هل تتراجع سلطات شرق ليبيا عن إعدام مدانين بـ«الإرهاب»؟

بعد انتقاد «المفوضية السامية لحقوق الإنسان» أحكاماً سابقة

أهالي ضحايا «العمليات الإرهابية» ينظمون وقفة تأييد لتنفيذ أحكام إعدام بحق مدانين في بنغازي - 27 أغسطس (لقطة من مقطع فيديو)
أهالي ضحايا «العمليات الإرهابية» ينظمون وقفة تأييد لتنفيذ أحكام إعدام بحق مدانين في بنغازي - 27 أغسطس (لقطة من مقطع فيديو)
TT

هل تتراجع سلطات شرق ليبيا عن إعدام مدانين بـ«الإرهاب»؟

أهالي ضحايا «العمليات الإرهابية» ينظمون وقفة تأييد لتنفيذ أحكام إعدام بحق مدانين في بنغازي - 27 أغسطس (لقطة من مقطع فيديو)
أهالي ضحايا «العمليات الإرهابية» ينظمون وقفة تأييد لتنفيذ أحكام إعدام بحق مدانين في بنغازي - 27 أغسطس (لقطة من مقطع فيديو)

لم تُغلق أحكام بإعدام مدانين بارتكاب «جرائم إرهابية» في شرق ليبيا باب الجدل، بل فتحته منذ مطلع الأسبوع على مصراعيه؛ فبعد تنفيذ الأحكام بسجون عسكرية الأحد الماضي، تصاعدت الانتقادات الأممية والحقوقية لتطرح سؤالاً يتجاوز مصير من تم إعدامهم: هل تستطيع هذه الانتقادات الحيلولة دون تنفيذ أحكام إعدام أخرى؟ أم أن سلطات بنغازي ماضية في هذا المسار؟

وفي صدارة الأصوات المنتقدة لتنفيذ الأحكام، جاءت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، التي دعت السلطات إلى «عدم تكرار تنفيذ أحكام الإعدام»، وأعربت عن «فزعها» إزاء إعدام 11 متهماً في شرق ليبيا، عقب محاكمات قالت إنها «شابتها عيوب».

يأتي ذلك وسط تضارب بشأن عدد من نُفذت بحقهم الأحكام؛ إذ تحدثت المفوضية الأممية عن 11 شخصاً، فيما أعلنت السلطات العسكرية في شرق ليبيا أن من صدرت بحقهم أحكام 10 مدانين فقط.

مسلحون يرفعون راية «داعش» في درنة بليبيا عام 2015 (أرشيفية من «رويترز»)

ويزيد من غموض الملف غياب أرقام رسمية محدثة بشأن أعداد عناصر تنظيم «داعش»، وباقي الجماعات المتطرفة المحتجزين في السجون العسكرية بشرق ليبيا، والذين تم توقيفهم بعد معارك طاحنة في بنغازي ودرنة بين عامي 2014 و2018. كما لا تتوافر معلومات معلنة بصورة كافية عن جنسياتهم وأوضاعهم القانونية والأحكام الصادرة بحقهم، بما في ذلك ما إذا كان بعضهم يواجه أحكاماً بالإعدام.

لكن الانتقاد الأممي لم يقابله، حتى الآن، أي تراجع معلن من جانب السلطات في بنغازي. وفي مؤشر على أن الانتقادات الخارجية لم تُحدث، على الأقل حتى الآن، تغييراً في موقف وحسابات القيادة العسكرية، أشاد القائد المكلف لـ«الجيش الوطني» الليبي، الفريق أول صدام حفتر، بجهود منتسبي الهيئة العامة للقضاء العسكري والشرطة العسكرية ومكتب المدعي العام العسكري، بل وأكد حفتر «أهمية مواصلة العمل وفق أحكام القانون بما يضمن تحقيق العدالة».

وبالنسبة إلى أنصار هذا المسار، ترتبط القضية بمقتضيات الأمن وحقوق ضحايا الإرهاب. ويقول الناشط السياسي الليبي عمر بو سعيّدة، المقرب من «الجيش الوطني»، إن الانتقادات الدولية «لن يكون لها تأثير يغير مسار القيادة العامة للجيش بشأن هذه الفئة».

ويضيف لـ «الشرق الأوسط»، أن «الأولوية المطلقة والواجب الدستوري للجيش والمؤسسة القضائية تتمثل في حماية الأمن القومي الليبي، وصون أرواح المواطنين، وضمان عدم عودة التنظيمات الإرهابية التي عانى منها الشعب الليبي ويلات الإرهاب وسفك الدماء».

ويعتبر بو سعيّدة أن تنفيذ الأحكام القضائية بحق عناصر «ثبت تورطها في جرائم إرهابية»، يمثل «استحقاقاً عادلاً لتطبيق سيادة القانون وإرساء العدالة وإنصاف أهالي الضحايا، وليس قضية قابلة للمساومة أو الخضوع لـ«الضغوط والبيانات الخارجية».

المدعي العام العسكري بشرق ليبيا فرج الصوصاع (القيادة العامة)

في المقابل، دعا عبد المنعم الحر، أمين المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، إلى وقف تنفيذ أحكام الإعدام إلى حين استكمال المصالحة وإجراء مراجعات شاملة للقضايا. وقال في بيان الخميس، إن الإعدام لم يثبت أنه يوفر الردع الكافي لمنع تكرار الجرائم، مستشهداً باستمرار الجرائم، كمّاً ونوعاً، في دول تطبق العقوبة.

لكن الانتقادات الدولية والحقوقية قد لا تكون وحدها كافية لتعطيل توجه السلطات والقيادة العسكرية في شرق ليبيا نحو تنفيذ المزيد من الأحكام، إذا توافرت إرادة سياسية للاستمرار في هذا المسار، وفق الناشط الحقوقي طارق لملوم.

ويرى لملوم في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «التجربة الليبية خلال السنوات الماضية تشير إلى أن ما يؤثر فعلياً في حسابات الأطراف المحلية هو موقف الدول والجهات الدولية، التي تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً مباشراً، وليس البيانات الحقوقية وحدها».

ويلفت لملوم إلى أهمية مراقبة مواقف الولايات المتحدة والدول الأوروبية، خصوصاً في ظل التواصل والتقارب اللذين شهدتهما الفترات الأخيرة مع قيادة شرق ليبيا، معتبراً أن مواقف هذه الدول «قد تكون أكثر تأثيراً في الحسابات الليبية من الانتقادات الصادرة عن المنظمات الحقوقية».

وفي قلب الجدل تقف عائلات ضحايا الهجمات الإرهابية، التي شهدتها ليبيا في السنوات التي أعقبت سقوط نظام الزعيم الراحل معمر القذافي عام 2011، أو من يعرفون بـ«أولياء الدم»؛ إذ يرى ذوو الضحايا في تنفيذ الأحكام شكلاً من أشكال العدالة التي انتظروها سنوات، وهو ما أظهرته وقفات تأييد وتصريحات إعلامية استمرت حتى نهاية الأسبوع الماضي.

ويرى الحر أن «أي مقاربة لملف الإعدامات لا ينبغي أن تتجاهل حقوق ذوي الضحايا وحاجتهم إلى الإنصاف»، مشيراً إلى أن «ثقافة المجتمع الليبي وموقف أولياء الدم يمثلان عنصراً لا يمكن تجاهله، غير أنه يشير إلى ضرورة وقف تنفيذ أحكام الإعدام القائمة إلى حين استكمال مسار المصالحة، وإجراء مراجعات شاملة للقضايا».

ويرى الحر أن المصالحة الوطنية قد توفر مدخلاً لمعالجة الملف، من خلال إصدار عفو عام عمن لم يتورطوا في أعمال قتل، وإعادة النظر في أحكام الإعدام بحق من تورطوا في سفك الدماء، بعد إجراء مساعٍ مع أولياء الدم.

أما لملوم فيرى أن الاعتراض على عقوبة الإعدام «ليس دفاعاً عن (داعش) أو عن أي شخص ارتكب جرائم إرهابية»، مشدداً على أن من تثبت مسؤوليته عن الجرائم «تجب محاسبته»، لكن عبر محاكمة قانونية ومستقلة تتوافر فيها ضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة.

وكان مكتب المدعي العام العسكري التابع لإشراف «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، أعلن الأسبوع الماضي، تنفيذ أحكام الإعدام بحق 10 مدانين، استناداً إلى أحكام صادرة عن المحكمة العسكرية العليا، موضحاً أن القضايا خضعت لمداولات قضائية استمرت سنوات، وأن المدانين أدينوا بتهم تتراوح بين الانتماء إلى جماعات إرهابية، واغتيال عسكريين ومدنيين.


مقالات ذات صلة

«الكردستاني» يهدد بوقف «السلام» مع تركيا ويؤكد عدم ثقته بها

شؤون إقليمية يسمح قانون أقره البرلمان التركي بعودة عناصر حزب «العمال الكردستاني» ووقف ملاحقتهم قضائياً بشكل مشروط بعد التحقق من حل الحزب وانتهاء نزع أسلحته (أ.ف.ب)

«الكردستاني» يهدد بوقف «السلام» مع تركيا ويؤكد عدم ثقته بها

هددت قيادات في حزب «العمال الكردستاني» بعدم إلقاء الأسلحة ووقف «عملية السلام» ما لم يتم منح الحرية لزعيمه عبد الله أوجلان والسماح بعودة قيادات إلى تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
آسيا أشخاص يقفون بالقرب من سيارة إسعاف وجزء متضرر من مركز للشرطة عقب هجوم انتحاري في كوهات بباكستان يوم 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

ارتفاع حصيلة تفجير وهجوم مسلّح في باكستان إلى 31 قتيلاً

ارتفعت حصيلة عملية التفجير والهجوم المسلح على المقر العام للشرطة الباكستانية في كوهات بشمال البلاد إلى ما لا يقل عن 31 قتيلا بينهم 16 شرطياً.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
شمال افريقيا لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)

انتقادات حادة للبعثة الأممية في ليبيا بسبب موقفها من «إعدامات بنغازي»

أثارت إعدامات نُفذت بحق أكثر من 30 شخصاً في بنغازي انتقادات للبعثة الأممية لدى ليبيا بعد دعوتها سلطات شرق البلاد إلى وقف تنفيذ أحكام إعدام جديدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي استقبل رئيس مجلس الشعب الدكتور عبد الحميد العواك وفداً من مجلس الشيوخ الفرنسي بحضور مكتب المجلس

مجلس الشعب السوري يقر إلغاء «محكمة الإرهاب» وإبطال قراراتها

أقر مجلس الشعب السوري، الأربعاء، إلغاء «قانون محكمة قضايا الإرهاب» رقم «22» لعام 2012، مع إبطال كل المفاعيل والآثار القانونية المترتبة عليه.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
TT

10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)

انهار منجم للذهب في شمال السودان، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص، وإصابة 21 على الأقلّ، بحسب ما أفاد اثنان من الناجين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم (الأحد)، عقب عمليات إسعاف في الليل.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، اعتمد الطرفان في تمويل جهدهما الحربي بشكل كبير على قطاع الذهب، وفق الأمم المتحدة، إلى جانب دعم أطراف خارجية.

وقد بدأت آبار في منطقة تعدين أوني، شمال السودان، بالقرب من الحدود المصرية، تنهار أمس.

وبحلول صباح اليوم، «تمّ انتشال 10 جثث و21 مصاباً»، بحسب أحد الناجين، الذي كان يعمل في الموقع، وطلب عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية.

وقال ناجٍ آخر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب كذلك عدم الإفصاح عن هويته، إن «الحفر يتمّ بالآليات المتوفّرة في المنجم ومن الناس الشغّالين».

وأفاد الناجيان بأن عمليات البحث ما زالت متواصلة، فيما يُخشى العثور على مزيد من الضحايا.

وألحق النزاع ضرراً كبيراً بالاقتصاد السوداني، الذي كان ضعيفاً أصلاً، وخسر عدد كبير من السودانيين عملهم، ما دفع كثيرين إلى ممارسة عمليات خطيرة للتنقيب عن الذهب.

وتجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية، أو في مناجم متوقفة عن العمل.

ويقوم عمّال المناجم بالتنقيب بأيديهم وباستخدام أدوات بدائية مقابل أجور يومية زهيدة.

وداخل المناجم، وكثيرة منها غير مجهّزة، يستخلص العاملون شذرات الذهب من الكتل الصخرية، ما يعرضهم لمواد كيميائية خطرة، مثل السيانيد الذي يتسبب في انتشار الأمراض.

وتتكرّر انهيارات المناجم في أنحاء السودان. وفي مناطق سيطرة الجيش في شمال وشرق البلاد، يتسلل العمّال إلى داخل المناجم المتوقفة عن العمل أملاً في أجور يومية زهيدة.

والأسبوع الماضي، قُتل 82 شخصاً على الأقل، وأصيب العشرات في انهيار منجم في منطقة كردفان.

حتى قبل أن تهدّد الحرب ملايين السودانيين بالجوع، كان التعدين يوفّر العمل لأكثر من مليوني شخص، وفق بيانات القطاع.

ويعدّ السودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، من أبرز منتجي الذهب في القارة، وسجل العام الماضي أعلى مستوى للإنتاج في 5 أعوام، بلغ 70 طناً، وفق البيانات.

لكن المسؤولين يقولون إن معظم الذهب يُهرب عبر حدود السودان، بما في ذلك عبر تشاد وجنوب السودان ومصر، قبل وصوله إلى دول في الخليج، ولا سيما الإمارات، ثاني أكبر مصدر للذهب في العالم.

وفي يوليو (تموز)، حظر الاتحاد الأوروبي بيع ونقل وتصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، نظراً لاستخدام هذه المواد في تجارة الذهب غير النظامية.

وحذّرت الأمم المتحدة مراراً من أن طرفي الحرب يحققان مكاسب مالية من السيطرة على موارد البلاد، وأن «اقتصاد الحرب» هو ما يُبقي الصراع مستمراً.


«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
TT

«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)

كشف تحرُّك رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، المفاجئ نحو المحكمة الجنائية الدولية، بشأن «خلية تخريبية» متهمة باستهداف منشآت حيوية في طرابلس، عن تباين جديد داخل المؤسسات الليبية، في وقت تتمسك فيه وزارة الدفاع التابعة لحكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بالتحقيقات المحلية الراهنة، وتنفي «وجود أي توجُّه للتفاوض بشأن القضية».

وقال المنفي -في بيان مساء السبت- إن ليبيا «تقدمت عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، من خلال وزارة الخارجية وبالتنسيق مع وزارة الدفاع، بطلب إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، للحصول على دعم فني وتقني وقانوني، وتعزيز التعاون في التحقيقات الجارية».

وأشار إلى أن الطلب يستند إلى الإعلان الذي قدمته ليبيا بموجب المادة 12/ 3 من نظام روما، مضيفاً أن «السلطات أبدت استعدادها لتوسيع نطاق التعاون وفقاً للمادة 15، بشأن إحالة الوقائع والمعلومات ذات الصلة».

وكانت حكومة «الوحدة» قد أعلنت في السادس من سبتمبر (أيلول) الجاري تفكيك «خلية تخريبية» منظمة، تضم 5 عناصر ليبيين وأجانب، تورطت في هجمات بالمُسيَّرات الانتحارية، استهدفت خزانات النفط في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء الزاوية. وقالت إن وزارة الدفاع «أحبطت مخططات أخرى كانت على وشك التنفيذ، في مقدمتها استهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس، إلى جانب منشآت حيوية وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية».

جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

وبشأن التحقيقات الأولية الجارية مع الخلية، أوضح المنفي أنها أظهرت استهداف خزانات وقود ومحطات كهرباء في إطار «خطة إرهابية موسعة» تستهدف البنية التحتية المدنية، لافتاً إلى أن التقييم القانوني للسلطات الليبية المختصة يعتبر هذه الأفعال -حسب طبيعتها- جرائم قد ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية»، وهي جرائم تدخل ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية، وفق نظام روما الأساسي.

تعهُّد بـ«الإفصاح»

وتوجه المنفي، الأحد، إلى مدينة نيويورك الأميركية، في زيارة رسمية تستمر أياماً عدة، للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقال قبل سفره إن أجهزة الأمن و«هيئة السلامة الوطنية» تمكنتا من الحد من هذه العمليات «التخريبية» وإجهاض بعضها؛ مشيراً إلى تورط «عناصر أجنبية يحملون جنسيات دول أعضاء في اتفاقية روما، وليبيين يحملون جنسيات وجوازات سفر أخرى».

ولم يذكر في بيانه ما إذا كانت المحكمة الجنائية الدولية قد قبلت الطلب، أو بدأت أي إجراء بشأنه، كما لم ترُد المحكمة على طلب للتعليق على هذه الخطوة.

في المقابل، قالت وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية»: «إن التحقيقات في قضية الخلية التخريبية مستمرة بهدف كشف جميع المتورطين والجهات المرتبطة بها».

وبينما نفت من حيث المبدأ «وجود أي توجه للتفاوض بشأن هذه القضية مع أي طرف كان»، أكدت التزامها بالإفصاح عن نتائج التحقيقات للرأي العام فور استكمالها.

استهداف البنية التحتية

وشهدت العاصمة طرابلس ومدينة الزاوية في الآونة الأخيرة عمليات استهدفت منشآت نفطية وكهربائية، بينها خزانات وقود ومحطات كهرباء.

وقال المجلس الرئاسي إن العمليات «كانت جزءاً من خطة أوسع تستهدف البنية التحتية المدنية»، وإن الأجهزة الأمنية و«هيئة السلامة الوطنية» تمكنتا من احتواء بعضها، والحيلولة دون وقوع خسائر أكبر.

وحسب مراقبين محليين، يضع تحرك المنفي الملف في إطار القانون الجنائي الدولي، بعدما قال المجلس الرئاسي إن الهجمات على خزانات الوقود ومحطات الكهرباء «قد ترقى -وفق التقييم القانوني للسلطات المختصة- إلى جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية، بينما تتعامل وزارة الدفاع مع القضية بوصفها ملفاً أمنياً يخضع للتحقيق الوطني».

ويأتي الإعلان عن التحقيقات والتحرك أمام المحكمة الجنائية الدولية في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني انقساماً بين مؤسسات ومراكز قوى متنافسة، بما في ذلك استمرار الخلافات حول المسؤوليات الأمنية والقضائية.

تباين المواقف

ولم يتضح بعد ما إذا كان التحرك الذي أعلنه المجلس الرئاسي سيؤدي إلى دور مباشر للمحكمة الجنائية الدولية في التحقيقات، أو ما إذا كانت السلطات الليبية ستواصل معالجة القضية من خلال أجهزتها الوطنية.

ويتابع الشارع الليبي تطورات المسألة باهتمام بالغ؛ خصوصاً مع تداعيات الهجمات على الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والوقود، وما خلَّفته من مخاوف بشأن أمن المنشآت الحيوية واستقرار المناطق المتضررة.

وبرز الانشغال الشعبي بتطورات ما بات يعرف باسم «خلية طرابلس» على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث عبَّر كثيرون عن مخاوفهم من تكرار استهداف خزانات الوقود ومحطات الكهرباء، معتبرين أن مثل هذه العمليات تمس حياة المواطنين مباشرة، وتفاقم أزمة الخدمات التي يعانون منها أصلاً.

وانقسمت الآراء حول لجوء المجلس الرئاسي إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ فبينما رأى فريق أن الخطوة ضرورية لملاحقة العناصر الأجنبية وضمان عدم الإفلات من العقاب، اعتبر آخرون أنها قد تفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو تسييس الملف على حساب التحقيقات الوطنية.

وأثار التباين بين بيان المنفي وموقف الحكومة نقاشاً حول غياب التنسيق بين المؤسسات، وتساؤلات بشأن قدرة الدولة على التعامل الموحد مع التهديدات الأمنية.

وبرزت أصوات تطالب بالشفافية الكاملة ونشر نتائج التحقيقات بسرعة، وأخرى تدعو إلى تجنب تحويل القضية إلى ساحة للصراع السياسي؛ كما ظهرت دعوات متكررة لحماية المنشآت الحيوية وتعزيز الإجراءات الأمنية، مع تحذيرات من أن استمرار الانقسام الرسمي قد يضعف الثقة الشعبية في قدرة المؤسسات على مواجهة مثل هذه الخلايا.


طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت

مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
TT

طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت

مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)

في إطار تعزيز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت، حققت مصر طفرة في موانئها أخيراً، فضلاً عن تنفيذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط.

وأكد وزير النقل المصري كامل الوزير أن «خطة تطوير النقل البحري تستهدف تحويل الموانئ إلى مراكز لوجستية متكاملة، وتطوير الموانئ على البحرين الأحمر والمتوسط، وإنشاء 5 موانئ جديدة ليصل الإجمالي إلى 19 ميناءً تجارياً».

وقال في إفادة رسمية، الأحد، خلال الاحتفال بـ«اليوم البحري العالمي» الذي أقيم بمدينة الإسكندرية، إن مصر «تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تنموية متكاملة تربط موانئ البحرين الأحمر والمتوسط ومحور قناة السويس بالموانئ الجافة والمناطق الصناعية والزراعية والتعدينية، عبر شبكة السكك الحديدية وشبكة القطار الكهربائي السريع والطرق الحرة والسريعة، بما يسهم في خفض زمن التداول والتكلفة، ويعزز تنافسية الاقتصاد المصري، ويربط مصر بدول الخليج والمشرق العربي وأفريقيا وشمال وشرق ووسط أوروبا وآسيا».

وبدوره، أكد رئيس «هيئة قناة السويس» أسامة ربيع، أن «القناة آمنة وحركة الملاحة بها منتظمة، وخدماتها تعمل بكفاءة، ومرشديها على أعلى مستويات الأداء والجاهزية»، وأشار خلال الاحتفالية، إلى أن «الاضطرابات والمتغيرات التي طرأت على الساحة الدولية بشكل عام، ومجتمع التجارة بشكل خاص برهنت على أهمية قناة السويس في تأمين سلاسل الإمداد العالمية»، ورسخت «مكانتها الرائدة عالمياً». كما أثبتت «بما لا يدع مجالاً للشك، عدم وجود طريق بديل ومستدام لقناة السويس، في ظل ما تتمتع به القناة من أعلى مستويات الأمان والسلامة البحرية».

وزير النقل المصري خلال احتفالية «اليوم البحري العالمي» بالإسكندرية الأحد (هيئة قناة السويس)

خبير النقل الدولي أسامة عقيل، تحدث عن الطفرة التي حققتها الموانئ المصرية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «ما شهدته الموانئ المصرية من تطوير حقق أعلى معايير الكفاءة وفق المحددات الدولية، حيث كان معظمها قبل التطوير يعاني من ضعف الإمكانات، ولا تتوافر المعدات التكنولوجية اللازمة من أوناش وغيرها، فضلاً عن زيادة زمن الشحن أو التفريغ، وعدم وجود وسائل نقل خارجية سريعة من شاحنات أو قطارات، وكذا عدم وجود مساحات مخصصة للتخزين»، مؤكداً أن «كل هذه المشكلات تم تجاوزها في خطط التطوير، وأصبحت الموانئ المصرية مؤهلة وفق المعايير العالمية، لتصبح مراكز لوجستية متكاملة تدعم حركة التجارة العالمية».

ويشير عقيل، إلى أن «الطفرة التي حققتها الموانئ المصرية ستجني مزيداً من الثمار بعدما تتوقف حروب المنطقة، فالسلام بالمنطقة سيعزز دور هذه الموانئ أكثر».

طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت (هيئة ميناء دمياط)

وأوضح وزير النقل، الأحد، أن «الموانئ المصرية حققت طفرة في 2025، حيث بلغ تداول البضائع 233 مليون طن بزيادة 12 في المائة، وتداول الحاويات 11.1 مليون حاوية بنمو 25 في المائة مقارنة بالعام السابق رغم الظروف الجيوسياسية بالمنطقة».

مدير مركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» أيمن عبد الوهاب، تطرق إلى ما وصفه بـ«الأثر السياسي للطفرة التي حققتها الموانئ المصرية»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «بجانب المكاسب الاقتصادية، فإن فاعلية الموانئ المصرية تمنح القاهرة نفوذاً سياسياً كبيراً ومكانةً دوليةً لتصبح فاعلاً في معادلات المستقبل، بما يضيف قوة جديدة إلى ثقلها السياسي والإقليمي الحالي».

وحسب رأي عبد الوهاب، فإن «الصراعات والمواجهات العسكرية الإقليمية والدولية تؤكد أهمية ما تقدمه مصر من بدائل آمنة لحركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، بما يمنحها قوة سياسية تعزز حضورها الحالي في القضايا الدولية والإقليمية كافة».

وخلال إفادته، الأحد، أكد رئيس «هيئة قناة السويس»، أن التقارير الملاحية أظهرت «تحسناً في معدلات الملاحة بالقناة»، حيث شهدت خلال أغسطس (آب) الماضي «عبور 1358 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 68.3 مليون طن»، محققة إيرادات قدرها 567.1 مليون دولار، وذلك في مقابل عبور 1070 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 45.2 مليون طن بإيرادات قدرها 326 مليون دولار خلال أغسطس من العام الماضي، بنسب زيادة قدرها 27 في المائة في أعداد السفن، و51.1 في المائة في الحمولات الصافية، و56.7 في المائة للإيرادات.