أنباء تسليم مطلوب مصري في ليبيا تربك «الإخوان» الهاربين

عائلة محمود فتحي تتحدث عن نقله وزوجته إلى القاهرة... وحكومة الدبيبة تنفي مسؤوليتها

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

أنباء تسليم مطلوب مصري في ليبيا تربك «الإخوان» الهاربين

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

انتابت حالة من الارتباك عناصر جماعة «الإخوان» وموالين لها من الهاربين خارج مصر، بعد إعلان نجلي القيادي محمود فتحي أن والديهما، اللذين أوقفتهما السلطات الليبية الشهر الماضي، نُقلا إلى مصر، الاثنين، في واقعة نفت السلطات في العاصمة الليبية طرابلس مسؤوليتها عنها، لكنها أعادت إلى الواجهة قضية الملاذات التي اعتمد عليها مطلوبون مصريون خارج البلاد.

وبحسب رواية نور الدين وحبيبة، نجلا فتحي، في بيان نشراه، مساء الاثنين، فإنهما تلقيا معلومات «مؤكدة» تفيد بتسليم حكومة الوحدة الوطنية الليبية والديهما إلى السلطات المصرية، وأضافا أن «السلطات المصرية أرسلت بحسب المعلومات التي وصلتهما، طائرة خاصة لنقلهما من ليبيا إلى مصر».

غير أن حكومة «الوحدة» نفت، الثلاثاء، صحة الأنباء المتداولة بشأن مسؤوليتها عن تسليم شخصية مطلوبة إلى مصر، دون ذكر اسمه، مبرزة عبر منصة «تبيان» - وهي أحد أذرعها الإعلامية - أنه بعد التواصل مع الجهات المختصة بالحكومة، وكذلك الجهات المنضوية تحت شرعيتها تبين عدم صحة المعلومات.

وكانت وسائل إعلام مصرية وليبية قد أفادت بتوقيفهما في 19 يوليو (تموز) الماضي داخل مقر إقامتهما في طرابلس، من دون تأكيد رسمي.

وبين رواية نجلي القيادي الهارب، ونفي حكومة «الوحدة» اتسعت خلال الساعات الماضية دائرة التفاعل على حسابات ومنصات محسوبة على «الإخوان» بين انتقادات للحكومة الليبية وتساؤلات بشأن مستقبل إقامة عناصر الجماعة ونشاطهم خارج مصر.

كما جددت الواقعة حديث شخصيات محسوبة على الجماعة عن توقيف السلطات النيجيرية علي عبد الونيس، القيادي بحركة «حسم» في مارس (آذار) الماضي، وقبلها توقيف السلطات اللبنانية عبد الرحمن يوسف القرضاوي في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، قبل تطور قضيته إلى طلب إماراتي لتسليمه.

مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)

وتعطي هذه الوقائع وفق باحثين «بُعداً أوسع لقضية فتحي؛ إذ تشير إلى تقلص المساحات التي تمكن عناصر مرتبطة بالجماعة من التنقل أو الإقامة خارج مصر، في وقت تزداد فيه الاتصالات الأمنية بين دول المنطقة بشأن المطلوبين».

عضو مجلس الشيوخ المصري، الباحث في شؤون جماعة «الإخوان» ثروت الخرباوي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن قضية فتحي «تتجاوز شخص محمود فتحي نفسه»؛ لأنها تمس مسألة «الملاذات الآمنة» التي اعتمد عليها عدد من قيادات الجماعة وعناصرها الهاربة خارج مصر.

ويرى الخرباوي أن الغموض بدأ مع توقيف فتحي في ليبيا، لكنه تحول مع الحديث عن تسليمه، إلى مصدر قلق أوسع داخل دوائر الجماعة. وفي حال تأكد التسليم رسمياً، فإن ذلك سيعني، في تقديره، أن «الملاذات التي اعتقد البعض أنها توفر حماية دائمة لم تعد بالضرورة كذلك».

وتطرح الواقعة بحسب الخرباوي أسئلة مباشرة أمام شبكات الهاربين: أين يمكن الاختباء لاحقاً؟ وما الدول التي يمكن الاعتماد عليها؟ وإلى أي مدى ستستمر قدرتهم على التنقل والإقامة وممارسة النشاط السياسي والإعلامي من الخارج؟

محمود فتحي المطلوب لدى السلطات المصرية (حسابه الشخصي على «فيسبوك»)

ويرى الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية ماهر فرغلي أن توقيف فتحي وما سبقه من وقائع، بينها قضية عبد الونيس، أصاب جماعة «الإخوان» بالارتباك، في ظل انقسام بين جناح يواصل النشاط من الخارج عبر الاحتجاجات والدعاية الإلكترونية، وآخر يدعو إلى التوقف عن العمل السياسي لمدة 10 أعوام.

ويعتقد فرغلي وفق ما أورده عبر حسابه بـ«فيسبوك» أن الجماعة لا تستطيع بسهولة الابتعاد عن العمل السياسي والميداني لسنوات طويلة؛ لأن ذلك قد يعني، من وجهة نظرها «موتاً بطيئاً» وفقدان القدرة على استعادة حضورها. ولذلك تظل بحسب تقديره «في انتظار فرصة جديدة تمكنها من العودة إلى المشهد كما حدث في مراحل سابقة من تاريخها».

وبرز محمود فتحي، وهو مهندس مصري، بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وارتبط بحركة «حازمون» التابعة للداعية والسياسي حازم صلاح أبو إسماعيل (محبوس). وغادر مصر بعد رحيل الرئيس الأسبق محمد مرسي عن السلطة في 2013، واستقر خارج البلاد، مع تداول تقارير عن حصوله لاحقاً على الجنسية التركية.

وتضع السلطات المصرية، فتحي على «قوائم الإرهاب» وصدر بحقه حكم بالإعدام في قضية اغتيال النائب العام الأسبق هشام بركات عقب استهدف موكبه بالقاهرة في يونيو (حزيران) 2015، وواصل فتحي خلال إقامته خارج مصر الظهور عبر منصات إعلامية وحسابات إلكترونية معارضة، بينما تتهمه السلطات المصرية بمواصلة نشاط مرتبط بجماعة «الإخوان»، التي تصنفها إرهابية منذ عام 2014.

فندق في طرابلس تقول وسائل إعلام مصرية وليبية إن فتحي ألقي القبض عليه هناك (الصفحة الرسمية للفندق)

لكن الباحث في «المركز الوطني للدراسات السياسية» وليد عتلم يضع التطورات التي تلاحق جماعة «الإخوان»، في إطار أوسع، معتبراً أنها مؤشر على تحول في البيئة التي حافظت الجماعة من خلالها على وجودها خارج الحدود.

تراجع قدرة الجماعة على الحركة

ويشير عتلم لـ«الشرق الأوسط» إلى «تراجع قدرة الجماعة على الحركة بين العواصم، وتضييق متزايد على شبكاتها المالية والإعلامية، فضلاً عن الانقسامات الداخلية، كما أن تقلص المساحات الآمنة يحد من قدرتها على الحفاظ على القيادة والاتصال والتمويل وإعادة إنتاج النشاط التنظيمي».

ولا يعني ذلك، في رأيه، أن الجماعة تتجه إلى الاختفاء الفوري، بل إلى شكل أكثر لا مركزية يعتمد على النشاط الرقمي والخلايا الصغيرة والواجهات الاجتماعية والإعلامية. ويوضح مع استمرار فقدان الملاذات الخارجية، وتراجع التمويل، وتصاعد الانقسامات، قد تصل إلى مرحلة «ما بعد التنظيم المركزي»، حيث تبقى الأفكار والشبكات والأفراد، بينما تصعب إعادة بناء كيان مركزي قادر على تحويلها إلى مشروع سياسي منظم.

وبحسب مراقبين فإنه «إذا ما صحت رواية تسليم القيادي الإخواني الهارب للقاهرة فإنها تكون الثانية من نوعها بين مصر وليبيا بشأن مطلوبين، حيث سبق أن سلم (الجيش الوطني الليبي) هشام عشماوي إلى مصر في مايو (أيار) 2019 بعد القبض عليه في مدينة درنة».


مقالات ذات صلة

من أرقام الجوال إلى البطاقة الشخصية... عمليات «احتيال الهوية» تؤرق المصريين

شمال افريقيا مقر «الشركة المصرية للاتصالات» الرئيس بالجيزة (الشرق الأوسط)

من أرقام الجوال إلى البطاقة الشخصية... عمليات «احتيال الهوية» تؤرق المصريين

لم تكد تهدأ تداعيات أزمة ملكية «أرقام الجوال» التي شغلت الرأي العام في مصر، عقب شكاوى مواطنين من تسجيل أرقام مجهولة بأسمائهم، حتى ظهرت أزمة جديدة.

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا مصر تتوسع في استقبال الطلاب الوافدين (وزارة التعليم العالي)

«ادرس في مصر»... مبادرة لاستقبال الطلاب الوافدين وجلب «العملة الصعبة»

تسعى الحكومة المصرية لتحقيق أقصى استفادة من التوسع في تشييد الجامعات خلال السنوات الأخيرة في ظل إقامة أكثر من 10 ملايين وافد ما بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء.

أحمد جمال (القاهرة)
رياضة عالمية اللاعب زياد حجاج خلال إحدى البطولات (فيسبوك)

مصر: واقعة هروب جديدة للاعب مصارعة تفجر غضباً بالوسط الرياضي

فجّرت واقعة هروب لاعب منتخب مصر للمصارعة زياد حجاج (19 عاماً) من مقر إقامة البعثة المصرية في سلوفاكيا خلال مشاركته ببطولة العالم للمصارعة للشباب غضباً 

محمد الكفراوي (القاهرة )
شمال افريقيا مصر تشدد على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد (رويترز)

مصر تؤكد ضرورة تجنيب الممرات المائية تداعيات التوترات الإقليمية

أكدت مصر ضرورة تجنيب الممرات المائية الدولية تداعيات التصعيد والتوترات الإقليمية، وشددت على ما تمثله حرية الملاحة من أهمية للتجارة الدولية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزارة الداخلية المصرية تكثف الحملات المرورية على مختلف الطرق السريعة (وزارة النقل المصرية)

مصرع 9 وإصابة 25 في حادثي سير بمصر

في محافظة مطروح شمال غربي البلاد، لقي 9 أشخاص حتفهم وأصيب 8 آخرون، الثلاثاء، في حادث تصادم بين حافلتي ركاب بمنطقة «رأس الحكمة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

غضب شعبي متصاعد في العاصمة الليبية بسبب أزمة الكهرباء

الدبيبة يستقبل وفداً من شركة أميركية لتطوير المشروعات والحوكمة في ليبيا (مكتب الدبيبة)
الدبيبة يستقبل وفداً من شركة أميركية لتطوير المشروعات والحوكمة في ليبيا (مكتب الدبيبة)
TT

غضب شعبي متصاعد في العاصمة الليبية بسبب أزمة الكهرباء

الدبيبة يستقبل وفداً من شركة أميركية لتطوير المشروعات والحوكمة في ليبيا (مكتب الدبيبة)
الدبيبة يستقبل وفداً من شركة أميركية لتطوير المشروعات والحوكمة في ليبيا (مكتب الدبيبة)

تشهد العاصمة الليبية طرابلس تصعيداً شعبياً واسع النطاق على خلفية تفاقم أزمة انقطاع التيار الكهربائي وسوء الخدمات؛ ما أسفر عن اقتحام محطات وإغلاق طرق رئيسية، وسط إنذارات بمُهل أخيرة للحكومة، في وقت تحذّر فيه الجهات المختصة من انهيار الشبكة.

وفي أحدث موجة غضب شعبي من سياسة تخفيف الأحمال وانقطاع التيار المتكرر، الذي يفاقم معاناة السكان مع ارتفاع درجات الحرارة، اقتحم متظاهرون، صباح الثلاثاء، محطة توزيع أحمال كهربائية في منطقة سوق الجمعة شرقي المدينة بطرابلس، وأخرجوا المناوبين بالقوة، في حين هدد أهالي منطقة زناتة بإغلاق الطرق الرئيسية المؤدية إلى طرابلس.

وأدى اقتحام محطة التشغيل رقم 16 في سوق الجمعة إلى فصل خطوط كهربائية آلياً، قبل أن تتدخل قوة أمنية لتمكين الفنيين من العودة وإعادة تشغيلها.

كما تعرض محول آخر للاحتراق جراء محاولات فردية لإعادة التيار دون تنسيق فني، تزامناً مع بدء أهالي منطقة زناتة بطرابلس في إغلاق الطريق السريع وطريق الجامعة وطريق زناتة الجديدة، مهددين بتوسيع الإغلاق إلى كل المنافذ المؤدية إلى العاصمة «حتى تحقيق العدالة في طرح الأحمال».

وفي بيان حاد اللهجة، أمهل «حراك أبناء سوق الجمعة» حكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ما أسماه «فرصة أخيرة» لتنفيذ الالتزامات السابقة المتعلقة بالكهرباء والخدمات.

وقال الحراك إن السكان استجابوا سابقاً لدعوات التهدئة وأعادوا فتح المؤسسات، لكن أزمة الكهرباء والمياه استمرت، وأصبحت المعيشة «شبه مستحيلة»، وأضاف: «إذا خرجت سوق الجمعة هذه المرة فلن تعود خطوة إلى الوراء، ولن نستمع لأي وعود، ولن نقبل بتسكين الأزمات أياماً ثم تعود أشد». كما هدد أهالي وشباب منطقة السراج، حكومة الوحدة بفعل «ما لا تحمد عقباه»، وأمهلوها 24 ساعة فقط لحل أزمة الكهرباء في مناطقهم.

فني يصلح عطلاً في أحد المحولات الكهربائية (الشركة العامة للكهرباء)

بدوره، حذَّر مجلس سوق الجمعة البلدي من أنه «لن يقف مكتوف الأيدي أمام استمرار ما وصفه بالعبث»، مؤكداً عزمه التصعيد من تحركاته وإجراءاته القانونية والإعلامية حتى يسترد المواطنون حقهم في الحصول على الكهرباء.

واستنكر المجلس بشدة في بيان أصدره، الثلاثاء، تدهور خدمات الكهرباء واستمرار معاناة المواطنين نتيجة تفاقم قطع التيار الكهربائي، وطرح الأحمال العشوائي وكثرة الأعطال، التي تجاوزت كل الحدود المقبولة.

وحمّل المجلس المسؤولية الكاملة للشركة العامة للكهرباء والجهات المختصة، مطالباً بتدخل عاجل وفوري لتقديم جدول عادل وشفاف لطرح الأحمال، وإعطاء الأولوية للمرافق الحيوية مثل المستشفيات ومحطات المياه.

في السياق ذاته، حذَّرت الشركة العامة للكهرباء من أن «التعدي على الشبكة قد يؤدي إلى الإظلام التام»، وأوضحت في بيان أن «ما حدث لمحولات الكهرباء يؤكد خطورة التدخل الفردي، أو إجبار العاملين على إعادة التيار؛ لأنه قد يتسبب في احتراق المعدات وخروج وحدات وخطوط عن الخدمة وانهيار الشبكة بالكامل».

وشددت الشركة على أن إعادة الكهرباء عملية فنية دقيقة، داعية الجميع إلى الابتعاد عن المنشآت الكهربائية.

وفي محاولة لترشيد الاستهلاك، طالبت بلدية طرابلس المركز بإيقاف أنشطة المطاعم والمقاهي عند الساعة العاشرة مساءً، وأصدرت تعميماً يلزم الجهات والمؤسسات الحكومية كافة بإيقاف أجهزة التكييف والإنارة غير الضرورية ليلاً للحد من استهلاك الطاقة في ظل أزمة الكهرباء.

وتعاني الشبكة الكهربائية عجزاً حاداً يتجاوز في بعض الفترات ألف ميغاواط؛ نتيجة أعطال في وحدات التوليد ونقص إمدادات الوقود والغاز، إلى جانب أضرار في خطوط النقل ناجمة عن حفريات عشوائية أو اشتباكات سابقة.

واندلعت موجة احتجاجات متكررة منذ يوليو (تموز) الماضي، شملت إغلاقاً لمؤسسات حكومية وقطع طرق في مناطق عدة بطرابلس، على خلفية انقطاعات تصل أحياناً إلى عشر ساعات يومياً أو أكثر.

ويعكس التصعيد الحالي هشاشة الوضع المعيشي في العاصمة، وقد يتحول، حسب مراقبين محليين، عصياناً مدنياً أوسع إذا استمرت الانقطاعات دون حلول ملموسة، خاصة مع اقتراب ذروة فصل الصيف واستمرار الانقسام السياسي الذي يعيق أي إصلاح هيكلي لقطاع الطاقة.


من أرقام الجوال إلى البطاقة الشخصية... عمليات «احتيال الهوية» تؤرق المصريين

مقر «الشركة المصرية للاتصالات» الرئيس بالجيزة (الشرق الأوسط)
مقر «الشركة المصرية للاتصالات» الرئيس بالجيزة (الشرق الأوسط)
TT

من أرقام الجوال إلى البطاقة الشخصية... عمليات «احتيال الهوية» تؤرق المصريين

مقر «الشركة المصرية للاتصالات» الرئيس بالجيزة (الشرق الأوسط)
مقر «الشركة المصرية للاتصالات» الرئيس بالجيزة (الشرق الأوسط)

لم تكد تهدأ تداعيات أزمة ملكية «أرقام الجوال» التي شغلت الرأي العام في مصر، عقب شكاوى مواطنين من تسجيل أرقام مجهولة بأسمائهم لدى شركات الاتصالات، حتى ظهرت أزمة جديدة تثير المخاوف بشأن إساءة استخدام البيانات الشخصية.

وجاءت هذه المرة على خلفية اتهام صاحب مدرسة دولية باستغلال بطاقات «الرقم القومي» الخاصة بأولياء الأمور للحصول على قروض تعليمية، في واقعة تعيد إلى الواجهة مخاطر تنامي جرائم «احتيال الهوية»، واستغلال بيانات المصريين في معاملات مالية دون علمهم.

وشهدت مصر جدلاً واسعاً تصاعدت حدته بسبب التزامن بين الواقعتين، حيث فوجئ البعض بوجود خطوط «هاتف جوال» و«محافظ إلكترونية» مسجلة بأسمائهم دون علمهم، مما دفع «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» (جهة حكومية) إلى إحالة شركات الهواتف الجوالة الأربع العاملة في مصر إلى النيابة العامة للتحقيق فيما ورد من شكاوى من مستخدمين اكتشفوا تسجيل خطوط جوالة بأسمائهم دون حيازتهم لها، وذلك بعدما تلقى «الجهاز» أكثر من 4 آلاف شكوى وفق تصريحات صحافية للمتحدث باسم الجهاز محمد إبراهيم.

وما زالت القضية مفتوحة، وقد تشهد مزيداً من التطورات خلال الأيام المقبلة، خاصة أن قوات الأمن ألقت، الثلاثاء، القبض على 18 متهماً من العاملين بخدمة عملاء إحدى شركات الاتصالات، والشركات الوسيطة، وتجار خطوط الجوال، لقيامهم بتسجيل خطوط هواتف جوالة بأسماء مواطنين دون علمهم.

وقالت وزارة الداخلية، في بيان لها: «إن الأجهزة الأمنية بمديريات الأمن تلقت عدة بلاغات من مواطنين بتضررهم من تسجيل خطوط هواتف جوالة بأسمائهم دون علمهم، وأنه تبين قيام عدد من موظفي خدمة العملاء بإحدى شركات الاتصالات بتسجيل الخطوط ببيانات بعض العملاء دون علمهم، فضلاً عن قيام بعض الشركات الوسيطة المتعاقدة مع شركات الاتصالات بتسريب كميات من الخطوط إلى التجار».

بالتزامن مع تلك الواقعة برزت واقعة اتهام رئيس مجلس إدارة إحدى المدارس الدولية بمنطقة التجمع الخامس (شرق القاهرة) باستخدام بطاقات الرقم القومي الخاصة بعدد من أولياء الأمور للحصول على قروض تعليمية بلغت قيمتها نحو 321 مليون جنيه (الدولار يساوي 50 جنيهاً تقريباً)، وقرر قاضي المعارضات بمحكمة جنايات القاهرة، الثلاثاء، تجديد حبس رئيس مجلس إدارة المدرسة 15 يوماً على ذمة التحقيقات.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قد وجه، الاثنين، بإحالة واقعة «القروض» إلى جهات التحقيق، كما وجه بفحص «جميع الوقائع المماثلة، وتشديد الرقابة لمنع تكرار مثل هذه الوقائع».

مقر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات (صفحة الجهاز على فيسبوك)

ولم يكتفِ الأربعيني محمود غانم -وهو موظف بإحدى الشركات الخاصة- بالتأكد من عدم تسجيل أي خطوط هاتفية باسمه عبر التطبيق الذي توفره وزارة الاتصالات، وتوجه إلى شركة المحمول التابع لها للتأكد، كما قام بمراجعة حساباته البنكية، بحسب ما أكده في تصريح لـ«الشرق الأوسط».

وأضاف: «لدي مخاوف فعلية من عمليات الشراء الإلكتروني، أو تقديم صورة بطاقتي الشخصية لأي جهة».

واتخذت الحكومة المصرية إجراءات عدة عقب واقعة «قروض أولياء الأمور»، حيث قررت وزارة التربية والتعليم المصرية وضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري، بهدف الحفاظ على انتظام العملية التعليمية، وضمان حقوق الطلاب، وأولياء الأمور، بالتزامن مع التحقيقات، حسب بيان الوزارة.

كما أصدرت «هيئة الرقابة المالية» مجموعة من القرارات، أبرزها تحريك الدعوى الجنائية ضد شركة التمويل الاستهلاكي فيما يخص مخالفاتها للقانون المنظم للنشاط، وكذلك منعها من إبرام عقود تمويل جديدة لمدة شهر، ووقف تعامل الشركة في منتجات التمويل الخاصة بمصروفات المدارس، وعضوية النوادي، وحظر إصدار تمويلات جديدة لحين مراجعة جميع تلك المنتجات من قِبل الهيئة.

ويرى أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد صادق أن الواقعتين تسببتا في قلق اجتماعي واسع، ومخاوف من التعامل مع الأنظمة الرقمية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المخاطر الاجتماعية المترتبة على انتحال الهوية لا تتوقف عند الاحتيال، أو الحصول على قروض، حيث تركزت مخاوف الناس على إمكانية ارتكاب جرائم بأسمائهم».

ويعتقد صادق أنه من بين الحلول المقترحة «تشديد الرقابة، والحد من استخدام أو إرسال صورة بطاقة الرقم القومي، واتخاذ إجراءات من شأنها طمأنة الناس».

وكشفت تحقيقات النيابة العامة في واقعة «قروض» المدرسة الدولية أن رئيس مجلس إدارة المدرسة قام بالتعاقد مع إحدى الشركات العاملة في مجال التمويل للحصول على تسهيلات ائتمانية بأسماء عدد من أولياء الأمور، مستعيناً بصور بطاقات الرقم القومي الخاصة بهم، ومستندات تضمنت توقيعات منسوبة إليهم، بما أتاح استكمال إجراءات الحصول على تلك التسهيلات دون علمهم، أو موافقتهم.

وأوضحت النيابة أن ممثل الشركة المانحة للتسهيلات الائتمانية أقر بأن الشركة أبرمت مع المتهم -بصفته رئيساً لمجلس إدارة المدرسة- عدد 839 عقداً للحصول على تسهيلات ائتمانية بإجمالي مبلغ 321 مليون جنيه، بأسماء عدد من أولياء الأمور.


«ادرس في مصر»... مبادرة لاستقبال الطلاب الوافدين وجلب «العملة الصعبة»

مصر تتوسع في استقبال الطلاب الوافدين (وزارة التعليم العالي)
مصر تتوسع في استقبال الطلاب الوافدين (وزارة التعليم العالي)
TT

«ادرس في مصر»... مبادرة لاستقبال الطلاب الوافدين وجلب «العملة الصعبة»

مصر تتوسع في استقبال الطلاب الوافدين (وزارة التعليم العالي)
مصر تتوسع في استقبال الطلاب الوافدين (وزارة التعليم العالي)

تسعى الحكومة المصرية لتحقيق أقصى استفادة من التوسع في تشييد الجامعات خلال السنوات الأخيرة، في ظل إقامة أكثر من 10 ملايين وافد ما بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء على أراضيها، ما يشجع على تقديم مزيد من التيسيرات لجذب الطلاب الأجانب، ويحقق ذلك حسب رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) الدكتور أشرف الشيحي أهدافاً سياسية واقتصادية.

وعقد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، اجتماعاً مساء الاثنين، لمتابعة جهود تطوير منظومة عمل الطلاب الوافدين، بحضور وزير التعليم العالي والبحث العلمي وعدد من المسؤولين، شدد خلاله «على ضرورة إتاحة المزيد من التيسيرات والمحفزات للطلاب الوافدين».

وتطرق مدبولي إلى مبادرة «ادرس في مصر» التي أطلقتها الحكومة في عام 2019، مطالباً «بتيسير إجراءات الحصول على التأشيرات للدراسة في إطار المبادرة وكذلك إجراءات القبول بالجامعات المصرية، سعياً لجعل مصر مركزاً إقليمياً وعالمياً للتعليم العالي والبحث العلمي».

ومع إطلاق مبادرة «ادرس في مصر»، أقرت الحكومة المصرية جملةً من التسهيلات للطلاب الوافدين، في مقدمتها تقديم منح وخصومات للطلاب الوافدين عبر المبادرة بموجب «التأشيرة التعليمية»، ويحصل الطالب وأسرته على تخفيض 25 في المائة على تذاكر الطيران، ويستفيد كذلك بتخفيض نسبته 50 في المائة على تذاكر «الأوبرا المصرية» والمسارح، وتخفيض مماثل على زيارة المواقع الأثرية، وكذلك وسائل المواصلات التابعة للحكومة والسكك الحديدية والمترو بموجب بطاقة «التأشيرة التعليمية».

مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي (صحفة الوزارة على فيسبوك)

إلى جانب هذه الامتيازات، طالب مدبولي خلال اجتماعه الأخير «بتوحيد مسارات القبول والموافقة بين الوزارة والجامعات وتقليل وقت الموافقات والإجراءات للطلاب الراغبين في الدراسة بمصر».

ولفت وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عبد العزيز قنصوة، إلى أن وزارته لديها «برنامج تنفيذي متكامل تستهدف من خلاله زيادة أعداد الطلاب الوافدين للدراسة في الجامعات المصرية، وتعظيم العائد الاقتصادي من هذه المنظومة، وذلك عبر استهداف العديد من الأسواق والدول، والتوسع في إقامة المزيد من المعارض والفعاليات الدولية للتعريف والتسويق لتجربة الدراسة بالجامعات المصرية.

وتستهدف الحكومة المصرية تحقيق نمو في أعداد الطلاب الجدد بنسبة تصل إلى 150 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة، حسب بيان صادر عن مجلس الوزراء المصري مساء الاثنين.

تقديرات رئيس الإدارة المركزية لشؤون الطلاب الوافدين بوزارة التعليم العالي، أحمد عبد الغني، تشير إلى أن مصر تضم حالياً نحو 138 ألف طالب وافد يدرسون في مختلف الجامعات المصرية التابعة لوزارة التعليم العالي، بالإضافة إلى نحو 60 ألف طالب آخرين يدرسون في جامعة الأزهر الشريف. وأشار إلى أن هؤلاء الطلاب ينتمون إلى أكثر من 120 دولة حول العالم، حسب تصريحات تلفزيونية أدلى بها الشهر الماضي.

رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي في مجلس النواب المصري، وزير التعليم العالي الأسبق، الدكتور أشرف الشيحي، قال إن القدرات الاستيعابية في غالبية الجامعات المصرية قابلة لاستقبال أعداد أكبر من الطلاب الوافدين، وهو ما يدفع الحكومة لإتاحة مزيد من التيسيرات ما يحقق أهدافاً سياسية باعتبار أن الجامعات المصرية قوى ناعمة مهمة للدولة إلى جانب أبعاد اقتصادية عبر جذب العملة الصعبة.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن السفارات الأجنبية في مصر تقوم بدور مهم في تسهيل إجراءات قبول الوافدين واستقبالهم، وأن الحكومة في المقابل لديها دور مماثل مع توفير إقامات تتماشى مع قدراتهم، وأن التوجيهات الأخيرة تهدف إلى توحيد مسارات القبول إلى جانب تنشيط الجانب التسويقي للجامعات المصرية، مع أهمية الاستفادة من وجود أعداد كبيرة من الوافدين على الأراضي المصرية.

توجيهات حكومية بمزيد من التيسيرات لاستقبال الطلاب الوافدين (مجلس الوزراء المصري)

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء، تطلق السلطات عليهم لقب «ضيوف» وتكلّف تلك الاستضافة الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات رسمية.

وأكد الشيحي أن الوافدين يشكلون دعماً اقتصادياً مهماً لكن ذلك لا يجب أن يكون على حساب الطلاب المصريين، بخاصة في مجالات تحتاج إلى قوة بشرية في سوق العمل، على رأسها التخصصات الطبية والهندسية، مشيراً إلى أن الحكومة عليها أن توازن بين رغبتها في جذب الوافدين وتوفير الاحتياجات اللازمة للطلاب المصريين في الجامعات الحكومية تحديداً.

وتشير إحصاءات حكومية إلى أن طلاب دول الهند ونيبال وباكستان يقبلون بشكل أكبر على القطاعين الطبي والهندسي، كما يفضل طلاب ماليزيا ودول وسط آسيا مثل طاجيكستان وأوزبكستان دراسة هندسة الطاقة والتخصصات التقنية، بينما تظل نيجيريا من أكبر الدول المصدرة للطلاب الراغبين في دراسة الطب بمصر، بحسب أحمد عبد الغني.