تصعيد حوثي ضد الحريات الدينية ومساومة لتعميم الفكر الطائفي

الجماعة انتهكت حرمة المساجد وحولتها إلى منابر للاستقطاب

يمنيون يؤدون رقصة البرع التقليدية في ساحة قصر دار الحجر الواقع في ضواحي صنعاء (رويترز)
يمنيون يؤدون رقصة البرع التقليدية في ساحة قصر دار الحجر الواقع في ضواحي صنعاء (رويترز)
TT

تصعيد حوثي ضد الحريات الدينية ومساومة لتعميم الفكر الطائفي

يمنيون يؤدون رقصة البرع التقليدية في ساحة قصر دار الحجر الواقع في ضواحي صنعاء (رويترز)
يمنيون يؤدون رقصة البرع التقليدية في ساحة قصر دار الحجر الواقع في ضواحي صنعاء (رويترز)

بينما كان سفير اليمن لدى «اليونيسكو» يشكو ممارسات الانقلابيين الحوثيين بحق جامع أثري؛ حوَّل الانقلابيون أقدم جامع في البلاد إلى قاعة لمناسباتهم الطائفية، وملتقى لعناصرهم لتعاطي نبتة «القات»، بالتزامن مع تصعيدهم في المناطق الخاضعة لسيطرتهم ضد الجماعات والأقليات الدينية، ومساومتها لاعتناق مشروعهم الطائفي في حلقات الدروس الدينية.

شكوى سفير اليمن لدى اليونيسكو، محمد جميح، كانت بشأن جامع النهرين الذي يعيد الانقلابيون بناءه بشكل مخالف تماماً لهويته وطابعه الأثري، بعد أن أقدموا على هدمه في فبراير (شباط) 2021، بذريعة انحراف قبلته، رغم أن بناءه يعود إلى صدر الإسلام حسب المؤرخين.

غير أن أهالي صنعاء القديمة (المدينة التاريخية) كانوا يؤكدون حينها أن عملية الهدم حدثت بسبب عدم استيعاب الصلوات والأنشطة الدينية لـ«المسيرة القرآنية»، وهي التسمية التي يطلقونها على مشروعهم الانقلابي.

وذكر جميح أن الانقلابيين الحوثيين يعيدون بناء جامع النهرين في صنعاء القديمة بمواد بناء حديثة مخالفة للمعايير، بعد محاولة استحداث بوابة في حي شعوب الأثري شرق العاصمة صنعاء؛ مشيراً إلى أن هذه الإجراءات تهدد مكانة صنعاء الموضوعة على قائمة التراث العالمي وتعرضها للخطر، وداعياً «اليونيسكو» إلى تحمل مسؤولية التدخل لحمايتها.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو من داخل جامع معاذ بن جبل، في بلدة الجند التابعة لمحافظة تعز (263 كيلومتراً جنوب العاصمة صنعاء)؛ حيث يظهر عشرات من عناصر ميليشيات الحوثي وهم يستخدمون الجامع كقاعة للاجتماعات والفعاليات، وللمقيل وتعاطي نبتة «القات»، وقد ملأوا جدرانه بشعاراتهم الطائفية.

ويفيد أهالي المنطقة بأن الجامع الذي يعدّ أول جامع في اليمن، وبني في صدر الإسلام بعد زيارة الصحابي معاذ بن جبل إلى المنطقة، تحول تحت سيطرة ميليشيات الحوثي إلى منصة طائفية للتحريض ضد مناهضي الانقلاب الحوثي، وتقدم فيه حلقات ودروس تحريضية لغسل أدمغة الشباب والأطفال ودفعهم إلى القتال، إلى جانب استخدامه ثكنة عسكرية لتجمع عناصر الميليشيات.

في عام 2021 هدم الحوثيون جامع النهرين الأثري في صنعاء القديمة بحجة انحراف القبلة (تويتر)

وحسب روايات الأهالي؛ فإن الجامع يستخدم من طرف قادة الميليشيات كمقر عملياتي للمهام الأمنية والعسكرية للجماعة، ويتم فيه عقد اجتماعات لتوزيع المهام وإصدار الأوامر، كما يتم استدعاء الشخصيات الاجتماعية في المنطقة لحضور الفعاليات الحوثية، واختبار ولائها من خلال الانتظام في تلك الفعاليات، وترديد شعارات الحوثي الطائفية فيها.

هجرة الجوامع

كان أهالي إحدى حارات حي حزيز جنوبي العاصمة صنعاء يؤدون صلاة المغرب في منزل أحدهم؛ قبل أن يقتحم مشرف حوثي رفقة مسلحيه المنزل، مانعاً إياهم من إكمال الصلاة، وطالباً منهم التوجه للصلاة في مسجد الحارة.

هجر الأهالي الصلاة في المسجد بسبب تعيين إمام وخطيب جديدين من الميليشيات الحوثية، واللذين منذ اليوم الأول لتعيينهما بادرا بإدارة حلقات ترويج لمشروع الانقلاب قبل وبعد الصلاة، والجهر بأدعية تحمل مضموناً طائفياً خلال الصلوات، وتخصيص خطبة الجمعة للتحريض على مختلف المذاهب والديانات.

وحسب أحد السكان، فقد اتفقوا منذ ما يقارب الشهرين على أن يجتمعوا كل يوم في أحد المنازل للمقيل معاً، وتأدية الصلاة للحفاظ على جماعيتها، وبسبب الازدحام بعد ازدياد أعداد المنضمين لهم؛ قام أحد الأهالي بتخصيص مساحة من فناء منزله لأداء الصلاة فيها من حين لآخر.

قادة حوثيون في جامع معاذ بن جبل في بلدة الجند بالقرب من تعز حيث يستخدمونه مقراً عملياتياً ومنبراً طائفياً (إعلام حوثي)

ورغم أن صلاة سكان الحارة لم تكن منتظمة، ولم يتحول فناء المنزل إلى جامع؛ فإن عناصر الميليشيات لاحظوا عزوف مزيد من الناس عن الصلاة في الجامع، ومن خلال مخبريهم علموا باتفاق السكان على هجرة الصلاة في المسجد، فشرع خطيب المسجد في التحريض ضدهم، واتهامهم بموالاة الأعداء، والتخطيط للتمرد.

اضطر الأهالي بعدها لتجنب التجمع لصلاة الجماعة، واكتفوا بعدم الذهاب إلى المسجد، تعبيراً عن رفضهم لممارسات الميليشيات وتحريضها ضد المذاهب والديانات وأفراد المجتمع؛ لكنهم أصبحوا يخشون التعرض للتنكيل بعد أن صارت مواقفهم مكشوفة.

تصعيد ضد البهائيين

في غضون ذلك، انتقل التحريض على أتباع الطائفة البهائية من منابر الجوامع التي تسيطر عليها الميليشيات الحوثية إلى وسائل إعلامها، رغم كل المواقف الدولية التي أدانت واستنكرت ممارسات الميليشيات وإجراءاتها التعسفية ضد عدد من أتباع الطائفة، واختطاف 16 شخصاً منهم، مع استمرار محاكمة 24 آخرين منذ سنوات.

ووصفت النسخة الحوثية من وكالة «سبأ» الطائفة البهائية بصنيعة الاستعمار الصليبي بمختلف مسمياته ومراحله التاريخية، متهمة إياها بمحاربة الإسلام وتشويه صورة المسلمين، وطمس معالم المسلمين وإضعافهم، وزراعة الانقسام في أوساطهم، وسلخهم وإبعادهم عن عقيدتهم، وهدم الأسرة وإلغاء الأديان والأوطان واللغات، وتهيئة العالم الإسلامي ليقع تحت سيطرة الاستعمار، حسبما ورد في تقرير للوكالة.

ويأتي هذا التصعيد الحوثي ضد الطائفة البهائية رداً على المواقف الدولية المساندة للبهائيين في مواجهة التعسفات الحوثية، وآخر تلك المواقف البيان الصادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان الذي رفض مختلف الممارسات ضد الأقليات والجماعات الدينية، وأعرب عن قلق المنظمة الأممية من استخدام الميليشيات الحوثية منابرها للتمييز والتحريض على العنف.

مجموعة من أتباع الأقلية البهائية في وقفة احتجاجية على الممارسات الحوثية ضد طائفتهم (إ.ب.أ)

وانتقدت المفوضية اختطاف الميليشيات الحوثية أتباع الأقلية البهائية، معربة عن مخاوفها من تبعات الخطبة التي حرض فيها شمس الدين شرف الدين، القيادي الحوثي المنتحل صفة المفتي، على قتل البهائيين والمجموعات الدينية الأخرى، وحذرت من خطورة هذا الخطاب الذي يتحدى القانون الدولي بشكل صارخ.

تراخيص مقابل الملازم

في سياق متصل، عاودت الميليشيات الحوثية اقتحام مسجد ومركز التوحيد للعلوم الشرعية في بلدة المعاين شمال مدينة إب (198 كيلومتراً جنوب العاصمة صنعاء) أواخر مايو (أيار) الماضي، وطردت أكثر من 400 من طلابه، وأحلت أتباعها الذين استقدمتهم من مناطق أخرى مكانهم، وذلك بعد أن اقتحمته صبيحة عيد الفطر، ومنعت إلقاء خطبة العيد فيه.

وسبق ذلك بأسابيع إغلاق ثلاثة -على الأقل- من مراكز تحفيظ القرآن في العاصمة صنعاء، وطرد طلابها، واختطاف القائمين عليها، بذريعة مخالفة ما تسمى «المسيرة القرآنية»، كما جاء في بيانات منظمات حقوقية، في حين شهد شهر رمضان الفائت منع إقامة صلاة التراويح في عدد كبير من الجوامع والمساجد في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعة، وفقاً للمنظمات.

ويؤكد رجال دين يمنيون أن ميليشيات الحوثي تساوم المراكز الدينية، بتوجيهها لتقديم دروس من ملازم مؤسس الميليشيات حسين الحوثي، مقابل السماح لها بالاستمرار في أنشطتها، ولأجل ذلك ابتدعت إجراءً جديداً يتمثل بحصول هذه المراكز على تراخيص ممارسة الأنشطة من مكتب الإرشاد التابع للجماعة.

وتتضمن شروط الحصول على هذه التراخيص تقديم دروس من ملازم حسين الحوثي، وتعاليم تتوافق مع مشروع الميليشيات. ومن دون الالتزام بهذه الشروط؛ فإن تلك المراكز مهددة بالإغلاق، وتعرض القائمين عليها لإجراءات تعسفية.

وتعدّ محافظة إب أكثر المحافظات التي تعاني فيها المراكز الدينية من تعسفات واضطهاد الميليشيات الحوثية.



اندماج «قوات حماية حضرموت» في قوام الداخلية اليمنية

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
TT

اندماج «قوات حماية حضرموت» في قوام الداخلية اليمنية

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)

في خطوةٍ تأتي ضمن مسار إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية في المحافظات اليمنية المحررة، والتي تشرف عليها قيادة القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية، أعلنت قوات حماية حضرموت اندماجها رسمياً في قوام القوات الحكومية التابعة لوزارة الداخلية، لتكون أول تشكيل مسلح يُنجز هذه الخطوة بشكل كامل، في تطور يُنظر إليه بوصفه مرحلة مهمة في جهود توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة الدولة.

وجاءت هذه الخطوة في وقت تواصل فيه قيادة القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية، الذي تقوده السعودية، الإشراف على عملية إعادة الهيكلة، ودمج التشكيلات المختلفة، وتوحيدها تحت سلطة وزارتي الدفاع، والداخلية.

وفي هذا السياق أعلنت قوات حماية حضرموت، التي يقودها عمر بن حبريش، رئيس حلف قبائل حضرموت ووكيل أول المحافظة، تأييدها الكامل، ومباركتها للقرارات الصادرة عن القيادة السياسية والعسكرية في البلاد، ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة رشاد العليمي، وذلك بدعم وتنسيق مع التحالف، وبما يهدف إلى توحيد القوات المسلحة، والأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلاتها، وتعزيز منظومة الأمن والاستقرار في محافظة حضرموت، ساحلاً، ووادياً.

قوات حماية حضرموت ساهمت في تأمين المكلا خلال الاضطرابات الأخيرة (إعلام عسكري)

القوات التي تشكلت منتصف العام الماضي، ولعبت دوراً مهماً في الأحداث الأخيرة التي شهدتها المحافظة، خصوصاً في تأمين حقول النفط، وعاصمة المحافظة (المكلا)، أعلنت دعمها لخطوات تنظيم ودمج القوات الأمنية، بما في ذلك قوات النخبة الحضرمية، تحت مظلة وزارة الداخلية، بما يسهم في توحيد الجهود الأمنية، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، ورفد الأجهزة الأمنية بالكفاءات المدربة، والمؤهلة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة.

ووفق بيان قوات حماية حضرموت، فإنها باشرت بالفعل اتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة لتنفيذ عملية الضم، وبالتنسيق مع القيادة السياسية والعسكرية العليا، وقيادة التحالف الداعم للشرعية في المحافظة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، على أن تتبعها خطوات ميدانية خلال الأيام القليلة المقبلة، بما يعزز جاهزية القوات الأمنية، ويرسخ دعائم الأمن والاستقرار في مختلف مديريات ساحل ووادي حضرموت.

إشادة بالأداء

أكدت القوات في بيانها أن ما تحقق من إنجازات خلال المرحلة الماضية يعكس مستوى عالياً من الولاء الوطني، والانضباط المؤسسي لدى منتسبيها، حيث قدمت نموذجاً متميزاً في أداء الواجب، وأسهمت بفاعلية في تثبيت الأمن، ومكافحة الجريمة، وحماية المنشآت الحيوية في مختلف مراحل العمل الميداني.

قوات حماية حضرموت أول تشكيل مسلح يندمج في إطار القوات الحكومية (إعلام عسكري)

وأضافت أن هذا الرصيد يمثل قاعدة صلبة لمواصلة العمل بروح وطنية مسؤولة في إطار مؤسسات الدولة، وبما يخدم مصلحة الوطن والمواطن.

كما تعهد هذا التشكيل المسلح بالعمل تحت قيادة الدولة اليمنية، والتحالف العربي، والمضي قدماً في تنفيذ المهام الموكلة إليه بكفاءة، بما يعزز وحدة الصف الوطني، ويحقق تطلعات أبناء حضرموت في الأمن والاستقرار والتنمية، في ظل تحديات أمنية واقتصادية مستمرة تشهدها البلاد.

ترتيبات لإعادة الانتشار

وفق مصادر محلية، فإن قوام المنطقة العسكرية الثانية، الخاضعة لإشراف وزارة الدفاع، سيشمل لواء الريان، ولواء حضرموت، ولواء شبام، ولواء الدفاع الساحلي، ولواء الأحقاف، بالإضافة إلى لواء بارشيد المرتقب اعتماده، على أن تتمركز هذه القوات خارج المدن لأداء مهامها العسكرية، في إطار فصل المهام بين القوات العسكرية والأمنية.

وبحسب المصادر، سيتم إنشاء قوة أمنية تتبع وزارة الداخلية تكون مساندة للأجهزة الأمنية داخل المدن، وتتولى مهام التدخل السريع، وحفظ الأمن، على غرار قوات الأمن المركزي سابقاً.

قوات حماية حضرموت تولت تأمين حقول النفط (إعلام عسكري)

كما أوضحت أن التشكيلات التي سيتم دمجها ضمن قوات الأمن هي في الأساس وحدات لم تكن تتبع سابقاً قيادة المنطقة العسكرية الثانية، وكانت تعمل خارج هذا الإطار، وتشمل أجزاء من قوات معسكر الربوة، وقوات الدعم الأمني، وقوات حماية حضرموت، حيث سيتم دمجها ضمن الإطار الرسمي لوزارة الداخلية.

وبيّنت المصادر أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي سيصدر لاحقاً قرارات بإنشاء عدد من الألوية العسكرية الجديدة من أفراد قوات حماية حضرموت، وقوات أخرى، لتغطية كامل جغرافيا حضرموت ضمن المنطقتين العسكريتين الأولى (وادي حضرموت)، والثانية (الساحل)، والتي تمتد مهامها لتشمل أيضاً محافظتي المهرة، وأرخبيل سقطرى، في خطوة تهدف إلى تعزيز الانتشار الأمني والعسكري، وتحقيق الاستقرار المستدام.


غروندبرغ يكثف لقاءاته في عدن لدعم جهود الحكومة اليمنية

مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
TT

غروندبرغ يكثف لقاءاته في عدن لدعم جهود الحكومة اليمنية

مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)

تكثّف الأمم المتحدة تحركاتها في اليمن في مسعى لدعم الاستقرار الاقتصادي، بالتوازي مع جهود إحياء العملية السياسية، في ظل بيئة إقليمية مضطربة تلقي بظلالها الثقيلة على بلد يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم.

في هذا السياق، أجرى المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، سلسلة لقاءات رفيعة في العاصمة المؤقتة عدن مع مسؤولين حكوميين، تناولت مجمل التحديات المالية والاقتصادية، وآفاق التخفيف من تداعيات الصراع المستمر.

وشملت اللقاءات محافظ البنك المركزي اليمني، ووزراء المالية والنفط والمعادن، إضافةً إلى وزيرة الدولة لشؤون المرأة، في إطار مقاربة شاملة تربط بين الاستقرار الاقتصادي والتقدم السياسي، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تشكل عصب الاقتصاد الوطني.

تأتي هذه اللقاءات ضمن زيارة يُجريها المبعوث الأممي إلى عدن، في إطار جهوده المستمرة لدفع عملية سياسية شاملة بقيادة يمنية، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات التصعيد الإقليمي، خصوصاً مع انخراط الحوثيين في صراعات أوسع في المنطقة.

وتسعى الأمم المتحدة -حسب مراقبين- إلى تعزيز التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لضمان تكامل الجهود الداعمة لليمن، وتجنب تشتت المبادرات، بما يسهم في إعادة بناء الثقة بين الأطراف اليمنية، وتهيئة الظروف الملائمة لإحياء مسار السلام.

الضغوط الاقتصادية

في لقائه مع محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، استعرض المبعوث الأممي مستجدات الأوضاع المالية والنقدية، في ظل استمرار الضغوط على الاقتصاد اليمني نتيجة الحرب والانقسامات المؤسسية.

وناقش الجانبان -وفق المصادر الرسمية- تأثير التطورات الإقليمية، بما في ذلك اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، فضلاً عن تقلبات أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهي عوامل زادت من هشاشة الاقتصاد اليمني.

غروندبرغ التقى في عدن محافظ البنك المركزي اليمني (سبأ)

وأكد اللقاء أن هذه المتغيرات العالمية تضاعف من معاناة الدول التي تعاني نزاعات طويلة، وعلى رأسها اليمن، حيث تنعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء والوقود، مما يفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين. كما جرى تأكيد أهمية تكثيف التنسيق الدولي والإقليمي لاحتواء التوترات في منطقة تعد من أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

واستعرض اللقاء الإجراءات المتخَذة لتأمين احتياجات السوق المحلية من السلع الأساسية، من خلال اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، لضمان انسيابية تدفق الغذاء والدواء والوقود إلى جميع المحافظات دون استثناء، رغم التحديات اللوجيستية والمالية.

النفط والغاز

في محور آخر، برز قطاع النفط والغاز بوصفه أحد أبرز الملفات التي ناقشها المبعوث الأممي مع وزير النفط والمعادن محمد بامقاء، حيث تم التأكيد أن هذا القطاع يمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد اليمني، في وقت لا تزال صادراته متوقفة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022 نتيجة الهجمات التي استهدفت موانئ التصدير.

وأشار الوزير إلى أن توقف تصدير النفط والغاز المسال أدى إلى تراجع حاد في الإيرادات العامة، مما انعكس سلباً على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك صرف رواتب الموظفين وتمويل الخدمات الأساسية. كما لفت إلى الجهود المبذولة لضمان استقرار إمدادات المشتقات النفطية والغاز المنزلي في المناطق المحررة، رغم التحديات القائمة.

المبعوث الأممي التقى في عدن وزير النفط والمعادن في الحكومة اليمنية (سبأ)

وتطرّق النقاش إلى الاختلالات السعرية التي تشهدها الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين، وما وصفته الحكومة باستخدام العائدات لأغراض تهدد الاستقرار الاقتصادي. وفي المقابل، شدد المبعوث الأممي على أهمية استئناف التصدير بوصفه خطوة محورية لدعم التعافي الاقتصادي، داعياً إلى تعزيز التنسيق لإيجاد حلول عملية ومستدامة.

إصلاحات مالية وتمكين المرأة

اقتصادياً، ناقش وزير المالية اليمني مروان بن غانم، مع المبعوث الأممي أولويات الحكومة في استعادة الاستقرار المالي، بما يشمل تعزيز الانضباط المالي، وإدارة النقد الأجنبي، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية. كما جرى التطرق إلى ملامح موازنة 2026، التي تركز على ترشيد الإنفاق، وإعطاء الأولوية للرواتب والخدمات، وتحسين كفاءة إدارة الموارد.

المبعوث غروندبرغ خلال لقائه وزير المالية في الحكومة اليمنية (سبأ)

وسلَّط اللقاء الضوء على استئناف مشاورات المادة الرابعة مع صندوق النقد الدولي بعد انقطاع دام أكثر من عقد، بوصفها خطوة مهمة نحو تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة، تشمل تحسين تحصيل الإيرادات، وإلغاء الرسوم غير القانونية، وتعزيز الشفافية المالية.

في سياق متصل، بحثت وزيرة الدولة لشؤون المرأة، عهد جعسوس، مع المبعوث الأممي، سبل تعزيز تمكين المرأة، بوصفه عنصراً أساسياً في تحقيق التنمية والاستقرار. وشددت على أهمية إشراك المرأة في مواقع صنع القرار، ودعم مشاركتها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية، فيما أكد غروندبرغ التزام الأمم المتحدة بدعم هذا التوجه.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

حذر وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، من تداعيات قرار الجماعة الحوثية شطب آلاف الوكالات التجارية في مناطق سيطرتها، عادّاً الخطوة تصعيداً خطيراً يندرج ضمن ما وصفه بـ«تفكيك ممنهج» لما تبقى من القطاع الخاص، في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة تشهدها البلاد منذ سنوات.

وقال الإرياني في تصريح صحافي إن إقدام الجماعة على شطب السجل التجاري والتراخيص لأكثر من 4225 وكالة تجارية محلية ودولية دفعة واحدة، يمثل «مجزرة اقتصادية» تستهدف البنية التجارية، وتقوض ما تبقى من النشاط الاقتصادي المنظم. وأوضح أن هذه الإجراءات تشكل «ضربة مباشرة لآخر أعمدة السوق، وتفاقم من حدة الانهيار الاقتصادي» الذي تعانيه مناطق سيطرة الحوثيين.

وأشار الوزير إلى أن هذه الخطوة تأتي «ضمن مسار متواصل منذ انقلاب الجماعة، لإعادة تشكيل سوق الوكالات التجارية بما يخدم مصالحها، عبر إقصاء الوكلاء الشرعيين، وفتح المجال أمام كيانات تابعة لها للاستحواذ على التوكيلات الحصرية». وعدّ أن ما يجري يعكس توجهاً واضحاً نحو إحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد، في امتداد لسياسات المصادرة وإعادة توزيع الموارد خارج الأطر القانونية.

وأضاف الإرياني أن الجماعة تعمل على ترسيخ نموذج «اقتصاد موازٍ» يقوم على «الاحتكار والجباية، ويعتمد على شبكات مغلقة تديرها عناصر موالية لها؛ مما يؤدي إلى تهميش القطاع الخاص التقليدي، وإضعاف بيئة الأعمال». ولفت إلى أن هذه السياسات أسهمت في «إفلاس عدد كبير من التجار، وإغلاق شركات ومصانع، فضلاً عن تسارع وتيرة خروج رؤوس الأموال إلى الخارج».

وأكد أن الانعكاسات الاجتماعية لهذه الإجراءات كانت قاسية، «حيث فقد عشرات الآلاف من العمال مصادر دخلهم، في ظل غياب أي شبكات أمان أو بدائل اقتصادية، الأمر الذي فاقم من مستويات الفقر والبطالة».

وجدد الوزير التأكيد على أن قرارات شطب الوكالات «تفتقر إلى أي أساس قانوني، وتمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد العمل التجاري»، داعياً رجال الأعمال والشركات المتضررة إلى نقل أنشطتهم إلى المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، حيث تتوفر - وفق قوله - بيئة أكبر استقراراً وضمانات قانونية لممارسة الأعمال بعيداً من الضغوط والممارسات التعسفية.