متهمون في صنعاء بإفشاء ملفات الفساد يتعرضون للفصل

الجماعة الحوثية تسعى إلى إحلال الموالين لها في كل الوظائف

جانب من مقبرة في صنعاء شيدها الحوثيون لقتلاهم (إ.ب.أ)
جانب من مقبرة في صنعاء شيدها الحوثيون لقتلاهم (إ.ب.أ)
TT

متهمون في صنعاء بإفشاء ملفات الفساد يتعرضون للفصل

جانب من مقبرة في صنعاء شيدها الحوثيون لقتلاهم (إ.ب.أ)
جانب من مقبرة في صنعاء شيدها الحوثيون لقتلاهم (إ.ب.أ)

أقدمت الجماعة الحوثية على فصل 29 موظفاً يعملون في الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، الخاضع لها في صنعاء، بعد أن اتهمتهم بالتغيب عن العمل وإفشاء تقارير عن الفساد الذي يرتكبه قادتها في المؤسسات الحكومية.

وتداول ناشطون يمنيون وثيقة رسمية صادرة عن القيادي الحوثي علي العماد، المنتحل صفة رئيس الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، تقضي بفصل نحو 29 موظفاً عن العمل في الجهاز، الخاضع لسيطرة جماعته في صنعاء.

مبنى الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة الخاضع للحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

وتظهر في الوثيقة أسماء موظفين مدنيين طالهم الفصل تعسفياً، وبررت الجماعة ذلك بأنهم تغيبوا لأكثر من 20 يوماً متتالية دون عذر مقبول، بينما أرجع ناشطون فصلهم إلى أنه على خلفية تخوف الجماعة من تسريب تقارير فساد أخرى ونهب للمال العام.

وفي الوقت الذي يصف فيه معارضو الجماعة مبررات الفصل بـ«الزائفة»، لا تزال الجماعة ترفض دفع رواتب ملايين الموظفين الحكوميين بمناطق سيطرتها، وتدعي وجود ضائقة مالية، بينما تسخّر المليارات من الريالات في سبيل احتفالاتها ذات الطابعين السياسي والطائفي.

استهداف مستمر

لا يعد الاستهداف الحوثي الجديد لموظفي الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة في صنعاء هو الأول، إذ سبق أن سرّحت الجماعة في منتصف يونيو (حزيران) العام الماضي، ما يزيد على 338 موظفاً تحت حجج ومزاعم غير قانونية.

الجماعة الحوثية تفصل 29 شخصاً من موظفي الجهاز المركزي للرقابة في صنعاء (فيسبوك)

كما سبق لعناصر يتبعون ما يعرف باسم «جهاز الأمن الوقائي» الحوثي قيامهم باختطاف 5 من موظفي الجهاز الرقابي في صنعاء، بعد تلفيق تهم كيدية لهم.

وتحدثت مصادر مطلعة في صنعاء حينها عن عملية اقتحام نفذها مسلحو الجماعة لمبنى الجهاز المركزي في صنعاء، حيث قاموا باختطاف الموظفين ونقلهم إلى السجون بعد توجيه تهم لهم بتسريب وثائق فساد قامت به قيادات حوثية في مؤسسات وجهات إيرادية عدة.

وضمن مسلسل الانتقام الحوثي من موظفي الجهاز المحاسبي، أقدمت الجماعة في أواخر العام الماضي، على السطو على أراضي الجمعية السكنية التابعة لهم في مدينة الحديدة غرب البلاد.

وأفادت المصادر بلجوء الجماعة وقتها لاستخراج أحكام قضائية غير قانونية بغية الاستيلاء على أراضي الجمعية السكنية لموظفي الجهاز، التي كانوا تحصّلوا عليها وفق عقود تأجير صادرة عن مكتب أراضي وعقارات الدولة، في 2001 و2007.

تغطية الفساد

وينتقد موظفو جهاز الرقابة والمحاسبة في صنعاء، ممن تعرضوا للخطف والإقصاء الحوثي من الوظيفة، حجم فساد ونهب قادة الجماعة المستشري في أروقة الجهاز وعموم الإدارات التابعة له.

واتهم منتسبو الجهاز، القيادي الحوثي علي العماد بحماية الفاسدين وتغطية فسادهم وإلزامهم بتوريد مبالغ مالية إلى حساباته الشخصية مقابل غض الطرف عن فسادهم وإتلاف أي وثائق تثبت تورطهم في الفساد.

على الصعيد ذاته، كشفت مصادر عاملة في الجهاز الخاضع للانقلاب في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود تقارير وتوصيات تتعلق بقضايا فساد ونهب حوثي منظم طال، منذ مطلع العام الحالي، أموال وممتلكات الدولة في عموم المؤسسات والصناديق الإيرادية الخاضعة تحت سلطة الجماعة.

وأفادت المصادر، التي اشترطت إخفاء معلوماتها، بأن عشرات التقارير التي أعدها ورصدها منتسبون لدى الجهاز من غير المؤدلجين طائفياً، لا تزال حبيسة الأدراج ولم يتم عرضها على أجهزة الانقلاب التنفيذية وغيرها في صنعاء، خشية انتقام وبطش كبار قادة الجماعة.

تجبر الجماعة الحوثية موظفي جهاز الرقابة والمحاسبة في صنعاء على خدمة أجندتها (إكس)

ولا يزال أغلب منتسبي الجهاز الرقابي في صنعاء عرضة بشكل أو بآخر لأقسى العقوبات الحوثية، منها الاعتقال، والسجن، والفصل التعسفي من الوظيفة العامة، والحرمان من الحقوق، إذ ينظر إليهم على أنهم يقومون بتسريب فساد القيادات.

ويقول موظفون في الجهاز الرقابي، إن قيادات حوثية هي مَن تقوم بتسريب التقارير التي تدين قيادات أخرى في إطار الصراع البيني الدائر على النفوذ والمال.

وكان النشطاء اليمنيون والإعلام المحلي تداولوا في أوقات سابقة سلسلة تقارير ووثائق رسمية مسربة صادرة عن الجهاز الرقابي الخاضع للميليشيات كشفت عن حجم العبث الحوثي المهول الذي طال جميع مؤسسات وقطاعات الدولة اليمنية المغتصبة، ومنها وثيقة تكشف عن قضية فساد تتمثّل في استيلاء مسؤولين وقادة في الجماعة على أصول الشركات النفطية الأجنبية المسترجعة خلال الفترة بين 2015 و2020، وغيرها.


مقالات ذات صلة

العليمي: ماضون في «الحزم الاقتصادي» لحماية القطاع المصرفي

العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي: ماضون في «الحزم الاقتصادي» لحماية القطاع المصرفي

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي انتهاج «سياسة الحزم الاقتصادي» رداً على انتهاكات الحوثيين وحماية للقطاع المصرفي وندد بحملة اعتقالاتهم الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الجماعة الحوثية استحدثت نقطة جمركية لتحصيل الجبايات على طريق مأرب- البيضاء بمجرد إعادة فتحه (إكس)

انقلابيو اليمن يستغلون فتح الطرقات مع المناطق المحررة لزيادة الجبايات

استغل الحوثيون فتح الطرق مع مناطق سيطرة الحكومة اليمنية لزيادة الجبايات وفرض الرسوم الجمركية، بالتوازي مع فرض إتاوات على التجار في صنعاء لدعم المجهود الحربي

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي مدمرة أميركية في البحر الأحمر تتصدى للهجمات الحوثية (أ.ب)

الجيش الأميركي يكثف عمليّاته الدفاعية لتقويض قدرات الحوثيين

كثّف الجيش الأميركي من عمليات الاستباق الدفاعية للحد من هجمات الحوثيين البحرية ضد السفن، وتوعد مع شركائه بالاستمرار في تقويض قدراتهم.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي جزار يمسك بخروف في سوق للماشية بصنعاء حيث يكافح اليمنيون للحصول على أضحية للعيد (رويترز)

عزوف في صنعاء عن شراء الأضاحي نتيجة اشتداد الفقر

تشهد أسواق المواشي في صنعاء ركوداً غير مسبوق بسبب ارتفاع الأسعار وشدة الفقر، حيث تعجز غالبية السكان عن شراء أضاحي العيد.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي اليمن في صدارة الدول الأشد احتياجاً للمساعدات الإنسانية حتى نهاية العام الحالي (الأمم المتحدة)

تحذيرات دولية: اعتقالات موظفي الإغاثة تعمق أزمة الغذاء في اليمن

تهدد حملة الاعتقالات الحوثية بحق الموظفين الإغاثيين بتفاقم أزمة انعدام الغذاء لملايين السكان خصوصاً مع توجه منظمات دولية لتعليق أنشطتها.

محمد ناصر (تعز)

السودان يواجه مخاطر أسوأ مجاعة في العالم منذ عقود

سودانيتان تجهزان أواني الطهي داخل «تِكِيَّة» في أم درمان بالسودان... ويعتمد كثير من السودانيين النازحين على المطابخ المشتركة أو «التَّكَايا» في الحصول على الطعام بسبب الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الحرب المتواصلة منذ أكثر من عام... ولكن ضعف التبرعات وارتفاع الأسعار باتا يهددان وجود هذه المطاعم بشكل كبير في 9 يونيو 2024 (وكالة أنباء العالم العربي)
سودانيتان تجهزان أواني الطهي داخل «تِكِيَّة» في أم درمان بالسودان... ويعتمد كثير من السودانيين النازحين على المطابخ المشتركة أو «التَّكَايا» في الحصول على الطعام بسبب الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الحرب المتواصلة منذ أكثر من عام... ولكن ضعف التبرعات وارتفاع الأسعار باتا يهددان وجود هذه المطاعم بشكل كبير في 9 يونيو 2024 (وكالة أنباء العالم العربي)
TT

السودان يواجه مخاطر أسوأ مجاعة في العالم منذ عقود

سودانيتان تجهزان أواني الطهي داخل «تِكِيَّة» في أم درمان بالسودان... ويعتمد كثير من السودانيين النازحين على المطابخ المشتركة أو «التَّكَايا» في الحصول على الطعام بسبب الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الحرب المتواصلة منذ أكثر من عام... ولكن ضعف التبرعات وارتفاع الأسعار باتا يهددان وجود هذه المطاعم بشكل كبير في 9 يونيو 2024 (وكالة أنباء العالم العربي)
سودانيتان تجهزان أواني الطهي داخل «تِكِيَّة» في أم درمان بالسودان... ويعتمد كثير من السودانيين النازحين على المطابخ المشتركة أو «التَّكَايا» في الحصول على الطعام بسبب الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الحرب المتواصلة منذ أكثر من عام... ولكن ضعف التبرعات وارتفاع الأسعار باتا يهددان وجود هذه المطاعم بشكل كبير في 9 يونيو 2024 (وكالة أنباء العالم العربي)

حذر مسؤولون أميركيون بأن السودان يواجه مجاعة يمكن أن تصبح أسوأ من أي مجاعة شهدها العالم منذ المجاعة في إثيوبيا قبل 40 عاماً، حيث لا تزال القوات المتحاربة تمنع تسليم المساعدات، لكن إمدادات الأسلحة إلى الجانبين مستمرة في التدفق.

ومع تركيز قدر كبير من اهتمام العالم على غزة، التي أصبحت مسرحاً لمجاعة أخرى من صنع الإنسان، أصبح السودان بالفعل يعاني أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وهو ينزلق نحو كارثة إنسانية ذات أبعاد تاريخية؛ وبتغطية إعلامية واهتمام عالمي أقل كثيراً. ولم يتلق النداء الإنساني الذي أطلقته الأمم المتحدة من أجل البلاد سوى 16 في المائة من الأموال التي تحتاجها، وفق ما أشار إليه تقرير من صحيفة «الغارديان» البريطانية.

وقالت ليندا توماس غرينفيلد، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، للصحافيين: «نحتاج إلى أن يستيقظ العالم على الكارثة التي تحدث أمام أعيننا».

وكانت غرينفيلد تتحدث بينما تواجه الفاشر؛ عاصمة منطقة شمال دارفور، شهرها الثاني تحت حصار «قوات الدعم السريع». ويبلغ عدد سكان مدينة الفاشر 1.8 مليون نسمة. ويحذر مسؤولون كبار في الأمم المتحدة من تفاقم الصراع هناك، مما قد يؤدي إلى أعمال عنف عرقية واسعة النطاق، وفق تقرير من وكالة «رويترز» للأنباء.

وشبّ النزاع في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، بين «قوات الدعم السريع» والقوات المسلحة السودانية، عندما اندلع صراع على السلطة بين الجنرالين عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة السودانية والحاكم الفعلي للبلاد، ومحمد حمدان دقلو، قائد «قوات الدعم السريع، و المعروف أيضاً باسم «حميدتي». وأدى النزاع الذي تصاعدت حدته إلى تقسيم البلاد. وأدت الحرب الأهلية إلى مقتل 14 ألف شخص وأجبرت 10 ملايين على الفرار من منازلهم.

وتبنى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً صاغته المملكة المتحدة يوم الخميس، يطالب بإنهاء حصار الفاشر، لكن القتال تصاعد يوم الجمعة حيث زعمت القوات المسلحة السودانية أنها صدت هجوماً كبيراً من «قوات الدعم السريع» وألحقت بها «خسائر فادحة».

وقالت رئيسة «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية»، سامانثا باور، إن هناك مخاوف بشأن ما سيحدث للأشخاص الذين لجأوا إلى الفاشر إذا سقطت المدينة في أيدي «قوات الدعم السريع». وقد جرى تجنيد هذه القوة إلى حد كبير من ميليشيات «الجنجويد»، التي ارتكبت مذابح خلال القتال إلى جانب حكومة الخرطوم في الإبادة الجماعية في دارفور خلال الفترة من 2003 إلى 2005.

وأعلنت يوم الجمعة عن مساعدات إنسانية أميركية جديدة للسودان بقيمة 315 مليون دولار، لكنها قالت إن المساعدات لا تصل إلى السكان المنعزلين؛ إلا نادراً. وقد اتُهم الجانبان باستخدام السيطرة على الوصول إلى الغذاء سلاحاً.

وقالت باور: «ذهبت (قوات الدعم السريع) لمنطقة دارفور تاريخياً، وفي هذا الصراع... تلت ذلك فظائع جماعية. (قوات الدعم السريع) تنهب بشكل منهجي المستودعات الإنسانية، وتسرق المواد الغذائية والماشية، وتدمر مرافق تخزين الحبوب، والآبار، في المجتمعات السودانية الأكثر ضعفاً».

وأضافت رئيسة «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية»: «القوات المسلحة السودانية تتناقض تماماً مع التزاماتها ومسؤولياتها تجاه الشعب السوداني من خلال إغلاق الوصول عبر الحدود من تشاد عند معبر (أدري)، وهو الطريق الرئيسية للمساعدة لدخول منطقة دارفور».

وقالت باور إن البرهان يمكنه فتح معبر «أدري» بـ«جرة قلم». وقد عرضت القوات المسلحة السودانية نقطة وصول أخرى من تشاد، وهي معبر «تينه»، لكن المسؤولين الأميركيين يقولون إنه «معوق بالفعل، وغير ملائم لاحتياجات السكان، وسيصبح غير قابل للعبور مع موسم الأمطار المقبل».

وقالت باور: «الرسالة الواضحة حقاً هنا؛ وهي أن العرقلة، وليس عدم كفاية مخزونات الغذاء، هي القوة الدافعة وراء مستويات المجاعة التاريخية والمميتة في السودان».

وأضافت أن البيانات الحالية تشير إلى أن الأزمة «قابلة للمقارنة؛ وربما أسوأ» من المجاعة التي حدثت في الصومال عام 2011 والتي أودت بحياة ربع مليون شخص.

وأضافت: «أود أن أضيف أن السيناريو الأكثر إثارة للقلق هو أن السودان سوف يصبح المجاعة الأكثر دموية منذ إثيوبيا في أوائل الثمانينات».

وأودت المجاعة الإثيوبية بحياة مليون شخص بين عامي 1983 و1985؛ وفق تقديرات الأمم المتحدة. وقالت توماس غرينفيلد إنه في أسوأ السيناريوهات، «يمكن أن تصبح المجاعة في السودان أكثر فتكاً».

وقالت: «لقد رأينا توقعات الوفيات التي تقدر أن ما يزيد على 2.5 مليون شخص؛ أي نحو 15 في المائة من السكان في دارفور وكردفان (المناطق الأكثر تضرراً)، يمكن أن يموتوا بحلول نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل». وتابعت: «هذه أكبر أزمة إنسانية على وجه الكوكب». وأضافت: «ومع ذلك؛ فإن الأمر يهدد بالتفاقم بطريقة ما».

وقال المسؤولون الأميركيون إنه في حين واجهت المساعدات الإنسانية عوائق مستمرة، فإن كلا طرفي الحرب يواصل تلقي الأسلحة.