خطوات مهّدت لعودة العلاقات المصرية - التركية

من إغلاق قنوات «الإخوان» إلى مصافحة السيسي وإردوغان وصولاً لتبادل السفراء

مصافحة الرئيس المصري ونظيره التركي بحضور أمير قطر على هامش افتتاح كأس العالم (الرئاسة المصرية)
مصافحة الرئيس المصري ونظيره التركي بحضور أمير قطر على هامش افتتاح كأس العالم (الرئاسة المصرية)
TT

خطوات مهّدت لعودة العلاقات المصرية - التركية

مصافحة الرئيس المصري ونظيره التركي بحضور أمير قطر على هامش افتتاح كأس العالم (الرئاسة المصرية)
مصافحة الرئيس المصري ونظيره التركي بحضور أمير قطر على هامش افتتاح كأس العالم (الرئاسة المصرية)

لم يتوقع كثيرون أن تكون الانعطافة في العلاقات المصرية - التركية بتلك السرعة، وبهذا التصاعد، ففي غضون نصف عام، تجاوزت القاهرة وأنقرة «جفاءً وتوتراً» في علاقتهما دام لعقد كامل، وانتقل البلدان سريعاً من مساعي «تطبيع» العلاقات، إلى الاتفاق على «ترفيع» التمثيل الدبلوماسي، وربما تشهد الآونة المقبلة لقاء قمة بات متوقعاً بين رئيسي البلدين.

طريق استعادة العلاقات المصرية - التركية مر بمحطات عدة، مهدت السبيل أمام البلدين اللذين جمعتهما علاقات تاريخية، وفرقتهما دروب السياسة بعد عام 2013، عندما أطاحت مظاهرات «حاشدة» للمصريين ساندتها القوات المسلحة المصرية، بحكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، لكن ما أفسدته «الآيديولوجيا» أعادت «البراغماتية» ترميمه، ولو بعد عقد كامل، بحسب ما يرى مراقبون.

ولم يكن اتفاق الرئيسين؛ المصري عبد الفتاح السيسي، والتركي رجب طيب إردوغان، خلال اتصال هاتفي (مساء الاثنين)، للتهنئة بفوز الأخير بالانتخابات الرئاسية، وإعادة انتخابه رئيساً لتركيا لفترة رئاسية جديدة، على «البدء الفوري» في ترفيع العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين وتبادل السفراء، سوى محطة جديدة في طريق ممتد، بدت بعض خطواته بعيدة عن الأضواء، حيث جرت أبرز مراحله الأخرى في محفل بعيد تماماً عن أجواء السياسة التقليدية».

ففي منتصف عام 2021، بدأ البلدان جولتين من المحادثات الاستكشافية لـ«تطبيع العلاقات»، وقدمت أنقرة بعض الإشارات التي تؤكد جديتها في طي صفحة التوتر مع القاهرة، وكان من أبرز تلك الإشارات إصدار تعليمات صارمة لقيادات تنظيم «الإخوان» ومنابرهم الإعلامية التي تنطلق من الأراضي التركية، بوقف تحريضها ضد القاهرة، وبالفعل أغلقت عدة قنوات تابعة للتنظيم، ورحل عدد منها إلى عواصم أخرى، بينما خضع من لم يلتزم من إعلاميي «الإخوان» للتوقيف من جانب السلطات التركية.

وجاءت الخطوة العلنية الأبرز على هامش حضور رئيسي البلدين حفل افتتاح كأس العالم لكرة القدم، الذي استضافته العاصمة القطرية الدوحة، نهاية العام الماضي، جرت أول مصافحة بين السيسي وإردوغان، وتحدث الأخير عن عقده «لقاءً مثمراً» امتد لأكثر من أربعين دقيقة مع الرئيس المصري، لتنطلق بعدها خطوات متسارعة نحو التقارب.

وفي غضون بضع أسابيع، التقى وزيرا خارجية البلدين، اللذين لم يلتقيا لأكثر من 10 سنوات، ثلاث مرات؛ إذ زار وزير الخارجية المصري سامح شكري تركيا مرتين في أقل من ستة أسابيع، بينما زار نظيره التركي مولود جاويش أوغلو، القاهرة في مارس (آذار) الماضي.

وجاءت أزمة زلزال 6 فبراير (شباط) من العام الحالي، لتعطي العلاقات بين البلدين «نفساً إنسانياً»، تجسد في اتصالات هاتفية بين رئيسي البلدين، وتقديم مصر مساعدات إغاثية عاجلة، ثم تبادل وزيرا الخارجية الزيارات، لتنطلق بعدها عجلة تسريع وتيرة التقارب، سواء عبر تصريحات إيجابية من الطرفين، أو ترتيبات متأنية اتخذت طابعاً ثنائياً وإقليمياً.

«الإرادة السياسية» كلمة مفتاحية، يراها الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة «مهمة لفهم أسباب تسارع وتيرة التقارب المصري التركي، مشيراً إلى أن البلدين سعيا إلى بناء الصفحة الجديدة في علاقتهما على قاعدة المصالح المشتركة، والفوائد المتبادلة».

ويضيف فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن التقارب بين القاهرة وأنقرة، لم يقتصر على البعد الثنائي فقط، بل دعت إليه كذلك «معادلات كبرى في الإقليم»، لافتاً إلى أن المنطقة تشهد خلال الآونة الأخيرة تحولات يصفها بـ«الاستراتيجية»، من إقليم شرق المتوسط إلى ليبيا، وصولاً إلى تطبيع العلاقات السعودية - الإيرانية، والتركية - السورية.

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية أن القاهرة وأنقرة «نجحتا في القفز على الخلافات الصغيرة في ملفات إقليمية، وانتقلتا إلى رؤية أكثر اتساعاً لشؤون الإقليم، تراعي حجم ودور البلدين، والمتغيرات المحيطة بالمنطقة، والتي تفرض تنسيقاً عالي المستوى بين العاصمتين».

وأوضح أن الطرفين المصري والتركي يدركان تماماً قيمة ما يمكن أن يقدمه كل طرف للآخر؛ فمصر تستطيع لعب دور مهم يدعم مسار تطبيع العلاقات التركية - السورية، واستيعاب تركيا في منظومة منتدى غاز شرق المتوسط، وفي المقابل تستطيع تركيا دفع المسار الليبي خطوات إلى الأمام، كما أن معادلة العلاقات بين مصر وتركيا وإسرائيل، يمكن أن يكون لها ثقل مستقبلي في مواجهة العديد من التحديات التي يشهدها الإقليم.

وبالفعل كان الملف الليبي إحدى العقبات البارزة في مسار العلاقات المصرية التركية، و«مقياساً» دائماً لجدية أنقرة في التقارب مع القاهرة، وكثيراً ما اعتبرت مصر أي تدخل خارجي في الشأن الليبي، مساساً بأمنها القومي، ودعت في أكثر من مناسبة إلى إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية.

لكن مصر التي حدد رئيسها في يونيو (حزيران) 2020 «خطاً أحمر» لوقف التصعيد بين قوات شرق ليبيا ونظيرتها في الغرب المدعومة من تركيا، حافظت طيلة سنوات التوتر مع أنقرة على أن تبقى العلاقات الاقتصادية بمنأى عن الاحتقان السياسي، وبالفعل سارت تلك العلاقات في اتجاه مغاير لما اتخذه المسار السياسي، فزاد مُعدل النمو في التبادل التجاري بين البلدين بمقدار 32.6 في المائة في 2021، بحسب إحصاءات رسمية مصرية.

البعد الاقتصادي يراه حسن الشاغل، الباحث بمركز «الأناضول» لدراسات الشرق الأدنى، «عاملاً أساسياً وحاسماً» في استعادة العلاقات المصرية - التركية لطبيعتها. ويلفت إلى أن الأزمات الاقتصادية التي عانتها الدولتان خلال الفترة الماضية دفعت باتجاه تغليب أطر التعاون وتسوية المشكلات، «بحثاً عن حلول تنعش الاقتصاد، لإدراك كل دولة أنها بحاجة إلى الدولة الأخرى».

ويضيف الشاغل لـ«الشرق الأوسط» أن تركيا صارت الآن أكبر مستقبل للغاز المصري، وهو ما يوفر تكلفة الشحن بالنسبة لتركيا لقرب المسافة مع مصر، كما أن هناك العديد من المنتجات المصرية مثل الحاصلات الزراعية والقطن تمثل أهمية بالنسبة لتركيا، كما أن الاستثمارات الصناعية التركية، وزيادة التبادل التجاري يمثلان أهمية للقاهرة.

ويلفت الباحث بمركز «الأناضول» لدراسات الشرق الأدنى، الانتباه كذلك إلى أن استعادة العلاقات المصرية - التركية لطبيعتها يخدم توجهات إقليمية، تدفع باتجاهها المملكة العربية السعودية، وهو إرساء نموذج التنمية الإقليمية عبر تصفير مشكلات المنطقة، وهو ما سيمثل «دفعة قوية للاستقرار الإقليمي برمته».

ويرى الشاغل أيضاً أن تنقية أجواء العلاقات المصرية - التركية يمكن أن تسهم في إغلاق ملف يصفه بـ«الشائك»، وهو ترسيم الحدود البحرية في منطقة شرق المتوسط، مؤكداً أن مصر وتركيا بلدان محوريان في هذا الصدد، ومن شأن التقارب بينهما تقريب الحل النهائي للعديد من المشكلات في تلك المنطقة الحيوية.


مقالات ذات صلة

تركيا: إحالة 3 متهمين بهجوم قنصلية إسرائيل على القضاء

شؤون إقليمية انتشار لقوات الأمن التركية في موقع الهجوم على نقطة شرطة بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في 7 أبريل (أ.ب)

تركيا: إحالة 3 متهمين بهجوم قنصلية إسرائيل على القضاء

أحالت سلطات التحقيق التركية 3 من المتهمين بالهجوم على القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول على القضاء.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة... تركيا 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ) p-circle

تركيا: على «الناتو» إعادة ضبط علاقاته مع ترمب في قمة أنقرة

قالت تركيا، الاثنين، إنه يتعيّن على دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) العمل خلال القمة المقبلة في يوليو (تموز) بأنقرة على إعادة ضبط العلاقات مع الرئيس الأميركي ترمب.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
الاقتصاد مدخل البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)

بعد خسارة 55 مليار دولار... احتياطيات تركيا تعود للنمو

قال مصرفيون إن البنك المركزي التركي اشترى 13 مليار دولار من العملات الأجنبية الأسبوع الماضي في تحول عن الاتجاه السابق منذ بداية حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (أنقرة )
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مؤتمر صحافي سابق في أنقرة (إ.ب.أ)

وزير الخارجية التركي: إسرائيل تريد أن تجعلنا «عدواً جديداً»

اتهم وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إسرائيل، الاثنين، بأنها تريد جعل بلاده «عدواً جديداً» لها بعد إيران.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية تجمع لأنصار المعارضة التركية في نيفشهير (وسط) السبت للمطالبة بتنظيم انتخابات مبكرة (حساب حزب الشعب الجمهوري في «إكس»)

تصاعد الجدل بشأن الانتخابات المبكرة في تركيا

تصاعدت حدة الجدل حول دعوة رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المعارض، أوزغور أوزيل، لإجراء انتخابات فرعية بالبرلمان من شأنها أن تقود إلى توجه البلاد إلى انتخابات مبكرة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.