تسود حالة من الجدل والغموض في ليبيا عقب تداول وثيقة اتفاق منسوبة إلى المشاركين في «الاجتماع المصغر 4+4» الذي ترعاه البعثة الأممية، بعد تضمنها مقترحات أثارت موجة من الرفض والتباين، من بينها تعديل القوانين اللازمة للانتخابات العامة بما يسمح لمزدوجي الجنسية بالترشح.
وأمام هذه الأجواء التي لم تخلُ من توجيه اتهامات إلى البعثة الأممية، سارعت الأخيرة إلى تأكيد أن المعلومات المتداولة ليست دقيقة، كما شدد أعضاء اللجنة على الأمر ذاته، لكن ذلك لم يخفف حدة الغضب والغموض والتساؤلات.
واستنكر محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، الأمر، وقال إنه «من غير المقبول أن تتاح لبعض الأطراف الدولية وثائق وتفاهمات ليبية تتصل بمستقبل البلاد، قبل أن تُعرض بشفافية على الليبيين ومؤسساتهم الرسمية وقواهم الوطنية»، وزاد من انتقاداته، وقال: «على البعثة الأممية أن تظل ميسّرة لمسار يملكه الليبيون، لا أن تصبح إجراءاتها موضع تساؤل حول حياد المسار وشفافيته».

وفي إشارة إلى المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، ذهب المنفي عبر حسابه على منصة «إكس» إلى أنه «مَن كان جزءاً من أسباب الأزمة لا يمكن أن يكون مدخلاً لإعادة إنتاجها»، ومضى يقول في رسالته للبعثة إن «تعزيز سياسة الأمر الواقع على حساب دولة القانون والمؤسسات لن يقود إلا إلى المربع الأول».
وظلت عملية ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية عقبة أمام التوافق على الانتخابات الرئاسية في ليبيا. وهذه نقاط ارتبطت مباشرةً بأسماء شخصيات بارزة مثل المشير خليفة حفتر، ورئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة.
وتضم لجنة «4+4» ممثلين عن شرق ليبيا وغربها، من بينهم أعضاء اختارتهم حكومة «الوحدة» في طرابلس، وقيادة «الجيش الوطني» شرقاً. واستهدفت البعثة التوصل إلى تفاهمات بين أعضاء اللجنة خلال اجتماعاتهم السابقة في تونس، لتجاوز جمود العملية السياسية الذي فرضه موقف مجلسي النواب والدولة.
وفي أعقاب إعلان البعثة عن توقيع أعضاء اللجنة المصغرة «4+4» بالأحرف الأولى على مسودة تفاهمات بشأن تعديل القوانين الانتخابية، في 20 أغسطس (آب) دون الكشف عن مضمونها، جرى التداول على نطاق واسع لما سُمّيت «وثيقة اتفقت عليها اللجنة».
وتُعتمد الوثيقة القانون «رقم (28) لسنة 2023 » مرجعية للانتخابات الرئاسية بعد إدخال تعديلات عدة؛ في مقدمتها السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح، شريطة تنازل الفائز عن جنسيته الثانية قبل أداء اليمين الدستورية، مع وضع آلية قانونية تُقر إعادة الانتخابات إذا تعذر استيفاء هذا الشرط.
وتطرح الوثيقة خيار مشاركة العسكريين في الانتخابات الرئاسية اقتراعاً وترشحاً، ضمن ضوابط قانونية وتنظيمية تكفل كف يد المؤسسة العسكرية عن الحزبية وتضمن حيادها. كما تشمل التعديلات إلغاء الجولة الثانية من الانتخابات، وشرط حصول أحد المتنافسين على الأغلبية المطلقة، واشتراط 20 ألف تزكية من الناخبين المسجلين عبر مختلف المناطق الليبية للترشح، فضلاً عن إعادة تنظيم أحكام الطعون، وفصل نتائج الاستحقاق الرئاسي عن الانتخابات التشريعية.
كما أوصت الوثيقة بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات برئاسة ضو عطية، وسناء الشتيوي نائباً له. كما تقترح تسمية ستة أعضاء جدد مناصفةً بين مجلسي النواب و(الأعلى للدولة)؛ حيث يمثل الأول علي الطاهر عبد الجواد، وهيثم علي الطابولي، وعلي أبو صلاح، بينما يمثل الثاني سناء الليشاني، وبيدوي محمد، وعلي المبروك.
وعدّ عضو مجلس النواب ميلود الأسود ما رشح عن اللجنة أن المبعوثة الأممية هانا تيتيه «تبحث عن إنجاز سياسي شخصي وبأي ثمن»، معتقداً أن «رحيلها قد يكون هو الحل».

وقال الأسود في تصريح صحافي إنه «بدل التوجيه لدعم الانتخابات مباشرةً وفق أسس سليمة؛ تم التوجه لهدم الأسس السليمة»، متسائلاً «عن الداعي لكل هذا التلاعب بالقوانين؟ ولماذا تنسف البعثة جهد لجنة الخبراء التي كلّفتها البعثة نفسها (لجنة 20)، وبنت على أساس تقريرها خطتها؟».
وأمام ازدياد حالة الغموض والجدل، نفى المجلس الأعلى للدولة مشاركته في اجتماعات (لجنة 4+4). ورغم وجود عضوين من المجلس داخل اللجنة، فإنه أكد «أنه لم يكن طرفاً في اجتماعاتها ومخرجاتها»، مشدداً على أن الانتقال إلى تنفيذ أي تفاهم أو مخرج سياسي «يقتضي وضوح أساسه القانوني والدستوري واحترام اختصاص المؤسسات الليبية والتوافق الوطني».
وعلّق السفير فرج زروق على إحدى الفقرات التي تضمنها الاتفاق المسرب، وهي: «وفقاً للأطر القانونية والتنظيمية الواضحة والقائمة التي تضمن حياد المؤسسة العسكرية، يُسمح بمشاركة العسكريين في الانتخابات الرئاسية كمرشحين وناخبين».
وقال: «رغم أن الصياغة تبدو شرطية (تربط السماح بالأطر القانونية القائمة)، فإن التحليل الموضوعي للنصوص القانونية النافذة، واللوائح التنفيذية، والسوابق القضائية، يُثبت أن هذه الفقرة لا تتوافق مع أيٍّ من هذه الأطر، بل إنها تتصادم معها تصادماً مباشراً، وتُعيد إنتاج أزمة 2021 ذاتها التي أوقفت المسار الانتخابي برمّته».
وتحدّث زروق عن «التعارض الصريح مع قانون العقوبات العسكري النافذ»، وقال إن «الترشح للانتخابات الرئاسية هو ذروة العمل السياسي، ويُعد فعلاً محظوراً بموجب هذا النص ما لم يُلغَ بتشريع خاص، وهو ما لم يحدث»، لافتاً إلى أن «لائحة الخدمة العسكرية وقواعد السلوك الوظيفي تُلزم العسكري بالحياد التام، وتُعد مخالفة ذلك خرقاً للتعهدات الموقعة عند التجنيد».
وللعلم، فإن المادة (84) من قانون العقوبات العسكري رقم (26) لسنة 1974 تنص على أن «كل عسكري اشترك في مظاهرة سياسية، أو في اجتماع سياسي، أو أنشأ جمعية سياسية أو انضم إليها، أو قام بأي عمل من أعمال الدعاية السياسية، يعاقب بالسجن من سنة إلى خمس سنوات».







