دوى صوت الرصاص في حي بالقرب من جزيرة المعسكر بالزاوية الليبية، بعدما أطلق ميليشياوي، كان في حالة سكر، النار باتجاه مقر تشكيل مسلح مناوئ لجماعته، في واقعة زادت «فاتورة الدم»، التي تدفعها المدينة المثقلة بأعباء انتشار المجموعات المسلحة.
واعتادت الزاوية، التي تئن من سطوة الميليشيات المسلحة، على تشييع أبنائها الذين يسقطون بـ«الرصاص المنفلت»؛ إذ لا تكاد المدينة الواقعة غرب ليبيا تفيق من تبعات اشتباكات مسلحة حتى تدخل في أخرى، فتُسقط مزيداً من الدماء.
#الزاويةبعد التهديدات التي تعرض لها امجد_الكيلاني المعروف بالزير سالم لايام الماضية من محمد_بحرون بشأن موضوع سرقة سيارة مصفحة التابعة للفار وبيعها يقوم اليوم فجرا بالرماية علي مقرات الفار داخل الزاوية pic.twitter.com/f2WQo0rhf3
— وادي دينـــار (@wady_dynar) July 17, 2026
وشوهد الميليشياوي أمجد الكيلاني، الملقب بـ«الزير» والتابع لـ«الكتيبة 103» المعروفة باسم «السلعة» المتمركزة في الزاوية، وهو يترنح بينما كان يحمل رشاشاً على كتفه، ويطلق الرصاص عشوائياً باتجاه أحد مقار ميليشيا «الفار»، التي يقودها محمد بحرون، وبعص المحال التجارية.
وترجع أسباب الاشتباكات، بحسب شهود عيان من الزاوية، إلى أن الكيلاني، الذي كان يتبع في السابق ميليشيا «ربيع الفانوطة»، لديه تجارة في الطريق الساحلي، وبعد انضمامه مؤخراً إلى ميليشيا «الفار»، هاجمته «السلعة» التي يقودها عثمان اللهب، وطردته من السوق.
وانتقد إسماعيل الشتيوي، رجل الأعمال الليبي، مشهد المسلح المخمور وهو يوزع رصاصه في مشهد مروع، ناشراً عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» فيديو يوثق الواقعة.

وقال الشتيوي في إدراج له عبر حسابه على «فيسبوك»، الجمعة: «لا يمكن لأي دولة في العالم، مهما امتلكت من ثروات، أن تخطو خطوة واحدة نحو النجاح والاستقرار وهي غارقة في مستنقع الميليشيات». كما أنه «لا يمكن تحقيق الاستقرار، أو دفع عجلة التنمية والإصلاح الاقتصادي ما دامت البلاد تحت رحمة بنادق خارجة عن القانون، وميليشيات تصنع القرار»، مشيراً إلى أنه «من المؤلم والمخزي أن يستمر تصدير هذا المشهد العبثي الإجرامي إلى العالم، وأن تُختزل ليبيا في صورة دولة رهينة للفوضى والسلاح المنفلت، والعصابات الخارجة عن القانون، بدلاً من أن تُعرف بما تملكه من إمكانات وفرص ومقومات كبرى».
وأبرز الشتيوي إلى أن «المواطن البسيط هو من يدفع الثمن، قيوداً على سفره وتنقله، وامتهاناً لصورته، وتراجعاً لمكانة وطنه بين الدول. والمؤلم والمؤسف أيضاً هو أن المليارات تُنفق كل عام تحت بنود الأمن والدفاع، بينما الأثر والنتائج أمامكم».

وعادة ما تشتعل الأوضاع في الزاوية، ثم تهدأ بعد أن تكون قد خلفت كثيراً من القتلى والجرحى، لكن يظل السؤال يؤرق أهلها: «متى ينتهي خطر التشكيلات المسلحة، التي تهدد الأرواح وتستنزف مقدرات البلاد؟».
وفي نهاية مايو (أيار) الماضي، اغتيل عدد من شباب الزاوية في مناوشات مسلحة، وسط تحذير هانا تيتيه، المبعوثة الأممية لدى البلاد، من التصعيد، ودعت حينها إلى ضبط النفس.
وذهب ناصر عمار، آمر «قوة الإسناد» بعملية «بركان الغضب» التابعة لسلطات طرابلس، إلى أن ما يفعله الكيلاني في الزاوية من رماية عشوائية وترهيب للمدنيين، وهو في حالة سكر، «إهانة للمدينة وتاريخها». وقال إن الزاوية «لم ولن تخلو من الرجال الأحرار ليتركوا عابثاً يستبيح حرمة بيوتهم وممتلكاتهم. حماية أهلنا وقطع دابر هذا الفساد فرض على كل شريف».
وعرفت ليبيا، منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، ظاهرة الاغتيالات العشوائية أو الغامضة، التي عادة ما تخفي وراءها تناحراً مسلحاً، وصراعاً ميليشياوياً على النفوذ، وثأراً لدماء سقطت.
وأحصت وسائل إعلام محلية قريبة مما يجري في الزاوية من اشتباكات سقوط 62 قتيلاً منذ بداية العام الحالي، لكن مصدراً أمنياً بمديرية أمن الزاوية قال لـ«الشرق الأوسط» إن «أعداد القتلى تزيد على ذلك، في ظل عدم وجود حصر رسمي».
وقتل المواطن معتصم أمبية، فجر الخميس، إثر تعرضه لإطلاق نار في منطقة جودايم شرق الزاوية من قبل مَن وصفوا بـ«مسلحين خارجين عن القانون»، وهو ما رصدته جمعيات حقوقية.
وطالبت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» وزارة الداخلية، ومديرية أمن الزاوية، وجهاز المباحث الجنائية، ومكتب المحامي العام بدائرة محكمة استئناف الزاوية، بفتح تحقيق شامل في ملابسات واقعة قتل أمبية. وأعربت المؤسسة عن «بالغ قلقها حيال تصاعد معدلات ومؤشرات جرائم الاختطاف، والاعتقال التعسفي والقتل خارج نطاق القانون في العديد من المدن والمناطق والبلديات»، جراء ما وصفته بـ«الفوضى الأمنية» نتيجةً لغياب دور الجهات الأمنية المختصة.

وكجمر تحت الرماد، تعيش الزاوية راهناً حالة تأهب لما قد يقع في أي وقت، إثر تغول ميليشياوي عكسه فيديو المسلح المخمور، الذي يتداوله الليبيون على نطاق واسع، معبرين عن امتعاضهم من الوضع الأمني.
وتحت وطأة المسلحين، لا يجد مدونو ونشطاء الزاوية ملاذاً إلا نشر الـ(هاشتاغات)، من بينها «الزاوية تنزف»، و«أوقفوا القتل»، و«كفى صمتاً»، على مواقع التواصل، لرفع أصواتهم إلى السلطة في طرابلس، التي يرونها «تهادن التشكيلات المسلحة بالمدينة، وتدعم وجودها، وتدعوها إلى موائدها».
وفي رمضان الماضي، دعا عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة»، قادة تشكيلات مسلحة بالزاوية إلى مائدة الإفطار، في مشهد لم يخل من انتقادات واسعة بين مناوئيه. وسبق أن تحدث الدبيبة عن ضرورة «بسط سلطة الدولة» وتفكيك ميليشيات مسلحة في طرابلس، لكن مراقبين يرون أن الأمر يراوح مكانه في إطار «ترتيب ولاءات فقط».







