انتابت حالة من الارتباك عناصر جماعة «الإخوان» وموالين لها من الهاربين خارج مصر، بعد إعلان نجلي القيادي محمود فتحي أن والديهما، اللذين أوقفتهما السلطات الليبية الشهر الماضي، نُقلا إلى مصر، الاثنين، في واقعة نفت السلطات في العاصمة الليبية طرابلس مسؤوليتها عنها، لكنها أعادت إلى الواجهة قضية الملاذات التي اعتمد عليها مطلوبون مصريون خارج البلاد.
وبحسب رواية نور الدين وحبيبة، نجلا فتحي، في بيان نشراه، مساء الاثنين، فإنهما تلقيا معلومات «مؤكدة» تفيد بتسليم حكومة الوحدة الوطنية الليبية والديهما إلى السلطات المصرية، وأضافا أن «السلطات المصرية أرسلت بحسب المعلومات التي وصلتهما، طائرة خاصة لنقلهما من ليبيا إلى مصر».
غير أن حكومة «الوحدة» نفت، الثلاثاء، صحة الأنباء المتداولة بشأن مسؤوليتها عن تسليم شخصية مطلوبة إلى مصر، دون ذكر اسمه، مبرزة عبر منصة «تبيان» - وهي أحد أذرعها الإعلامية - أنه بعد التواصل مع الجهات المختصة بالحكومة، وكذلك الجهات المنضوية تحت شرعيتها تبين عدم صحة المعلومات.
وكانت وسائل إعلام مصرية وليبية قد أفادت بتوقيفهما في 19 يوليو (تموز) الماضي داخل مقر إقامتهما في طرابلس، من دون تأكيد رسمي.
وبين رواية نجلي القيادي الهارب، ونفي حكومة «الوحدة» اتسعت خلال الساعات الماضية دائرة التفاعل على حسابات ومنصات محسوبة على «الإخوان» بين انتقادات للحكومة الليبية وتساؤلات بشأن مستقبل إقامة عناصر الجماعة ونشاطهم خارج مصر.
كما جددت الواقعة حديث شخصيات محسوبة على الجماعة عن توقيف السلطات النيجيرية علي عبد الونيس، القيادي بحركة «حسم» في مارس (آذار) الماضي، وقبلها توقيف السلطات اللبنانية عبد الرحمن يوسف القرضاوي في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، قبل تطور قضيته إلى طلب إماراتي لتسليمه.

وتعطي هذه الوقائع وفق باحثين «بُعداً أوسع لقضية فتحي؛ إذ تشير إلى تقلص المساحات التي تمكن عناصر مرتبطة بالجماعة من التنقل أو الإقامة خارج مصر، في وقت تزداد فيه الاتصالات الأمنية بين دول المنطقة بشأن المطلوبين».
عضو مجلس الشيوخ المصري، الباحث في شؤون جماعة «الإخوان» ثروت الخرباوي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن قضية فتحي «تتجاوز شخص محمود فتحي نفسه»؛ لأنها تمس مسألة «الملاذات الآمنة» التي اعتمد عليها عدد من قيادات الجماعة وعناصرها الهاربة خارج مصر.
ويرى الخرباوي أن الغموض بدأ مع توقيف فتحي في ليبيا، لكنه تحول مع الحديث عن تسليمه، إلى مصدر قلق أوسع داخل دوائر الجماعة. وفي حال تأكد التسليم رسمياً، فإن ذلك سيعني، في تقديره، أن «الملاذات التي اعتقد البعض أنها توفر حماية دائمة لم تعد بالضرورة كذلك».
وتطرح الواقعة بحسب الخرباوي أسئلة مباشرة أمام شبكات الهاربين: أين يمكن الاختباء لاحقاً؟ وما الدول التي يمكن الاعتماد عليها؟ وإلى أي مدى ستستمر قدرتهم على التنقل والإقامة وممارسة النشاط السياسي والإعلامي من الخارج؟

ويرى الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية ماهر فرغلي أن توقيف فتحي وما سبقه من وقائع، بينها قضية عبد الونيس، أصاب جماعة «الإخوان» بالارتباك، في ظل انقسام بين جناح يواصل النشاط من الخارج عبر الاحتجاجات والدعاية الإلكترونية، وآخر يدعو إلى التوقف عن العمل السياسي لمدة 10 أعوام.
ويعتقد فرغلي وفق ما أورده عبر حسابه بـ«فيسبوك» أن الجماعة لا تستطيع بسهولة الابتعاد عن العمل السياسي والميداني لسنوات طويلة؛ لأن ذلك قد يعني، من وجهة نظرها «موتاً بطيئاً» وفقدان القدرة على استعادة حضورها. ولذلك تظل بحسب تقديره «في انتظار فرصة جديدة تمكنها من العودة إلى المشهد كما حدث في مراحل سابقة من تاريخها».
وبرز محمود فتحي، وهو مهندس مصري، بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وارتبط بحركة «حازمون» التابعة للداعية والسياسي حازم صلاح أبو إسماعيل (محبوس). وغادر مصر بعد رحيل الرئيس الأسبق محمد مرسي عن السلطة في 2013، واستقر خارج البلاد، مع تداول تقارير عن حصوله لاحقاً على الجنسية التركية.
وتضع السلطات المصرية، فتحي على «قوائم الإرهاب» وصدر بحقه حكم بالإعدام في قضية اغتيال النائب العام الأسبق هشام بركات عقب استهدف موكبه بالقاهرة في يونيو (حزيران) 2015، وواصل فتحي خلال إقامته خارج مصر الظهور عبر منصات إعلامية وحسابات إلكترونية معارضة، بينما تتهمه السلطات المصرية بمواصلة نشاط مرتبط بجماعة «الإخوان»، التي تصنفها إرهابية منذ عام 2014.

لكن الباحث في «المركز الوطني للدراسات السياسية» وليد عتلم يضع التطورات التي تلاحق جماعة «الإخوان»، في إطار أوسع، معتبراً أنها مؤشر على تحول في البيئة التي حافظت الجماعة من خلالها على وجودها خارج الحدود.
تراجع قدرة الجماعة على الحركة
ويشير عتلم لـ«الشرق الأوسط» إلى «تراجع قدرة الجماعة على الحركة بين العواصم، وتضييق متزايد على شبكاتها المالية والإعلامية، فضلاً عن الانقسامات الداخلية، كما أن تقلص المساحات الآمنة يحد من قدرتها على الحفاظ على القيادة والاتصال والتمويل وإعادة إنتاج النشاط التنظيمي».
ولا يعني ذلك، في رأيه، أن الجماعة تتجه إلى الاختفاء الفوري، بل إلى شكل أكثر لا مركزية يعتمد على النشاط الرقمي والخلايا الصغيرة والواجهات الاجتماعية والإعلامية. ويوضح مع استمرار فقدان الملاذات الخارجية، وتراجع التمويل، وتصاعد الانقسامات، قد تصل إلى مرحلة «ما بعد التنظيم المركزي»، حيث تبقى الأفكار والشبكات والأفراد، بينما تصعب إعادة بناء كيان مركزي قادر على تحويلها إلى مشروع سياسي منظم.
وبحسب مراقبين فإنه «إذا ما صحت رواية تسليم القيادي الإخواني الهارب للقاهرة فإنها تكون الثانية من نوعها بين مصر وليبيا بشأن مطلوبين، حيث سبق أن سلم (الجيش الوطني الليبي) هشام عشماوي إلى مصر في مايو (أيار) 2019 بعد القبض عليه في مدينة درنة».




