غموض وقلق يخيّمان على مصير البحارة المصريين المختطفين في الصومال

أسرة أحدهم تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن مكالمة حملت مخاوف من القراصنة

إحدى السفن ترسو على السواحل الصومالية (رويترز)
إحدى السفن ترسو على السواحل الصومالية (رويترز)
TT

غموض وقلق يخيّمان على مصير البحارة المصريين المختطفين في الصومال

إحدى السفن ترسو على السواحل الصومالية (رويترز)
إحدى السفن ترسو على السواحل الصومالية (رويترز)

تتزايد حالة القلق والترقب داخل أسر بحارة مصريين اختطفهم قراصنة صوماليون في أثناء وجودهم على متن ناقلة نفط قبالة السواحل اليمنية، قبل اقتيادها لاحقاً باتجاه المياه الصومالية، في واقعة يكتنف الغموض تفاصيلها، وسط تأكيدات مصرية رسمية بمواصلة الجهود للتعامل مع الأزمة.

وظهرت مخاوف عائلات المخطوفين جلياً على نبرة صوت أميرة محمد، زوجة أحد المختطفين، التي عبّرت خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط» عن قلقها إزاء مصير زوجها محمد راضي المحسب وبقية أفراد الطاقم، مشيرة إلى أن شعور القلق يتصاعد يوماً بعد يوم في ظل غياب معلومات مؤكدة أو اتصالات منتظمة من جهة الخاطفين أو الشركة المالكة للسفينة.

وأضافت أن الأسرة تلقت مكالمة هاتفية واحدة قصيرة لم تتجاوز دقيقة، لكنها كانت كافية لإثارة المزيد من القلق، وقالت إن صوت زوجها كان يشوبه توتر واضح، وأنه تحدث عن وجود مسلحين على متن السفينة، وعن تخوفه على مصير الطاقم في ظل تعثر أي مسار تفاوضي.

وذكرت أن تلك المكالمة جرت قبل أسبوع، وأن الأسرة لم تتلقَ أي اتصالات لاحقة، ما فاقم الشعور بالخوف والقلق، وسط غياب أي مؤشرات واضحة حول تطورات الوضع أو مكان الاحتجاز الفعلي.

محمد راضي المحسب أحد البحارة المصريين المخطوفين (حسابه عبر فيسبوك)

والمحسب واحد من ثمانية مصريين تعرضت ناقلة النفط «M-T Eureka» التي كانوا على متنها للخطف من قبل مسلحين مجهولين في الثاني من مايو (أيار) الماضي قرب سواحل شبوة جنوب اليمن، قبل أن تبحر لاحقاً باتجاه خليج عدن وصولاً إلى السواحل الصومالية، بحسب بيانات خفر السواحل اليمني.

والمصريون الآخرون إلى جانب المحسب هم: مؤمن أكرم أمين، ومحمود الميكاوي، وسامح السيد، وإسلام سليم، ومحمد عبد الله، وأحمد درويش، وأدهم جابر.

مطالب بتحركات أسرع

طالبت زوجة المحسب بتحرك حكومي أسرع وأكثر فاعلية، مشيرة إلى ما تعانيه أُسر المحتجزين من خوف وترقب، وسط الغموض الذي يكتنف مصير ذويها.

وتقول الحكومة المصرية إنها تتابع الحادث عن كثب، مؤكدة استمرار التنسيق مع سفارتها في مقديشو، والتواصل مع السلطات الصومالية من أجل ضمان سلامة البحارة والعمل على الإفراج عنهم في أسرع وقت ممكن.

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري حداد الجوهري في تصريحات تلفزيونية، الاثنين، أن الوزارة تولي الملف اهتماماً بالغاً، وتعمل على توفير الدعم اللازم لأسر البحارة، بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية الجارية.

وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت في بيان سابق أنها وجهت سفارتها في الصومال بمتابعة التطورات بشكل مستمر، والتواصل على أعلى المستويات لضمان أمن المختطفين وتسريع إجراءات الإفراج عنهم، بحسب بيان الاثنين.

وأقر أحمد المحسب، شقيق محمد راضي المحسب، بأن الوزارة تبذل جهوداً على مختلف المستويات، لكنه قال متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» إن العائلات تعيش تحت ضغط نفسي كبير نتيجة استمرار الغموض، وتكرار المناشدات التي تعكس حجم القلق على حياة ذويها.

وأشار إلى أن الأنباء المتداولة بشأن طلب القراصنة فدية مالية كبيرة تصل لملايين الدولارات لا تزال غير مؤكدة، مضيفاً أنه «لا يوجد أي تواصل مباشر مع الخاطفين، وأن كل ما يجري تداوله في هذا الشأن مصدره وسائل الإعلام فقط، بينما تتولى الشركة المالكة للسفينة، وهي شركة إماراتية، إدارة أي تواصل غير معلن، دون إشراك أسر البحارة في التفاصيل».

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

وبعدما ظل الحادث بعيداً عن التغطية الإعلامية الواسعة في بدايته في مطلع الشهر الحالي، أعاد نشر استغاثة زوجة محمد المحسب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مساء الأحد، تسليط الضوء عليه، ما دفع إلى تحرك سياسي وإعلامي، ووَصَف بعض البرلمانيين والإعلاميين ما حدث بأنه «عمل إجرامي» يستوجب تحركاً دولياً عاجلاً وحاسماً.

إدانات عربية

وعلى الصعيد الإقليمي، أعربت دولة الإمارات العربية المتحدة عن إدانتها الشديدة للحادث، مؤكدة أنه يمثل تهديداً مباشراً لأمن الملاحة البحرية وسلاسل التجارة الدولية، ومعلنة تضامنها الكامل مع مصر وأسر البحارة، ودعمها للجهود الرامية إلى الإفراج عنهم.

كما أصدرت وزارة الخارجية القطرية بياناً مماثلاً، شددت فيه على أهمية ضمان أمن وسلامة الممرات الملاحية الدولية باعتبارها ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي والدولي، وهو الموقف ذاته الذي تبنته أيضاً المملكة الأردنية الهاشمية في بيان رسمي.

ودعا رئيس البرلمان العربي، محمد بن أحمد اليماحي، المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته والتحرك العاجل لوضع حد لهذه الأعمال التي تهدد أمن الملاحة الدولية وتعرض حياة المدنيين للخطر.

وعلى مدى سنوات، عرفت سواحل القرن الأفريقي ظاهرة القرصنة التي بلغت ذروتها في 2008 واستمرت على مدى عقد، مسببة اضطراباً واسعاً في حركة الملاحة بالمنطقة، قبل أن تتراجع تراجعاً ملحوظاً لعدة سنوات.

إلا أن هذه الأنشطة عادت للظهور مجدداً منذ أواخر عام 2023، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الممرات البحرية الإقليمية وازدياد المخاطر على خطوط التجارة الدولية.


مقالات ذات صلة

السيسي يُحذّر من «محاولات تستهدف مصر وتسعى إلى إحداث انقسام»

شمال افريقيا منظر عام للمباني والأهرامات في القاهرة (رويترز)

السيسي يُحذّر من «محاولات تستهدف مصر وتسعى إلى إحداث انقسام»

حذّر الرئيس عبد الفتاح السيسي من محاولات تستهدف مصر، وتسعى إلى إحداث انقسام، داعياً إلى وحدة البلاد لمواجهة تلك المؤامرات.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا معبر أرقين البري الرابط بين مصر والسودان (أ.ف.ب)

مقتل سائقَين مصريين في الخرطوم يدفع آخرين إلى العزوف عن السفر

يحاول السائق المصري سامي لطفي (40 عاماً) على مدار الساعة، أن يصل إلى زميله وشريكه الموجود حالياً في السودان، لنقل شحنة تجارية، دون فائدة.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا مصر تثبت أسعار الوقود (وزارة النقل المصرية)

مصر تثبت أسعار الوقود رغم ارتفاع النفط عالمياً

قررت «لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» في مصر تثبيت أسعار الوقود دون تغيير خلال اجتماعها الربع سنوي، الذي عقدته يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي أكد أن لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه ولن يمسه أحد (الرئاسة المصرية)

ترحيب حزبي في مصر بتأكيد السيسي «عدم المساس بالدستور»

السيسي أكد أن «لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه، ولن يمسه أحد».

عصام فضل (القاهرة )
شمال افريقيا  السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2017 (الرئاسة المصرية)

هل تخفف تطمينات السيسي بشأن «السلام» التوتر مع إسرائيل؟

قال السيسي إن مصر «خاضت حرباً دفاعاً عن أرضها واستعادت كامل أراضيها».

هشام المياني (القاهرة )

أول جامعة دامجة تجمع الصم بذوي السمع الطبيعي في المغرب قبل المونديال

الأميرة للا أسماء رئيسة مؤسسة للا أسماء خلال تدشين الجامعة الدامجة (وكالة المغرب العربي للأنباء)
الأميرة للا أسماء رئيسة مؤسسة للا أسماء خلال تدشين الجامعة الدامجة (وكالة المغرب العربي للأنباء)
TT

أول جامعة دامجة تجمع الصم بذوي السمع الطبيعي في المغرب قبل المونديال

الأميرة للا أسماء رئيسة مؤسسة للا أسماء خلال تدشين الجامعة الدامجة (وكالة المغرب العربي للأنباء)
الأميرة للا أسماء رئيسة مؤسسة للا أسماء خلال تدشين الجامعة الدامجة (وكالة المغرب العربي للأنباء)

دشن المغرب نموذجاً تعليمياً جديداً في مجال الإدماج المهني الاجتماعي (السوسيومهني) عبر إطلاق مؤسسة جامعية غير مسبوقة تدمج الطلبة الصم وضعاف السمع مع زملائهم من ذوي السمع الطبيعي في الفصول الدراسية نفسها.

وتأتي هذه الخطوة في إطار إعادة صياغة مقاربة الرأسمال البشري، وتطوير التميز العلمي، والابتكار الصحي، ممهدة الطريق لنمط أكاديمي يزاوج بين العلاجات السريرية، والتكوين التكنولوجي، والمهني، تزامناً مع استعدادات المملكة لاستضافة استحقاقات دولية كبرى تفرض تحديات تنظيمية في استقبال فئات متنوعة من الزوار على غرار كأس العالم 2030 مع إسبانيا، والبرتغال.

نموذج أكاديمي يجمع التخصصات الطبية والتقنية والمهنية

تتوزع البنية التكوينية والتعليمية لجامعة للا أسماء على أربع مدارس رئيسة صُممت لاستيعاب زهاء 3500 طالب، مع توفير مسار دراسي مجاني بالكامل في علوم السمع يمتد من شهادة التكوين المهني، والاعتمادات الأساسية، إلى حدود درجة الماجستير.

وتشمل هذه المؤسسة التعليمية مدرسة متخصصة في علوم السمع، والتواصل، وعلوم الأعصاب السريرية التي تعنى بتدريس تقويم النطق، وعلم النفس السريري، والتحليل التطبيقي للسلوك المعرفي، فضلاً عن منح دبلومات متخصصة لجراحي الأنف والأذن والحنجرة في مجال جراحة زراعة القوقعة الدقيقة.

وإلى جانبها، تعمل مدرسة لغات الإشارة والترجمة الفورية والولوجيات على تأهيل الكفاءات في الإعلام الدامج، والتدريس المتخصص، لتكتمل المنظومة بالمدرسة الدامجة للتكنولوجيات التي تركز على الذكاء الاصطناعي، والتصميم الفني الرقمي، بالإضافة إلى المدرسة الدامجة للمهن المخصصة لفنون الطبخ، وصناعة الحلويات، والشوكولاته.

تحالفات دولية مع معاهد باريس وشيكاغو ولوفان ومونبلييه

يعتمد التدبير العلمي والبحثي لهذه الجامعة على شبكة واسعة من الشراكات الأكاديمية والاستشفائية الدولية، حيث برزت في طليعة هذه التعاونات الشراكة الاستراتيجية مع المعهد الاستشفائي الجامعي «ريكونيكت» في العاصمة الفرنسية باريس، والذي يعتبر أول قطب أوروبي مخصص للسمع والنطق، ويجمع بين معهد باستور وثلاثة مستشفيات تابعة للمؤسسة الاستشفائية العمومية بباريس، وهي مستشفى نيكير للأطفال المرضى، ومستشفى بيتيي سالبيتريير، ومستشفى لاريبوازيير، مما يتيح نقل الأبحاث المتقدمة في العلاج الجيني للصمم، وطب السمع للأطفال، والبالغين.

وامتدت جسور التعاون لتشمل جامعة مونبلييه الفرنسية، التي تعد امتداداً لأقدم كلية للطب لا تزال تزاول نشاطها في العالم الغربي، إلى جانب مركز «أوديوكامبوس» (Audiocampus)، وأكاديمية كوكلير (Cochlear Academy)،

عبر نقل نموذج التكوين المتخصص في زراعة القوقعة، إلى جانب رسالة النوايا الموقعة مع بلجيكا، وتجمع هذه الشراكة بين الجامعة الكاثوليكية بلوفان والمدرسة العليا ليونار دو فانشي، والمصحات الجامعية سان لوك، التي تعد أول مركز لزراعة القوقعة في بلجيكا الناطقة بالفرنسية، لتعزيز الرعاية السريرية المرتبطة بزراعة القوقعة باللغة الفرنسية.

كما تبرز الشراكة مع مؤسسة أكاديمية أميركية في شيكاغو لتوفير الخبرة العلمية في مجال التحليل التطبيقي للسلوك، لتتكامل هذه الأبعاد الدولية مع تعاون محلي وثيق يربط المؤسسة بجامعة محمد الخامس، و«الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية»، لتهيئة مسارات مهنية وإعلامية دامجة.

7 مختبرات علمية وتطبيقية لدعم الابتكار

وتتكامل هذه الشراكات الدولية مع 7 مختبرات علمية وتطبيقية متطورة داخل الحرم الجامعي، من بينها مختبر الابتكار لتطوير الذكاء الاصطناعي والروبوتات البشرية التي تتعلم التواصل بلغات الإشارة، ومختبر الحركة المجهز من قطب الإعلام العمومي للتصوير الرقمي وإنتاج الشخصيات الافتراضية والكبسولات البيداغوجية، فضلاً عن حاضنة أعمال متخصصة في ريادة الأعمال، وتنمية المهارات، ومختبرات تشريحية، وفحوصات سمعية دقيقة تتيح محاكاة الجراحات المعقدة، وضبط الأجهزة المساعدة قبل التنفيذ الفعلي.

رهان الولوجية وتحديات الاستقبال في أفق الاستحقاقات الدولية

لا تقف أهداف المنظومة الجامعية الدامجة عند حدود التكوين الأكاديمي الصرف، بل تمتد لتشمل رهانات استراتيجية ترتبط مباشرة بالقدرة التنظيمية للمملكة في أفق تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030 بالاشتراك مع إسبانيا، والبرتغال.

وتعمل الجامعة، التي تعتزم فتح أبوابها لاستقبال الطلبة من مختلف جهات المملكة ومن الخارج بحلول عام 2027، على تدريب وإعداد أفواج من المهنيين، وموظفي الاستقبال في قطاعات الفندقة، والنقل، والمؤسسات البنكية، والمنشآت الرياضية، لتمكينهم من آليات التواصل المباشر، واستقبال الزوار وعشاق المستديرة من فئة الصم وضعاف السمع.

ويجعل هذا التوجه من البنية التحتية التعليمية أداة حيوية لرفع كفاءة المرافق العمومية، والملاعب، وتأهيل الرأسمال البشري، تماشياً مع معايير الولوجية العالمية المتوقعة خلال الأحداث الدولية المقبلة.


مشروع قانون أميركي لشراكة زراعية وتعدينية مع السودان

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هو من يقرر ساعة الصفر لانطلاق المبادرة (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هو من يقرر ساعة الصفر لانطلاق المبادرة (رويترز)
TT

مشروع قانون أميركي لشراكة زراعية وتعدينية مع السودان

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هو من يقرر ساعة الصفر لانطلاق المبادرة (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هو من يقرر ساعة الصفر لانطلاق المبادرة (رويترز)

طرح عضو جمهوري في مجلس النواب الأميركي مشروع قانون لإقامة شراكة اقتصادية بين الولايات المتحدة والسودان، تقوم على تبادل الموارد المعدنية والطبيعية السودانية بالتكنولوجيا والمعدات والخبرات الأميركية في قطاعي الزراعة والتعدين، في مبادرة تربط التعاون الاقتصادي المستقبلي بإحراز تقدم ملموس في حماية المدنيين وإرساء الاستقرار السياسي، ووجود سلطة حكم شرعية بقيادة مدنية في السودان.

ويفتح المشروع، الذي قدمه النائب جيم بيرد، عن ولاية إنديانا، في 13 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نافذة على اهتمام أميركي بالثروات الطبيعية السودانية، ولا سيما المعادن المستخدمة في الصناعات الحديثة، لكنه يضع شروطاً سياسية وأمنية أمام تحويل هذا الاهتمام إلى شراكة فعلية، في بلد تمزقه الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023.

ويحمل المشروع الرقم H.R. 10795، باسم «قانون السودان للاستثمار في المعادن والشراكة والزراعة والتجارة»، المعروف اختصاراً باسم «Sudan IMPACT Act». وأُحيل إلى لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب لدراسته.

المعادن مقابل التكنولوجيا

يقترح التشريع إنشاء «الشراكة الأميركية - السودانية للزراعة والمعادن»، التي تتيح للولايات المتحدة توفير معدات زراعية حديثة، وتقنيات الزراعة الدقيقة والري، ومعدات التصنيع الزراعي، إلى جانب تكنولوجيا التعدين والمسح الجيولوجي وتحسين سلامة المناجم ومعالجة الأضرار البيئية.

مزارع سوداني يجمع الصمغ العربي في مدينة النهود (غرب) حيث يدخل الصمغ ضمن مشروع القرار الأميركي (رويترز)

وفي المقابل، تحصل الولايات المتحدة، وفق الترتيبات التي يمكن الاتفاق عليها مستقبلاً، على موارد سودانية يحددها المشروع، تشمل الذهب واليورانيوم والنحاس والكروم والحديد والمنغنيز والزنك والنيكل والفضة، فضلاً عن النفط الخام والصمغ العربي.

ويكشف هذا التنوع عن أن المبادرة لا تقتصر على الذهب، الذي يمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للسودان، بل تمتد إلى موارد تدخل في الصناعات والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، وإلى منتجات زراعية ذات أهمية تجارية.

وقال بيرد، في بيان صادر عن مكتبه، إن الموارد المعدنية السودانية يمكن أن تساعد في زيادة إمدادات المواد التي تستخدمها الولايات المتحدة في تقنيات يعتمد عليها الأميركيون يومياً، مثل الهواتف والسيارات، مع توفير فرص اقتصادية للسودانيين.

وأضاف أن الحرب تدمر حياة السودانيين وتقوض مستقبل البلاد، مشدداً على أن حماية المدنيين يجب أن تسبق توسيع التعاون الاقتصادي.

شرط الحكم المدني

وتبرز في نص المشروع نقطة سياسية تتجاوز ما ورد في الإعلان المقتضب للنائب الأميركي؛ إذ تنص مادته الثانية على أن الشراكة تستهدف السودان في ظل وجود سلطة حكم شرعية بقيادة مدنية، تكون قد أحرزت تقدماً جوهرياً في خفض العنف ضد المدنيين.

وتذهب المادة الثالثة إلى أبعد من ذلك؛ إذ تمنع إقامة الشراكة قبل أن يقرر وزير الخارجية الأميركي أن سلطة الحكم السودانية بقيادة مدنية اتخذت خطوات كافية لتحقيق تحسن قابل للقياس في ثلاثة مجالات: حماية المدنيين، والاستقرار السياسي، والإدارة المسؤولة للموارد الطبيعية.

كما يشترط المشروع موافقة الجهات السودانية المختصة في حكومة بقيادة مدنية على ترتيبات التعاون، بما يعني أن تقديمه لا ينشئ تلقائياً التزامات على الخرطوم، ولا يمنح واشنطن حقوقاً فورية في استغلال الموارد السودانية.

حمدوك يتوسط قيادات مدنية خلال مؤتمر سابق في لندن (الشرق الأوسط)

ويمنح هذا الشرط المبادرة بعداً سياسياً واضحاً؛ إذ يجعل الانتقال إلى سلطة مدنية شرعية، وتحسين حماية السكان، مدخلاً محتملاً لعلاقات اقتصادية أوسع مع الولايات المتحدة. لكن المشروع لا يحدد نموذجاً تفصيلياً للانتقال السياسي، ولا يضع جدولاً زمنياً لتشكيل حكومة مدنية، كما لا يمثل في مرحلته الحالية اتفاقاً مع السلطات السودانية.

الذهب في قلب الحسابات

تأتي المبادرة بينما يحتل الذهب موقعاً متزايد الأهمية في الاقتصاد السوداني، بعد أن أدت الحرب إلى تعطيل قطاعات إنتاجية واسعة، وإضعاف الإيرادات العامة، وتفاقم أزمة النقد الأجنبي.

ووفق بيانات نقلها موقع «بيزنس إنسايدر أفريقيا» عن مؤسسة «ميتالز فوكس» مقرها لندن، ومجلس الذهب العالمي، بلغ إنتاج السودان من الذهب نحو 74.6 طن في عام 2025، ما وضعه في المرتبة الخامسة أفريقياً. غير أن أهمية المعدن لا تقتصر على حجمه الإنتاجي؛ إذ أثارت الحرب تساؤلات متزايدة بشأن شبكات تهريب الذهب، وطرق تصديره، ومدى استفادة الدولة من عائداته، في ظل تعدد الجهات المسيطرة على مناطق الإنتاج والتجارة.

وفي هذا السياق، يكتسب اشتراط «الإدارة المسؤولة للموارد» في مشروع القانون أهمية خاصة؛ لأنه يربط أي تعاون أميركي محتمل ليس فقط باستمرار الإنتاج، وإنما أيضاً بالجهة التي تديره، ومدى قدرتها على ضبط العائدات وإقامة مؤسسات خاضعة للمساءلة.

طريق تشريعي طويل

وعلى الرغم من الدلالات السياسية والاقتصادية للمبادرة، فإنها لا تزال في مرحلة تشريعية مبكرة، بعدما أُحيلت إلى لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب.

ويتطلب تحولها إلى قانون استكمال الإجراءات التشريعية في الكونغرس، بما في ذلك إقرار النص في مجلسي النواب والشيوخ، ثم توقيع الرئيس الأميركي عليه.


«قانون التظاهر» في غرب ليبيا... تنظيم للاحتجاج أم أداة لتقييده؟

وقفة احتجاجية أمام مراقبة التربية والتعليم في تاجوراء بغرب ليبيا نهاية سبتمبر الماضي (حراك المعلمين)
وقفة احتجاجية أمام مراقبة التربية والتعليم في تاجوراء بغرب ليبيا نهاية سبتمبر الماضي (حراك المعلمين)
TT

«قانون التظاهر» في غرب ليبيا... تنظيم للاحتجاج أم أداة لتقييده؟

وقفة احتجاجية أمام مراقبة التربية والتعليم في تاجوراء بغرب ليبيا نهاية سبتمبر الماضي (حراك المعلمين)
وقفة احتجاجية أمام مراقبة التربية والتعليم في تاجوراء بغرب ليبيا نهاية سبتمبر الماضي (حراك المعلمين)

لم يعد الجدل مقتصراً في ليبيا على مطالبة المعلمين بتحسين رواتبهم، بل امتد إلى حق الاحتجاج وحدود تدخل السلطات في تنظيمه، بعدما أثار تحذير أمني من التظاهر، دون إخطار مسبق، تساؤلات حول جدوى مواجهة التحركات المطلبية بالعقوبات، في وقت تتسع فيه الإضرابات لتشمل قطاعات حيوية، وتزداد الضغوط المعيشية التي تغذي الاحتقان الاجتماعي.

ولوحظ ازدياد المشاركين في «حراك المعلمين» بمدن الغرب الليبي، في أعقاب تحذير مديرية أمن طرابلس، مطلع الأسبوع، من تنظيم مظاهرات واعتصامات دون إخطارها قبل 48 ساعة، مؤكدة معاقبة المخالف بالحبس لمدة تصل إلى ستة أشهر وغرامة.

وعدّت أصوات سياسية ومراقبون اتساع المشاركة بمثابة رسالة رفض قوية لتوظيف القانون لمعالجة الإضرابات الفئوية، خصوصاً مع اعتصام مماثل في القطاع الصحي منذ أغسطس (آب) الماضي، احتجاجاً على تردي الأوضاع المالية والمهنية.

رئيس حكومة الوحدة في زيارة سابقة لإحدى مدارس طرابلس (الوحدة)

ورغم احترامها للقانون، رفضت تلك الأصوات «تطبيقه بشكل انتقائي»، مذكرة بمظاهرات سابقة بالعاصمة جرت ربما دون إخطار، ولم يعاقب منظموها.

من جهته، أكد وزير الداخلية الليبي الأسبق، عاشور شوايل، أن «هدف أي تشريع حفظ النظام العام، والقانون رقم (65) لسنة 2012 للتظاهر السلمي وضع ضوابط تحمي المتظاهرين والممتلكات».

وقال شوايل لـ«الشرق الأوسط» إن الإخطار الكتابي قبل 48 ساعة «يكفل تأمين المظاهرة، ويمنع تسلل مثيري الفوضى»، وأضاف موضحاً أن «عقوبة المخالف هي الحبس وغرامة تصل إلى خمسة آلاف دينار، أو إحداهما، وعلى الجهات الأمنية إخطار المنظمين برفض التصريح لأي فعالية قبلها بـ12 ساعة، ولهم حق التظلم».

وانتقد شوايل «أي توجه لتطبيق القانون بشكل انتقائي، أو لتحقيق أهداف سياسية»، مشيراً إلى «تعذر الجزم بحصول مظاهرات جرت في طرابلس خلال الفترة الماضية على تصريح أمني من عدمه».

ورأى الوزير السابق أن «الحل الأمني قد لا يكون الأمثل لمعالجة مطالب أي حراك احتجاجي يطالب بتحسين أوضاعه أو رواتبه، خصوصاً المعلمين، اللبنة الأولى في بناء المواطن، بل بقيام السلطات في شرق البلاد وغربها بالتفاوض السريع مع النقابة، والتوصل لشروط لا ترهق الميزانية ولا تؤخر التعليم».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومتين: «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وأخرى برئاسة أسامة حماد كلفها البرلمان، ويدعمها قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وبدأت أزمة المعلمين منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، مع انطلاق العام الدراسي، وتدرجت من اعتصامات إلى إضراب مفتوح شمل معظم المدارس.

وأعلنت حكومة الوحدة الثلاثاء الماضي اتفاقاً مع النقابة لرفع الإضراب، مقابل جدول رواتب جديد، لكن القواعد النقابية رفضته لعدم مواكبة الزيادات الغلاء، ووسعت الاحتجاجات.

من احتجاجات سابقة لشبان اقتحموا مقر شركة للنفط للمطالبة بحقوقهم (متداولة)

وعدّ المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، أن حكومة «الوحدة» تحاول «إخماد حراك المعلمين والأطباء بالتلويح بعقوبات قانون التظاهر».

ونوه العبدلي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بعدم إصدار أي بيان يلمح بمعاقبة حرس المنشآت النفطية، الذين أغلقوا صمام حقل «الشرارة» قبل شهر تقريباً وخفضوا الإنتاج، ورغم أن عوائد النفط هي المصدر الرئيسي لدخل البلاد، «سارعت الحكومة بتسوية رواتبهم خلال 24 ساعة برواتب الجيش المرتفعة».

وعدّ أن ذلك يعني أن الحكومة «لا تتعامل بمعيار واحد»، وأن الاستجابة «كانت سريعة لمن يملك السلاح ويغلق بوابة المال». ودعا إلى «مراعاة وضعية احتقان القطاعات المدنية، خصوصاً أن سعر الدولار يقترب في السوق الموازية من عشرة دنانير، وأغلب السلع التي يتم استيرادها لاعتماد السوق الليبية عليها تُسعّر بناء عليه».

من جهته، حذر أستاذ الاقتصاد بجامعة درنة، صقر الجيباني، من أن أي زيادة في الرواتب «ستلتهمها الأسعار وتضغط على الميزانية العامة، التي يذهب نصفها فعلياً للرواتب»، وذكر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الرواتب استحوذت العام الماضي على قرابة 73 مليار دينار من إيرادات 136 ملياراً، وفق المصرف المركزي».

ولفت الجيباني إلى أن «التعليم يضم قرابة 600 ألف موظف، أي ربع العمالة الحكومية، ما يمنح نقابته قوة للاستمرار كما تجلى في إضرابها الناجح بين 2019 و2020، ويضع الحكومة في مأزق إذا استجابت لمطالبه، لتوقع مطالبة قطاعات أخرى بالمعاملة بالمثل».

ووصف جدول الرواتب، الصادر عن حكومة «الوحدة»، بأنه «مخيب للآمال»، موضحاً أنه «لم يقدم سوى زيادة 10 في المائة، ليبقى متوسط الراتب الشهري لغالبية المعلمين ما بين 1800 و2000 دينار، وهو مبلغ لا يكفي احتياجات أسرة من أربعة أفراد».

ورأى الجيباني أن «العقوبات لن تكبح تساؤلات المحتجين عما يعدونه تعنتاً حكومياً في زيادة رواتبهم، بينما تُنفق ملايين شهرياً بالعملة الأجنبية على 140 سفارة وبعثة دون جاليات تذكر».

بدوره، شكك الناشط الحقوقي طارق لملوم في «جدوى إشهار عقوبات بقانون التظاهر لإنهاء الإضرابات الفئوية». وسلّط لملوم الضوء في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنه لم يطلب من منظمي حراك «لا للتوطين»، المناهض للمهاجرين غير النظاميين، أي تصريح أمني لمظاهراتهم، التي أغلقت بالسواتر الترابية عدة مقار أممية بطرابلس.

ولفت لملوم إلى انقسام الشارع حيال هذه الإضرابات الفئوية، خصوصاً إضراب المعلمين، قائلاً: «الجميع يتعاطف مع أصحاب الدخل المنخفض، لكنّ قطاعاً واسعاً يشكو من تراجع التعليم وفساده، فهناك مدرسات لا يذهبن لتأدية واجبهن، ويتلقين رواتب شهرية»، عادّاً أن اتساع حراكهم «يثير شكوكاً بدعم خلفي من خصوم الدبيبة».