ألوف المهاجرين ما زالوا في سبتة بعد موجة التدفق عبر الحدود

عبور جماعي للمهاجرين سيراً على الأقدام وبحراً من المغرب إلى الأراضي الإسبانية في سبتة (رويترز)
عبور جماعي للمهاجرين سيراً على الأقدام وبحراً من المغرب إلى الأراضي الإسبانية في سبتة (رويترز)
TT

ألوف المهاجرين ما زالوا في سبتة بعد موجة التدفق عبر الحدود

عبور جماعي للمهاجرين سيراً على الأقدام وبحراً من المغرب إلى الأراضي الإسبانية في سبتة (رويترز)
عبور جماعي للمهاجرين سيراً على الأقدام وبحراً من المغرب إلى الأراضي الإسبانية في سبتة (رويترز)

أقام مئات المهاجرين مخيماً على أحد الشواطئ في جيب سبتة الإسباني الواقع في شمال أفريقيا اليوم (الاثنين)، في الوقت الذي تواجه فيه السلطات المحلية صعوبات في التعامل مع الآلاف الذين ما زالوا موجودين في هذا الجيب الصغير عقب تدفق هائل عبر الحدود الأسبوع الماضي.

وتقدر إسبانيا أن نحو 69500 مهاجر عادوا إلى المغرب خلال الأيام الأربعة الماضية، وهو ما يتجاوز التقديرات الأولية التي كانت تشير إلى وصول نحو 50 ألف شخص إلى سبتة يوم الخميس. وبلغ العدد الرسمي للقتلى على الجانب الإسباني من الحدود 72 شخصاً، في حين لاقى 11 شخصاً حتفهم على الجانب المغربي.

وقال كثيرون إنهم غادروا لأن إغلاق المتاجر تركهم دون طعام، ولأنهم واجهوا عداء من السكان المحليين، ولم يتمكنوا من السفر إلى البر الرئيسي الإسباني.

أفراد من الجيش الإسباني يراقبون مجموعة من المهاجرين قرب نقطة حدودية لجيب سبتة أمس (أ.ف.ب)

وتقع سبتة ومليلية، الجيب الإسباني الآخر في شمال أفريقيا، على الساحل المغربي للبحر الأبيض المتوسط، وتواجهان من حين لآخر محاولات عبور من مهاجرين يسعون للوصول إلى أوروبا. وأظهر مقطع فيديو لـ«رويترز» عشرات المهاجرين، معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء، مستلقين على رمال شاطئ «الترمبولين». وكان كثيرون منهم لفوا أنفسهم بمناشف لحماية أجسادهم من الرياح، في حين كانت مركبات الجيش والشرطة تقوم بدوريات على الطريق خلفهم.

وقال حاكم سبتة، خوان خيسوس فيفاس، لمحطة «تيليسينكو» التلفزيونية، إن ما بين 3000 و5000 مهاجر ما زالوا في الجيب، مضيفاً أن مركزَي استقبال المهاجرين هناك، وأحدهما للبالغين والآخر للقصّر، قد «انهارا».

وقال المسؤول المحلي ألبرتو جايتان إن المدينة تتولى شؤون 862 مهاجراً قاصراً، يتمتعون بحماية قانونية خاصة من الترحيل.

وأثارت الأزمة لهجة خطاب معادية للهجرة في جميع أنحاء أوروبا، وأشعلت توترات دبلوماسية داخل الاتحاد الأوروبي حول سياسة الحدود، حيث تتهم إسبانيا بعض شركائها برد فعل غير مفيد ومثير للانقسام.

وقال وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريز اليوم (الاثنين) إن إسبانيا كانت قد دعمت في السابق دولاً أخرى في الاتحاد الأوروبي خلال أزمات الهجرة، وتنتظر الآن دعماً في المقابل.

ودعا الاتحاد الأوروبي إلى عقد اجتماع طارئ عبر الفيديو لوزراء الداخلية لمناقشة الأزمة غداً (الثلاثاء).

وانتقد ألباريز بشدة الحكومة الإيطالية، متهماً إياها بالمساعدة في تضخيم المعلومات المضللة. وقال إن المغرب عرض على الفور الدعم فيما يتعلق بأعمال الشرطة، ولم يضع لتعاونه أي شروط، مما سمح بالعودة السريعة لمعظم من عبروا الحدود. لكن فيفاس، رئيس بلدية سبتة، انتقد الرباط، قائلاً إن هناك تصوراً واسع الانتشار داخل سبتة بأن المغرب سمح بحدوث الأزمة، إن لم يكن هو من دبرها.

وأضاف فيفاس لصحيفة «الباييس»: «لقد أظهر لنا المغرب أنه غير جدير بالثقة. ولا يوجد بديل سوى اتخاذ جميع الوسائل اللازمة لضمان عدم تكرار هذا الأمر».

مهاجرون يسيرون باتجاه الفنيدق المغربية بعد مغامرة جيب سبتة إثر محاولة للعبور (أ.ف.ب)

وألقت وزارة الداخلية المغربية أمس (الأحد) باللوم في هذه الموجة المتزايدة على المعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي، وشبكات الاتجار بالبشر، وسوء تفسير حكم محكمة إسبانية يحظر الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر. وجاء ذلك متوافقاً مع الرأي الرسمي لمدريد.

وتشير تقارير نشرتها صحيفة «الباييس» ومحطة «كادينا سير» الإذاعية، نقلاً عن مسؤولين مطلعين، إلى أن أجهزة المخابرات الإسبانية توصلت إلى أن المغرب لم يخطط للعبور الجماعي، لكنه سمح بحدوثه.

وأفادت التقارير بأن إجراءات الرقابة على الحدود المغربية خُففت تدريجياً خلال شهر يوليو (تموز)، ثم أُزيلت تماماً مع اندفاع الحشود نحو معبر تاراخال خلال عطلة «عيد العرش» في المغرب.

ولم ترد وزارة الداخلية المغربية على الفور على طلب «رويترز» للتعليق. وقالت الوزارة في بيان أمس (الأحد) إن المغرب ملتزم بتعزيز التعاون والتنسيق الدوليين في مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر. وقال وزير الداخلية الإسباني فرناندو جراندي مارلاسكا للصحافيين يوم السبت إن وكالة المخابرات الخارجية (سي إن آي)، التي تخضع لسيطرة وزارة الدفاع، لم تحذره من حدوث تدفق وشيك. وأفادت صحيفة «الباييس» اليوم (الاثنين) بأن ذلك تسبب في توتر بين الوزارتين. وهوّن متحدث باسم وزارة الداخلية من شأن التوترات.

ورفضت وزيرة الدفاع مارجاريتا روبليس الإفصاح عما إذا كانت وكالة المخابرات الوطنية قد حصلت على أي معلومات استخباراتية مسبقة بشأن العبور الجماعي، مضيفة أن عمل الوكالة يتسم بالسرية، وأشادت بالعمل «الاستثنائي» الذي يقوم به أفراد الأجهزة الأمنية الإسبانية.



«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
TT

«منشن الداخلية»... أزمات وصم وتشهير ترافق طلب النجدة في مصر

إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)
إشادات بالحضور الأمني في مصر مع التوسع في الاستجابة للاستغاثات الإلكترونية (محافظة القاهرة)

باتت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية على «فيسبوك» تحظى بمتابعة عالية، بعد أن أصبحت منصة رئيسية لتلقي البلاغات عبر مقاطع فيديو يجري تصويرها في الشارع أو المنازل لحوادث أو مخالفات، وخاصة بعد أن عززتها الاستجابة السريعة للشرطة للتحقق من صحة تلك المقاطع وضبط المتهمين.

واحتلت الصفحة المركز الثاني عالمياً بين الحسابات الحكومية الأعلى أداءً في الربع الثالث لعام 2025، بعد «البيت الأبيض» الأميركي، وفقاً لتقرير مؤسسة (Emplifi) العالميّة.

ورغم العائد الإيجابي لتلك الطريقة الحديثة في تسهيل توثيق الجرائم وسرعة التبليغ عنها، فإنها لا تخلو من وصم وتشهير عبر نشر صور أشخاص دون إذن منهم، وأحياناً تثبت براءتهم، بعد التحقق من الملابسات، التي قد لا تكون واضحة من الوهلة الأولى.

استجابة فورية لبلاغ عن مغالاة في الأجرة (وزارة الداخلية المصرية)

آثار سلبية

ورغم أهمية الاستغاثة الإلكترونية التي أصبحت أسرع وأسهل من الذهاب إلى قسم الشرطة، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق أن لها آثاراً سلبية، مشيراً إلى أنها «حولت البلاغ الخاص إلى محاكمة علنية قبل أن ينتهي التحقيق».

ويقول صادق لـ«الشرق الأوسط»: «فارق كبير بين التبليغ السري للقنوات الرسمية سواء النجدة أو رقم واتساب لتلقي البلاغات والاستغاثات، وبين نشر فيديو يُظهر الوجه والعنوان والتفاصيل على العام؛ فالأخيرة ليست مساعدة أمنية لضبط جريمة ما فقط، وإنما تتعدى ذلك إلى كونها عقوبة مجتمعية فورية».

وانتشرت في الفترة الأخيرة مقاطع فيديو مع الإشارة لوزارة الداخلية، تتهم أشخاصاً بارتكاب جرائم، ثم يتضح لاحقاً أن التصور خاطئ. ومن ضمن هذه الوقائع التي انتشرت بقوة اتهام راكب لسائق حافلة باختطاف طفل؛ نظراً لعدم وجود شبه ظاهر بينهما، ليتضح في النهاية أن الطفل ابن السائق، بعد حملة تنمر به وبزوجته باعتبارهما «أفقر من أن ينجبا طفلاً جميلاً منمقاً».

الشرطة المصرية تستجيب لاستغاثة بالفيديو عن سرقة سيارات بالإكراه من قبل ملثمين (الداخلية المصرية)

وفي واقعة أخرى، رُفعت الكاميرات لتلقط مشاجرة زوج وزوجته في الشارع بغرض التبليغ والمساعدة، دون الحصول على إذن منهما، لكنهما تضررا من هذا «التشهير».

ويصل الأمر أحياناً إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ قُتلت قاصر عمرها 16 عاماً في منطقة الصف (جنوب القاهرة) يوم 16 سبتمبر (أيلول) الحالي على يد شقيقها، بعد نشر تغيبها ثم العثور عليها لدى صديق في الإسكندرية.

بريء حتى تثبت إدانته

ويشير المحامي سامح سمير إلى أن نشر صور أشخاص دون إذنهم، خصوصاً في سياقات سلبية، ينضوي على جريمة تشهير يُعاقب عليها القانون.

وقال: «لو أن شخصاً نشر سباً وقذفاً لآخر على السوشيال ميديا دون صورته، فإن الحكم عادة يكون غرامة؛ أما لو نشر صاحب السب والقذف صورة، يرتفع الحكم إلى الحبس»، محذراً من خطورة تحول أفراد المجتمع إلى «مخبرين» يسارعون بالتقاط الصور ومقاطع الفيديو ونشرها على «صفحة الداخلية» حتى دون فهم السياق في أحيان كثيرة.

وانتقد كذلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» نشر قوات الأمن صوراً ومقاطع فيديو لمتهمين، حتى وإن كانت مموهة، لافتاً إلى المبدأ الدستوري والأساس القانوني القائم على أن المتهم «بريء حتى تثبت إدانته»، وإلى أن نشر هذه الصور يُسهِّل التعرف على هوية أصحابها، خصوصاً بين المعارف والأصحاب.

استغاثة تتعلق بسرقة دراجة نارية (وزارة الداخلية المصرية)

ويشير الباحث في علم الاجتماع، عصام فوزي، إلى أن «المكايدة» كانت قائمة طوال الوقت تحت ما يعرف بـ«البلاغات الكيدية»، لكنها كانت محدودة؛ نظراً لما تنطوي عليه من كلفة مالية من خلال اللجوء لمحامٍ لصياغة البلاغ؛ لكن مع انتشار آلية «منشن الداخلية»، أصبح الأمر أسرع وأسهل.

ورغم بعض آثار النشر السلبية، قال: «لا يمكن نكران أن هذه الآلية التي تلقى استجابة سريعة من الأمن ساهمت في زيادة شعور المواطن بالحضور الأمني، ونجحت بالفعل في ضبط جناة كثيرين».

«حرمانية» التصوير

وخصصت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة، 25 سبتمبر، لـ«حرمة تصوير الأفراد دون إذن، وحرمة الحياة الخاصة»، وفق نص الخطبة الذي نشرته الأربعاء، مشددة على أن «أعراض الناس ليست مشاعاً».

وأضافت: «حال وجود فيديو أو صور تثبت حقاً، فعلى الشخص التقدم بها للجهات، لا نشرها بغرض التشهير والترند».

ويحذر أستاذ علم النفس، جمال فرويز، من مخاطر كبيرة قد يتعرض لها البعض عند التشهير بهم وتقديمهم كمتهمين، حتى إذا اتضحت براءتهم فيما بعد.

وقال: «الاستجابة تختلف باختلاف الشخصية؛ فالشخصيات العصبية التي تُعَد عرضة للأمراض النفسية قد تصاب بأعراض اكتئابية وقد تفكر بإيذاء النفس».

وأضاف: «كلما كان الشخص ينتمي لطبقة اجتماعية أعلى، وارتفع مستوى تعليمه، كانت احتمالات تأزمه نفسياً أكبر».


تراجع المعارك البرية في السودان... وتصاعد حرب المسيّرات

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
TT

تراجع المعارك البرية في السودان... وتصاعد حرب المسيّرات

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان داخل القصر الرئاسي في 26 مارس 2025 (رويترز)

خفتت أصوات المعارك البرية على جبهات القتال الرئيسية في السودان، في مقابل تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة واستمرار مناوشات محدودة على عدد من المحاور، وذلك بعد التقدم الذي حققه الجيش وتراجع «قوات الدعم السريع» في شمال كردفان خلال الأيام الماضية.

ووفقاً لشهود ومصادر ميدانية، شهدت محاور العمليات تراجعاً نسبياً في حدة القتال البري، عقب الجولة الأخيرة من المعارك الواسعة في شمال كردفان، التي أحدثت تغييرات مهمة في خريطة السيطرة، وحقق الجيش خلالها تقدماً ملحوظاً، أحكم من خلاله سيطرته على عدد من البلدات، وعزز تأمين مدينة بارا ومحيطها وطريق الصادرات، كما فتح خط الإمداد الرابط بين أم درمان والنيل الأبيض وشمال كردفان وصولاً إلى مدينة الأُبيّض، في حين تراجعت «قوات الدعم السريع» باتجاه الشمال والشمال الغربي.

وذكرت المصادر أن اندفاعة الجيش غرب مدينة الأُبيّض توقفت بصورة مفاجئة بعد وصول قواته إلى بلدة أم صميمة، إثر تعرضها لضغط عسكري مضاد أجبرها على التراجع باتجاه مشارف الأُبيّض. ولم تُسجل منذ ذلك الحين محاولة كبيرة جديدة للتقدم على هذه الجبهة.

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرقاً) يوم 17 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

وفي تطورات ميدانية أخرى، أفاد نشطاء بأن الجيش تراجع من محيط مدينتَي سودري والمزروب، بعد أن كان قد وسّع خطوطه الدفاعية في عدد من البلدات المحيطة بهما، في حين عادت «قوات الدعم السريع» إلى بلدة المزروب الاستراتيجية التي كانت قد انسحبت منها خلال العملية العسكرية الواسعة للجيش.

وفي محور النيل الأزرق، حافظ الجيش على مواقعه، وقالت مصادر موالية له إن قواته صدت هجمات لـ«الدعم السريع»، وألحقت بها خسائر بشرية ومادية حالت دون تحقيقها تقدماً جديداً، في حين لا تزال «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها تسيطر على مدينتَي الكرمك وقيسان.

وشهد هذا المحور أيضاً خلال الأيام الأخيرة تراجعاً في حدة المواجهات البرية المباشرة، في حين استمرت حرب الاستنزاف المتبادلة باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية.

حرب المسيّرات

وأعلن الجيش، الخميس، إسقاط طائرة مسيّرة «معادية» طويلة المدى من طراز «FH-95». وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة في بيان إن الدفاعات الجوية أسقطت المسيّرة، وذلك بعد أيام من تعرض مدينة الأُبيّض لهجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية.

ويقول سكان في ولاية شمال كردفان إن «قوات الدعم السريع» كثفت هجماتها بالطائرات المسيّرة على مدن خاضعة لسيطرة الحكومة في الولاية، ما أدى إلى تعطيل جوانب من الحياة اليومية، وفاقم الشعور بانعدام الأمن لدى السكان.

وسجلت «رويترز» لقطات تظهر آثار هجمات كبيرة وقعت خلال الشهر الحالي على مدينتين تقعان على خط المواجهة. ووصف سكان تلك الهجمات بأنها جزء من موجة جديدة واضحة من الضربات، بعد أسابيع بدا خلالها أن «قوات الدعم السريع» قلّصت استخدام المسيّرات تحت وطأة ضغوط دولية.

وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة بصورة لافتة في الحرب السودانية المستمرة منذ ثلاث سنوات ونصف السنة؛ إذ يستخدم كل من الجيش و«قوات الدعم السريع» تقنيات حديثة باتت جزءاً أساسياً من حروب أخرى، من بينها الحرب في أوكرانيا.

حطام متناثر داخل مبنى كلية التنمية والعلوم التكنولوجية عقب هجوم بمسيّرة في مدينة الأُبيّض يوم 15 سبتمبر (رويترز)

وتقول الأمم المتحدة إن هجمات الطائرات المسيّرة التي شنها طرفا الحرب أسفرت عن مقتل أكثر من ألف مدني خلال النصف الأول من العام الحالي، في مؤشر على تزايد التكلفة البشرية لهذا النوع من الهجمات مع اتساع نطاق استخدامها بعيداً عن خطوط المواجهة التقليدية.

وفي الثامن من سبتمبر (أيلول)، أصابت طائرة مسيّرة قاعة محكمة مكتظة في مدينة أم روابة، الخاضعة لسيطرة الحكومة في شمال كردفان، وهي الولاية الواقعة في وسط السودان، والتي تحولت إلى واحدة من أبرز جبهات الحرب.

وقالت مجموعة «محامو الطوارئ»، التي تعرف نفسها بأنها كيان مهني طوعي مستقل معنيّ بالدفاع عن الحقوق، إن نحو 10 أشخاص قُتلوا وأصيب عشرات آخرون في استهداف المحكمة التي تعرضت لدمار واسع، في حين تناثرت أعمدة الواجهة وأجزاء من أحد أبرز مباني المدينة في محيط المكان. وبعد ذلك بيوم واحد، استهدفت طائرة مسيّرة كلية التنمية والعلوم التكنولوجية في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، ما أدى إلى تدمير سقفها وإلحاق أضرار واسعة بمبانيها.

وقال عميد الكلية عبد العزيز الشيخ، وهو يقف وسط الدمار في حين كان عمال يزيلون الأنقاض، إن حارس أمن قُتل في الهجوم، وإن ثماني قاعات للمحاضرات تعرضت لأضرار جسيمة. وأضاف: «فقدنا غفير الكلية، نسأل الله أن يتقبله، وتم استهداف ثماني قاعات، حصل فيها دمار كامل»، مشيراً إلى أن أجزاء أخرى من الكلية تعرضت بدورها لدمار واسع. وعبرت أمنية أبو القاسم، وهي طالبة كانت قد أدت امتحاناً في الكلية قبل يوم واحد من الهجوم، عن حزنها وهي تقف بجانب الأنقاض، وقالت: «تدمرت كل الكلية، نحس أن أحلامنا تدمرت ومستقبلنا تدمر!».

مبنى محكمة في مدينة أم روابة بشمال كردفان تعرض لقصف بمسيّرة نُسبت إلى «قوات الدعم السريع» في 16 سبتمبر (رويترز)

وفي مستشفى بمدينة أم روابة، روى صلاح بخيت، الذي سُحقت ذراعه وأصيب جسده بشظايا في الهجوم على المحكمة، أنه لجأ إلى المدينة بحثاً عن الأمان بعدما فرّ من الأُبيّض، التي تعرضت على مدى أشهر في وقت سابق من العام لهجمات بالمسيّرات، في خضم محاولة «قوات الدعم السريع» تشديد الضغط عليها.

وهكذا، وفي الوقت الذي تراجعت فيه حدة المواجهات البرية المباشرة على عدد من الجبهات، باتت الطائرات المسيّرة تؤدي دوراً متزايداً في الحرب، سواء في استهداف المواقع العسكرية أو في ضرب مدن ومنشآت مدنية بعيدة نسبياً عن خطوط الاشتباك، بما ينقل جانباً متزايداً من تكلفة الحرب إلى السكان والمنشآت الحيوية.


«خلية طرابلس» تفجر «اتهامات وشكوكاً» بين أطراف الأزمة الليبية

وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي إلى اليمين وصدام حفتر في مايو الماضي (وزارة الدفاع التركية)
وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي إلى اليمين وصدام حفتر في مايو الماضي (وزارة الدفاع التركية)
TT

«خلية طرابلس» تفجر «اتهامات وشكوكاً» بين أطراف الأزمة الليبية

وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي إلى اليمين وصدام حفتر في مايو الماضي (وزارة الدفاع التركية)
وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي إلى اليمين وصدام حفتر في مايو الماضي (وزارة الدفاع التركية)

فتح ضبط «الخلية التخريبية» في العاصمة الليبية طرابلس باب السجال وتبادل الاتهامات بين طرفي النزاع بشأن الجهة التي تُحرّكها وتدعمها، وسط تكتم من جهات التحقيق الرسمية.

وسبق أن أعلنت حكومة «الوحدة» في 6 سبتمبر (أيلول) الحالي تفكيك خلية تضم 5 عناصر من ليبيين وأجانب متورطين في هجمات بمُسيّرات على خزانات نفط ومحطة كهرباء بطرابلس والزاوية، من دون صدور إيضاحات إضافية حول نتائج التحقيقات منذ ذلك الوقت.

وعلى خلفية الانقسام، تعاني ليبيا من حالة تجاذب تنتشر خلالها «الشائعات» يغذيها صمت رسمي وتنافس سياسي بين شرق البلاد وغربها، الأمر الذي سهّل على البعض إقحام اسم صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، بأنه «هو من يقف خلف الخلية»، وهو الأمر الذي وصفه عمر بوسعدة، المحلل السياسي، بـ«اتهامات عبثية لم تعد حيلة تنطلي على أحد».

الدبيبة مع قادة أمنيين وعسكريين ليبيين في طرابلس يناير الماضي (مكتب رئيس الحكومة)

وكانت وزارة الدفاع التابعة لـ«الوحدة» قالت إنها «أحبطت مخططات أخرى كانت على وشك التنفيذ، في مقدمتها استهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس، إلى جانب منشآت حيوية وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية».

وأمام تكتم النيابة العامة في ليبيا على مجريات التحقيق مع الخلية الموقوفة، انتقلت «اتهامات مرسلة» من السرية إلى العلن، مع تبني بعض الشخصيات روايات تناقلتها وسائل إعلام خارجية، ما فتح الباب أمام سجالات حادة.

وزعم الناشط الليبي أحمد الزروق أن «كتيبة طارق بن زياد»، التابعة لـ«الجيش الوطني»، هي «من تقف خلف (الخلية التخريبية) التي استهدفت المنشآت الحيوية في طرابلس، بهدف خلق الأزمات في العاصمة طرابلس».

وأفاض الزروق، وهو أحد أبناء عمومة سيف الإسلام القذافي، في حديث ضمّنه تسجيلاً مصوراً، وقال إن الخلية يقف خلفها صدام حفتر، وتضم إسبانياً و4 ليبيين، ونشر أسماءهم، والمهام المكلفين بها.

لقاء سابق مع الراحل سيف الإسلام القذافي في مقر إقامته بالزنتان مع أحمد الزروق (حساب الزروق)

وتبنت «قناة الليبية» التابعة لشركة «الغد» الإعلامية القريبة من الراحل سيف الإسلام القذافي، رواية الزروق، كما أنها نقلت عما سمّتهم بمصادر إفراج سلطات طرابلس عن الإسباني المتهم بالتورط في الخلية بضغط من صدام.

ونفى مصدر أمني مقرب من «الجيش الوطني» صحة هذه الاتهامات، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الأوضاع السياسية والعسكرية والأمنية في ليبيا تتجه نحو الاستقرار؛ وإنهاء الانقسام قريباً عبر إجراء الانتخابات».

ويعتقد المصدر الأمني، الذي رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث إلى وسائل الإعلام، أن «هناك أطرافاً في ليبيا مصلحتها مع الفُرقة والتشتت وليس الاستقرار»، متسائلاً: كيف تجتمع القيادات العسكرية والأمنية في بنغازي وطرابلس على ضرورة إنهاء الانقسام ويحدث هذا؟

وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي إلى اليمين وصدام حفتر في مايو الماضي (وزارة الدفاع التركية)

وفي 19 سبتمبر الحالي، كشف رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، عن مخاطبة المحكمة الجنائية الدولية رسمياً للحصول على دعم فني وتقني وقانوني يُعزّز التحقيقات الوطنية بشأن الخلية.

ويرى بوسعدة في حديث إلى «الشرق الأوسط» أن «البيانات المفبركة والاتهامات العبثية أصبحت بصمة عجز» صادرة مما سماها بـ«غرف صناعة الوهم»؛ التي قال إنها «كلما شعرت بالانحسار السياسي والإفلاس الميداني، لجأت إلى خلط الأوراق وفبركة السيناريوهات».

ويعتقد بوسعدة أن الحديث عن علاقة صدام بالخلية «ليس مجرد كلام عارٍ عن الصحة، بل هو محاولة بائسة للتغطية على واقع أن الفريق يتحرك اليوم من أرضية صلبة؛ ويمتلك أوراقاً تفاوضية حقيقية فرضت حضورها في أكبر عواصم القرار الدولية والإقليمية».

وانتهى بوسعدة إلى أن «هذه الادعاءات» الصادرة عما سمّاهم بـ«زمر المرتهنين للخارج وأصحاب المشاريع الهدامة ليست سوى ردة فعل من أي تقارب ليبي - ليبي حقيقي ينهي هيمنتهم، ويسقط المظلات الأمنية والسياسية التي يتكسبون منها على حساب الوطن».

وكان المنفي قال في بيانه إن ليبيا «تقدمت عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، من خلال وزارة الخارجية وبالتنسيق مع وزارة الدفاع، بطلب إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، لتعزيز التعاون في التحقيقات الجارية».

احتراق منشأة نفطية في مدينة الزاوية بعد استهدافها بطائرات مسيّرة يوم 12 أغسطس الماضي (أ.ب)

وحينها، تمسّكت وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» بمسار التحقيقات التي تجريها النيابة العامة، نافيةً وجود أي مساعٍ للتفاوض بشأن القضية. وأكدت الوزارة «استمرار التحريات لكشف المتورطين والجهات المرتبطة بالخلية التخريبية».

وسارعت صفحات موالية لطرفي الأزمة على مواقع التواصل الاجتماعي في تبني أخبار متعارضة؛ جهة تزعم إطلاق سراح سلطات طرابلس «الخلية التخريبية»، وأخرى ترى أنها لا تزال قيد التوقيف، وهو ما يؤكده الناشط أنس الزيداني عبر حسابه على «فيسبوك».

وفتحت قضية الخلية باب السجال بين الأطراف الليبية، إذ وجهت صفحة تحمل اسم «خالد بن الوليد الليبي» اتهامات إلى الزروق، الذي يعيش في بريطانيا، ورأت أنه «كان سبباً في تسهيل عملية اغتيال سيف الإسلام القذافي بعد زيارته في الزنتان».

وسبق وتصاعد الخلاف بين العجمي العتيري، قائد كتيبة «أبو بكر الصديق» التي كانت تحمي سيف الإسلام في الزنتان، وبين الزروق، وذلك على خلفية ملابسات تتعلق بزيارة الزروق إلى مقر إقامة سيف الإسلام قبل مقتله.

ويعتقد كثيرون في الأوساط الليبية أن زيارة الزروق إلى مقر سيف بالزنتان، والتقاطه صورة معه ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كانت وراء التعرف على مكانه؛ مما ساعد قاتليه على الوصول إليه واغتياله.

وللعلم، فإن وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» نفت من حيث المبدأ «وجود أي توجه للتفاوض بشأن هذه القضية مع أي طرف كان»، وأكدت «التزامها بالإفصاح عن نتائج التحقيقات للرأي العام فور استكمالها».