«مخاوف الإقصاء» من الانتخابات تتصاعد داخل الأحزاب الليبية

عقب تسريبات لجنة «4+4» بتطبيق النظام الفردي بديلاً عن «القائمة»

امرأة ليبية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية بتاجوراء الليبية (البعثة الأممية)
امرأة ليبية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية بتاجوراء الليبية (البعثة الأممية)
TT

«مخاوف الإقصاء» من الانتخابات تتصاعد داخل الأحزاب الليبية

امرأة ليبية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية بتاجوراء الليبية (البعثة الأممية)
امرأة ليبية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية بتاجوراء الليبية (البعثة الأممية)

تتصاعد مخاوف الأحزاب السياسية في ليبيا مما تصفه بـ«الإقصاء» من أي انتخابات تشريعية مقبلة، على خلفية تسريبات بشأن تفاهمات داخل لجنة «4+4» قد تمهد لاعتماد النظام الفردي بدلاً من القوائم الحزبية، في وقت تستعد فيه اللجنة لتوقيع اتفاق بشأن القوانين الانتخابية مجدداً.

وترى أحزاب ليبية أن اعتماد النظام الفردي، حال إقراره، سوف يهمّش دورها السياسي ويُضعف فرص قيام حياة حزبية قائمة على البرامج والكتل، في حين تواجه هذه الأحزاب انتقادات مقابلة، تتعلق بمحدودية حضورها الشعبي وقدرتها على التأثير في الشارع الليبي على نحو كافٍ.

وبدأت ملامح القلق في الظهور من خلال تحركات سياسية متلاحقة خلال الأيام الماضية، إذ وجّهت 57 حزباً سياسياً رسالة إلى مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، الأربعاء، طالبت فيها بتوضيح موقف البعثة من أي توجه «يُقصي» القوائم الحزبية خلال الانتخابات.

ممثلو الجيش الوطني الليبي لحظة التوقيع بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق اجتماع «4+4» في العاصمة التونسية أغسطس الحالي (البعثة الأممية)

ولم تشهد ليبيا انتخابات تشريعية منذ انتخابات عام 2014، التي أفرزت البرلمان الحالي، في ظل صراعات سياسية وحروب أهلية متعاقبة. كما أخفقت البلاد قبل خمسة أعوام في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، بعدما حالت ظروف وصفتها السلطات بـ«القوة القاهرة» دون إتمامها.

وحسب ما تسرّب من تفاهمات لجنة «4+4»، ولم تنفه البعثة الأممية أو الأطراف المنخرطة فيها، قد يقتصر حق الأحزاب في المشاركة على تقديم مرشحين أفراد في الدوائر الانتخابية.

وتخوفاً من الإقصاء، دعت الأحزاب في رسالتها للمبعوثة الأممية، إلى ألا تقل نسبة تمثيلها عن 80 في المائة من مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، ملوحة باللجوء إلى القضاء الدستوري للطعن في أي تشريع أو ترتيب انتخابي يحرمها من المشاركة عبر قوائمها ومؤسساتها، وبرامجها السياسية المعتمدة رسمياً بشكل فعّال.

وفي تحرك منفصل، وقّعت 81 حزباً سياسياً على مراسلة مشتركة طالبت فيها مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» أخيراً بضمان حقها في الانتخابات المقبلة دون إقصاء، كما تكرر الظهور لقيادات أحزاب سياسية ليبية وهي تبدي مخاوفها من تسريبات لجنة «4+4».

وتعود الاعتراضات الأساسية للأحزاب، وفق قيادات سياسية، إلى احتمال العودة لقانون انتخابي أُجريت على أساسه الانتخابات التي أفرزت مجلس النواب الحالي قبل نحو 12 عاماً، بدلاً من قانون أُعد عام 2023 وعدّلته لجنة «6+6» المشتركة بين مجلسي النواب والدولة أيضاً.

ويمنح قانون 2023 المعدل، حسب هذه الأحزاب، مساحة أوسع لمشاركة القوى السياسية، فيما تخشى من أن يؤدي النظام الفردي إلى إعادة إنتاج تركيبة برلمانية مشابهة للحالية، من دون كتل سياسية متماسكة تتنافس على أساس البرامج والرؤى والمشروعات الوطنية على المستوى الوطني.

تيتيه خلال إحاطة أمام مجلس الأمن عبر تقنية التواصل المرئي الثلاثاء الماضي (البعثة الأممية)

وهنا يرى رئيس الحزب المدني الديمقراطي، محمد سعد مبارك، أن هناك «اعتراضاً شديداً» من جانب الأحزاب على ما تسرّب من مخرجات لجنة «4+4»، معتبراً أنها «استبعدت الأحزاب من المنافسة» عبر اعتماد قانون أفرز البرلمان الحالي قبل سنوات طويلة في البلاد.

وحذّر مبارك، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، من أن التنافس وفق نظام المستقلين والأفراد «سيُنتج برلماناً جديداً مشابهاً للحالي، في ظل غياب كتل سياسية لها رؤى وبرامج»، مشيراً إلى أن ذلك قد يعزّز المصالح الشخصية، و«يفتح الباب أمام القبلية والمال الفاسد» ويضعف التنافس السياسي المتزايد.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد الأحزاب السياسية في ليبيا يقارب 95 حزباً، رغم عدم وجود إحصاء موثق ونهائي لعدد الأحزاب المعتمدة رسمياً من اللجنة الحكومية المختصة، التابعة لحكومة «الوحدة» في غرب البلاد، كما اندمج منها في تحالفات سياسية.

لكن هذه الأحزاب تواجه انتقادات حادة تتعلّق بضعف حضورها الشعبي، ومحدودية تأثيرها السياسي، إذ يرى منتقدون أن نشاط بعضها لا يتجاوز حضوراً افتراضياً على منصات التواصل الاجتماعي، ولا ينعكس بالضرورة على مواقف الناخبين، أو اتجاهاتهم الانتخابية في الشارع الليبي المحلي.

ويقر أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنغازي، محمد حسن مخلوف، بمحدودية حضور الأحزاب في الشارع الليبي، لكنه يعزو ذلك إلى حداثة التجربة والظروف التي نشأت فيها، مشيراً إلى أن الحياة الحزبية مرت بمراحل متقطعة منذ الاستقلال وحتى اليوم في ليبيا.

ويشخّص مخلوف لـ«الشرق الأوسط» هذا الواقع بالقول إن التجربة الحزبية «وليدة وشهدت مخاضاً صعباً ودون مستوى الطموح»، مشيراً إلى أنها كانت محدودة في عهد الملك إدريس السنوسي، قبل أن تتوقف بعد وصول معمر القذافي إلى السلطة عام 1969، ثم عادت بعد فبراير (شباط) 2011 وسط تحديات.

وأضاف مخلوف أن «ولادتها الثانية» جاءت «في بيئة سياسية وأمنية غير مستقرة، بما ضاعف التحديات أمامها»، مؤكداً أهمية دعم الأحزاب وتقوية دورها من خلال إشراكها في العملية السياسية، ومشيراً إلى تعاون بعضها مع البعثة الأممية وأطراف دولية منحها حضوراً سياسياً ملحوظاً.

وبالنسبة إلى مبارك فإن منح الأحزاب دوراً حقيقياً في الانتخابات يمكن أن يساعدها على استعادة ثقة الشارع، قائلاً إن «للأحزاب دوراً سياسياً ومكانة شعبية إذا ما كانت هي أداة التنافس الديمقراطي، والوسيلة التي تضمن تبني العمل المؤسسي والجماعي المنظم» داخل الدولة.

وكانت لجنة «4+4»، التي تضم ممثلين عن الجيش الوطني الليبي في شرق البلاد وحكومة «الوحدة» في غربها، قد وقّعت قبل 9 أيام، بالأحرف الأولى، مسودة اتفاق نهائي بشأن مجلس المفوضية والقوانين الانتخابية، بانتظار التوقيع الرسمي، دون موعد معلن لذلك حتى الآن.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

بولس يتحدث عن تقدم باتجاه توحيد الجيش الليبي

شمال افريقيا اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)

بولس يتحدث عن تقدم باتجاه توحيد الجيش الليبي

تحدث مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس عن «إحراز تقدم في مسار التعاون العسكري بين شرق ليبيا وغربها»

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)

مطالب متصاعدة بمشاركة أوسع للمرأة الليبية في الحياة السياسية

يتسع حضور المرأة الليبية تدريجياً في مواقع القيادة والعمل البرلماني مع اختراقات لافتة حققتها أخيراً بالمجالس البلدية إلى جانب مشاركتها بالحوار السياسي

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من ظاهرة «حراك معلمي ومعلمات جنزور» غرب ليبيا الشهر الماضي (النقابة العامة للمعلمين)

معلمو ليبيا يواصلون الإضراب وسط قلق بشأن مستقبل الطلاب

يواصل معلمو ليبيا الإضراب المستمر منذ منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي وسط قلق بشأن مستقبل الطلاب.

جاكلين زاهر (القاهرة )
شمال افريقيا جلسة سابقة لمجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك (لقطة من تسجيل مصور)

ترحيب ليبي بتمديد ولاية البعثة الأممية وسط مخاوف متصاعدة

رحبت أطراف ليبية رئيسية بقرار مجلس الأمن الدولي، الصادر الجمعة، تمديد ولاية البعثة الأممية عاماً إضافياً، لكنها أبدت تحفظات بشأن مسار التسوية السياسية.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا المبعوثة الأممية في ليبيا هانا تيتيه لدى توقيع اتفاق «4+4» في أغسطس الماضي (البعثة الأممية)

أميركا تضغط بالعقوبات لدفع مبادرات التسوية السياسية في ليبيا

لا تبدو التحركات الأميركية الأخيرة في ليبيا منفصلة عن مساعي واشنطن لإعادة ترتيب المشهد السياسي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

النيجر توقع بروتوكول اتفاق في ليبيا مع معسكر حفتر

رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

النيجر توقع بروتوكول اتفاق في ليبيا مع معسكر حفتر

رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقّعت النيجر بروتوكول اتفاق مع «القيادة العامة» التابعة للواء خليفة حفتر الذي يسيطر على شرق ليبيا، لتعزيز التعاون بينهما وفق ما أعلن رئيس وزراء النيجر خلال زيارة له إلى بنغازي الأحد.

وتعاني ليبيا انعدام الاستقرار منذ إطاحة معمر القذافي عام 2011، وهي منقسمة بين حكومة معترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس وإدارة منافسة في الشرق يدعمها القائد العسكري خليفة حفتر. وتمثّل هذه الزيارة تقاربا مع بنغازي رغم أن النيجر تقيم علاقات مع السلطتين في ليبيا.

وأعلن رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين عبر صفحته على فيسبوك أنه استُقبل الأحد من جانب صدام حفتر، نائب قائد الجيش الوطني الليبي ونجل خليفة حفتر. وقال على صفحته في فيسبوك «في إطار تعزيز علاقاتنا الثنائية وتوسيع تعاوننا في مختلف المجالات، قمنا بتوقيع بروتوكول اتفاق للتعاون الاستراتيجي بين ليبيا وجمهورية النيجر».

وفي أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، أُطلق سراح سويسرية ونمسوية كانتا قد خطفتا في شمال النيجر واحتُجزتا رهينتين في منطقة الساحل لأكثر من عام ونصف عام لدى جهاديين من تنظيم داعش، بعد تدخل من بنغازي.

كذلك، تربط النيجر علاقات بطرابلس. وفي منتصف يونيو (حزيران)، استقبل عبد الحميد الدبيبة الأمين زين وبحثا في «القضايا الأمنية والاقتصادية والإقليمية»، وفقا لوسائل الإعلام الرسمية في النيجر.

وعلى طول الحدود بين ليبيا والنيجر، تنشط جماعات متمردة مناهضة للعسكريين الذين وصلوا إلى السلطة في نيامي عبر انقلاب عام 2023، وتعلن هذه الجماعات دعمها للرئيس المخلوع محمد بازوم الذي لا يزال محتجزا لدى المجلس العسكري.

وشنّت هذه الجماعات هجمات ضد الجيش النيجري وخط أنابيب ضخم ينقل النفط الخام النيجري إلى أحد موانئ بنين.


غوتيريش يعلن انتهاء ولاية بعثة الصحراء المغربية بعد 35 عاما

انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)
انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)
TT

غوتيريش يعلن انتهاء ولاية بعثة الصحراء المغربية بعد 35 عاما

انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)
انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم الأحد انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما بعد عدم اتفاق مجلس الأمن على تمديد مهمتها.

ورحب المغرب، الذي يقول إن الصحراء المغربية جزء من أراضيه، بهذا القرار في حين عبر خصومه في جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر عن قلقهم.

وتسعى جبهة البوليساريو إلى إقامة دولة مستقلة في الصحراء المغربية منذ انسحاب إسبانيا، القوة الاستعمارية السابقة، في 1976. وتنتشر بعثة حفظ السلام في المنطقة منذ وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الأمم المتحدة عام 1991.

وقال غوتيريش في بيان إنه بحلول الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) تبدأ «مرحلة تصفية» البعثة بإعادة الأصول إلى الدول التي أسهمت بقوات. وتأتي نهاية عمل البعثة بعد عام من تبني مجلس الأمن الدولي قرارا صاغته الولايات المتحدة وافق فيه على خطة الرباط بمنح الإقليم حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية باعتباره الحل «الأكثر قابلية للتطبيق» لهذا الصراع.

واستخدمت روسيا، التي امتنعت عن التصويت في العام الماضي، حق النقض (الفيتو) هذا العام ضد قرار آخر مدعوم من الولايات المتحدة كان من شأنه ترسيخ تفضيل الأمم المتحدة للخطة المغربية مع تقليص قوة حفظ السلام. ثم رفض مجلس الأمن قرارا روسيا منافسا ليترك ولاية البعثة تنتهي دون تجديد.

وإلى جانب مراقبة وقف إطلاق النار، كُلفت البعثة بتنظيم استفتاء لم يُجرَ قط بسبب الخلافات حول أهلية الناخبين.

وقال وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة لوسائل الإعلام الحكومية إن إشارة البعثة إلى الاستفتاء في اسمها «قواعد موروثة من حقبة أخرى». وأضاف أن الرباط كانت على علم بأن روسيا ستعترض على القرار الذي صاغته الولايات المتحدة، لكنها رأت في ذلك «فرصة باش (لأجل أن) نشوفو (نراجع) بعض قواعد اللعبة».

وذكر الديوان الملكي المغربي أن عدم تجديد ولاية البعثة «تطور هام وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة».

وعبرت وزارة الخارجية الجزائرية أمس السبت عن «بالغ أسفها» لعدم التجديد، وأنحت باللائمة على «الانحياز المفرط» للولايات المتحدة تجاه موقف المغرب. وعبرت جبهة البوليساريو في بيان عن «قلقها إزاء حالة الانسداد الذي ساد جلسة مجلس الأمن».


استطلاع رأي في مصر يعيد جدل «التهجير»

«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)
«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)
TT

استطلاع رأي في مصر يعيد جدل «التهجير»

«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)
«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)

أعاد استطلاع للرأي أجراه مركز «بصيرة للاستشارات وبحوث الرأي العام» في مصر، بشأن أوضاع الفلسطينيين في قطاع غزة، الجدل حول قبول المخطط الإسرائيلي لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، بعدما أظهرت إحدى نتائجه موافقة نحو 50 في المائة من أفراد العينة على «استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة»، لحين إعادة إعمار القطاع.

وأثارت عملية نشر النتائج تحفظات وردود فعل غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، في حين رأى مراقبون أنها «لا تشكل مؤشراً عملياً يمكن الاستناد إليه، ولا تعبّر عن حقيقة التوجهات المصرية في التعامل مع الملف»، وأشاروا إلى أن مصر، رسمياً وشعبياً، أعلنت مراراً «رفض أي سياسة من شأنها دفع الفلسطينيين إلى الهجرة خارج أراضيهم».

ووفقاً لنتائج استطلاع «بصيرة»، الذي أُجري في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأُعلنت تفاصيله في بيان، الأحد، فإن «نحو 73 في المائة من المصريين يرفضون تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، بينما وافق 13 في المائة فقط، ولم يتمكن 14 في المائة من تحديد موقفهم».

وفي حين وافق 90 في المائة من أفراد العينة على «استقبال الفلسطينيين لعلاجهم في مصر» بوجه عام، أيد 50 في المائة استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة إلى حين إعادة إعمار غزة، بينما رفض 38 في المائة ذلك، ولم يتمكن 12 في المائة من تحديد موقفهم. وأشارت النتائج إلى أن «57 في المائة من الموافقين على استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة حاصلون على تعليم أقل من المتوسط».

يواصل «الهلال الأحمر المصري» وجوده على معبر رفح منذ اندلاع الأزمة (الهلال الأحمر)

وأُجري الاستطلاع خلال المدة من 4 إلى 6 أكتوبر الماضي، من خلال مقابلات هاتفية مع عينة من الجمهور بلغ حجمها 906 مواطنين، من الفئة العمرية 18 عاماً فأكثر، وشملت جميع المحافظات المصرية، وفقاً للمركز.

وأثارت هذه النتائج جدلاً في مصر؛ إذ تداول مدونون الأرقام بوصفها لا تعبر عن موقف المصريين، بينما تساءل كبير الباحثين بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، محمد مرعي، عن «الهدف من إجراء مثل هذا الاستطلاع في هذا التوقيت، وما إذا كان ذلك بمبادرة من المركز أم في إطار اتفاقيات تعاون مع جهة خارجية».

وقال مرعي، في تدوينة على منصة «إكس»، إن «النتائج لا يمكن التسليم بها»، وإنها «لا تعكس أي حقائق، ولا موقف المصريين الصلب الرافض لمخطط التهجير».

وفي مواجهة موجة الانتقادات، أصدر المركز بياناً توضيحياً، الأحد، أشار فيه إلى أن هذه هي «المرة الثالثة التي يتم فيها إجراء مثل هذا الاستطلاع»، موضحاً أنه أُجري بمناسبة مرور 3 أعوام على اندلاع الحرب في قطاع غزة. وأضاف أن الاستطلاع نُفذ للمرة الأولى في أكتوبر 2023، ثم في مارس (آذار) 2025، وأخيراً في أكتوبر الماضي، بتمويل ذاتي من المركز، الذي «لم يحصل على أي تمويل مباشر أو غير مباشر في الدورات الثلاث».

وقالت نائبة المدير التنفيذي لمركز «بصيرة»، حنان جرجس، إن تكرار استطلاع آراء المصريين يعود إلى «التصريحات المتكررة لمسؤولين إسرائيليين بشأن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء». وأضافت أن «الغاية هي توضيح مواقف الرأي العام من خلال عينة عشوائية يتم اختيارها وفقاً لمنهجية بحثية، بشأن هذه القضية».

وأوضحت جرجس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجدل المثار بشأن موافقة 50 في المائة من أفراد العينة على استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة إلى حين إعادة الإعمار، لا يعني أن هذه النسبة توافق على التهجير، وإنما تؤيد استضافة الفلسطينيين، مثل غيرهم من الجنسيات الأخرى التي تقيم في مصر، وقدمت إليها من مناطق تشهد نزاعات وحروباً». وأشارت إلى أن «هذه النسبة لم تختلف كثيراً بين استطلاعات الرأي الثلاثة».

وأظهرت نتائج الدورة الثالثة من الاستطلاع أن 73 في المائة من المصريين يرفضون تهجير الفلسطينيين، مقابل 79 في المائة عام 2025، و78 في المائة عام 2023، وفق بيانات مركز «بصيرة».

نتائج الاستطلاع تظهر أن 73 % من المصريين يرفضون تهجير الفلسطينيين (بصيرة)

في المقابل، رفض أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، طارق فهمي، النتائج التي خلص إليها الاستطلاع، وقال إنه «لا يمكن الأخذ بهذه النتائج بوصفها مؤشرات للرأي العام المصري، ولا الاستناد إليها في قياس حقيقة المواقف الشعبية من قضية التهجير». وأضاف أن «النتائج تستند إلى استطلاعات هاتفية لعينة محدودة، ومن الصعب التسليم بمصداقية آرائها ومواقفها».

ويعتقد فهمي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «ملف التهجير محسوم سياسياً وشعبياً في مصر»، وأن «المواقف المصرية واضحة وصلبة في هذا الملف، وتدعم حقوق الفلسطينيين في أرضهم، وهناك مواقف عديدة تؤكد أن هذا الملف خط أحمر بالنسبة لمصر».

وأشار إلى أن «دعم القاهرة للفلسطينيين سياسياً وإنسانياً لا يزال حاضراً ولم يتوقف، ويستهدف دعم بقائهم في قطاع غزة»، لافتاً إلى أن «الحكومة المصرية تعمل أيضاً مع الوسطاء، وبينهم الولايات المتحدة، على تنفيذ مراحل خطة السلام في غزة، بما في ذلك إعادة الإعمار».

وتحذّر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين منذ بداية الحرب على غزة في السابع من أكتوبر 2023.

وتكررت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بشأن هذا المخطط؛ إذ تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في أكتوبر الماضي، عن أنه «يعمل شخصياً على تسهيل تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة»، مضيفاً أن «هناك محادثات تُجرى مع دول مستعدة لاستقبالهم».

ولم يفصح نتنياهو عن الدول التي يجري اتصالات معها، وزعم أن «نحو 150 ألف فلسطيني غادروا قطاع غزة خلال سنوات الحرب عليها». وسبق ذلك إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في سبتمبر (أيلول) الماضي، أن حكومته تمتلك «خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة»، وقال إنها «تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».