مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: مسار أميركي جديد لحل نزاع سد النهضة

تحدث عن محاولات إحياء «وثيقة واشنطن» بشكل معدل

«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: مسار أميركي جديد لحل نزاع سد النهضة

«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

أكّد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» أن القاهرة تترقب مساراً أميركياً جديداً لحلّ نزاع «السد الإثيوبي»، لافتاً إلى وجود محاولات لإحياء «وثيقة واشنطن» بصيغة معدلة لإيجاد توافق واسع عليها من جديد.

وبحسب المصدر، فإن «المسار الجديد تعدّه واشنطن، ويستند لتعديلات ستجرى على وثيقة سابقة كانت محل تفاوض بين مصر وإثيوبيا برعاية الولايات المتحدة». وأوضح أن «الخارجية الأميركية تركت الملف الآن، وعاد لوزارة الخزانة مجدداً».

وأضاف المصدر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «وزارة الخارجية الأميركية كانت ترى أن المواقف لا تزال بحاجة إلى أن تتكشف، وقد أرسلت في وقت سابق عقب دعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مسؤولاً بوزارة الخارجية، إلى مصر، التقى مسؤولين، لكننا فوجئنا بأن الأمر وكأنه سيبدأ من نقطة الصفر من جديد».

وأشار إلى أن «وزارة الخزانة الأميركية قطعت شوطاً كبيراً في هذا الملف، وهي التي ستتولى صياغة المقترحات الجديدة قبل عرضها على إدارة ترمب».

كما لفت إلى أن «هذا المسار الذي تترقبه القاهرة يُبنى على ما يعرف بـ(وثيقة إعلان واشنطن)، وهي الوثيقة التي قدّمها الرئيس ترمب للأطراف الثلاثة خلال ولايته السابقة، ومصر وقّعت على الوثيقة، بينما انسحب الجانب السوداني، ولم تصادق عليها إثيوبيا، ما أدى إلى توقف مسار التفاوض آنذاك».

وأكّد أن «ما يحدث الآن هو إعادة صياغة لبعض الأفكار التي تضمنتها الوثيقة، وسنرى ماذا سيطرح»، آملاً «أن تنحاز هذه الأفكار لموقف مصر العادل لكل الأطراف بوجود اتفاق قانوني ملزم يضمن الحقوق المائية».

وسبق أن رعت واشنطن مفاوضات في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، عبر اجتماع استضافته وزارة الخزانة الأميركية، شارك فيه وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان، بحضور البنك الدولي.

ونصّ بيان مشترك وقتها على عقد 4 جولات فنية على مستوى وزراء المياه، تتبعها اجتماعات في واشنطن، بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل السدّ بحلول 15 يناير (كانون الثاني) 2020.

ترمب يصافح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

لكن مدّدت المناقشات لجلسات متواصلة في الفترة ما بين 28 و31 يناير 2020 في واشنطن، باستضافة وزارة الخزانة أيضاً، وخرجت ببيان مشترك تضمن توصل الأطراف إلى تفاهمات في 3 حزم حساسة، شملت جدولاً مرحلياً لملء السد، وآلية للتوافق أثناء الملء في حالات الجفاف، والجفاف الممتد، وفترات السنوات الجافة الطويلة، وآلية للتوافق بشأن التشغيل السنوي وطويل الأمد للسد في الظروف نفسها.

وأعلن آنذاك أنه يجري استكمال عناصر أخرى بقيت قيد الصياغة، بينها آلية التشغيل في الظروف الهيدرولوجية العادية، وآلية للتنسيق، وبنود لتسوية النزاعات وتبادل المعلومات، إضافة إلى التوافق على معالجة سلامة السد والدراسات العالقة بشأن الآثار البيئية والاجتماعية.

وانتهت الجولة بتكليف الفرق الفنية والقانونية بإعداد نص الاتفاق النهائي متضمناً ما تم التوافق عليه، تمهيداً لتوقيعه من الدول الثلاث في نهاية فبراير (شباط) 2020، قبل أن تغيب إثيوبيا عن الاجتماع الختامي، وتوقع مصر بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق، التي جرى إعدادها برعاية وزارة الخزانة الأميركية، وبمدخلات فنية من البنك الدولي.

ويأتي حديث المصدر المصري المطلع بعد أيام من تصريحات كبير مستشاري الرئيس ترمب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لـ«الشرق الأوسط» بشأن أزمة السد، التي قال فيها إن الرئيس ترمب «أعرب عن استعداد الولايات المتحدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا من أجل التوصل إلى تسوية مسؤولة ونهائية لقضية سد النهضة». وأضاف: «نعتقد أن التوصل إلى اتفاق شامل أمر ممكن، ونحن على استعداد لدعم التفاوض بشأنه وإنجازه».

جانب من «سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

وفي يناير الماضي، أرسل الرئيس الأميركي خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» والتوصل لحل نهائي وعادل للقضية، بعد 3 أحاديث متواصلة في منتصف يونيو (حزيران) و4 و8 يوليو (تموز) 2025، يؤكد على أن «واشنطن موّلت (السد)، ويجب أن يكون هناك حلّ سريع لتلك الأزمة».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024 بعد جولات استمرت لسنوات، «نتيجة لغياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السدّ بهدف التنمية وليس الضرر لدولتي المصبّ».

في سياق ذلك، قال أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الولايات المتحدة قادرة على حسم القضية في فترة وجيزة، قد لا تتجاوز الأسبوع الواحد، بل ربما في يوم واحد إن أرادت».

ويرى شراقي أن «حلّ الأزمة حالياً أيسر من السنوات الماضية، لأسباب أبرزها أن الخلاف الرئيسي حول سنوات الملء الأول لخزان السد والخوف من حجز المياه انتهى عملياً بملء أديس أبابا للسد منذ 2024 و2025 و2026»، موضحاً أن «العملية صارت الآن مقتصرة على تصريف كميات مياه واستقبال أخرى».


مقالات ذات صلة

وعود ترمب بالتدخل... هل تحلحل جمود أزمة سد النهضة الإثيوبي؟

تحليل إخباري الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره الأميركي على هامش «قمة السبع» (الرئاسة المصرية)

وعود ترمب بالتدخل... هل تحلحل جمود أزمة سد النهضة الإثيوبي؟

تعهد جديد للرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن حل أزمة «سد النهضة» الإثيوبي بين القاهرة وأديس أبابا يأتي وسط حراك من واشنطن للوصول لتسوية نهائية.

محمد محمود (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع ثنائي على هامش قمة مجموعة السبع في إيفيان لي بان بفرنسا (رويترز)

اتفاق أميركي - مصري على تكثيف التشاور والتنسيق حول مختلف الملفات

​قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال ‌قمة ‌مجموعة ​السبع ‌في ⁠فرنسا ​إنه سيناقش القضايا ⁠التجارية مع الرئيس ⁠المصري ‌عبد ‌الفتاح ​السيسي.

«الشرق الأوسط» (إيفان-ليه-بان (فرنسا))
شمال افريقيا وزير الخارجية المصرية خلال مشاركته في الاجتماع الوزاري الكوري - الأفريقي (الخارجية المصرية)

مصر تدعو لـ«منفعة متبادلة» بين دول حوض النيل

دعت مصر دول حوض نهر النيل إلى تحقيق «منفعة متبادلة» ومصالح مشتركة، بما يضمن استعادة التوافق بين الدول المشاطئة، مجددةً رفضها لـ«الإجراءات الأحادية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا سد النهضة الإثيوبيي (رويترز)

توترات «المنفذ البحري» بين مصر وإثيوبيا... ماذا تعني لملف «سد النهضة»؟

وسط تحركات أميركية لرأب الصدع بين القاهرة وأديس أبابا في أزمة «سد النهضة»، خرجت إثيوبيا بانتقادات لمصر بشأن علاقاتها بدول الجوار وعرقلة وصولها إلى البحر الأحمر.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق مع مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي (الخارجية المصرية)

«سد النهضة»... هل تحيي اتصالات واشنطن المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا؟

تتواصل اتصالات أميركية مع مصر وإثيوبيا بما قد يسهم في حلحلة نزاع «سد النهضة» بعد نحو عامين من توقف المفاوضات.

محمد محمود (القاهرة)

3 حوادث سير مفجعة خلال 24 ساعة تصدم المصريين

مصرع 5 في حوادث سير خلال 24 ساعة بمصر (هيئة الإسعاف المصرية)
مصرع 5 في حوادث سير خلال 24 ساعة بمصر (هيئة الإسعاف المصرية)
TT

3 حوادث سير مفجعة خلال 24 ساعة تصدم المصريين

مصرع 5 في حوادث سير خلال 24 ساعة بمصر (هيئة الإسعاف المصرية)
مصرع 5 في حوادث سير خلال 24 ساعة بمصر (هيئة الإسعاف المصرية)

صدمت 3 حوادث سير مفجعة خلال 24 ساعة المصريين، كان أبرزها مصرع فتاة عرفت في وسائل الإعلام بـ«بائعة الشاي» و2 من مشاهير قيادة الدراجات النارية.

وقررت النيابة العامة المصرية حبس ثلاثة متهمين احتياطياً على ذمة التحقيقات، في القضية المعروفة إعلامياً بـوفاة «بائعة الشاي» في منطقة حدائق الأهرام بمحافظة الجيزة، في واقعة أثارت تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت أن الحادث وقع بعدما فقد طالب يبلغ من العمر 15 عاماً (المتهم الأول) السيطرة على سيارة ملاكي في أثناء قيادتها بصحبة إحدى صديقاته (المتهمة الثانية)، فاصطدم بسيدة كانت تقف بجوار عربة لبيع المشروبات، ما أدى إلى وفاتها في الحال.

وقالت «النيابة»، في بيان، مساء الجمعة، إن «التحقيقات كشفت عن أن والد المتهم الأول سمح باستخدام السيارة رغم علمه بعدم حمل نجله رخصة قيادة، الأمر الذي أدى إلى وقوع الحادث».

وبحسب «النيابة» كشفت التحقيقات عن أن المتهمة الثانية كانت تقود السيارة وقت وقوع الحادث، وهو ما أقر به المتهم الأول، مما أدى إلى مصرع فتاة وإصابة أخرى. ووجهت السلطات إلى المتهمين اتهامات بـ«التسبب في وفاة المجني عليها وإصابة أخرى، وإتلاف السيارة، وقيادة مركبة دون ترخيص»، كما وجهت إلى المتهم الأول ووالده اتهام «تمكين المتهمة الثانية من قيادة السيارة دون ترخيص»، فيما وُجه للأب أيضاً اتهام بـ«تعريض طفل للخطر».

وأثارت الواقعة صدمة بين المصريين، وتعاطف كثيرون على «السوشيال ميديا» مع الضحية المعروفة إعلامياً بـ«بائعة الشاي» بسبب ظروفها المعيشية وعملها اليومي في تقديم المشروبات بالشارع، فيما تصاعدت المطالب بمحاسبة المسؤولين عن «تمكين قاصر من قيادة سيارة بالمخالفة للقانون».

خبير النقل الدولي، أسامة عقيل، يرى أن واقعة مصرع «بائعة الشاي» تتطلب وقفة جادة أمام قيادة المراهقين، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «قيادة المراهقين للسيارات دون رخصة قيادة، وما يقومون به من حركات استعراضية وقيادة برعونة يشكل خطراً كبيراً ويزيد احتمالات حوادث السير»، مؤكداً أن «هذا التوجه أصبح يشبه الظاهرة في الشوارع المصرية، ويتطلب تعديلات تشريعية تمنع وتغلظ عقوبة قيام المراهقين بالقيادة دون الحصول على رخصة».

كما شهدت مصر حادثة سير أخرى، وذكرت وسائل إعلام محلية، السبت، أن سيدة لقيت مصرعها وأصيبت 9 أخريات بإصابات متفرقة، إثر انقلاب سيارة أجرة (ميكروباص) على الطريق الإقليمي في محيط مركز أشمون بمحافظة المنوفية (دلتا مصر) في أثناء توجههن لإجراء عمليات جراحية بالعين.

الدراجات النارية تشكل خطراً في حوادث الطرق بمصر (هيئة الإسعاف)

وبعد أيام من وفاة الفنان محمد مرزبان، متأثراً بإصاباته الناتجة عن حادث سير تعرّض له في أثناء قيادته دراجة نارية على طريق مصر - الإسماعيلية الصحراوي، لقي اثنان من مشاهير قيادة الدراجات النارية مصرعهما، بعد حادث تصادم وقع على الطريق الدولي بمحافظة الإسكندرية، الجمعة، وذكرت تقارير صحافية، السبت، أن «الحادث أدى إلى وفاة الشابين خالد فاروق، وأنس علي، وهما من المعروفين بين مجتمع قائدي الدراجات النارية (البايكرز) في مصر».

وتحدث عقيل عن مخاطر قيادة الدراجات النارية في مصر، مؤكداً أن بعض الدراسات تشير إلى أن «نسبة احتمالات الحوادث للسيارات الخاصة نحو 7 في المائة بينما تصل النسبة في الدراجات النارية إلى 92 في المائة، حتى إن بعض الدول تضع شروطاً صارمة لإصدار تراخيص الدراجات النارية وتحدد حداً أدنى وأقصى للعمر المسموح له بقياداتها تجنباً لقيادة المراهقين أو كبار السن».

وكانت مدينة العريش بشمال سيناء قد شهدت، مساء الجمعة، إصابة شخصين في حادث سير نتيجة اصطدام سيارة بدراجة نارية، وفي محافظة بني سويف لقي شقيقان، الجمعة، مصرعهما في حادث انقلاب دراجة بخارية.

ووفق «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» بمصر، فقد «بلغ عدد المتوفين في حوادث الطرق بالبلاد 5260 شخصاً عام 2024، فيما سجّل عدد إصابات حوادث الطرق 76362 إصابة في 2024 مقابل 71016 عام 2023 بنسبة ارتفاع 7.5 في المائة».

خبير النقل الدولي أكد أن «أسباب الحوادث على الطرق الداخلية تختلف عن الطرق السريعة أو الإقليمية، فالحوادث داخل المدن تُخلف عدد قتلى قليلاً بينما يكون عدد الإصابات مرتفعاً». وأرجع حوادث الطرق داخل المدن إلى «عشوائية إصدار تراخيص المركبات المختلفة، حيث يجب أن يتم تحديد نسبة محددة لتراخيص بعض المركبات كل عام، مثل الدراجات النارية و(التوك توك) والميكروباص بحيث لا تتجاوز نسبة 2 في المائة من المركبات الأخرى مثل السيارات الخاصة».

وبحسب رأيه، «ازدادت في الوقت الراهن أعداد المركبات الخطيرة بالشوارع، كما يجب تفعيل آليات الرقابة والتحكم المرورية لرصد المركبات المخالفة».


«مواد الهوية» تجدد الجدل بشأن فجوات أنماط التعليم بمصر

أنماط مختلفة من التعليم في مصر (وزارة التربية والتعليم)
أنماط مختلفة من التعليم في مصر (وزارة التربية والتعليم)
TT

«مواد الهوية» تجدد الجدل بشأن فجوات أنماط التعليم بمصر

أنماط مختلفة من التعليم في مصر (وزارة التربية والتعليم)
أنماط مختلفة من التعليم في مصر (وزارة التربية والتعليم)

تجدَّد الجدل في مصر حول تعدُّد أنماط التعليم، بعد أن طفت على السطح أزمة ارتفاع معدلات رسوب طلاب «المدارس الدولية» بمواد الهوية الوطنية، وهي: اللغة العربية والتاريخ والتربية الدينية، إثر قرارات حكومية هدفت إلى الاهتمام بتلك المواد التي يتجاهلها الطلاب الذين يحصلون على شهادات أجنبية.

وفي مصر أنماط مختلفة من التعليم، فهناك «المدارس الحكومية» وهي مجانية وتلتحق بها الغالبية العظمى من الطلاب البالغ عددهم في مراحل التعليم قبل الجامعي نحو 25 مليون طالب، إلى جانب «المدارس الرسمية لغات» وهي حكومية تدرس المناهج المصرية لكن بعضها يتم تدريسه بلغات أجنبية مقابل مصروفات زهيدة، و«المدارس الخاصة» وهي تدرس المناهج المصرية باللغات الأجنبية مقابل مصروفات و«المدارس الدولية» وهي تمنح شهادات أجنبية.

ومؤخراً توسَّعت الحكومة في أنماط أخرى تعتمد على الشراكة بينها وبين القطاع الخاص، وبالتعاون مع جهات دولية مثل «المدارس اليابانية المصرية»، وتُطبِّق أنشطة «التوكاتسو» التي تركِّز على بناء شخصية الطفل، و«مدارس المتفوقين في العلوم والتكنولوجيا» وتعتمد على مشروعات البحث العلمي والتفكير النقدي، و«مدارس النيل المصرية» وتقدِّم تعليماً دولياً بمعايير عالمية تحت إشراف حكومي، إلى جانب «المدارس المصرية الدولية» وهي أيضاً حكومية لكن تدرس مناهج أجنبية.

نسب رسوب غير مسبوقة

وعبَّر أولياء أمور طلاب الشهادة الإعدادية الذين يلتحقون بـ«المدارس الدولية» عن استيائهم من نتائج مواد الهوية القومية، مشيرين إلى أنهم «فوجئوا هذا العام بنسبة رسوب غير مسبوقة في مواد اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية». وأضافوا أنَّ هذه النتائج لا تعكس المستوى الحقيقي للطلاب ولا سجلاتهم الدراسية السابقة، كما تسبَّبت في حالة من القلق والإحباط لدى الطلاب وأسرهم.

وأوضحوا، في بيان نشروه عبر «مواقع التواصل الاجتماعي» الجمعة، أن أغلب «المدارس الدولية» لم تكن تمنح «مواد الهوية» الاهتمام الكافي خلال السنوات الماضية، وأن الوزارة كانت على دراية كاملة بطبيعة الدراسة داخل هذه المدارس. وطالبوا بمراجعة النتائج، وإعادة فحص آليات التصحيح، وضمان حصول كل طالب على حقه العادل.

مدرسة الكلية الأميركية بالقاهرة إحدى أبرز المدارس الدولية (صفحة المدرسة)

في حين ردَّ المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم، شادي زلطة، على مطالب أولياء الأمور، في تصريحات متلفزة، مساء الجمعة، مشيراً إلى أنَّ الوزارة تعمل على تصحيح أوضاع خاطئة نتيجة غياب الاهتمام بـ«مواد الهوية» في المدارس التي تمنح شهادات أجنبية خلال السنوات الماضية، وأنه منذ العام الماضي هناك توجيهات حكومية بالاهتمام بها.

وأوضح أن «(المدارس الدولية) أعلنت نتيجة العام الدراسي الحالي، والوزارة فوجئت بأن نسب النجاح في مواد الهوية الوطنية وصلت إلى 100 في المائة، فقرَّرت الوزارة إرسال لجان متابعة إلى 45 مدرسة، منها 12 مدرسة فوجئت اللجان بأن أوراق الإجابة الخاصة بطلابها في المواد القومية لم تُدوَّن بها إجابات من الأساس، ونجح فيها الطلاب، وهو ما يُشكِّل مخالفةً إداريةً وقانونيةً».

نزاع قانوني

ودخل أولياء أمور طلاب «المدارس الدولية» في نزاع قانوني مع وزارة التربية والتعليم في مصر بعد أن أصدر الوزير الحالي محمد عبد اللطيف، قراراً العام الماضي «بتنظيم الدراسة والامتحانات والتقويم بجميع المدارس التي تدرس مناهج دولية أو أجنبية أو ذات طبيعة خاصة داخل مصر»، وربحت الوزارة المعركة بعد أن حصلت على حكم قضائي نهائي بوجوب تنفيذ قراراتها.

ونصَّت القرارات على التزام «المدارس الدولية» بتدريس اللغة العربية في مرحلة رياض الأطفال، وتدريس مادتَي اللغة العربية والتربية الدينية من الصف الأول حتى الثالث الابتدائي أو ما يعادلهما، كما الزمت المدارس بتدريس مواد اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية من الصف الرابع حتى الصف التاسع أو ما يعادلهما، وفقاً للمناهج المُطبَّقة بالمدارس الرسمية المصرية.

ووفقاً للقرار الوزاري، تدخل درجات اللغة العربية والدراسات الاجتماعية ضمن المجموع الكلى للطالب، بحيث تمثِّل كل مادة 10 في المائة من إجمالي الدرجات، بإجمالي 20 في المائة للمادتين معاً.

جانب من زيارة سابقة لوزير التربية التعليم محمد عبد اللطيف لإحدى المدارس (وزارة التربية والتعليم)

أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، الدكتور عاصم حجازي، أكد أنَّ التعليم المصري عاني منذ سنوات طويلة من اتساع الفجوات بين أنماط مختلفة من أنظمة التعليم التي يتم تطبيقها على الأراضي المصرية، وأنَّ وزارة التربية والتعليم اتخذت خطوات تصحيحية لتقليص تلك الفجوة عبر القرار المنظم بتدريس «مواد الهوية» لترسيخ قيم الانتماء للوطن وتحسين مستوياتهم في اللغة الأم (العربية)، مشيراً إلى أنَّ قرارات الوزارة واجهت تحايلاً من «المدارس الدولية» لإرضاء الطلاب وأولياء أمورهم.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «المدارس الدولية» كانت تحافظ على تفردها في عدم الاهتمام بالمواد التي يدرسها طلاب في المدارس التي تطبق المناهج المصرية، ووظفت ذلك وسيلةً لجذب الطلاب إليها، ومع القرارات الوزارية الأخيرة تقلص هذا التَّفرُّد وأضحى هناك قدر من المساواة مع باقي الطلاب، وهو ما فجَّر حالةً من الغضب والجدل خلال الساعات الماضية.

وليس هناك إحصاء رسمي بأعداد الطلاب الملتحقين بالمدارس الدولية، لكن المدارس الخاصة والدولية تستقطب نحو 2.5 مليون طالب، يدرسون في نحو 10 آلاف مدرسة، بينها 800 مدرسة دولية وفقاً لآخر أرقام حكومية.

وبحسب حجازي، فإنَّ الفجوة بدأت تضيق بين أنماط التعليم في مصر بعد أن وفَّرت الحكومة تعليماً شبيهاً بالتعليم الدولي، حيث تمَّ إقرار «منظومة البكالوريا» لطلاب المرحلة الثانوية وهي تعتمد على الفرص المتعددة لدخول الجامعة، وتعتمد على نظام المسارات التي يتيح اختيارات أكبر أمام الطلاب، وكذلك إعادة الاعتبار لـ«مواد الهوية» داخل «المدارس الدولية».


استمرار انقسام القضاء الليبي يفاقم التحذيرات من «فوضى قانونية»

اجتماع للمجلس الأعلى للقضاء في بنغازي يوم 7 يونيو الحالي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع للمجلس الأعلى للقضاء في بنغازي يوم 7 يونيو الحالي (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

استمرار انقسام القضاء الليبي يفاقم التحذيرات من «فوضى قانونية»

اجتماع للمجلس الأعلى للقضاء في بنغازي يوم 7 يونيو الحالي (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع للمجلس الأعلى للقضاء في بنغازي يوم 7 يونيو الحالي (الصفحة الرسمية للمجلس)

تتزايد التحذيرات المحلية والدولية من «فوضى قانونية» في ظل تداعيات استمرار الانقسام داخل المؤسسة القضائية الليبية، وفي ظل إخفاق جهود وساطة محلية قادها قضاة وأساتذة قانون وبرلمانيون، بين جهتين تتنازعان على رئاسة «المجلس الأعلى للقضاء» في كل من طرابلس وبنغازي، في بلد يعاني منذ عام 2011 انقساماً سياسياً ومؤسسياً.

وأبدت الأمم المتحدة مؤخراً قلقاً متزايداً إزاء انعكاسات هذا الانقسام على وحدة المنظومة القانونية في ليبيا، حيث حذرت المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن، الخميس، من صدور أحكام متضاربة واتخاذ قرارات أحادية الجانب و«فوضى»، بما قد يقود إلى ظهور أنظمة قانونية موازية ويقوض ثقة المواطنين في سيادة القانون، فضلاً عن تأثيره المحتمل على أي عمليات انتخابية مستقبلية.

تيتيه في إحاطة أمام مجلس الأمن الخميس الماضي (البعثة الأممية)

وجاءت هذه المخاوف بالتزامن مع حالة من الإحباط في الأوساط القانونية الليبية، بعد تعثر الوساطة المحلية التي انطلقت مطلع العام الحالي برعاية أممية. وكانت تلك الجهود، التي نوهت إليها تيتيه أمام مجلس الأمن، قد أفضت في أبريل (نيسان) الماضي إلى ثلاثة مقترحات رئيسية، تمثلت في «إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، وإنشاء دائرة دستورية مستقلة ضمن هيكل المحكمة العليا، ومعالجة الآثار المترتبة على الحكم بعدم دستورية أحد القوانين الصادرة عن مجلس النواب قبل أعوام».

وقال أحد أعضاء فريق الوساطة، المستشار مبروك الفاخري لـ«الشرق الأوسط»، إن الوساطة كانت «محاولة صادقة وموضوعية»، لكنها اصطدمت بمصالح الأطراف المعنية، مضيفاً أنه «يمكن القول إن هذه المحاولة وُلدت ميتة».

وحذر الفاخري، وهو قاضٍ سابق في المحكمة العليا، من أن استمرار الوضع الراهن سيؤدي إلى تكريس الانقسام داخل المؤسسة القضائية، بما ينعكس سلباً على جهود توحيد مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون.

مقر المحكمة العليا في العاصمة الليبية طرابلس (الصفحة الرسمية للمحكمة)

ومع أن «المؤسسة الليبية لدعم استقلال القضاء وسيادة القانون» لا ترى في المدى القريب وجود خطر مباشر يؤدي إلى تعطيل العمل القضائي، فإن المؤسسة، التي يوجد مقرها بطرابلس، رأت أن «استمرار الخلافات المرتبطة بالمناصب أو إدارة المؤسسات القضائية قد يؤثر سلباً على هيبة القضاء وصورته أمام المجتمع»، وفقاً لما صرح به أحد أعضاء مجلس إدارتها لـ«الشرق الأوسط»، وطلب عدم ذكر اسمه.

وتشهد ليبيا حالياً وضعاً غير مسبوق يتمثل في تنازع جهتين على إدارة المجلس الأعلى للقضاء؛ الأولى في طرابلس وترتبط بالمحكمة العليا برئاسة عبد الله بورزيزة، والثانية برئاسة مفتاح القوي، وهي مدعومة من مجلس النواب، وأعلنت نقل بعض الإدارات التابعة للمجلس مؤقتاً إلى بنغازي بدعوى «القوة القاهرة».

وبدأت نذر هذا الانقسام قبل ثلاثة أعوام، حين أصدر مجلس النواب مجموعة من القوانين الخاصة بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، تضمنت تعديلات جوهرية، من بينها منح البرلمان سلطة اختيار رئيس المجلس، وإنشاء محكمة دستورية مستقلة، وهو ما أثار جدلاً سياسياً وقضائياً واسعاً.

مجلس النواب أصدر مجموعة من القوانين الخاصة بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء (النواب)

في المقابل، اعتبرت السلطات في طرابلس تلك الخطوات محاولة للهيمنة على السلطة القضائية، قبل أن تصدر المحكمة العليا في يناير (كانون الثاني) الماضي أحكاماً بعدم دستورية تلك القوانين، لتتخذ الأزمة بعد ذلك منحى أكثر تعقيداً، مع ظهور سلطتين متنازعتين على إدارة المجلس الأعلى للقضاء.

ومع استمرار هذا الواقع، يواصل كل من مجلسي القضاء في طرابلس وبنغازي عقد اجتماعاته وإصدار قراراته، بما في ذلك قرارات تتعلق بالتعيينات والترقيات القضائية، من دون مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية.

وحسب «المؤسسة الليبية لدعم استقلال القضاء وسيادة القانون» فإن «تجاهل الأحكام القضائية، أو عدم تنفيذها، يشكل خطراً على مبدأ سيادة القانون، وقد يكون مرتبطاً بالمخاوف من الآثار القانونية المترتبة على بعض التشريعات، التي صدرت خلال السنوات الماضية، ومدى توافقها مع القواعد الدستورية».

وأشارت المؤسسة إلى ما عدتها «محاولات لمعالجة الإشكال بوسائل تشريعية قبل استكمال البناء الدستوري للدولة، وهو أمر أثار جدلاً واسعاً حول مدى انسجامه مع ضمانات المحاكمة العادلة، ومبادئ استقلال القضاء».

ولا يبدي قانونيون تفاؤلاً بإمكانية إنهاء الانقسام القضائي في المدى المنظور. وفي هذا السياق يرى الباحث القانوني، هشام الحاراتي أن استمرار الانقسام مرهون ببقاء أسبابه السياسية والمؤسسية، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية لا تقتصر على وجود أجسام قضائية متوازية، بل تمتد إلى ما ينتج عنها من تضارب في القرارات والأحكام، بما يضعف حجية القضاء، ووحدة تطبيق القانون في البلاد، ويضع البلاد على طريق الفوضى القانونية».

وحذر الحاراتي من أن «استمرار هذا الوضع يهدد الأمن القانوني، ويخلق حالة من عدم اليقين بشأن المرجعية القضائية المختصة، كما ينعكس سلباً على شرعية أي استحقاق انتخابي أو دستوري، يتطلب وجود سلطة قضائية موحدة تحظى بقبول عام».

وحسب اعتقاده فإن «الانقسام قد يؤدي إلى تكريس مراكز قانونية واجتهادات قضائية متباينة داخل الدولة الواحدة، الأمر الذي يضعف الثقة في منظومة العدالة، ويعقد جهود إعادة توحيد المؤسسة القضائية مستقبلاً».

وظل القضاء الليبي، إلى حد كبير، متماسكاً رغم الانقسامات السياسية التي شهدتها البلاد منذ عام 2014، غير أن الأزمة الحالية تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجهه. وهنا جاءت دعوه تيتيه للقادة الليبيين بالإسراع في معالجة هذه القضية الحاسمة.

لكن الفاخري يربط إمكانية إنهاء الانقسام القضائي بإنهاء الانقسام السياسي والتنفيذي في البلاد، وقال إن «وجود حكومة واحدة تحظى بقبول الأطراف الفاعلة من شأنه أن يمهد الطريق لتوحيد السلطة القضائية».