يعد ملف المغيبين والمفقودين من بين أبرز الملفات التي تثير حساسيات سياسية واجتماعية واسعة في محافظة كركوك بين مكوناتها الرئيسية، الكرد والعرب والتركمان، ذلك أن المكونين الأخيرين يتهمان قوات الأمن الكردية «الأسايش» بالضلوع في عمليات التغيب والفقدان التي تعرض لها آلاف المواطنين خلال العقدين الأخيرين التي كُتب للكرد فيهما السيطرة على المحافظة، قبل أن يتراجع نفوذهم لصالح العرب والتركمان بعد عمليات إعادة فرض القانون التي نفذها رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي في أكتوبر (تشرين الأول) 2017.
وشأن معظم القضايا الخلافية في هذه المحافظة الغنية بالنفط، تتباين أعداد المغيبين من جهة لأخرى، وبينما تشير بعض المصادر العربية إلى أنهم أكثر من 3 آلاف مغيب ومفقود، تقلل الجهات الكردية من هذا الرقم، وكذلك تختلف الروايات بشأن وجودهم، حيث يعتقد العرب وجودهم في دوائر أمن محافظتي السليمانية وأربيل، وأخرى تشير إلى مقتلهم، بينما تتدافع الدوائر الكردية لتأكيد أنهم سُلِّموا إلى القوات الأمنية الاتحادية، وتنفي وجودهم في سجونها، ويقولون أيضاً إن معظمهم خصوصاً من المكون العربي كانوا قد انتموا إلى تنظيم «القاعدة» من قبل ومن بعد ذلك إلى تنظيم «داعش».
ويؤكد مصدر من محافظة كركوك لـ«الشرق الأوسط» أن «عدد المغيبين لا يقل عن 3 آلاف مواطن غالبيتهم من العرب، وقد تمكن محافظ كركوك من إطلاق سراح 338 مواطناً عام 2019، بعد أن كانوا مغيبين في سجون السليمانية من عام 2003».
وبالنظر لحساسية هذا الملف وما قد يسببه من إشكالات لاحقة في كركوك، يبدو أن الحكومة الاتحادية في بغداد أرادت الدخول على خط القضية من خلال تشكيل «لجنة عليا» للتحقيق في هذا الملف، وبالتعاون مع السلطات في إقليم كردستان لإيجاد صيغة مناسبة لحله.
وطبقاً لتصريحات محافظ كركوك راكان الجبوري، «ستعمل اللجنة في ديوان المحافظة، وتضم ممثلي الدوائر الأمنية لملء استمارة معلومات عن المخطوف والمغيب أو المغتال، وبعد ذلك ستقوم بالفرز بين كل الأصناف وتوحدها»، ويتوقع أن تبدأ أعمالها يوم الأربعاء المقبل.
وقال مستشار الشؤون الاستراتيجية في مستشارية الأمن القومي سعيد الجياشي، الذي يرأس اللجنة، ويوجد في محافظة كركوك خلال اليومين الأخيرين والذي سبق أن زار محافظتي السليمانية وأربيل: «نحن اليوم موجودون في كركوك بمهمة رسمية حكومية من خلال لجنة عليا مشكَّلة بتوجيه من رئيس مجلس الوزراء».
وأضاف في مؤتمر صحافي مشترك أن «اللجنة اجتمعت في جلستها الأولى بالعاصمة بغداد في مكتب رئيس مجلس الوزراء، وأسست خط الشروع بالعمل».
وتابع أن اللجنة «تسلمت قوائم بآلاف الأسماء، لكنها ارتأت أن تضع آلية جديدة للتعامل مع المعلومات الدقيقة من خلال استحداث استمارة وتشكيل لجنة فرعية في كركوك بإشراف المحافظ، وتضم كل الأجهزة الأمنية الموجودة في المحافظة، إضافة إلى مكتب مفوضية حقوق الإنسان، ودوائر الأحوال المدنية من الجنسية والجوازات لتعمل مدة شهرين متتاليين».
ومضى قائلاً: «إذا أكملنا هذه الفترة وهي الشهران بتسلم العدد الحقيقي لكل من الادعاءات الخاصة بهذا الملف، فسنتعامل وفق إجراءات أمنية دقيقة وقرار عالي المستوى كي تصل اللجنة إلى إجابة واضحة لكل أسرة عراقية قدمت إخباراً إلى اللجنة الفرعية».
وبدوره، قال محافظ كركوك خلال المؤتمر الصحافي المشترك، إن «ملف المغيبين والمختطفين أعقد ملف في العراق وهو جريمة كبرى ارتُكبت في زمن كان فيه انفراد بالسلطة وخطف ومذكرات إلقاء قبض من دون ذنب، وهناك مغيبون منذ ما يقرب 20 سنة».
وأضاف أن «هؤلاء يوضعون في سجون إقليم كردستان، وفي السليمانية وأربيل، ويجب أن نكون واضحين، ونحذر من عدم التعاون في هذا الموضوع، وقدمنا طلبات رسمية وقانونية في هذا الاتجاه، وقلنا إذا كان الشخص متورطاً في جريمة يعاد إلى كركوك ومحاكمها حسب الاختصاص المكاني، ولا نقول إن كل مغيب أو مختطف بريء، هذا ملف مزمن وخطير، ويؤثر في التعايش في كركوك».
أما رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الاتحادي أرشد الصالحي الذي ينحدر من تركمان كركوك، فقد أعرب خلال المؤتمر الصحافي المشترك عن أسفه «لتراجع حقوق الإنسان في العراق، وتعرض الناس إلى إهانات واعتداءات كثيرة من خلال القتل والاختطاف، وتراجع مستويات السكن والمعيشة والتربية والصحة».
لكن الصالحي أعرب عن اعتقاده «بجدية عمل اللجنة الجديدة في سعيها للكشف عن مصير المغيبين والمختطفين الذين اغتيلوا، ويمثلون كل شرائح المجتمع في كركوك».
وشدد على ضرورة «ألا يكون عمل اللجنة الجديدة مشابهاً لعمل اللجان الماضية التي لم تجد الحلول المناسبة لملف التغييب والاختطاف».



