الحصبة تغزو مناطق سيطرة الحوثيين

تحذيرات دولية من اتساع رقعة الجوع وتدهور الصحة والتعليم في اليمن

حملة خيرية لمساعدة مرضى العيون في مركز صحي في صنعاء (إ.ب.أ)
حملة خيرية لمساعدة مرضى العيون في مركز صحي في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحصبة تغزو مناطق سيطرة الحوثيين

حملة خيرية لمساعدة مرضى العيون في مركز صحي في صنعاء (إ.ب.أ)
حملة خيرية لمساعدة مرضى العيون في مركز صحي في صنعاء (إ.ب.أ)

أظهرت تقارير أممية ارتفاع نسبة الإصابة بالحصبة في اليمن إلى 260 في المائة، حيث سُجّل معظمها في مناطق سيطرة الحوثيين، بالتوازي مع اتساع رقعة الجوع، وتدهور الصحة والتعليم.

ففي حين تواصل الحكومة اليمنية الشرعية، التي تتخذ من عدن عاصمة مؤقتة، حملة تحصين شاملة ضد مرض الحصبة في مناطق سيطرتها، أظهرت بيانات دولية أن غالبية الحالات المسجلة بالمرض تتركز في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين الذين يواصلون منع حملات التحصين الشاملة، ويقصرون الحصول على اللقاحات على بعض المراكز الصحية الثابتة.

جاء ذلك في وقت يعاني فيه أكثر من ثُلث السكان اليمنيين من الجوع الشديد، وسط تدهور قطاعَي الصحة والتعليم، إضافة إلى حاجة أكثر من 8 ملايين طفل إلى المساعدة الإنسانية، وفق ما أوردته منظمة «أوكسفام» الدولية.

تسجيل أكثر من 40 ألف إصابة بالحصبة في اليمن منذ بداية العام (الأمم المتحدة)

«الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» ذكرت في أحدث تقاريرها أن اليمن يشهد ارتفاعاً كبيراً في حالات الإصابة بالحصبة والحصبة الألمانية، وأوضحت أن 60 في المائة من الحالات المشتبه بها سُجّلت في المحافظات الخاضعة للحوثيين.

وأكدت الوكالة أن الحملة المناهضة للقاحات التي يقودها الحوثيون «أسهمت بشكل كبير في انتشار الحصبة وغيره من الأمراض التي كان من الممكن الوقاية منها باللقاحات»، مشيرة إلى أن أخذ اللقاحات يقتصر حالياً على بعض المراكز الصحية الثابتة، حيث يمنع الحوثيون تنفيذ حملة تطعيم شاملة من منزل إلى منزل في مناطق سيطرتهم.

40 ألف إصابة

وفق بيانات منظمة الصحة العالمية، فقد تم الإبلاغ عن نحو 40130 حالة اشتباه بالحصبة والحصبة الألمانية في جميع أنحاء اليمن خلال الفترة من 1 يناير (كانون الثاني) وحتى 26 سبتمبر (أيلول) الماضيَين، مع تسجيل 362 حالة وفاة مرتبطة بالمرض.

وذكرت المنظمة أن حالات الإصابة بمرض الحصبة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، تشكّل أكثر من ضعف عدد الحالات المسجلة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وبحسب تلك البيانات، فإن عدد الإصابات ارتفع هذا العام بنسبة 260 في المائة فوق المستويات المسجلة خلال العام الذي سبقه، بينما أظهرت بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن أكثر من 80 في المائة من الأطفال الذين يعانون من حالات الحصبة المشتبه بهم، لم يتلقوا خلال هذا العام جرعة من اللقاح، وهو ما يظهر الارتفاع الكبير للإصابة بالمرض، خصوصاً بين الأطفال وفقاً لـ«يونيسف».

8.5 مليون طفل في اليمن يحتاجون للمساعدات الإنسانية (الأمم المتحدة)

وأعاد التقرير سبب ارتفاع حالات الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، إلى «الضعف الشديد في نظام الرعاية الصحية جراء 9 سنوات من الصراع، واستمرار التدهور الاقتصادي، والقيود المفروضة من قبل أطراف النزاع».

وذكر التقرير أن هذه العوامل كلها عملت على الحد من وصول السكان المستضعفين إلى المساعدات الإنسانية، بما في ذلك خدمات الرعاية الصحية، مما دفع الأسر إلى اعتماد آليات مواجهة سلبية، وزيادة التعرض للأمراض التي يمكن الوقاية منها.

اتساع رقعة الجوع

ذكرت منظمة «أوكسفام» العالمية أن الجوع الشديد في اليمن في ازدياد بعد مرور عام على انتهاء الهدنة الإنسانية، حيث يعاني أكثر من ثُلث سكان البلاد من الجوع الشديد، حيث تعد معدلات سوء التغذية بين الأطفال من بين أعلى المعدلات في العالم، ودعت جميع أطراف النزاع إلى السعي لتحقيق سلام مستدام وشامل.

وطالبت المنظمة الجهات المانحة بالوفاء بتعهداتها المتعلقة بالمساعدات الإنسانية. وقالت إنه ومنذ اندلاع الحرب، شكّل اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج أكثر من 21 مليون شخص، أي ثلثي السكان، إلى المساعدة الإنسانية، كما أدى الصراع إلى سقوط آلاف الضحايا، ودفع أكثر من 4 ملايين إلى النزوح من منازلهم، وتسبّب في انهيار اقتصادي.

وأشادت «أوكسفام» بالهدنة المؤقتة، وقالت إنها شكّلت بصيص أمل لملايين اليمنيين، حيث انخفض عدد الضحايا بسبب القتال بنسبة 60 في المائة، مما سهل الوصول إلى الخدمات الأساسية. لكنها ذكرت أن عدم اليقين السياسي أعاق تعافي البلاد.

وأكدت أن الاقتصاد اليمني يعاني من تدهور كبير، حيث ازدادت معدلات انخفاض قيمة العملة؛ وذلك بسبب التضخم، وتضاعفت أسعار المواد الغذائية، ولم يعد عديد من اليمنيين قادرين على شراء احتياجاتهم الأساسية من الطعام.

منعَ الحوثيون حملات التحصين من منزل إلى منزل ما تسبب في تفشي الأمراض الوبائية (الأمم المتحدة)

ووفق ما أوردته المنظمة، فإن نحو 8.5 مليون طفل يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية ويواجهون تهديداً يومياً؛ بسبب نقص الغذاء، وتفاقم الأمراض، والنزوح، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية بشكل حاد.

البيانات التي وزعتها «أوكسفام» تشير إلى أن تمويل الاستجابة الصحية حالياً لم يتجاوز نسبة 7 في المائة فقط، بينما تم تمويل القطاع التعليمي بنسبة 2 في المائة فقط.

ورأت أن الوضع الحالي «يصور الأسوأ»، وتوقعت أن يرتفع عدد الأشخاص الذين يواجهون مستويات الجوع في الأزمات أو حالات الطوارئ بنسبة 20 في المائة، مع إشارتها إلى وجود 78 ألف شخص «يعيشون بالفعل في مرحلة الجوع الشديد الطارئة بحسب التصنيف الدولي»، إلى جانب وجود 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يحتاجون إلى العلاج العاجل من سوء التغذية الحاد، وهو أحد أعلى المعدلات في العالم.

حملة توعية في أوساط طلبة المدارس الحكومية بأهمية اللقاحات (إعلام يمني حكومي)

وأظهرت هذه البيانات أن ما يقرب من ثُلث الأسر تعاني من فجوات في وجباتها الغذائية، ونادراً ما تستهلك الأطعمة مثل البقوليات أو الخضار أو الفاكهة أو منتجات الألبان أو اللحوم.

وأوضحت بيانات المنظمة أن الأطفال الصغار فقط هم الذين يتناولون 3 وجبات في اليوم، كما أن الأسر في اليمن تعاني من آثار تغير المناخ، حيث دمرت فترات الجفاف والأمطار الغزيرة المحاصيل والمنازل وسبل العيش. ورجحت حدوث مزيد من الصدمات المناخية مع استمرار موسم الأمطار، في ظل تدهور البنية التحتية غير المجهزة للتعامل مع الفيضانات.

وشددت المنظمة على أن اليمنيين يحتاجون إلى سلام مستدام وشامل أكثر من أي وقت مضى. وقالت إنه يجب على أطراف النزاع كافة، بما في ذلك المجتمع الدولي، تجديد الجهود لتحقيق السلام وإعادة بناء البلاد. ورأت أن دفع الرواتب، وإعادة فتح الطرق الحيوية، ووضع خطة لإعادة بناء الاقتصاد، يجب أن تكون أموراً محورية في أي اتفاق سلام مقبل.


مقالات ذات صلة

فيصل بن فرحان ولافروف يبحثان التصعيد في اليمن وتهديدات الملاحة

الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال لقائه نظيره الروسي سيرغي لافروف في المنامة (واس)

فيصل بن فرحان ولافروف يبحثان التصعيد في اليمن وتهديدات الملاحة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، الأحد، التطورات الإقليمية وفي مقدمتها التصعيد في اليمن والتهديدات المتواصلة للملاحة

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي قوات الجيش اليمني تتصدى لهجمات الحوثيين العنيفة في جبهات تعز (إعلام عسكري)

القوات اليمنية تضغط لتطهير بقايا الجيوب الحوثية في باب المندب

تواصل القوات اليمنية إحباط هجمات الحوثيين في تعز، وتطهير جيوبهم في باب المندب، تزامناً مع ضربات جوية ومواجهات برية بلحج ومأرب والجوف، ضمن عملية «فجر اليمن».

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزيرة الخارجية اليمنية تقود جهوداً دبلوماسية مكثفة لحشد الدعم الدولي ضد الحوثيين (سبأ)

اليمن يرفض تقديم إيران نفسها وسيطاً وهي تسلّح الحوثيين

أكدت وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة، أن إيران مستمرة في تسليح الحوثيين وإطالة الحرب، رافضة عرض طهران الوساطة، وداعية إلى تحرك إسلامي لتجفيف تمويل الجماعة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي مشاهد تشييع قتلى الحوثيين تضاعف مخاوف السكان على أبنائهم من المشاركة في القتال (الشرق الأوسط)

نزف الجبهات يدفع الحوثيين لتوسيع حملات التعبئة والتجنيد

من القبائل إلى عقال الحارات، تصطدم ضغوط الحوثيين لتوفير مقاتلين بتحفظات اجتماعية ومخاوف الأسر على أبنائهم، بالتزامن وارتفاع حصيلة الخسائر الميدانية على الجبهات.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي منظر عام لمدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

تعز تواجه القصف والحصار وحرمان السكان من المياه

يشدد الحوثيون حصار تعز بمنع صهاريج مياه الشرب وإعاقة دخول الغذاء والدواء والوقود، وسط قصف الأحياء السكنية وتحذيرات من حرمان مئات الآلاف من احتياجاتهم الأساسية

«الشرق الأوسط» (عدن)

مواصفات الرئيس القادم تفتح جدلاً وحراكاً سياسياً واسعاً في مصر

السيسي متحدثاً خلال حفل تخرج بالأكاديمية العسكرية المصرية السبت (الرئاسة المصرية)
السيسي متحدثاً خلال حفل تخرج بالأكاديمية العسكرية المصرية السبت (الرئاسة المصرية)
TT

مواصفات الرئيس القادم تفتح جدلاً وحراكاً سياسياً واسعاً في مصر

السيسي متحدثاً خلال حفل تخرج بالأكاديمية العسكرية المصرية السبت (الرئاسة المصرية)
السيسي متحدثاً خلال حفل تخرج بالأكاديمية العسكرية المصرية السبت (الرئاسة المصرية)

فتح حسم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، انتهاء فترته الرئاسية عام 2030، بالتزامن مع طرحه مبادرة لتأهيل المرشحين خلفه داخل «الأكاديمية العسكرية»، نقاشاً سياسياً واسعاً حول شروط الترشح للرئاسة في مصر، ومواصفات الرئيس المقبل.

وتباينت المواقف بين مؤيدين يرون في المبادرة «استعداداً مبكراً لضمان انتقال منظم للسلطة»، وآخرين يحذرون من «تحويل برامج التأهيل إلى شروط إضافية تقيد عملية الترشح والمنافسة الانتخابية»، وسط تساؤلات بشأن توافقها مع نصوص الدستور.

وتشمل المبادرة، التي أعلنها السيسي السبت، إعداد مجموعات من الحاصلين على الدكتوراه والماجستير من جامعات مصرية وأجنبية، عبر برنامج يمتد 30 شهراً بـ«الأكاديمية العسكرية المصرية، لتعريفهم بطبيعة الدولة وكيفية الحفاظ عليها»، وإتاحة الفرصة أمام الناخبين للاختيار من بين المؤهلين لتولي المسؤولية.

السيسي يشهد حفل تخرج دفعة من الأكاديمية العسكرية المصرية (الرئاسة المصرية)

وتولى السيسي رئاسة مصر عام 2014، بعد فوزه في انتخابات أعقبت ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013، التي أطاحت بحكم جماعة «الإخوان المسلمين»، قبل أن يُعاد انتخابه في عامي 2018 و2023. وشهد الدستور المصري تعديلات في عام 2019، رفعت مدة الولاية الرئاسية من أربع إلى ست سنوات، وأتاحت للسيسي البقاء في الحكم حتى عام 2030.

حديث الرئيس المصري أحدث «صدمة» في الساحة المصرية، وفق وصف الإعلامي المصري عمرو أديب، الذي رأى أنها «أحدثت ارتباكاً في مواقف القوى السياسية»، مشيراً إلى أن «المعارضة لم تحسم كيفية التعاطي معه، فيما بدت الموالاة غير قادرة على تحديد موقف واضح منه»، وفق تدوينة عبر منصة «إكس».

ويرى المفكر والسياسي والدبلوماسي المصري الدكتور مصطفى الفقي، أن الحراك والنقاش السياسيين اللذين أعقبا حديث الرئيس السيسي عن انتهاء فترته الرئاسية عام 2030، وخطة انتقال السلطة ديمقراطياً، يكتسبان أهمية خاصة، باعتبارهما يفتحان المجال أمام نقاش أوسع بشأن مستقبل الحياة السياسية في مصر.

وأضاف الفقي، لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الخطوة «تحسب للرئيس السيسي الذي يُعد أول رئيس مصري ذي خلفية عسكرية منذ عام 1952 يبادر بالإعلان عن نهاية فترته الرئاسية»، معتبراً أن ذلك «يمثل بادرة أمل جديدة بشأن إمكان تنشيط الحياة السياسية وتهيئة الأجواء لانتقال سلمي للسلطة».

وعبر وسائل الإعلام المصرية، وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بدا التباين... حيث يقول أشرف أبو النصر، مساعد رئيس حزب «حماة الوطن»، إن تصريحات السيسي «تعكس توجهاً لحماية استقرار الدولة وتعزيز كفاءة مؤسساتها، مع اختيار المسؤولين وفق معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة».

وأشاد النائب تامر عبد الحميد، عضو مجلس الشيوخ، «بالتوجه نحو التدريب والتأهيل، خصوصاً إعداد حملة الدكتوراه عبر برامج متخصصة بالأكاديمية العسكرية، بما يسهم، في تجهيز قيادات قادرة على إدارة الدولة بعيداً عن المجاملات».

في المقابل، انتقد آخرون إسناد إعداد المرشحين المحتملين إلى الأكاديمية العسكرية، محذرين من تأثير ذلك على التطور والتعددية السياسية.

ويتمحور جانب أساسي من الخلاف حول المادة 141 من الدستور، التي تحدد شروط الترشح للرئاسة، ومنها الجنسية المصرية من أبوين مصريين، والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية، وأداء الخدمة العسكرية أو الإعفاء منها قانوناً، وألا يقل عمر المرشح عن أربعين عاماً.

السيسي خلال ندوة الجيش المصري مساء الأربعاء الماضي (الرئاسة المصرية)

ولا يشترط النص الدستوري الحصول على الدكتوراه، أو اجتياز تدريب بالأكاديمية العسكرية، لكنه ينص على أن يحدد القانون شروط الترشح الأخرى. وتحدد المادة 142 كذلك آليات قبول المرشحين، من خلال تزكية برلمانية أو تأييد شعبي وفق ضوابط محددة.

ومن ثم، فإن مدى جواز تحويل البرنامج التدريبي، إلى شرط ملزم للترشح، يتوقف على الصيغة القانونية المقترحة ومدى توافقها مع الدستور، وليس على مبدأ إعداد القيادات في حد ذاته، وفق ما يثيره الجدل بين السياسيين والحقوقيين.

وإلى ذلك، فتح الجدل بشأن آليات إعداد المرشحين للرئاسة، نقاشاً موازياً حول إمكانية تعيين نائب لرئيس الجمهورية، في ضوء ما يتيحه الدستور من صلاحية للرئيس بتعيين نائب أو أكثر، وتحديد اختصاصاتهم وتفويضهم في بعض مهامه.

واقترح الإعلامي عمرو أديب تعيين نائب أو أكثر للرئيس السيسي لاكتساب الخبرة اللازمة.

وذهب سياسيون إلى أبعد من ذلك نحو «ضرورة تهيئة البيئة المصرية لإصلاح شامل»، إذ شدد الفقي، على «أن أهمية الخطوة الرئاسية، لا ينبغي أن تقتصر على تحديد موعد انتهاء الولاية أو إعداد كوادر محتملة، بل يجب أن تمتد إلى إصلاح البيئة السياسية والمؤسسية، والحد من سلطات السلطة التنفيذية، وتعزيز التوازن بينها وبين السلطتين التشريعية والقضائية».

ودعا الفقي إلى «فتح المجال العام أمام العمل السياسي، وتعزيز دور الأحزاب وترسيخ التربية السياسية»، معتبراً أن «توافر هذه الشروط ضروري لتهيئة مناخ مؤسسي قادر على استيعاب أي خطوة نحو انتقال ديمقراطي للسلطة، وضمان مشاركة سياسية أوسع».

و«رغم ما تحمله الخطوة من إيجابيات في فتح النقاش حول مستقبل السلطة وانتقالها، فإن دلالاتها العملية ستتضح بمرور الوقت، مع تبيان مدى ترجمة التصريحات إلى مسار سياسي واضح، وإصلاحات مؤسسية ملموسة»، وفق ما قاله سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط».


ما شكل الدعم العسكري الذي يمكن أن تقدمه مصر للسعودية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يترأس اجتماع مجلس الدفاع الوطني الأحد الذي قرر تقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة كافة للسعودية (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يترأس اجتماع مجلس الدفاع الوطني الأحد الذي قرر تقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة كافة للسعودية (الرئاسة المصرية)
TT

ما شكل الدعم العسكري الذي يمكن أن تقدمه مصر للسعودية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يترأس اجتماع مجلس الدفاع الوطني الأحد الذي قرر تقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة كافة للسعودية (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يترأس اجتماع مجلس الدفاع الوطني الأحد الذي قرر تقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة كافة للسعودية (الرئاسة المصرية)

منذ أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استعداد بلاده لتقديم ما تطلبه المملكة السعودية للدفاع عن أمنها في مواجهة هجمات الحوثيين، ثارت تساؤلات بشأن الدعم العسكري الذي يمكن للقاهرة تقديمه للرياض.

دستورياً يتطلب أي تحرك عسكري مصري خارجي، الحصول على تصديق برلماني. ولذا بدأ مجلس النواب المصري، الأحد، جلسة عامة طارئة، تستمر ثلاثة أيام، بدعوة من الرئيس السيسي، لبحث «التفويض باتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم السعودية والدفاع عن أمنها حال طُلب ذلك من مصر».

وبالتزامن، قرَّر «مجلس الدفاع الوطني المصري»، الأحد، «تقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة كافة للسعودية؛ للدفاع عن أمنها واستقرارها، وصون مقدراتها وسلامة أراضيها والمقدسات الإسلامية».

وجاء قرار «مجلس الدفاع الوطني»، وفق بيان للرئاسة المصرية، عقب اجتماع للمجلس في قصر الاتحادية برئاسة السيسي، بحضور رئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، والقائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع، ورئيس الأركان، ووزراء الداخلية والمالية والخارجية، ورئيس المخابرات العامة، وقادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة، ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، ورئيس هيئة الاستخبارات العسكرية، وأمين عام «مجلس الدفاع الوطني».

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء يستقبل السيسي في زيارة سابقة إلى المملكة (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

وعن طبيعة الدعم الذي يمكن لمصر تقديمه للمملكة، يرى خبير الأمن القومي المصري اللواء محمد عبد الواحد، أن كلام السيسي كان محدداً ووضع إطاراً لعملية الدعم التي يمكن أن تقدمها مصر للسعودية، مشيراً إلى أنها «مساعدة دفاعية وليست هجومية»، منوهاً بأن ذلك «رسالة للحوثيين وإيران بأن استمرار استهداف الأراضي السعودية سيقود لتدخل أطراف عربية إضافية، ويرفع التكلفة عليهم».

وأضاف: «الموقف المصري رسالة إلى طهران مفادها بأنه ما زال بالإمكان حصر المواجهة في إطار دفاعي وتجنب حرب أوسع، وهي رسالة ردع دفاعي ستفسرها إيران بأنها توسيع للضغط العسكري عليها».

وحسب تصريحات عبد الواحد لـ«الشرق الأوسط»، فإن «مصر يمكنها أن تقدم دعماً دفاعياً، ولن تذهب قوات مصرية إلى اليمن، لأن ذلك يحتاج، وفق القانون الدولي، إلى طلب من الحكومة اليمنية الشرعية».

وأشار إلى أن «مصر يمكنها أن تقدم للسعودية لوجستيات دفاعية، مثل بطاريات الدفاع الجوي، وحماية المنشآت السعودية المهمة والحيوية من الصواريخ والمسيّرات الحوثية، وكذلك معلومات استخباراتية وتنسيق في عمليات الضربات، ودعم عملياتي من بعيد، وليس من خلال الاحتكاك المباشر، ويمكن أيضاً أن يكون هناك دعم بحري عبر دوريات مشتركة مصرية - سعودية، لكن هذا يحتاج إلى تخطيط فائق الدقة لقطع الطريق على محاولة الحوثيين استهداف تلك الدوريات بالمسيّرات».

وقال الرئيس المصري، السبت، خلال حفل تخريج دفعات جديدة من الأكاديمية العسكرية المصرية: «سننفذ أي إجراء لحماية السعودية، وأدعو البرلمان إلى عقد جلسة طارئة للتفويض على هذا التَّحرُّك إذا طُلب منا ذلك».

وأضاف: «يجب ألا ننسى الدعم الذي قدمه الأشقاء في الخليج لمصر»، مضيفاً: «نقف بقوة وندعم بشكل كامل حماية أراضي أشقائنا في الخليج». وشدّد على تنفيذ أي إجراء تطلبه السعودية للدفاع عن أمنها وسيادتها.

وقال المتخصص في الشأن الاستراتيجي والعسكري، العميد طارق العكاري لـ«الشرق الأوسط»: «ما يمكن أن تقدمه مصر للسعودية يعتمد على ما سيتم التنسيق بشأنه بين البلدين، لكن تبادل المعلومات الاستخبارية سيكون الأساس».

وشدّد على أنه «بعد التنسيق الاستخباري، كل الخيارات واردة من الدفاع الجوي للذخائر والقوات الجوية وحتى التعاون أو التحالف في تأمين البحر الأحمر، فالرئيس السيسي ذكر أن الدعم سيكون للدفاع عن أمن السعودية، وهي جملة جامعة وتحمل كثيراً من المعاني والاحتمالات».

وخلال الساعات الماضية، طرحت تساؤلات حول جدوى الدعم المصري في حين أن الولايات المتحدة بالقطع قدمت للمملكة أحدث الأسلحة وكذلك الدعم اللوجستي والمعلوماتي.

إلا أنه في رأي عبد الواحد، فإن «مصر تستطيع أن تقدم للسعودية قيمة عسكرية حقيقية مختلفة عما قدمته الولايات المتحدة، وهذا يتوقف على حجم المهمة التي ستطلبها السعودية وليس حجم القوات التي سترسلها مصر».

وأكد أن «مصر تمتلك خبرة مؤسسية في العمليات الجوية والبحرية والبرية، ولديها قدرات تشغيل تشكيلات متنوعة من الطائرات والسفن، لكن دورها الأهم هو تقديم الدعم المعنوي والتضامني الكبير للسعودية، وهذا مهم جداً في حسم الحرب أكثر من المساعدات العسكرية التي قد لا تحتاج إليها المملكة، وموقف مصر أيضاً يفتح الباب لمشاركة دول عربية إسلامية أخرى في دعم المملكة».

وفي الشأن ذاته، قال العكاري إن «كل الاحتمالات متاحة طبقاً لتقدير الموقف من أجهزة الدولة والقوات المسلحة المصرية، وبالقطع فإنه من المهم الإشارة إلى أن القاهرة تعمل على إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع الأطراف كلها، ولكن في الوقت ذاته فإن إعلان دخول الدعم المصري للسعودية هو رسالة ردع تعزز موقف المملكة التفاوضي، وهذا مهم في حسم المعركة».

السيسي يشهد حفل تخرج دفعة من الأكاديمية العسكرية المصرية (الرئاسة المصرية)

تجدر الإشارة إلى أن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي التقى نظيره الإيراني عباس عراقجي، في العاصمة العراقية بغداد، على هامش اجتماعات وزراء خارجية «منظمة التعاون الإسلامي»، السبت.

وحسب بيان للخارجية المصرية، فإن عبد العاطي شدّد خلال اللقاء مع عراقجي على «ضرورة احترام أمن واستقرار دول الخليج ودول المنطقة كافة، وأهمية وقف الأعمال العدائية كافة التي تستهدف المملكة العربية السعودية، وإدانة تلك الاعتداءات غير المبررة».

ويرى نائب مدير المخابرات الحربية ورئيس جهاز الاستطلاع السابق بمصر، اللواء أركان حرب أحمد كامل، أن الدعم العسكري الذي قد تقدمه مصر للمملكة، سيتم من خلال انعقاد اجتماع للقيادات العسكرية للجانبين لتحديد مطالب المملكة.

وأضاف: «مصر تملك أسلحة ومعدات تتوافق مع ما هو موجود بالقوات المسلحة السعودية لتحقيق التكامل والتنسيق المتبادل بين الجانبين، ويمكن أن يشمل الدعم المجالات الآتية: الدعم المخابراتي ومعدات الدفاع الجوي ضد الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة بجميع أنواعها، مع تأمين المنشآت الحيوية والمهمة بالمملكة بالوسائل المناسبة لذلك».


القوات اليمنية تضغط لتطهير بقايا الجيوب الحوثية في باب المندب

قوات الجيش اليمني تتصدى لهجمات الحوثيين العنيفة في جبهات تعز (إعلام عسكري)
قوات الجيش اليمني تتصدى لهجمات الحوثيين العنيفة في جبهات تعز (إعلام عسكري)
TT

القوات اليمنية تضغط لتطهير بقايا الجيوب الحوثية في باب المندب

قوات الجيش اليمني تتصدى لهجمات الحوثيين العنيفة في جبهات تعز (إعلام عسكري)
قوات الجيش اليمني تتصدى لهجمات الحوثيين العنيفة في جبهات تعز (إعلام عسكري)

تواصل القوات الحكومية اليمنية التصدي لهجمات الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، مستهدفة استنزاف قدراتها في جبهات تعز، بالتوازي مع بدء عمليات هجومية، الأحد، تضغط لتطهير ما تبقى من جيوب الجماعة في باب المندب، بينما امتدت الضربات الجوية والمواجهات البرية إلى لحج ومأرب والجوف، مع دخول عملية «فجر اليمن» يومها الرابع عشر.

وفي تعز، أحبطت القوات الحكومية، مسنودة بالمقاومة الشعبية، هجمات متتابعة للجماعة في محيط المدينة، شملت الجبهتين الغربية والجنوبية، وألحقت بها خسائر بشرية ومادية، وفق بيانات عسكرية يمنية.

وفي تطور موازٍ، أقدمت الجماعة على تدمير جسر في منطقة هيجة العبد، على الطريق الرابط بين تعز ولحج وعدن، في خطوة تزيد صعوبات الحركة والإمداد في محافظة تعاني من الحصار منذ سنوات.

وعلى محور باب المندب، تواصل القوات الحكومية عملياتها لتطهير الجيوب الحوثية المتحصنة خلف التلال والخنادق وحقول الألغام؛ حيث أفادت المصادر الميدانية بخسارة الجماعة عشرات القتلى، بالتزامن مع التصدي لهجمات في محور الوازعية باتجاه جبال كهبوب.

رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)

وأفاد الإعلام العسكري بأن القوات الحكومية أفشلت هجوماً واسعاً شنته الجماعة غرب مدينة تعز، عقب مواجهات استمرت ساعات في جبهتَي المطار القديم ومدرات، وأجبرتها على التراجع، كما تمكنت من كسر هجوم آخر في جبهة الشقب، الواقعة عند المدخل الجنوبي للمدينة.

وامتدت المعارك إلى جبهات الأقروض والمسراخ والشقب جنوباً، وسط اشتباكات متقطعة في الجبهة الشمالية. وأعلنت مصادر عسكرية أن خسائر الحوثيين خلال يوم السبت الماضي بلغت مائة قتيل و190 جريحاً، إضافة إلى تدمير رشاشات ومدافع ميدانية.

وشنَّ الطيران الحربي غارات استهدفت مواقع وتجمعات حوثية في محيط جبل هان غرب المدينة، وجبهات الأقروض والمسراخ والشقب جنوباً، فضلاً عن شارع الخمسين وتبة الضنين في الجبهة الشمالية الغربية، وفق المصادر ذاتها.

وتأتي هذه المواجهات في ظل محاولات حوثية متكررة لاختراق مواقع القوات الحكومية حول المدينة، بينما تركز الأخيرة على صد الهجمات وتأمين مواقعها، بالتزامن مع الضربات الجوية التي تستهدف تجمعات الجماعة وتحركاتها وإمداداتها.

ضربات جوية واسعة

على مستوى عملية «فجر اليمن»، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 1417 عملية استهداف دقيقة ومباشرة خلال الساعات الـ24 الماضية، باستخدام الطيران الحربي والمسيَّر والمدفعية والراجمات، استهدفت تجمعات الحوثيين وتعزيزاتهم ومواقعهم المحصنة وآلياتهم ومصادر نيرانهم.

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات أسهمت في إرباك تحركات الجماعة وحرمانها من دفع احتياطياتها إلى الجبهات أو تحقيق أهداف تكتيكية؛ مشيراً إلى تحييد نحو 800 عنصر بين قتيل وجريح، وتدمير أو إعطاب أكثر من 190 آلية مدرعة وطقماً قتالياً ووسيلة نقل وإمداد.

هجمات الحوثيين على مدينة تعز تكبدهم خسائر بشرية كبيرة (إعلام عسكري)

وأضاف أن وحدات الجيش في الجبهة الشرقية تمكنت من تمشيط مواقع معادية وتوسيع نطاق السيطرة والاستيلاء على موقع ميداني تكتيكي جديد، بينما واصلت القوات في تعز التصدي للهجمات المتواصلة، بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت مواقع الجماعة وتعزيزاتها.

وفي محور باب المندب، تركز القوات الحكومية على استكمال تمشيط المواقع التي لا تزال الجماعة تتحصن فيها خلف التلال الصغيرة والخنادق وحقول الألغام، في ظل استمرار المواجهات في الوازعية باتجاه جبال كهبوب. وتفرض طبيعة المنطقة، بما تتضمنه من تضاريس وعرة ومواقع ملغومة، تحديات أمام عمليات التقدم والتمشيط.

وتكتسب هذه الجبهة أهمية استراتيجية لقربها من مضيق باب المندب، أحد الممرات الحيوية للملاحة الدولية، ما يجعل تأمين المواقع والطرق المحيطة به جزءاً أساسياً من جهود تثبيت المكاسب العسكرية ومنع الجماعة من استعادة مواقعها.

وفي محافظة لحج، تتواصل العمليات في جبهة المضاربة بالتوازي مع المواجهات في الوازعية، وسط مخاوف من استغلال الحوثيين التضاريس الجبلية لفتح مسارات التفاف أو تهديد خطوط الحركة والإمداد.

مأرب والجوف

في موازاة العمليات غرب البلاد، تستمر المواجهات في محافظتَي مأرب والجوف شرقاً. وأفادت القوات الحكومية اليمنية بأن وحدات المنطقة العسكرية السادسة هاجمت مواقع وتحصينات حوثية في جنوب شرقي الجوف، بالتزامن مع استهداف المدفعية والطيران المسيَّر ثكنات وتجمعات وآليات قتالية، وتنفيذ غارات جوية على مخازن ومراكز وتحشيدات للجماعة.

مواجهات برية وضربات جوية ضد الحوثيين في مأرب والجوف (إعلام عسكري)

وفي مأرب، تواصل القوات الحكومية عملياتها على الجبهتين الشمالية والجنوبية؛ حيث استهدفت وحدات الجيش مواقع وتحصينات حوثية على امتداد خطوط المواجهة، بمشاركة المدفعية والطيران المسيَّر. كما تصدت القوات لهجمات في الجبهة الجنوبية، بينما استهدفت الضربات تجمعات الجماعة وتحصيناتها ومخازنها ومراكز قيادية، وأُعلن عن تدمير وإعطاب أسلحة ومدفعية وراجمة صواريخ، وفق الإعلام العسكري.

وفي سياق موازٍ، دعت وزارة الدفاع اليمنية الضباط والأفراد الموجودين في المديريات الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى عدم الاستجابة لدعوات الحصر والاستدعاء والتجنيد الصادرة عن الجماعة، وحثتهم على التواصل مع قياداتهم لمعرفة الإجراءات المتعلقة بتسوية أوضاعهم، وصرف مرتباتهم ومستحقاتهم وفق اللوائح المعتمدة.