لم تُغلق أحكام بإعدام مدانين بارتكاب «جرائم إرهابية» في شرق ليبيا باب الجدل، بل فتحته منذ مطلع الأسبوع على مصراعيه؛ فبعد تنفيذ الأحكام بسجون عسكرية الأحد الماضي، تصاعدت الانتقادات الأممية والحقوقية لتطرح سؤالاً يتجاوز مصير من تم إعدامهم: هل تستطيع هذه الانتقادات الحيلولة دون تنفيذ أحكام إعدام أخرى؟ أم أن سلطات بنغازي ماضية في هذا المسار؟
وفي صدارة الأصوات المنتقدة لتنفيذ الأحكام، جاءت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، التي دعت السلطات إلى «عدم تكرار تنفيذ أحكام الإعدام»، وأعربت عن «فزعها» إزاء إعدام 11 متهماً في شرق ليبيا، عقب محاكمات قالت إنها «شابتها عيوب».
يأتي ذلك وسط تضارب بشأن عدد من نُفذت بحقهم الأحكام؛ إذ تحدثت المفوضية الأممية عن 11 شخصاً، فيما أعلنت السلطات العسكرية في شرق ليبيا أن من صدرت بحقهم أحكام 10 مدانين فقط.

ويزيد من غموض الملف غياب أرقام رسمية محدثة بشأن أعداد عناصر تنظيم «داعش»، وباقي الجماعات المتطرفة المحتجزين في السجون العسكرية بشرق ليبيا، والذين تم توقيفهم بعد معارك طاحنة في بنغازي ودرنة بين عامي 2014 و2018. كما لا تتوافر معلومات معلنة بصورة كافية عن جنسياتهم وأوضاعهم القانونية والأحكام الصادرة بحقهم، بما في ذلك ما إذا كان بعضهم يواجه أحكاماً بالإعدام.
لكن الانتقاد الأممي لم يقابله، حتى الآن، أي تراجع معلن من جانب السلطات في بنغازي. وفي مؤشر على أن الانتقادات الخارجية لم تُحدث، على الأقل حتى الآن، تغييراً في موقف وحسابات القيادة العسكرية، أشاد القائد المكلف لـ«الجيش الوطني» الليبي، الفريق أول صدام حفتر، بجهود منتسبي الهيئة العامة للقضاء العسكري والشرطة العسكرية ومكتب المدعي العام العسكري، بل وأكد حفتر «أهمية مواصلة العمل وفق أحكام القانون بما يضمن تحقيق العدالة».
وبالنسبة إلى أنصار هذا المسار، ترتبط القضية بمقتضيات الأمن وحقوق ضحايا الإرهاب. ويقول الناشط السياسي الليبي عمر بو سعيّدة، المقرب من «الجيش الوطني»، إن الانتقادات الدولية «لن يكون لها تأثير يغير مسار القيادة العامة للجيش بشأن هذه الفئة».
ويضيف لـ «الشرق الأوسط»، أن «الأولوية المطلقة والواجب الدستوري للجيش والمؤسسة القضائية تتمثل في حماية الأمن القومي الليبي، وصون أرواح المواطنين، وضمان عدم عودة التنظيمات الإرهابية التي عانى منها الشعب الليبي ويلات الإرهاب وسفك الدماء».
ويعتبر بو سعيّدة أن تنفيذ الأحكام القضائية بحق عناصر «ثبت تورطها في جرائم إرهابية»، يمثل «استحقاقاً عادلاً لتطبيق سيادة القانون وإرساء العدالة وإنصاف أهالي الضحايا، وليس قضية قابلة للمساومة أو الخضوع لـ«الضغوط والبيانات الخارجية».

في المقابل، دعا عبد المنعم الحر، أمين المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، إلى وقف تنفيذ أحكام الإعدام إلى حين استكمال المصالحة وإجراء مراجعات شاملة للقضايا. وقال في بيان الخميس، إن الإعدام لم يثبت أنه يوفر الردع الكافي لمنع تكرار الجرائم، مستشهداً باستمرار الجرائم، كمّاً ونوعاً، في دول تطبق العقوبة.
لكن الانتقادات الدولية والحقوقية قد لا تكون وحدها كافية لتعطيل توجه السلطات والقيادة العسكرية في شرق ليبيا نحو تنفيذ المزيد من الأحكام، إذا توافرت إرادة سياسية للاستمرار في هذا المسار، وفق الناشط الحقوقي طارق لملوم.
ويرى لملوم في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «التجربة الليبية خلال السنوات الماضية تشير إلى أن ما يؤثر فعلياً في حسابات الأطراف المحلية هو موقف الدول والجهات الدولية، التي تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً مباشراً، وليس البيانات الحقوقية وحدها».
ويلفت لملوم إلى أهمية مراقبة مواقف الولايات المتحدة والدول الأوروبية، خصوصاً في ظل التواصل والتقارب اللذين شهدتهما الفترات الأخيرة مع قيادة شرق ليبيا، معتبراً أن مواقف هذه الدول «قد تكون أكثر تأثيراً في الحسابات الليبية من الانتقادات الصادرة عن المنظمات الحقوقية».
وفي قلب الجدل تقف عائلات ضحايا الهجمات الإرهابية، التي شهدتها ليبيا في السنوات التي أعقبت سقوط نظام الزعيم الراحل معمر القذافي عام 2011، أو من يعرفون بـ«أولياء الدم»؛ إذ يرى ذوو الضحايا في تنفيذ الأحكام شكلاً من أشكال العدالة التي انتظروها سنوات، وهو ما أظهرته وقفات تأييد وتصريحات إعلامية استمرت حتى نهاية الأسبوع الماضي.
ويرى الحر أن «أي مقاربة لملف الإعدامات لا ينبغي أن تتجاهل حقوق ذوي الضحايا وحاجتهم إلى الإنصاف»، مشيراً إلى أن «ثقافة المجتمع الليبي وموقف أولياء الدم يمثلان عنصراً لا يمكن تجاهله، غير أنه يشير إلى ضرورة وقف تنفيذ أحكام الإعدام القائمة إلى حين استكمال مسار المصالحة، وإجراء مراجعات شاملة للقضايا».
ويرى الحر أن المصالحة الوطنية قد توفر مدخلاً لمعالجة الملف، من خلال إصدار عفو عام عمن لم يتورطوا في أعمال قتل، وإعادة النظر في أحكام الإعدام بحق من تورطوا في سفك الدماء، بعد إجراء مساعٍ مع أولياء الدم.
أما لملوم فيرى أن الاعتراض على عقوبة الإعدام «ليس دفاعاً عن (داعش) أو عن أي شخص ارتكب جرائم إرهابية»، مشدداً على أن من تثبت مسؤوليته عن الجرائم «تجب محاسبته»، لكن عبر محاكمة قانونية ومستقلة تتوافر فيها ضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة.
وكان مكتب المدعي العام العسكري التابع لإشراف «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، أعلن الأسبوع الماضي، تنفيذ أحكام الإعدام بحق 10 مدانين، استناداً إلى أحكام صادرة عن المحكمة العسكرية العليا، موضحاً أن القضايا خضعت لمداولات قضائية استمرت سنوات، وأن المدانين أدينوا بتهم تتراوح بين الانتماء إلى جماعات إرهابية، واغتيال عسكريين ومدنيين.






