفاع التأمين، وانعكاس كل ذلك على معيشة اليمنيين المتدهورة في الأساس جراء الصراع الداخلي الذي فجّره الحوثيون.

«شوشرة» متوقعة

تعليقاً على الحادثة، يرى الباحث والمحلل السياسي اليمني عبد الستار الشميري، أنها كانت خطوة طبيعية ومتوقعة؛ لأن إيران لا تريد أن تورّط نفسها مباشرة في الدخول في عمليات حقيقية لدعم غزة.

وانطلاقاً من ذلك، يضيف الشميري في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن إيران تحرّك بعض مصداتها في العراق واليمن وغيرها لإحداث «شوشرة» لإسقاط الحجة بأنها تشارك في دعم غزة.

ويشير الشميري إلى ما يصفه بـ«الشوشرة» التي يقوم بها «حزب الله» اللبناني والحوثيون من إطلاق مسيّرات أو صواريخ معظمها وقعت في الأراضي المصرية، ويعتقد أنها ستُكرر، لكنه يجزم أنها «لا تقدم ولا تؤخر في القضية الفلسطينية، بل ستسهم ربما في الإضرار بها» ويؤكد أنها مجرد «رادار للسياسة الإيرانية التي تريد أن تقول إنها موجودة من خلال أذرعها».

كانت السفينة تقلّ شحنة سيارات قبل أن يقتادها الحوثيون إلى ميناء الصليف على البحر الأحمر (أ.ب)

ولا يستبعد أن تكون لهذا السلوك الحوثي نتائج سلبية على الصعيدين المحلي والإقليمي، ويقلل من أهمية عملية اختطاف السفينة، ويقول: «ماذا سيؤثر أن تقرصن سفينة أو سفينتين؛ فقد سبق للقراصنة الصوماليين أن اختطفوا عشرات السفن الغربية والأوروبية».

ويتهم إيران بأنها أرادت أن تدفع بالحوثيين للتنفيس عن الغضب المتصاعد ضد طهران، حيث إنها ورّطت «حماس» في هذه المعركة وأنها تخلت عنها، ويتوقع أن تدفع بالجماعة الحوثية للقيام بعمليات أخرى، سواء خطف سفن أو إطلاق صواريخ أومسيّرات أو تفجير ألغام بحرية، من باب حفظ ماء وجه إيران لا أقل ولا أكثر.

ويتوقع الشميري أن يكون للسلوك الحوثي انعكاسات على أمن البحر الأحمر والمصالح العربية واليمنية، أكثر منه على إسرائيل، التي لا يستبعد أن تستغل مثل هذه الحوادث لتستفيد منها من حيث تعزيز الخطاب القائل بأنها تواجه خطراً وجودياً.

تذكير بخطر الحوثيين

حادثة قرصنة السفينة التجارية من المياه الدولية في البحر الأحمر، يعتقد الباحث والأكاديمي اليمني فارس البيل، أنها جاءت لتذكر بخطر الجماعة الحوثية وتهديدها الملاحة منذ استيلائها على الحديدة، حيث تعاطى المجتمع الدولي مع هذه الحالة بشكل غير مسؤول، بل حالت أطراف دولية - وفق قوله - دون تحرير الحديدة والساحل كله عندما كانت القوات الشرعية قاب قوسين من تحريرها.

أما البعد الآخر، فهو بعد درامي؛ كما يقول البيل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، حيث تريد إيران بعد أن انكشفت في أحداث غزة، وبانت عورة شعاراتها ضد إسرائيل ومع القضية الفلسطينية، القيام «بمناوشات عديمة الجدوى» عبر أذرعها، حيث إنها تتخذ من قضية فلسطين مطية للضحك على الشعوب العربية والمسلمة لتمرير مشروعها التوسعي.

ويضيف البيل: «كلما كانت أذرع إيران أبعد عن مسرح الحدث رفعت وتيرة الدراما أكثر، حيث يقوم الحوثي بهذا الدور بينما من يحيطون بإسرائيل من أذرع إيراني يبقى مستوى مناوشاتهم أقل».

استغل الحوثيون أحداث غزة لتلميع صورتهم محلياً وجمع التبرعات وحشد المجندين (إ.ب.أ)

هذه الحادثة يرى الأكاديمي اليمني، أنها يفترض أن تلفت المجتمع الدولي من جديد لخطر الحوثي على الأمن الدولي، أما ردات الفعل من قِبل إسرائيل أو أميركا فلن تكون عنيفة؛ لأنهما تدركان طبيعة هذا الفعل الإيراني وغاياته.

ويختتم حديثه بالقول: «ربما تحاول ميليشيا الحوثي بتوجيه من إيران أن تزيد من بعض الدراما العسكرية لتكسب الرأي العام، لكنها مكشوفة داخلياً وخارجياً، ولن يغسل جرائمها أي فعل تقوم به، فكيف وهو عديم الفائدة لفلسطين».

تهاون أميركي

في سياق حادثة قرصنة الحوثيين للسفينة الدولية، يرى الصحافي والمحلل السياسي اليمني محمود الطاهر، أنه أمر ليس بجديد سوى أنهم هذه المرة يتحدثون بذريعة حرب إسرائيل على غزة. ويقول الطاهر لـ«الشرق الأوسط»: «سبق وأن قرصن الحوثيون سفينة إماراتية، وسفناً أخرى، وستطال قرصنتهم سفناً لدول أخرى بسبب تهاون الولايات المتحدة الأميركية مع الحوثي، حيث ترى أنه يمكن أن يكون شريكاً في حكم اليمن رغم استحالة ذلك».

عملية القرصنة - يؤكد الطاهر - أنها تعبر عن حقيقة الجماعة الإرهابية، وأنها لا يمكن أن تلتزم بقوانين دولية أو محلية، ولا يمكن أن تندمج ضمن محيطها العربي، وأنها ستمضي قدماً لتنفيذ خطط إيرانية لإقلاق السلم والأمن الدوليين.

قرصن الحوثيون السفينة الإماراتية «روابي» وأقاموا حفل زواج جماعي لمقاتليهم على متنها (إعلام حوثي)

ولا يتوقع الطاهر أن يكون هناك أي تداعيات دولية إزاء الحادثة، لسبب بسيط وهو - وفق قوله - «أن الولايات المتحدة لا تريد ذلك بحجة أنها تسعى لإحلال السلام، وإحلال نظام بايدن للسلام في اليمن بحسب زعمه يتطلب مهادنة الحوثيين وعدم إزعاجهم أو معاداتهم؛ لذا ما يقوم به الحوثيون هو بتشجيع من نظام بايدن».

وفي حين يتوقع الطاهر أن تستمر جماعة الحوثي وبتوجيهات إيرانية في ارتكاب العمليات الإرهابية في البحر الأحمر وساحل الحديدة، يؤكد أن هذا يتطلب تحركاً من القيادة اليمنية لتحرير الشريط الساحلي بشكل كامل، ويحذّر من أنها إن لم تفعل ذلك «ستجد الحوثيين في باب المندب»، وفق تعبيره.


مقالات ذات صلة

وزير الإعلام اليمني لـ«الشرق الأوسط»: منعنا فرض «مطار صنعاء» منصّةً إيرانية

خاص الجيش اليمني قصف مدرّج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط (رويترز) p-circle 01:26

وزير الإعلام اليمني لـ«الشرق الأوسط»: منعنا فرض «مطار صنعاء» منصّةً إيرانية

أكد وزير الإعلام اليمني أن الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي انتهاكات، وستتخذ جميع الإجراءات السياسية والدبلوماسية والقانونية والعسكرية لمنع المساس بالسيادة.

غازي الحارثي (الرياض)
العالم العربي مزارعتان يمنيتان تعالجان سيقان المحاصيل لتحويلها سماداً عضوياً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة تغيّر مقاربتها للأمن الغذائي في اليمن

دعت الأمم المتحدة إلى تغيير مقاربة الأمن الغذائي في اليمن، بالاستثمار في الزراعة وسلاسل القيمة واقتصاد الريف، بدلاً من الاقتصار على الاستجابة الإنسانية الطارئة

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي فريق «كورال تعز» يقدم الأغنية اليمنية بوصفها رسالة أمل (إعلام محلي)

حصار الحوثيين لم يوقف نبض الثقافة في تعز

تواصل تعز مواجهة آثار الحرب والحصار الحوثي، عبر مبادرات ثقافية وفنية شملت تأسيس فريق كورال، وتوثيق الحكايات الشعبية، وإحياء الحرف والملابس التراثية لصون الهوية.

محمد ناصر (عدن)
الخليج العاصمة السعودية الرياض (واس)

إدانات عربية وإسلامية ودولية للإرهاب الحوثي ضد السعودية

حشدت الهجمات الصاروخية التي شنّتها ميليشيا الحوثي على جنوب السعودية، سلسلة مواقف عربية وإسلامية ودولية أكدت رفضها للاعتداء، وعدّته انتهاكاً للقانون الدولي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم «تحالف دعم الشرعية في اليمن» (الشرق الأوسط)

«التحالف»: التعامل مع تهديد باليستي حوثي

أعلن «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، الاثنين، تعامل الدفاعات الجوية مع تهديد باليستي من ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

وزير الإعلام اليمني لـ«الشرق الأوسط»: منعنا فرض «مطار صنعاء» منصّةً إيرانية

TT

وزير الإعلام اليمني لـ«الشرق الأوسط»: منعنا فرض «مطار صنعاء» منصّةً إيرانية

الجيش اليمني قصف مدرّج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط (رويترز)
الجيش اليمني قصف مدرّج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط (رويترز)

أكد وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني أن الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي انتهاكات جديدة، وستتخذ جميع الإجراءات السياسية والدبلوماسية والقانونية والعسكرية التي يكفلها الدستور والقانون الدولي، لمنع أي محاولة للمساس بسيادة اليمن أو فرض وقائع بالقوة.

وفي حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أعقب تطورات شهدت إعلان وزارة الدفاع اليمنية، الاثنين، استهداف مدرَّج مطار صنعاء الدولي، لمنع هبوط طائرة إيرانية حاولت الوصول إلى العاصمة خارج الإجراءات القانونية والسيادية، عدَّ الإرياني موقف الدولة اليمنية واضحاً منذ بداية الأزمة، حيث استنفدت الحكومة جميع المسارات السياسية والدبلوماسية والقانونية، وقدمت مبادرات عملية هدفت إلى استمرار الرحلات المدنية عبر الخطوط الجوية اليمنية، بما يحفظ مصالح المواطنين ويحترم سيادة الجمهورية اليمنية.

الإرياني قال إن «ميليشيا (الحوثي) الإرهابية، وبدعم مباشر من النظام الإيراني، رفضت تلك المبادرات وأصرَّت على فرض أمر واقع خارج مؤسسات الدولة، وقد أكد فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ومجلس الدفاع الأعلى، ومجلس الوزراء، ووزارة الدفاع، أن حماية سيادة الجمهورية اليمنية وأجوائها ومنافذها تمثل واجباً دستورياً لا يقبل التهاون».

ووجّه الوزير اليمني رسالة لطمأنة الشعب اليمني، قائلاً إن القوات المسلّحة والأجهزة الأمنية تقف، اليوم، في أعلى درجات الجاهزية والاستعداد، تنفيذاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ومجلس الدفاع الوطني، وقرارات مجلس الوزراء، وما أعلنته وزارة الدفاع، وكشف أنها قادرة على أداء واجبها الدستوري في حماية سيادة الجمهورية اليمنية والدفاع عن أجوائها ومنافذها البرية والبحرية والجوية.

غرفة إدارة الأزمة

بسؤاله عن خيارات بلاده، حال اختيار «الحوثي» التصعيد، سلّط الإرياني الضوء على غرفة لإدارة الأزمة، وكشف أن مؤسسات الدولة تعمل بتنسيق كامل ضِمنها، وتُتابع التطورات على مدار الساعة، وتتخذ ما يلزم من إجراءات، وفقاً للتقديرات العسكرية والأمنية والسياسية، بما يضمن حماية المواطنين وصون المصالح الوطنية، ويؤكد أن الدولة تمتلك زمام المبادرة والقدرة على التعامل مع أي تطورات بمسؤولية وحزم.

وألقى الإرياني أيضاً بالمسؤولية الكاملة عن أي تصعيد أو ما قد يترتب عليه من تداعيات «على عاتق مليشيا (الحوثي) والنظام الإيراني، اللذين اختارا رفض جميع المبادرات السلمية والاستمرار في انتهاك القانون الدولي وتقويض فرص السلام».

رفض حوثي لمبادرات الدولة اليمنية

أما عن هبوط الطائرة في مطار الحديدة، فسألت «الشرق الأوسط» عن موقف الحكومة من تلك الخطوة، ليشدّد وزير الإعلام اليمني على أن نجاح الدولة في هذه الأزمة لا يُقاس بمكان هبوط الطائرة، وإنما بمنع تحقيق الهدف الذي سعت إليه إيران ومليشيا «الحوثي»، والمتمثل في فرض مطار صنعاء كمنصة دائمة للرحلات الإيرانية خارج سلطة الدولة. واستدرك أن حكومة بلاده تعاملت مع الأزمة منذ بدايتها بمسؤولية وحزم، واستنفدت جميع المسارات السياسية والدبلوماسية والقانونية، وقدمت مبادرات عملية لتجنيب اليمن والمنطقة مزيداً من التصعيد، بما في ذلك تشغيل الرحلات المدنية عبر شركة الخطوط الجوية اليمنية، واستعدادها لتسهيل نقل الوفد الحوثي عبر الناقل الوطني، إلا أن «المليشيا»، بدعم مباشر من «النظام الإيراني»، رفضت جميع تلك المبادرات.

الجيش اليمني قصف مدرّج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط (رويترز)

الإرياني كان أكثر تفصيلاً في هذه النقطة، بقوله: «عندما أصرت الميليشيا على فرض الأمر الواقع، نفذت الدولة ما أعلنته مسبقاً، ومنعت هبوط الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء، مؤكدة أن تحذيراتها لم تكن للاستهلاك الإعلامي، وإنما تعبيراً عن موقف سيادي يستند إلى مسؤوليات الدولة في حماية أجوائها ومنافذها».

وتابع: «منع هبوط الطائرة في مطار صنعاء شكّل نقطة التحول الأهم في الأزمة؛ لأنه أفشل محاولة تكريس المطار كمنصة لرحلات إيرانية منتظمة وأكد أن الحكومة اليمنية لن تسمح بانتقاص سيادتها أو منح ميليشيا (الحوثي) صلاحيات سيادية لا تملكها».

السماح بالهبوط في مطار الحديدة

أشار الإيراني إلى أن «قرار السماح للطائرة بالهبوط في مطار الحديدة اتُّخذ من موقع القوة، بعد أن أثبتت الدولة جاهزيتها وقدرتها على فرض إرادتها، وهو لا يغير، بأي حال من الأحوال، الموقف القانوني والسيادي للجمهورية اليمنية الرافض لتسيير أي رحلات إيرانية خارج الأُطر الرسمية»، وعدَّ أن هذه الأزمة «أرست معادلة جديدة مفادها أن أي تحرك جوي إيراني نحو الأراضي اليمنية مستقبَلاً لن يُنظر إليه باعتباره رحلة مدنية، وإنما بوصفه محاولة لانتهاك سيادة الجمهورية اليمنية وفرض أمر واقع جديد»، مؤكّداً، في الإطار نفسه، أن الدولة (اليمنية) ستتعامل مع أي محاولة مماثلة وفقاً لما يكفله الدستور والقانون الدولي، بما يحمي سيادة اليمن وأمنه، ويمنع استخدام أراضيه ومطاراته لخدمة المشروع الإيراني.

صورة متداولة للطائرة الإيرانية بعد وصولها إلى مطار الحديدة (إكس)

كان الإرياني قد أعلن، الاثنين، احتجاز الحوثيين طائرة اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي في مطار صنعاء، ومنعوا مغادرتها، كما احتجزوا الطيار ومساعده كرهينتين. وخلال حديثه، وصف ذلك بأنه «ليس سلوكاً طارئاً، بل يأتي ضِمن نمط مُمنهج دأبت عليه الميليشيا في انتهاك القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني».

وأردف: «الميليشيا سبق أن اختطفت عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في الوكالات الدولية والمنظمات الإنسانية من مقارّ أعمالهم ومنازلهم، واحتجزتهم بصورة تعسفية، كما استهدفت المؤسسات الإنسانية وصادرت ممتلكاتها، واستخدمت العاملين في المجال الإنساني ورقة ابتزاز سياسي، في انتهاك صارخ لكل الأعراف والمواثيق الدولية».

استيلاء الحوثيين على طائرات للناقل الوطني

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كشف الإرياني أن سِجل الحوثيين يشمل «الاستيلاء على أربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية، وتعطيل عمل الناقل الوطني، بما ألحق أضراراً جسيمة بالمواطنين وبقطاع الطيران المدني».

وأعرب عن استغرابه من استمرار بعض المنظمات الدولية في تسيير رحلات إلى مطار صنعاء، في ظل غياب الضمانات الأمنية والقانونية، وفي ظل استمرار الميليشيا باحتجاز الطائرات واحتجاز الأفراد وتهديد سلامة الطيران المدني.

طائرة أممية في مطار صنعاء تنقل شحنة إنسانية (الأمم المتحدة)

وزير الإعلام اليمني عدَّ ذلك يستوجب مراجعة جادة من قِبل «الأمم المتحدة» والمنظمات الدولية لطبيعة تعاملها مع هذه الانتهاكات، واتخاذ موقف أكثر حزماً يضمن حماية موظفيها ووسائلها الجوية، وعدم السماح للميليشيا باستخدام العمل الإنساني غطاءً لفرض الأمر الواقع أو ابتزاز المجتمع الدولي.

Your Premium trial has ended


كيف تنعكس التفاهمات المصرية - التركية المتسارعة على ملفات الصراع في المنطقة؟

السيسي وإردوغان وقَّعا اتفاقية للتعاون العسكري في القاهرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)
السيسي وإردوغان وقَّعا اتفاقية للتعاون العسكري في القاهرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)
TT

كيف تنعكس التفاهمات المصرية - التركية المتسارعة على ملفات الصراع في المنطقة؟

السيسي وإردوغان وقَّعا اتفاقية للتعاون العسكري في القاهرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)
السيسي وإردوغان وقَّعا اتفاقية للتعاون العسكري في القاهرة 4 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)

تعدَّدت الزيارات المتبادلة بين مصر وتركيا على مستويات رسمية مختلفة خلال الفترة الأخيرة، وصولاً لزيارة هي الأولى من نوعها لوزير دفاع مصري إلى أنقرة منذ 13 عاماً بدأت الأحد، وتحظى باهتمام واسع مع التوقيع على خطاب «نوايا حسنة» للتعاون الدفاعي بين البلدين؛ ما يطرح تساؤلات حول مدى انعكاس تلك التفاهمات المتسارعة على ملفات الصراع المفتوحة بمنطقة الشرق الأوسط.

وتباينت رؤى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، بشأن وجود تأثير إيجابي ملموس على بعض الصراعات، في مقابل وجهة نظر مخالفة ترى بأن التقارب بين البلدين لم ينعكس بعد بالشكل المطلوب على الاضطرابات المستمرة في المنطقة، بخاصة مع عدم التوصل إلى اتفاق سياسي يقود للاستقرار في ليبيا، وغياب التوافق الكامل بشأن التعامل مع ملفات بارزة في مقدمتها الأزمة في سوريا.

تعاون دفاعي

ووقَّعت تركيا ومصر، الاثنين، خطاب نوايا للتعاون الثنائي في المجال الدفاعي، في ختام مباحثات في أنقرة، بين وزير الدفاع التركي يشار غولر ونظيره المصري أشرف سالم زاهر.

الزيارة تأتي بعد أيام قليلة فقط من اختتام التدريب الجوي المشترك «نسر الأناضول 2026»، الذي شاركت فيه القوات الجوية المصرية والتركية إلى جانب أذربيجان، وبمشاركة طائرة إنذار مبكر تابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، كما سبقت الزيارة خطوات متقدمة شهدها التعاون العسكري خلال الأسابيع الماضية، أبرزها انعقاد اللجنة العسكرية المصرية - التركية المشتركة للمرة الخامسة.

وعقد البلدان أول اجتماع للمجلس الاستراتيجي للعلاقات خلال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى أنقرة في سبتمبر (أيلول) عام 2024، وهو مجلس أُعيد إحياؤه خلال زيارة إردوغان للقاهرة في 14 فبراير (شباط) من العام نفسه.

غير أن الاجتماع الثاني الذي انعقد في القاهرة خلال زيارة إردوغان في فبراير الماضي كان أكثر شمولاً ونتج منه بيان مشترك مطول تضمن التأكيد على تقارب المواقف السياسية بشأن الكثير من أزمات المنطقة، في مقدمتها القضية الفلسطينية والأزمات في سوريا، ولبنان، والساحل الأفريقي، والصومال والسودان ومواجهة التنظيمات الإرهابية.

جانب من لقاء وزير الدفاع التركي ونظيره المصري في أنقرة (وزارة الدفاع التركية)

الخبير في الشؤون التركية «بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور بشير عبد الفتاح، قال إن التقارب المتسارع بين مصر وتركيا على الأقل منع الصدام في ليبيا؛ إذ كانت هناك مصالح متعارضة بين الدولتين، وإن التفاهم السياسي بين البلدين انعكس على تهدئة الصراع والذهاب نحو الحلول السياسية التي تضمن وحدة الأراضي الليبية.

وأضاف عبد الفتاح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تضييق مساحات الخلاف في ليبيا يُعدّ إنجازاً مهماً، وبخاصة وأن هناك تنسيقاً متنامياً مع دول الجوار الليبي وأطراف الصراع هناك للتوصل إلى تفاهمات سياسية».

وهو ما يتفق معه الخبير في الشأن التركي، محمود علوش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، حيث شدد على أن المواقف المصرية - التركية كانت من المحفزات الإيجابية لتهدئة الصراع في ليبيا، بل إنها شكَّلت نقطة تحول في هذا الصراع، مضيفاً أن هناك «جهداً تركياً - مصرياً - سعودياً لدفع مسارات الحل إلى الأمام».

نتائج عملية غير واضحة

لكن عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، يشير إلى أنه كان من المأمول أن يقود التوصل لتفاهمات بين مصر وتركيا بشأن ليبيا إلى تسوية الأزمة، لكنها ما زالت مستعصية على الحل، وقد ذلك يرجع لأسباب تتعلق بأطراف الصراع هناك، لكن الواقع يشير إلى أن الأزمة ما زالت قائمة.

ويرى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ما يحدث في ليبيا ينعكس على باقي ملفات الصراع بما يؤشر على أن التعاون المصري - التركي ترك تأثيرات إيجابية من حيث التفاهم السياسي الثنائي والإقليمي في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، لكن ما زال لم يحقق نتائج عملية في قضايا مهمة.

وفي 11 يوليو (تموز) الحالي، توافقت مصر وتركيا على «استمرار التشاور بينهما بشأن الشواغل الأمنية»، وضرورة «تجنيب المنطقة مخاطر التصعيد العسكري»، وذلك خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره التركي هاكان فيدان.

توافق على وحدة سوريا

وعلى مستوى الأزمة في سوريا، أشار عبد الفتاح إلى «أن هناك تفاهماً مصرياً - تركياً للحفاظ على وحدة سوريا، لكن ما زالت هناك خلافات بشأن التمركز العسكري التركي هناك، لكن التفاهمات سياسية وعسكرية متزايدة تخلق مساحة من الثقة تسمح بمناقشة تلك القضايا الخلافية»، مضيفاً: «إن التدخلات الإسرائيلية في سوريا تحتاج إلى تنسيق بين البلدين، هذا بالإضافة إلى ملف إعادة الإعمار وتقاسم الأعباء بين البلدين؛ ما قد ينعكس إيجاباً على مستقبل الدولة السورية».

بينما يرى السفير رخا أحمد حسن، أن التقارب بين البلدين لم ينعكس بعد إيجاباً على الأزمة في سوريا مع وجود تفاوت في الرؤى بين البلدين نتيجة مواقف أنقرة من التنظيمات الإسلامية.

وزير الدفاع المصري في تركيا على رأس وفد عسكري رفيع المستوى (وزارة الدفاع التركية)

ويضيف حسن أن الوضع يختلف في الصومال؛ إذ إن القاهرة لديها تأثير قوي بفعل العلاقات التاريخية وقوة الدعم اللوجيستي الذي تقدمه مصر لحكومة مقديشو، بعكس تركيا وهي تُعدّ ضيفاً جديداً على المنطقة، مشيراً إلى أن توافق البلدين على وحدة الأراضي الصومالية لديه انعكاسات إيجابية، لكنها تتسم بالبطء، حيث إن هناك قدراً من الاستقرار النسبي في الصومال، إلا أن المهددات كبيرة.

الملف الصومالي

بينما يلفت محمود علوش إلى أن الملف الصومالي يُعدّ أحد الملفات التي تتوافق فيها مصر وتركيا للحد من التوغلات الإسرائيلية، ويشير في الوقت ذاته إلى أن علاقات البلدين تنافسية، لكن مع تقدم العلاقات هناك إدارة لهذا الملف وفقاً لقاعدة «التعاون التنافسي». ومن وجهة نظره، فإن ذلك يُعدّ «ميزة يمكن أن تجلب الكثير من الفوائد للبلدين، وقد تنعكس إيجاباً على استقرار الصومال».

وهنا يوضح الخبير في الشأن التركي بشير عبد الفتاح أن التفاهمات بين البلدين تقوم على هيكل أمني واستراتيجي قوي يمكن البناء عليه بمقاربات دولية تقود إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، وبالتالي ستكون هناك فرصة لتبريد الصراعات، مشدداً على ضرورة أن يكون هناك تعاون أوسع مع دول بارزة في المنطقة، في مقدمتها السعودية وباكستان لفرملة التدخلات الخارجية السلبية في شؤون دول الإقليم بما يضع أسساً لقواعد إقليمية تخدم مصالح دول المنطقة.

وفي 21 يونيو (حزيران) الماضي دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى إطار مؤسسي للآلية التشاورية مع السعودية وتركيا وباكستان، التي انطلقت بعد 3 أسابيع من اندلاع حرب إيران نهاية فبراير الماضي.


النفوذ الإيراني يخيّم على لقاء ترمب بالزيدي

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)
TT

النفوذ الإيراني يخيّم على لقاء ترمب بالزيدي

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)

في أول زيارة خارجية منذ توليه رئاسة الحكومة، يأتي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن حاملاً أجندة تبدو اقتصادية في ظاهرها، لكنها تخفي واحدة من أكثر جولات التفاوض حساسية بين بغداد وواشنطن.

اللقاء المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، لا يأتي في ظل تصاعد المواجهة الأميركية - الإيرانية والمخاوف من تداعيات أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز فحسب، بل أيضاً مع سعي إدارة ترمب إلى إعادة رسم دور العراق في الشرق الأوسط، عبر تقليص النفوذ الإيراني، وتحويل بغداد من ساحة صراع إلى شريك اقتصادي وأمني رئيسي للولايات المتحدة.

وتعكس التصريحات التي أدلى بها الزيدي قبل الزيارة محاولة واضحة لإعادة تعريف طبيعة العلاقة مع واشنطن. فبدلاً من العلاقة التي طغت عليها ملفات الإرهاب والوجود العسكري الأميركي، يسعى رئيس الوزراء العراقي إلى نقلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الاستثمار والتنمية والتكنولوجيا.

وكتب الزيدي في مقال نشرته «واشنطن بوست» أن هدفه هو «الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص»، مؤكداً أن العراق يريد أن يصبح شريكاً اقتصادياً، لا مجرد ملف أمني في السياسة الأميركية.

واستهل الزيدي لقاءاته بعقد اجتماع مغلق مع توم برّاك، المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق وسوريا، مساء الاثنين، بمقر إقامة الوفد العراقي. وبدا اللقاء أقرب إلى جلسة تمهيدية لرسم جدول أعمال المباحثات مع إدارة ترمب، ومناقشة ملف حصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء وجود الفصائل المسلحة خارج سيطرة الحكومة، والحد من النفوذ الإيراني، وأيضاً مستقبل الوجود العسكري الأميركي بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 سبتمبر (أيلول).

وفي وقت لاحق، من المقرر أن يقيم وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث استقبالاً شرفياً لرئيس الوزراء العراقي قبل لقاء كبار المسؤولين في «البنتاغون»، على أن يلتقي الزيدي بعدها أعضاء الكونغرس بمجلسيه.

وسيلتقي الزيدي، الأربعاء، رئيس البنك الدولي ورئيس مؤسسة التمويل الدولية، ثم الجالية العراقية من ولايات ميشيغان، وتكساس وكاليفورنيا، وممثلي القطاع الخاص والطلبة المبتعثين. ثم ينتقل إلى هيوستن بولاية تكساس الخميس، حيث يزور شركات «هاليبرتون» و«شيفرون» و«إكسون موبيل»، كما يلتقي رئيس الغرفة التجارية الأميركية.

ويعقد اجتماع مائدة مستديرة مع ممثلي شركات الطاقة العاملة في العراق، والشركات التي لديها رغبة في العمل بالعراق.

ويعود الزيدي إلى واشنطن، الجمعة، للمشاركة في قمة الأعمال رفيعة المستوى التي تنظمها غرفة التجارة الأميركية، حيث يناقش المشاركون «آفاق الشراكة الاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة»، إلى جانب ملفات التقنيات المالية والمصرفية والرقمية، وفرص توسيع التعاون بين البلدين.

أولويات بغداد

يريد الزيدي أن يقدم حكومته بصفتها حكومة إصلاح اقتصادي؛ وهو ما انعكس على تشكيلة الوفد العراقي الذي يضم 27 وزيراً ومسؤولاً رفيع المستوى، بينهم وزراء النفط والكهرباء والتجارة والخارجية، ومحافظ البنك المركزي، ومستشار الأمن القومي، إضافة إلى رجال أعمال.

وقال المتحدث باسم الحكومة العراقية، حيدر العبودي، للصحافيين، إن ملف النفط يحتل جانباً مهماً من النقاشات، للبحث عن منافذ جديدة لتصدير النفط العراقي، لتفادي أضرار أي إغلاق لمضيق هرمز.

ويمر عبر المضيق ما يقرب من 90 في المائة من صادرات العراق النفطية، التي تبلغ 3.4 مليون برميل يومياً.

وكان رئيس الوزراء قد صرح بأن العراق يسعى إلى زيادة إنتاجه النفطي إلى 7 ملايين برميل يومياً خلال السنوات الثلاث المقبلة.

وأشار مسؤولون عراقيون إلى أن الرسالة الأساسية التي يحملها الوفد تتمثل في إقناع المستثمر الأميركي بأن العراق يبحث عن شراكات طويلة الأمد في مجالات الطاقة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية. لكن واشنطن تنظر إلى هذه الأجندة الاقتصادية من زاوية مختلفة؛ فهي ترى أن نجاح أي استثمارات أميركية يتطلب أولاً بيئة أمنية مستقرة تشجع الشركات الأميركية على القدوم إلى العراق؛ وهو ما يعيد ملف الفصائل المسلحة إلى صدارة المباحثات.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مستقبلاً المبعوث الأميركي توم برّاك في مقر إقامته بواشنطن 13 يوليو 2026 (إعلام الحكومي)

ما يريده ترمب

رغم أن جدول الزيارة يركز رسمياً على الاقتصاد والاستثمار، فإن الملفات الأمنية ستكون حاضرة بقوة على طاولة البيت الأبيض.

تتمثل أولويات إدارة ترمب في ثلاثة ملفات رئيسية: ضمان احتكار الدولة العراقية للسلاح، وإنهاء نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، ومنع استخدام الأراضي العراقية منصة لاستهداف القوات أو المصالح الأميركية، وبناء شراكة اقتصادية تمنح الشركات الأميركية موقعاً متقدماً في مشاريع النفط والطاقة والبنية التحتية.

وترى واشنطن أن نجاح حكومة الزيدي في تنفيذ تعهداتها بشأن حصر السلاح بيد الدولة سيكون الاختبار الحقيقي لعلاقتها الجديدة مع الإدارة الأميركية.

من جهته، يحاول الزيدي إقناع الإدارة الأميركية بأن حكومته حققت تقدماً سريعاً خلال أقل من ستين يوماً، سواء في مكافحة الفساد أو في دمج بعض الفصائل داخل مؤسسات الدولة، لكنه يدرك أن واشنطن ستقيس نجاحه بمدى قدرته على التعامل مع أكثر الفصائل ارتباطاً بطهران، ويطلب من واشنطن تقديم الدعم الاستخباراتي والفني والعسكري لحكومته.

وقد زادت مواقف هذه الفصائل من تعقيد المهمة قبل أيام من الزيارة، فقد أعلنت المجموعة التي تطلق على نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق» رفضها تسليم السلاح، ووضعت سلسلة من الشروط السياسية، محذرة من استبدال الاحتلال العسكري باحتلال اقتصادي عبر الشركات الأميركية.

كما صعّد زعيم «كتائب حزب الله» أبو حسين الحميداوي لهجته، داعياً الحكومة إلى ما أسماه «الانصياع لإرادة المقاومة»، ومؤكداً استمرار ارتباط الفصيل بالمحور الإيراني.

وتدرك واشنطن أن هذه المواقف لا تستهدف الحكومة العراقية وحدها، وإنما تشكل أيضاً رسالة مباشرة إلى إدارة ترمب بأن تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق لن يكون مهمة سهلة.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في مطار النجف بالعراق قبيل تشييع المرشد علي خامنئي (رويترز)

بين واشنطن وطهران

ويجد الزيدي نفسه أمام معادلة معقدة؛ فهو يريد بناء علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران، التي ما زالت تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واسعاً داخل العراق. ولهذا شدَّد في أكثر من مناسبة على أن العراق «لن ينضم إلى أي محور»، وأن بغداد تسعى إلى لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، لا أن تكون جزءاً من الصراع بينهما.

ويحاول الزيدي إقناع الإدارة الأميركية بأن تقليص النفوذ الإيراني لا يمكن أن يتم عبر المواجهة المباشرة، وإنما من خلال بناء دولة قوية واقتصاد قادر على استيعاب القوى المختلفة داخل النظام السياسي. ولذا؛ تراهن بغداد على أن الاقتصاد سيكون المدخل الأكثر واقعية لإعادة بناء العلاقات مع واشنطن.

وفي مقال نشرته «واشنطن بوست»، أشار الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس، القائد السابق للقوات الأميركية في العراق، إلى أن العراق يقف أمام «لحظة تاريخية نادرة» قد تتيح له إعادة بناء الدولة بعد عقود من الديكتاتورية والحروب والإرهاب والتدخلات الخارجية، عادَّاً أن زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن تمثل فرصة لترسيخ شراكة جديدة مع الولايات المتحدة.

ورأى بترايوس أن نجاح العراق يتوقف على قدرة الحكومة على تفكيك شبكات الفساد والميليشيات، واحتكار الدولة للسلاح، وتعزيز سيادة القانون، وتنويع الشراكات الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد المفرط على أي طرف خارجي، ولا سيما إيران.