الانشقاقات تهز «الدعم السريع» وتهدد تماسك تحالفه «تأسيس»

خروج «فارس النور» يطرح أسئلة... هل هي ظاهرة أو حالات فردية؟

البرهان مجتمعاً مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
البرهان مجتمعاً مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
TT

الانشقاقات تهز «الدعم السريع» وتهدد تماسك تحالفه «تأسيس»

البرهان مجتمعاً مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
البرهان مجتمعاً مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

أعاد إعلان القيادي البارز في تحالف «تأسيس»، فارس النور، استقالته من جميع مناصبه في «قوات الدعم السريع» والتحالف السياسي الداعم لها، الجدل بشأن ظاهرة الانشقاقات التي شهدتها القوات خلال الأشهر الأخيرة، ومدى تأثيرها المحتمل على تماسكها العسكري والسياسي، في وقت تدخل فيه الحرب السودانية عامها الرابع دون مؤشرات حاسمة على اقتراب أي من طرفي النزاع من تحقيق انتصار عسكري نهائي.

وأكد النور، في تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط»، الأربعاء، مغادرته جميع مواقع المسؤولية داخل «قوات الدعم السريع» وتحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، مبرراً قراره بما وصفه بتفاقم حالة الانسداد السياسي واستمرار الحرب وما خلفته من معاناة إنسانية واسعة. وقال إن استقالته تهدف إلى إفساح المجال للعمل على بناء حوار سوداني شامل يضم مختلف الأطراف، بعيداً عن الاستقطابات السياسية والعسكرية، بما يسهم في التوصل إلى تسوية تنهي الأزمة الراهنة.

فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

ولا تنبع أهمية هذه الخطوة من الموقع الذي كان يشغله النور داخل التحالف فحسب، بل أيضاً من طبيعتها؛ إذ لا يُعد قائداً ميدانياً يقود قوات على الأرض، وإنما يُنظر إليه كأحد أبرز الوجوه السياسية المرتبطة بالمشروع السياسي الذي سعت «قوات الدعم السريع» إلى بنائه بالتوازي مع نشاطها العسكري، ما يمنح استقالته أبعاداً سياسية تتجاوز التأثيرات العسكرية المباشرة.

وشغل النور عضوية المجلس الرئاسي لتحالف «تأسيس»، وتم تعيينه «حاكماً لإقليم الخرطوم»، ضمن الحكومة الموازية التي أعلنها التحالف، وذلك بعد أن كان قد عمل لسنوات مستشاراً لقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكان أحد أبرز أعضاء وفد التفاوض التابع للقوات خلال محادثات جدة عام 2023.

ما الجديد؟

يختلف هذا النوع من الانشقاقات عن حالات سابقة شهدتها «قوات الدعم السريع» خلال العامين الماضيين، ارتبط معظمها بقادة ميدانيين يمتلكون نفوذاً عسكرياً أو قوات على الأرض. ففي مايو (أيار) الماضي أعلن بشارة الهويرة، الذي كان يتولى مسؤولية العمليات العسكرية بمحور بارا في ولاية شمال كردفان، انشقاقه عن القوات، كما سبقه إعلان القائد الميداني النور آدم، المعروف بـ«النور القبة»، انسحابه من «الدعم السريع» وانضمامه إلى الجيش السوداني بعد مغادرة قواته مواقعها في شمال دارفور، وقبلهم جميعاً كان «أبو عاقلة كيكل»، أحد أبرز قادة «الدعم السريع» وحاكم ولاية الجزيرة إبان سيطرته عليها، قد أعلن تعاونه مع الجيش السوداني، في خطوة اعتبرت من أكثر الانشقاقات تأثيراً بسبب النفوذ الذي كان يتمتع به في وسط السودان، وأخيراً أعلن القيادي الميداني علي رزق الله «السافنا» انشقاقه والتحاقه بالقوات المسلحة.

أرشيفية متداولة للقائد المنشق أبو عاقلة كيكل (الثالث من اليسار) مع عناصر من «الدعم السريع» قبل انضمامه للجيش

ورغم تفاوت الوزن السياسي والعسكري لهذه الشخصيات، فإن تتابع الانشقاقات خلال فترة زمنية قصيرة، دفع كثيرين إلى التساؤل حول ما إذا كانت تعكس ضغوطاً متزايدة داخل معسكر «الدعم السريع»، أم أنها لا تزال في حدود التحركات الفردية التي لا تؤثر على البنية الأساسية للقوات. في المقابل، تسعى «قوات الدعم السريع» إلى تقديم صورة مغايرة، فقد بثت خلال الأيام الماضية مقاطع مصورة، قالت بحسب منصتها على «تلغرام» إنها توثق انضمام مجموعات من القوة المشتركة التابعة للحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش إلى صفوفها، في محاولة لإظهار أن حركة الانضمام والانشقاق لا تسير في اتجاه واحد.

وتندرج هذه الرسائل ضمن حرب دعائية وإعلامية موازية للمعارك العسكرية، يسعى خلالها كل طرف إلى إثبات تماسكه وقدرته على استقطاب القيادات والمقاتلين.

القائد السافنا المنشق عن «الدعم السريع» متحدثاً في المؤتمر الصحافي بالخرطوم (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

في هذا السياق، قلل الشرتاي سمير، أحد المؤيدين البارزين لـ«الدعم السريع» على وسائل التواصل الاجتماعي، من أهمية خروج فارس النور، معتبراً أن المشروع السياسي والعسكري الذي تمثله «تأسيس» تجاوز الأفراد، وأن مغادرة قيادات أو مجموعات لن تؤثر على استمراريته. كما رأى أن ما يحدث يدخل في إطار محاولات لاستقطاب شخصيات سياسية وعسكرية من معسكر «الدعم السريع» بعد فشل خصومه، بحسب وصفه، في تحقيق أهدافهم عسكرياً.

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بعدد المنشقين بقدر ما يتعلق بطبيعة تأثيرهم، وهنا يلفت الباحث السياسي محمد لطيف إلى ضرورة التمييز بين الانشقاقات السياسية والانشقاقات العسكرية. ويقول لطيف لـ«الشرق الأوسط»، إن الحياة السياسية السودانية عرفت على مدى عقود طويلة انشقاقات متكررة داخل الأحزاب والتحالفات، لكنها نادراً ما أحدثت تحولاً جذرياً في موازين القوى. ويرى أن معظم الانشقاقات السياسية ترتبط بخلافات أو طموحات شخصية، أكثر من ارتباطها بخلافات فكرية أو برامجية، ولذلك فإن تأثيرها يظل محدوداً في كثير من الأحيان.

ويقول لطيف إن تأثير «الانشقاقات العسكرية» يقاس بمدى انعكاسها على القوة القتالية أو الانتشار الجغرافي للطرف المعني، ووفقاً لتقديره، فإن معظم الانشقاقات التي شهدتها «قوات الدعم السريع» خلال الفترة الماضية لم تؤثر بصورة ملموسة على بنيتها العسكرية الأساسية أو مناطق نفوذها الرئيسية، وهو ما يجعله يستبعد أن يترك خروج فارس النور، بوصفه شخصية سياسية ومدنية، أثراً كبيراً على تماسك تحالف «تأسيس».

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

لكن هذا التقييم لا يحظى بإجماع كامل، فالخبير الاستراتيجي والمتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية العميد دكتور جمال الشهيد، يرى أن الحكم على تأثير الانشقاقات لا ينبغي أن يتم بمجرد الإعلان عنها، بل من خلال متابعة نتائجها العملية على الأرض. ويشير الشهيد في إفادة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الانشقاقات تصبح ذات أثر حقيقي عندما تطول القيادات الوسطى والميدانية، أو الشخصيات السياسية التي تمتلك نفوذاً تنظيمياً واجتماعياً، لأنها تمثل حلقة الوصل بين القيادة العليا والقواعد، ويضيف: «المؤشرات التي يجب مراقبتها، لا تقتصر على عدد المنشقين، بل تشمل استمرار الظاهرة واتساع نطاقها، وتأثيرها على الانضباط الداخلي، والقدرة على التجنيد والتعبئة، والمحافظة على الانتشار الميداني». وبحسب الشهيد، فإن المعيار الحاسم يظل في نهاية المطاف هو الأداء العسكري نفسه، فإذا صاحبت الانشقاقات تراجعات ميدانية أو فقدان لمناطق نفوذ أو ضعف في القدرة على تنفيذ عمليات منسقة، فإنها تكون قد انتقلت من مجرد حدث سياسي أو إعلامي، «إلى عامل مؤثر في ميزان الصراع».

ويستدعي الخبير العسكري المتقاعد في هذا السياق تجارب سابقة شهدتها الحركات المسلحة السودانية، خلال الحرب الأهلية في جنوب السودان والصراعات في دارفور، حيث أثبتت التجربة أن بعض الانشقاقات انتهت دون نتائج استراتيجية تذكر، بينما أسهمت انشقاقات أخرى في إضعاف فصائل كاملة نتيجة فقدان قيادات مؤثرة وتراجع التماسك التنظيمي.

وتقود هذه المعطيات إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الحرب نفسها، فبينما يرى أنصار «الدعم السريع» أن الانشقاقات الأخيرة لا تتجاوز كونها تحركات فردية لن تؤثر على مشروعهم السياسي والعسكري، يعتقد آخرون أن تكرارها يستحق المتابعة باعتباره مؤشراً على ضغوط وتحديات داخلية قد تتجاوز الأشخاص إلى البنية التنظيمية ذاتها. وحتى الآن لا توجد مؤشرات قاطعة على أن الانشقاقات المتبادلة بين أطراف الحرب قادرة وحدها على تغيير مسار الصراع أو فرض تسوية سياسية، غير أن استمرارها، وتنوعها بين شخصيات عسكرية وسياسية، يجعلانها واحدة من الظواهر الجديرة بالمراقبة في حرب طويلة ومفتوحة، ما تزال مآلاتها النهائية مرتبطة بما ستكشفه التطورات الميدانية خلال الأشهر المقبلة، وبمدى قدرة الأطراف المتحاربة على الحفاظ على تماسكها العسكري والسياسي في آن واحد.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

مصر لمزيد من ردع «الدهّابة» وتأمين الحدود الجنوبية

شمال افريقيا جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري على «فيسبوك»)

مصر لمزيد من ردع «الدهّابة» وتأمين الحدود الجنوبية

واصل الجيش المصري نشر سلسلة مرئية تتضمن شهادات بشأن ضبط الحدود الجنوبية، ومواجهة الخارجين على القانون، لا سيما من عناصر التنقيب غير الشرعي عن الذهب.

محمد محمود (القاهرة)
خاص منظر عام لأحد مواقف المواصلات في الخرطوم (الشرق الأوسط)

خاص المواصلات... عبء يومي يرهق سكان الخرطوم

مع ارتفاع تعريفة المواصلات وتراجع الدخول، والبطالة، تجد آلاف الأسر نفسها مضطرةً إلى الاختيار بين دفع أجرة التنقل، أو توفير احتياجات أساسية؛ مثل الغذاء والدواء.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

اتهامات إثيوبية لمصر بشأن «سد النهضة» تعمّق الأزمة

اتهامات إثيوبية جديدة توجه لمصر بشأن حديث القاهرة المستمر عن «أحادية الإجراءات» التي تتخذها أديس أبابا حول تشغيل وملء «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا سودانية هاربة من مدينة الفاشر متأثرة خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» في معسكر للاجئين شرق تشاد 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

عقوبات بريطانية على شبكات الذهب السوداني

فرضت بريطانيا، الخميس، حزمة عقوبات جديدة استهدفت شبكات تجارة الذهب مرتبطة بالجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا سودانية في مخيم الحمانية للنازحين في مدينة العبيد جنوب منطقة كردفان 7 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

«مُسيَّرات» تستهدف مدينة الدبة بشمال السودان

شنّت مسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، مساء الأربعاء، هجمات على مواقع مختلفة في مدينة الدبة شمال السودان، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء بالكامل عن المدينة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

لماذا يرشق الصبية القطارات بالحجارة في مصر؟

تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)
تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)
TT

لماذا يرشق الصبية القطارات بالحجارة في مصر؟

تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)
تكرار حوادث رشق صبية للقطارات بالحجارة في مصر رغم التحذيرات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)

تصدر وزارة النقل المصرية إدانات متكرِّرة بشأن حوادث «رشق صبية للقطارات بالحجارة»، ورغم تحذيرات الوزارة من مخاطر ذلك، فإنَّ تكرار الوقائع يطرح تساؤلات حول أسباب قيام الصبية بهذا السلوك.

ومع تداول مقاطع لأحدث وقائع رشق القطارات أخيراً بمحافظة أسوان (جنوب البلاد)، شدَّدت الحكومة على ضرورة «محاسبة المتورطين في حوادث رشق القطارات، وعدم التهاون أو التسامح مطلقاً مع أي سلوك تخريبي يهدِّد أمن وسلامة ركاب النقل الجماعي». وأشارت وزارة النقل، الجمعة، إلى أنَّ «هذه التَّصرُّفات لا تقتصر على خسائرها المادية، لكنها تُعرِّض ركاب القطارات للخطر».

وتعددت تفسيرات الخبراء بشأن دوافع رشق صبية للقطارات. وأشاروا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «غياب الوعي الكافي، والتنشئة غير السليمة من الأسباب الرئيسية لهذه الحوادث».

واستنكرت «النقل»، الأسبوع الماضي، «قيام مجموعة من الصبية برشق أحد قطارات السكك الحديدية بالحجارة في أثناء سيره بنطاق محافظة أسوان»، وتحدَّثت في إفادة لها عن وقوع «خسائر مادية إثر ذلك».

ويوجِّه وزير النقل كامل الوزير، باتخاذ الإجراءات القانونية بالتنسيق مع وزارة الداخلية وشرطة النقل والمواصلات، «لتحديد هوية مرتكبي هذه الوقائع وملاحقتهم قضائياً، وتقديمهم للمحاكمة العاجلة».

ويشدِّد على أنَّه «لا تهاون أو تسامح مطلقاً مع أي سلوك تخريبي يهدِّد أمن وسلامة مستقلي وسائل النقل الجماعي».

وكان وزير النقل قد أجرى، الخميس، اتصالاً هاتفياً بسيدة مصرية وثَّقت واقعة رشق قطار أسوان، وأشاد بدورها في «التصدي لصبية في أثناء رشق القطار»، عاداً ذلك «موقفاً وطنياً يعكس قدراً من الوعي والمسؤولية الإيجابية»، حسب وزارة النقل.

ووفق مديرة «المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية» هالة رمضان: «تأتي غالبية حوادث رشق القطارات بالحجارة من صبية في مرحلة المراهقة».

وتقول: «إن طبيعة المرحلة العمرية، والإحساس بالمغامرة والتحدي قد يدفعان بعضهم لارتكاب حوادث رشق القطارات». وتوضح، أن من الأسباب الأساسية «غياب الوعي الكافي لدى هؤلاء الصبية بأهمية الحفاظ على الملكيات العامة».

وترى رمضان، أن «مشكلات التنشئة من العوامل الأساسية وراء ارتكاب مثل هذه الحوادث»، وتقول، إن «القصد في الإيذاء والإضرار، من السلوكيات التي تعبِّر عن حالة الاعتراض لدى بعض الشرائح».

الحكومة المصرية تشدد على محاسبة المتورطين في حوادث رشق القطارات (صفحة وزارة النقل على «فيسبوك»)

وتُشكِّل العقوبة الفورية لمثل هذه الوقائع جزءاً من إجراءات الردع والمواجهة لحوادث رشق القطارات، بحسب هالة رمضان، غير أنَّها أشارت إلى ضرورة «اتخاذ إجراءات أخرى للمواجهة، من بينها أن تكون هناك أدوار لمؤسسات التنشئة العامة، وعقد لقاءات توعوية للشباب في المناطق التي تتكرَّر فيها حوادث رشق القطارات للتحذير من مخاطر هذا السلوك».

وتقدم وزارة النقل رسائل توعوية مستمرة بمخاطر سلوك رشق القطارات بالحجارة، وتكثِّف من المناشدات وفيديوهات التوعية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتؤكد في رسائلها أن «الحفاظ على مرفق السكك الحديدية مسؤولية مجتمعية مشتركة».

أستاذ السلوك الأسري، خبير التنمية البشرية طارق إلياس، يرى أن «وقائع رشق القطارات بالحجارة تعبِّر بالأساس عن حالة من الاعتراض المجتمعي لبعض الفئات التي تشعر بالتهميش». وأشار إلى أن «تحقيقات النيابة العامة مع بعض الصبية المتهمين في مثل هذه الوقائع، أكدت أن الدافع الأساسي هو التعبير عن رفض واقعهم المعيشي الصعب».

وتأتي الأمية لتضاف إلى أسباب التعدي على القطارات، وفق إلياس الذي قال: «إن تحقيقات سابقة مع بعض المتهمين في مثل هذه الحوادث، أظهرت تسرُّبهم من التعليم؛ نتيجة لعدم قدرة الأسر على تحمُّل النفقات». وأشار إلى أنَّ من العوامل أيضاً «الإدمان وتعاطي المخدرات».

كما نوه إلى أنَّ «الحل الأمني لن يمنع هذه الوقائع». وقال: «الدور الأكبر في المواجهة يقع على مؤسسات المجتمع المدني التي يجب أن تكثِّف من التوعية بمخاطر مثل هذه الحوادث».


ما دلالات لقاء وكيل دفاع «الوحدة» الليبية برئيس الاستخبارات المصرية؟

رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)
رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)
TT

ما دلالات لقاء وكيل دفاع «الوحدة» الليبية برئيس الاستخبارات المصرية؟

رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)
رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)

وسّعت طرابلس والقاهرة نطاق التشاور والمباحثات بشأن شواغل سياسية وأمنية تمر بها ليبيا راهناً، لا سيما فيما يتعلق بتفعيل «المبادرة الأميركية»، التي يُفترض أن تسهم في تدشين حكومة موحدة، تقود البلاد إلى إنهاء الانقسام الذي تعيشه منذ قرابة 12 عاماً.

والتقى اللواء حسن رشاد، رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية، في مدينة العلمين، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، الفريق عبد السلام الزوبي، الخميس، في أول زيارة رسمية له إلى مصر، استهدفت التباحث بشأن الموقف من المبادرة، التي يرعاها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً رشاد في طرابلس (مكتب الدبيبة)

وتتمسك القاهرة برؤيتها لحلحلة الأزمة الليبية، التي تنطلق من «أهمية الحفاظ على وحدة ليبيا وسلامة أراضيها، وتوحيد المؤسسات الوطنية، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة عبر مسار ليبي - ليبي خالص، يمهد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية».

ويرى متابعون أن القاهرة تتحسب لأي خطوات غير مدروسة، قد تؤدي إلى تعميق الانقسام في ليبيا، بدلاً من الدفع نحو توحيد مؤسساتها على أسس مؤسسية مستقرة. مشيرين إلى أن حكومة «الوحدة» لم تعلن حتى الآن موقفاً واضحاً من «المبادرة الأميركية»، التي تُجرى بشأنها مشاورات، وهي من بين الملفات التي تناقشها مع القاهرة.

ولم تعلن القاهرة فحوى لقاء رشاد والزوبي، لكن حكومة «الوحدة» في طرابلس قالت إنه يأتي في إطار «التشاور المستمر بين الجانبين بشأن مستجدات الأوضاع في ليبيا، وتعزيز التنسيق المشترك، بما يخدم أمن واستقرار البلدين».

كما أشارت إلى أن اللقاء «تناول عدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك، من بينها تطورات المشهد الليبي، وسبل دعم جهود توحيد المؤسسات الوطنية، وتعزيز التعاون الأمني والعسكري، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للمضي في المسار السياسي».

وتطرق اجتماع رشاد والزوبي إلى «بحث آليات تكثيف التنسيق والتشاور إزاء التحديات الأمنية الإقليمية»، مؤكدين أهمية مواصلة العمل المشترك بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة، ويحفظ المصالح المشتركة للبلدين.

ويأتي لقاء رشاد والزوبي وسط أحاديث ليبية غير رسمية عن مفاوضات تحتضنها مدينة جنيف بشأن اختيار حكومة جديدة، وهي الأنباء التي لم ينفها أو يؤكدها مسؤول حكومي كبير من غرب ليبيا.

ويدفع مستشار ترمب باتجاه تفعيل مبادرة - غير مكتوبة - ينظر إليها بعض الرافضين على أنها «تعمل على تقسيم ليبيا بين عائلتي الدبيبة وحفتر»، لكن بولس نفى ذلك، وقال إنها تستهدف إنهاء الانقسام العسكري والأمني والاقتصادي.

وأجرى بولس زيارات مكوكية إلى القاهرة ومصراتة وطرابلس خلال الأيام الماضية، كما زار رشاد ليبيا على رأس وفد رفيع المستوى، وتطرق في مباحثاته مع الدبيبة إلى مستجدات الأزمة الليبية. واكتفى الأخير بالقول إن الاجتماع بحث «آفاق تطوير التعاون المشترك، بما يسهم في دعم جهود التنمية، وتحقيق المصالح المشتركة للبلدين».

روبيو وصدام حفتر خلال لقاء سابق في واشنطن (القيادة العامة)

وتقوم «المبادرة الأميركية» على إسناد رئاسة المجلس الرئاسي الجديد إلى صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، بينما يتم الإبقاء على الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة، يجري العمل على تشكيلها راهناً، وفق مصادر.

وكانت قيادات عسكرية وأعيان وحكماء ومؤسسات مجتمع مدني في مصراتة قد أبلغوا بولس أسباب رفضهم لمبادرته، متمسكين برفضهم لما سموه «عسكرة ليبيا»، أو «الدفع بشخصيات غير نزيهة أثبتت التقارير الدولية تورطها في قضايا فساد، أو انتهاكات لحقوق الإنسان».

وفي مسار موازٍ، وبشكل مفاجئ، أعلن ما يسمى بـ«ملتقى الحوار السياسي»، خلال اجتماع عقده في جنيف، الجمعة، وبشكل مستقل، اختيار الليبي مصطفى المجذوب رئيساً لحكومة ليبية، بينما قال المتحدث باسم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، محمد الأسعدي، لـ«الشرق الأوسط»: «ليس لنا أي صلة بهذا الحديث».

وفتح تأجيل توقيع الاتفاق النهائي بين الفرقاء الليبيين الباب أمام جولة جديدة من التفاوض، بعدما انتهى اجتماع أممي في تونس، الثلاثاء الماضي، دون حسم الخلافات بشأن رئاسة المفوضية العليا للانتخابات، والإطار القانوني للاستحقاق الانتخابي.


«تظلمات» الاستبعاد من «بطاقات التموين» لا تهدئ قلق أسر مصرية

 الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)
الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)
TT

«تظلمات» الاستبعاد من «بطاقات التموين» لا تهدئ قلق أسر مصرية

 الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)
الحكومة المصرية بدأت أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين من مواطنين غير مستحقين (رويترز)

لم تهدئ إجراءات «التظلم» الحكومية بسبب الاستبعاد من «بطاقات التموين» (المخصصة للسلع) قلق أسر مصرية، ورغم حذف آلاف المواطنين فإن عدداً قليلاً جداً شرع في التقدم بـ«تظلمات».

الأربعيني محمد فرج، الذي يعمل في جهة حكومية شرق القاهرة، ويقيم في محافظة القليوبية المتاخمة للعاصمة المصرية، يقول: «لا أجد أي فائدة من التظلم، فلن تعود البطاقة التموينية مرة أخرى»، ويضيف أن «حديث الحكومة بشأن التظلمات لم يهدئ قلق أسرتي حول عودة التموين من جديد».

ورغم أن فرج يعول أسرة مكونة من طفلين وزوجة، ويمتلك سيارة موديل 2002، فإنه تم استبعاده بلا أي سبب واضح، قائلاً: «الرسالة التي وصلتني أنه تم إيقاف البطاقة، وإذ كنت ترغب في عودتها عليك بالتظلم».

فرج دخله الشهري أقل من 5 آلاف جنيه (الدولار الأميركي يساوي 50.5 جنيه) وطفليه في تعليم حكومي (تجريبي)، ويسكن في منزل والده، وليس لديه أي أملاك زراعية. ويوضح: «كنت أحصل على دعم السلع، وفق بطاقة التموين لي وزوجتي، وحاولت كثيراً إضافة أبنائي للبطاقة، إلا أنها توقف نهائياً الآن».

وحددت وزارة التموين والتجارة الداخلية مؤشرات للاستبعاد من بطاقات التموين من بينها «امتلاك سيارات حديثة أو مرتفعة القيمة أو امتلاك أكثر من سيارة أو استيراد سيارات من الخارج، أو الإقامة في تجمعات سكنية فاخرة، أو سداد مصروفات التعليم الدولي أو الخاص، أو امتلاك شركات، أو حيازة أراضٍ زراعية تزيد مساحتها على 10 أفدنة».

وبدأت الحكومة أخيراً إجراءات لتنقية بطاقات التموين، وأعلنت حذف نحو 850 ألف مواطن من حاملي هذه البطاقات، وسط انتقادات واسعة وتحذيرات من تأثيرات اجتماعية سلبية تطول قطاعات واسعة من المصريين الذين يعتمدون على «الدعم التمويني» لمواجهة الأعباء المعيشية.

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة يرى أن «تنقيح بطاقات التموين يجب أن يُصاغ ويُعاد كل مدة زمنية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «التحول من الدعم العيني إلى (النقدي) الذي أعلنت عنه الحكومة يكون عبر آليات تنقيح البطاقات التموينية باستهداف الشرائح غير المستحقة».

إلا أنه يشير إلى أن «هذا التنقيح ليس فقط باستبعاد البعض، لكن لا بد أن يكون بدخول آخرين». ويشرح: «لو مواطن تم استبعاده من البطاقة التموينية بسبب زيادة دخله الشهري بشكل مؤقت لأي سبب، هل سيعاد مرة أخرى حال انخفاض دخله؟».

ودعا بدرة إلى «منظومة محايدة من وزارات عدة، وألا يكون قرار الاستبعاد في يد موظف واحد». ويضيف: «يجب أن تكون هناك مرونة قبل تطبيق الإجراءات في بطاقات التموين التي يحصل بها المواطن على دعم عيني أو نقدي».

وبحسب مساعد وزير التموين، المتحدث الرسمي للوزارة أحمد كمال فإن «التموين» تلقت نحو 4700 تظلم فقط منذ فتح باب الاعتراض على قرارات استبعاد غير المستحقين من منظومة الدعم. ورأى أن «محدودية هذا العدد تعكس دقة المعايير التي استندت إليها الوزارة في مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين».

وأوضح في تصريحات متلفزة، مساء الخميس، «أن منظومة التظلمات تعتمد على آليات دقيقة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وأن الوزارة تستقبل طلبات التظلم عبر أكثر من 1085 مكتب تموين و412 مركز خدمة في مختلف المحافظات، وجميع الطلبات تخضع للمراجعة إلكترونياً».

كما نفى أن «يكون التحاق الأبناء بالمدارس الخاصة العادية سبباً مباشراً للاستبعاد من منظومة الدعم». وتحدث عن بعض المعايير التي وفقها يتم الاستبعاد مثل أن بعض الأسر يصل متوسط دخلها الشهري إلى نحو 50 ألف جنيه.

وزارة التموين تؤكد استمرار حرصها على ضمان حق المواطنين في التظلم بسبب الاستبعاد من بطاقات التموين (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

وتُطبق الحكومة منذ عقود منظومة البطاقات التموينية لدعم السلع الأساسية بهدف خفض أعباء المعيشة عن «الفئات الأَوْلى بالرعاية». ويستفيد نحو 68 مليون مواطن من هذه المنظومة، حسب «التموين».

حول إحجام بعض المواطنين عن تقديم «تظلمات» بسبب الاستبعاد وتصاعد الشعور بالقلق لديهم، تحدثت أستاذة علم النفس السياسي بـ«المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية» سوسن فايد عن «معادلة صعبة»، ألا وهي «إرضاء المواطنين من جهة وتحقيق توازن اقتصادي في الدولة من جهة أخرى». وتقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك أزمة ثقة بين الإجراءات التي تتخذها الحكومة والقاعدة الشعبية بسبب مواقف تاريخية قديمة، بأن المواطن لم يحصل على حقه من خلال التظلم في مواقف سابقة».

لكنها تشير إلى أن «هذا العدد القليل في التظلمات قد يكون هو العدد الفعلي لمن يستحقون».

«التموين» تلقت نحو 4700 تظلم فقط منذ فتح باب الاعتراض على قرارات استبعاد غير المستحقين من منظومة الدعم (رويترز)

حالة المصري محمد فرج تتشابه مع حالات كثيرة لا تعرف أسباب استبعادها من بطاقات التموين، فالأربعيني محمود (فضل عدم ذكر اسمه الثاني) يعمل في مؤسسة حكومية، ولديه أولاد في مراحل تعليمية مختلفة (مدارس قومية)، لا يعرف سبباً لاستبعاده، ويقول: «ليس لديَّ دخل سوى راتبي، ولا أمتلك سيارة»، لكنه «لا يضمن عند التظلم أن يعود له حقه».

وكان رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي أكد، الخميس الماضي، أن «باب التظلمات لا يزال مفتوحاً أمام المواطنين الذين تم استبعادهم من البطاقات التموينية»، وأن «الحكومة تتعامل مع هذه الطلبات بجدية، وتقوم بدراستها للتأكد من استحقاق أصحابها».

ورفعت مصر قيمة «الدعم» في الموازنة الجديدة العام الحالي إلى 175 مليار جنيه بدلاً من 160 مليار جنيه العام الماضي. وتقول «التموين» إن «ذلك يعكس استمرار الدولة في توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، ودعم الفئات الأولى بالرعاية».