الجزائر تكرّس أكبر ميزانية عسكرية في أفريقيا وسط تصاعد التحديات الأمنية

حدود سياسية ملتهبة تمولها عائدات الغاز

جانب من عرض عسكري للجيش (وزارة الدفاع)
جانب من عرض عسكري للجيش (وزارة الدفاع)
TT

الجزائر تكرّس أكبر ميزانية عسكرية في أفريقيا وسط تصاعد التحديات الأمنية

جانب من عرض عسكري للجيش (وزارة الدفاع)
جانب من عرض عسكري للجيش (وزارة الدفاع)

خصصت الجزائر 25.4 مليار دولار لميزانيتها العسكرية في عام 2025، بزيادة بلغت 11 في المائة مقارنة بعام 2024، لتظل البلاد، وبفارق شاسع جداً، المستثمر العسكري الأول في أفريقيا من دون أن تكون في حالة حرب، مستحوذة على ما يقارب 44 في المائة من إجمالي الإنفاق العسكري الأفريقي، وفق تقرير حديث نشره «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام».

ويمثل الإنفاق العسكري الجزائري 25 في المائة من إجمالي الإنفاق الحكومي، حسب التقرير نفسه. وهو ثاني أعلى معدل في العالم بعد أوكرانيا. ويأتي هذا في وقت واصلت الاعتمادات المالية العسكرية الإجمالية في أفريقيا، منحاها التصاعدي خلال عام 2025 لتصل إلى 58.2 مليار دولار بزيادة 8.5 في المائة مقارنة بالعام السابق و45 في المائة منذ عام 2016، في طفرة يرى «معهد ستوكهولم»، أن منطقة شمال أفريقيا تتصدرها بنفقات دفاعية بلغت 35 مليار دولار، وبنمو سنوي قدره 9.3 في المائة.

رئيس أركان الجيش الجزائري (وزارة الدفاع)

وبعيداً عن التقرير المعد من طرف المرجع الأكثر موثوقية لبيانات التسلح والإنفاق العسكري وصناعة السلاح في العالم، حافظت ميزانية الدفاع في الجزائر على ارتفاعها في قانون المالية لسنة 2026، وذلك بنسبة تناهز 20 في المائة، أي ما يعادل نحو 25 مليار دولار، من إجمالي ميزانية وطنية عامة تُقدر بنحو 135 مليار دولار. وتُعد هذه الميزانية العسكرية الأضخم في تاريخ الجزائر، التي تحقق عائدات غير مسبوقة منذ أزمة أوكرانيا، بفضل مبيعات غازها في السوق الأوروبية. واعتماد هذا الحجم من الإنفاق يؤكد «المنحى الدفاعي» للبلاد في سياق يتسم بتوترات حادة مع دول الساحل.

وشهدت الميزانية الدفاعية تطوراً لافتاً ونمواً متسارعاً في النفقات العسكرية منذ عام 2020. ففي سنة 2023 بلغت نحو 22 مليار دولار، حيث أعلنت الجزائر آنذاك عن رغبتها في تحديث قواتها المسلحة وتطوير قطاع الدفاع لمواجهة التحديات الأمنية المحدقة بها.

عتاد عسكري حديث (وزارة الدفاع)

وتشكل حدود الجزائر مع دول جنوب الصحراء تهديداً كبيراً لأمنها منذ عقود، ويرجع ذلك، حسب الخبراء، إلى غياب الاستقرار في بعض هذه الدول، وتغلغل الجماعات المتطرفة، وتجارة السلاح والمخدرات، فضلاً عن النشاط البارز لشبكات الهجرة غير الشرعية. وتم إطلاق جرس الإنذار منذ الهجوم على المنشأة الغازية بمنطقة تيقنتورين بالقرب من الحدود الليبية، سنة 2013، حيث تسلل متطرفون مسلحون يتحدرون من عدة جنسيات، واحتجزوا عشرات الفنيين الأجانب في مصنع الطاقة. وانتهت العملية بمقتل المعتدين والعديد من العمال الأجانب.

وتعيش العلاقات بين الجزائر وبامكو توتراً شديداً منذ حادثة الطائرة المسيرة المالية التي أسقطها الجيش الجزائري مطلع أبريل (نيسان) 2025، وسط دعم وتضامن معلن من النيجر وبوركينا فاسو مع مالي. ويضاف إلى هذا المشهد، على الحدود الشرقية للجزائر، الخطر الناجم عن غياب الاستقرار في ليبيا التي تعيش وضعاً أمنياً فوضوياً منذ عام 2011.

أما غرباً، فيبرز الخلاف مع المغرب الذي قُطعت العلاقات الدبلوماسية معه منذ صيف 2021، ويشهد هو الآخر سباقاً نحو التسلح، حيث يتواجه البلدان حول قضية الصحراء الغربية.

من العرض العسكري بمناسبة الاستقلال (رئاسة الجمهورية)

طفرة الغاز

ويأتي التمويل المتزايد للميزانية العسكرية الجزائرية، حسب الخبراء، مدفوعاً بشكل خاص بارتفاع أسعار المحروقات جراء الحرب في أوكرانيا، فضلاً عن صعوبات الإمداد التي تواجهها الدول الأوروبية، مما أدى إلى زيادة صادرات الغاز نحو أوروبا وإنعاش خزينة الدولة. فبعد فترة من تراجع احتياطاتها المالية، أعادت الجزائر ملء خزائنها مستفيدة من أزمة الطاقة وانتعاش أسعار النفط.

وقد تضاعفت الميزانية العسكرية لتتجاوز بكثير الميزانيات التي عرفتها البلاد في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019)، وهي الفترة التي كان يباع فيها برميل النفط بـ150 دولاراً. وسعى الجيش الجزائري، بفضل الانتعاشة المالية التي عرفتها البلاد، إلى التحديث ورفع قدراته في مجال الاستخبارات العسكرية.

وفي الوقت الذي تسلط فيه التقارير الدولية الضوء على التطور التاريخي للميزانية الدفاعية للجزائر، تبرز الحصيلة العملياتية للجيش الجزائري خلال السداسي الأول من سنة 2026 بوصفها مبرراً ميدانياً وموضوعياً لحجم هذا الإنفاق لحماية أمن واستقرار البلاد.

جانب من تدريبات الجيش الجزائري (وزارة الدفاع)

ففي بيان نشرته السبت، أكدت وزارة الدفاع أن القوات المسلحة «واصلت في سياق تنفيذ مهامها الدستورية مضاعفة جهودها اللوجستية والعملياتية لاجتثاث فلول الإرهاب والتصدي بكل حزم للجريمة المنظمة عابرة الحدود». مشيرة إلى أن هذه الجهود «أثمرت منذ بداية العام قتل 23 إرهابياً وتوقيف 147 شخصاً بشبهة دعم الإرهاب، مع استرجاع 49 قطعة سلاح ناري وكميات كبيرة من الذخيرة».

وأوضحت وزارة الدفاع أن هذه الحصيلة «تؤكد صوابية المقاربة المتبناة من طرف القيادة العليا لتحديث الجيش، ورفع جاهزيته الدائمة، لتأمين شريط حدودي ملتهب يمتد لآلاف الكيلومترات».


مقالات ذات صلة

قائد الجيش الجزائري: النصر في المعركة الحديثة يرتبط بمنظومة سلاسل الإسناد

شمال افريقيا الفريق أول سعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)

قائد الجيش الجزائري: النصر في المعركة الحديثة يرتبط بمنظومة سلاسل الإسناد

أفرزت الحروب الحديثة والثورات الجديدة في الشؤون العسكرية سياقات عمل معقدة ومتغيرة تتطلب بناء استراتيجية مبتكرة بمجال الإسناد اللوجيستي

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قائد الجيش مع الوحدة العسكرية التي نفذت الكمين ضد المتشددين (وزارة الدفاع)

الجزائر: مقتل عسكريين على يد «بقايا الإرهاب» ينعش ذاكرة «العشرية السوداء»

العملية تذكّر بأن التهديد لم يختفِ تماماً، حسب مراقبين. فهو لا يزال موجوداً في شكل خلايا متفرقة تحاول البقاء في بعض المناطق الحدودية أو الجبلية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا استعدادات في الجزائر للتصدي لغزو الجراد (الإذاعة الحكومية الجزائرية)

استعانت بالجيش... الجزائر تستعد لـ «غزو الجراد»

أطلقت الحكومة الجزائرية خطة عاجلة لمواجهة غزو محتمل للجراد في مناطقها الجنوبية على أثر التحركات المقلقة لأسراب الجراد جنوب المغرب وموريتانيا.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

طوى القضاء الجزائري ملف قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة، بإصدار أحكام قضت بالحبس النافذ لفترات غطت مدة توقيفهم احتياطياً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زوال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أ.ف.ب)

وثائق سرية تكشف حيرة غربية بعد فوز زروال برئاسة الجزائر

بعد 3 عقود على فوز اليمين زروال برئاسة الجزائر، «الشرق الأوسط» تعرض وثائق سرية من الأرشيف البريطاني تكشف الإرباك الغربي إزاء هذه اللحظة الحاسمة.

كميل الطويل (لندن)

13 عاماً على «30 يونيو» بمصر... «الإخوان» تخفت محلياً وتتقلص دولياً

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

13 عاماً على «30 يونيو» بمصر... «الإخوان» تخفت محلياً وتتقلص دولياً

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

بعد 13 عاماً من الإطاحة بحكم جماعة «الإخوان» في مصر خلال أحداث «30 يونيو» 2013، تدهورت أحوال التنظيم بشكل كبير سواء داخلياً أو خارجياً.

فقد بات التنظيم، الذي استمر حكمه عاماً واحداً منذ وصول المنتمي إليه محمد مرسي لسدة الرئاسة عام 2012، يعاني خفوتاً محلياً مع ملاحقات قضائية وأمنية، كما تقلص حضوره دولياً في ظل قرارات دول غربية بملاحقته ووصمه بالإرهاب، وسط توقعات مراقبين ومحللين بأن «ينتهي التنظيم وفكره» قريباً إذا استمرت المواجهة المحلية والدولية.

يوم مفصلي

يعَد يوم 30 يونيو (حزيران) 2013 يوماً مفصلياً في التاريخ المصري الحديث؛ فبعد سنة واحدة من تولي مرسي الرئاسة، خرجت في محافظات مصر مظاهرات حاشدة تطالب بإبعاد «الإخوان» عن المشهد، وإزاحة مرسي عن الحكم. وفي الثالث من يوليو (تموز) من تلك السنة أُعلن عن عزله استجابة لهذه المطالب.

مرشد «الإخوان» محمد بديع في إحدى جلسات محاكمته (أرشيفية - أ.ب)

وفي العام نفسه، حظرت السلطات المصرية جماعة «الإخوان»، ووضعتها على قائمة «الكيانات الإرهابية». والآن، يقبع المئات من قادتها وأنصارها في السجن، وعلى رأسهم مرشدها العام محمد بديع. وقد صدرت بحق بعضهم أحكام نهائية وغير نهائية بالإعدام، والسجن المشدّد، والمؤبّد، وبات لا يُعْرَف للجماعة وجود إلا في الفضاء الإلكتروني عبر منصات في الخارج، توجد بشكل رئيسي في تركيا والمملكة المتحدة.

اختفاء في الداخل

يقول الباحث المصري المتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة، منير أديب، إنه عند الحديث عن اختفاء «الإخوان» في الذكرى الثالثة عشرة لأحداث 30 يونيو «لا بد من التفريق بين أمرين: اختفاء التنظيم، واختفاء الفكرة».

ويتابع في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «في كلا الأمرين، نجحت الدولة المصرية وأجهزتها الأمنية على مدار 13 عاماً في تفكيك، وتحييد التنظيم، ودحض العديد من أفكاره بشكل لم يعد معه له تأثير كما كان قبل عام 2013 أو ما قبل 2011».

وتوقع أن يختفي التنظيم قريباً، وقال: «التنظيم الذي يبلغ عمره الآن 98 عاماً لم يتبق له سوى عامين فقط، ليكون عامه المائة هو عامه الأخير... ليصبح مجرد سطر في كتب التاريخ».

جانب من محاكمة لعناصر من «الإخوان» في مصر (أرشيفية - أ.ف.ب)

أما المحلل في شؤون الجماعات الدينية والمتطرفة، أحمد بان، فيقول إن الجماعة «انتقلت من فكرة التموضع الصلب داخل الحياة في مصر والعديد من الدول، إلى التموضع الافتراضي عبر منصات إعلامية، وتحديداً وسائل الإعلام غير التقليدية (النيوميديا) كمنصات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي لنشر رسائل الإحباط والفوضى».

وواصل حديثه قائلاً: «الجماعة استكملت أطوار حياتها كحركة، وانتهت كتنظيم».

تحركات دولية

دولياً، لم يكن حال التنظيم مختلفاً عنه في مصر، عبر تحركات رسمية في النمسا وألمانيا وفرنسا وهولندا، شهدت خلال السنوات الماضية تحولات جذرية في مواقفها التي انتقلت من مرحلة الرقابة والحذر إلى التضييق القانوني والملاحقة الفكرية والتنظيمية.

وفي مايو (أيار) 2026، كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن استراتيجية وطنية جديدة لمكافحة الإرهاب، ركَّزت في جوهرها على «جماعة الإخوان» بوصفها المنبع الفكري لـ«الإرهاب الجهادي» الحديث.

سبقها في يناير (كانون الثاني) الماضي، تصنيف واشنطن «جماعة الإخوان» بمصر، وكذلك فرعها في كل من الأردن ولبنان، «منظمات إرهابية»، وتلاه في مارس (آذار) وضع فرعها في السودان بالقائمة نفسها.

محاكمة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أرشيفية - أ.ف.ب)

كما وافقت أغلبية بالبرلمان الفرنسي في يناير الماضي على دعوة المفوضية الأوروبية لإضافة «جماعة الإخوان» وقادتها إلى قائمة المنظمات الإرهابية، مع إقرار البرلمان الهولندي، في مارس الماضي، مقترحاً يدعو إلى حظر جماعة «الإخوان» والمنظمات المرتبطة بها، دون تنفيذه بعد.

وعن التحركات الدولية الأخيرة، يرى بان أن التصنيف الأميركي للجماعة في دول مثل مصر والأردن ولبنان «تنظيماً إرهابياً» يمثل ضربة قاصمة للتنظيم الدولي، مؤكداً أن الإجراء أسهم في تقليص مساحات حركة التنظيم خارجياً، وحرمانه من الملاذات الآمنة؛ وتوقع استمرار حرمان الجماعة من «الرئة الدولية»؛ ما يؤثر سلباً في حركتها.

ورأى أديب أن هذه التحركات الدولية «جزء أساسي من فكرة المواجهة التي ستؤدي لاختفاء التنظيم، خصوصاً والمجتمع الدولي وأوروبا والولايات المتحدة يمثلون الرئة التي كان يتنفس منها»، مشيراً إلى أن الأمر تغير حالياً مع التحرك الأوروبي لإعادة تقييم وجود «الإخوان» ومؤسساتها؛ ما زاد الخناق على التنظيم، وأسهم في تحييده، وتعزيز التوقعات باختفائه وفكرته تماماً خلال العامين المقبلين.


ما خيارات «الوطني الليبي» بعد إعلان «متمردين» خطف عدد من جنوده بالجنوب؟

دورية تابعة لـ«الجيش الوطنى» بالجنوب الليبى (أرشيفية - شعبة الإعلام الحربي)
دورية تابعة لـ«الجيش الوطنى» بالجنوب الليبى (أرشيفية - شعبة الإعلام الحربي)
TT

ما خيارات «الوطني الليبي» بعد إعلان «متمردين» خطف عدد من جنوده بالجنوب؟

دورية تابعة لـ«الجيش الوطنى» بالجنوب الليبى (أرشيفية - شعبة الإعلام الحربي)
دورية تابعة لـ«الجيش الوطنى» بالجنوب الليبى (أرشيفية - شعبة الإعلام الحربي)

يواجه الاستقرار «الهش» في جنوب ليبيا اختباراً جديداً إثر هجمات مسلحة استهدفت مواقع عسكرية وأمنية تابعة لـ«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، وسط توقعات بعمل عسكري قادم في المنطقة.

وامتنع «الجيش الوطني» عن التعليق على هذا الهجوم الأخير على مقار تابعة له، لكن مصادر عسكرية رجحت لـ«الشرق الأوسط» تحرك قواته قريباً لإعادة فرض الاستقرار في المنطقة الجنوبية.

وقال المجلس البلدي لمدينة غات، جنوب غربي ليبيا، إنه «يدين أي اعتداء على عناصر الجيش والشرطة، بخاصة المرابطين على الحدود، لينضم بذلك إلى موجة تنديدات صادرة عن مجالس بلدية أخرى في الجنوب الليبي، عقب هجوم استهدف مواقع عسكرية».

وأضاف مجلس غات، في بيانه مساء السبت، أنه يتابع «المستجدات الأمنية الأخيرة» في المنطقة، مؤكداً «رفضه الكامل لأي اعتداء يستهدف رجال الجيش والشرطة أثناء أداء واجبهم الوطني في حماية الحدود والأمن العام». ووصف البيان مثل هذه الأعمال بأنها «مرفوضة ومدانة بشدة»، مشدداً على أن عناصر الأجهزة الأمنية هم «أبناء الوطن الذين يستحقون الحماية والاحترام».

ودعا البيان إلى «ضبط النفس ونبذ العنف وتغليب الحوار»، معبراً عن تضامنه التام مع قوات الجيش والشرطة.

صورة وزعتها «غرفة عمليات تحرير الجنوب» تدعي أنها لعناصر من «الجيش الوطني»

ويأتي البيان عقب هجوم منسوب إلى «متمردين خارجين عن القانون استهدف مواقع وبوابات للجيش في مناطق جنوبية»، ما أثار سلسلة بيانات تنديد من مجالس بلديات سبها والعوينات والجفرة وأوباري وتهالة، حيث وصفت هذه المجالس الهجوم بـ«حادثة الغدر» أو «أعمال إجرامية» تمثل اعتداءً على هيبة الدولة.

وتحدث المصدر العسكري، الذي اشترط عدم تعريفه، عن «بدء عملية عسكرية خلال الأسابيع القليلة المقبلة لتحقيق هذا الهدف».

ويندرج التوتر الأخير ضمن مواجهات متكررة بين «قوات الجيش الوطني» بقيادة خليفة حفتر و«غرفة عمليات تحرير الجنوب»، وهي تشكيل مسلح يقوده محمد وردقو ويضم عناصر من قبائل المنطقة، خاصة «التبو».

وشهدت الحدود الجنوبية، خصوصاً مع النيجر وتشاد، اشتباكات محدودة مؤخراً، بما في ذلك هجمات على نقاط، مثل «معبر التوم» و«وادي بوغرارة» و«السلفادور» وبوابات أخرى.

واتهمت الغرفة، «الجيش الوطني» بالاستعانة بـ«عناصر أجنبية، من بينها مجموعات تشادية، لتعزيز سيطرته»، بينما رد الجيش باستعادة المواقع، ووصف المهاجمين بأنهم «جماعات إجرامية أو إرهابية تهدف إلى زعزعة الأمن واستغلال طرق التهريب».

ويدور الصراع حول السيطرة على الجنوب الليبي الغني بالموارد والحساس حدودياً، حيث تتقاطع مصالح التهريب، التي تشمل الوقود والبشر والأسلحة، مع النزاعات القبلية والعابرة للحدود.

وتسعى قوات «الجيش الوطني» إلى توسيع نفوذها جنوباً منذ سنوات لتأمين الحدود ومواجهة الجماعات المسلحة، بينما تتهم «غرفة تحرير الجنوب» قواته بـ«الفساد والاعتماد على مرتزقة أجانب»، مدعيةً أنها تمثل أبناء الجنوب ضد «الاحتلال» أو السيطرة الشرقية.

وفي إطار إدارة العلاقات مع قيادات مناطق الجنوب، تم الإفراج عن القائد الميداني حسن موسى بوكي التباوي بعد احتجازه سنوات لدى قيادة «الجيش الوطني»، عقب تدخلات من شيوخ وأعيان قبائل التبو.

ووصل التباوي إلى مدينة سبها قادماً من بنغازي على متن طائرة خاصة، بحسب وسائل إعلام، حيث استقبله عدد من القيادات القبلية بمنطقة الكفرة، التي تشكل إحدى أبرز معاقل قبائل التبو في جنوب شرقي ليبيا.

وشهدت المنطقة توترات سابقة واشتباكات بين مجموعات مسلحة تباوية وقوات الجيش حول قضايا السيطرة على الحدود والتهريب.


انطلاق «ماراثون الثانوية العامة» في ليبيا بـ«ورقة موحدة» رغم الانقسام

طلاب يؤدون امتحان الثانوية العامة في مدينة الزاوية غرب ليبيا الأحد (مراقبة التربية والتعليم ببلدية الزاوية)
طلاب يؤدون امتحان الثانوية العامة في مدينة الزاوية غرب ليبيا الأحد (مراقبة التربية والتعليم ببلدية الزاوية)
TT

انطلاق «ماراثون الثانوية العامة» في ليبيا بـ«ورقة موحدة» رغم الانقسام

طلاب يؤدون امتحان الثانوية العامة في مدينة الزاوية غرب ليبيا الأحد (مراقبة التربية والتعليم ببلدية الزاوية)
طلاب يؤدون امتحان الثانوية العامة في مدينة الزاوية غرب ليبيا الأحد (مراقبة التربية والتعليم ببلدية الزاوية)

بينما لا تزال ليبيا تعيش انقساماً سياسياً ومؤسساتياً منذ أكثر من عقد بين حكومتين متنافستين في شرق البلاد وغربها، بدت امتحانات الشهادة الثانوية العامة من المسارات القليلة التي حافظت على وحدتها، إذ انطلقت، الأحد، بـ«ورقة امتحانية موحدة» لجميع الطلاب في مختلف أنحاء البلاد.

طلاب يؤدون امتحان الثانوية العامة في مدينة طبرق بشرق ليبيا الأحد (مراقبة التربية والتعليم في طبرق)

وبدأ أكثر من 134 ألف طالب وطالبة، أداء امتحانات الدور الأول لشهادة إتمام مرحلة التعليم الثانوي، في مادة الفيزياء للقسم العلمي، واللغة الإنجليزية للقسم الأدبي، داخل 935 لجنة امتحانية موزعة على 134 بلدية في عموم ليبيا، وفق الجداول المعتمدة من «المركز الوطني للامتحانات».

في طرابلس، حضّت وزارة التربية والتعليم في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، جميع الطلاب على الالتزام بالتعليمات المنظمة للامتحانات، والامتناع عن اصطحاب الجوالات أو أي أجهزة إلكترونية يمكن استخدامها في الغش، مؤكدةً حرصها على توفير «بيئة امتحانية آمنة ومنظمة».

كما وجّه الدبيبة رسالة إلى الطلاب قال فيها: «ثقتي كبيرة بقدراتكم، وما بذلتموه من جهد طوال العام»، مضيفاً أن هذه الامتحانات «بداية مرحلة جديدة في حياتكم، فاصنعوا فيها ما تفخرون به غداً».

وفي أول أيام الامتحانات، بثت وسائل إعلام محلية مشاهد من داخل عدد من اللجان في مدن بشرق وغرب وجنوب البلاد، حيث تفاوتت آراء الطلاب بشأن امتحان الفيزياء، وبينما وصفه بعض الطلاب بأنه جاء في مستوى الطالب المتوسط، اشتكى آخرون من وجود أسئلة «تتطلب تركيزاً وتفكيراً عميقين»، عادّينَ أن بعضها تجاوز المستوى المتوقع، وأن الوقت لم يكن كافياً للإجابة والمراجعة.

وفي شرق البلاد، أدى الطلاب في بنغازي ومدن أخرى امتحان الفيزياء بالقسم العلمي، وسط استعدادات أمنية وفنية محكمة، حسب مسؤولين.

وفي جنوب البلاد، أعلنت مراقبة التربية والتعليم ببلدية سبها انطلاق الامتحانات في جميع اللجان «وسط أجواء من الانضباط والمسؤولية».

ورغم استمرار الانقسام السياسي بين حكومتين، إحداهما في غرب البلاد برئاسة الدبيبة، والأخرى في شرقها برئاسة أسامة حماد، فإن امتحانات الثانوية العامة ما زالت تُدار بصورة موحدة على مستوى ليبيا.

طالبات يؤدين امتحان الثانوية العامة في سبها بالجنوب الليبي الأحد (مراقبة التعليم بسبها)

وقال الدكتور سيف النصر عبد السلام، المدير السابق لمركز المناهج التعليمية بوزارة التربية والتعليم في طرابلس، إن امتحانات الشهادة الثانوية «لا تزال تُجرى بورقة امتحانية موحدة في شرق البلاد وغربها، رغم الانقسام السياسي والمؤسساتي الذي تشهده البلاد منذ نحو 14 عاماً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «جميع أسئلة الامتحانات تصدر عن المركز الوطني للامتحانات في طرابلس، وتحمل كل ورقة بيانات الطالب كاملة، بما في ذلك الاسم ورقم الجلوس واللجنة والمقعد، بما يضمن توحيد الإجراءات على مستوى البلاد».

وأوضح أن إعداد الأسئلة يتم من خلال «بنك أسئلة معتمد، إضافةً إلى نماذج يضعها مختصون من الشرق والغرب عبر أجهزة التفتيش التربوي، بما يعكس مشاركة تربوية من مختلف المناطق في إعداد الامتحانات».

وأضاف «أن عملية التصحيح تُجرى إلكترونياً وبشكل مركزي داخل المركز الوطني للامتحانات في طرابلس، بعد تجميع كراسات الإجابة من مختلف المدن، على أن تُعلن النتائج من المركز نفسه من دون أي تمييز جهوي».

ورأى عبد السلام، «أن استمرار توحيد المناهج الدراسية وورقة امتحانات الثانوية العامة طوال سنوات الانقسام، يمثل أحد أبرز مظاهر صمود مؤسسات التعليم الليبية»، قائلاً: «ورقة الامتحان والمناهج صمدتا أمام سنوات الانقسام».

عنصرا أمن خلال تأمين إحدى اللجان الامتحانية في طرابلس الأحد (الإدارة العامة للدعم المركزي فرع طرابلس)

وأظهرت إحصاءات المركز، أن عدد المتقدمين بالقسم العلمي بلغ أكثر من 108 آلاف و800 طالب وطالبة، مقابل 24 ألفاً و700 بالقسم الأدبي، و673 بالتعليم الديني، إضافةً إلى 638 طالباً وطالبةً بالمدارس الليبية في الخارج.

ويشارك في تنظيم العملية الامتحانية، 29 ألفاً من الكوادر التربوية والإدارية والخدمية، بينهم رؤساء لجان ومراقبون وملاحظون ومفتشون تربويون، إلى جانب عناصر للحراسات الأمنية ومسعفين صحيين، في إطار خطة تستهدف ضمان سير الامتحانات بانضباط وانتظام.

ومن المقرر أن تستمر امتحانات الدور الأول حتى 16 يوليو (تموز) المقبل، وفق الجداول المعتمدة للقسمين العلمي والأدبي والتعليم الديني، التي أعدها المركز الوطني للامتحانات.