زيادة جديدة في أسعار الاتصالات والإنترنت تعمق الغلاء بمصر

رغم شكاوى «تراجع» الخدمة

الإنترنت ليس رفاهية مع الاعتماد عليه في التعليم والعمل بمصر (الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات)
الإنترنت ليس رفاهية مع الاعتماد عليه في التعليم والعمل بمصر (الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات)
TT

زيادة جديدة في أسعار الاتصالات والإنترنت تعمق الغلاء بمصر

الإنترنت ليس رفاهية مع الاعتماد عليه في التعليم والعمل بمصر (الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات)
الإنترنت ليس رفاهية مع الاعتماد عليه في التعليم والعمل بمصر (الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات)

لم تكد المصرية آية محمود تسعد بدخول الإنترنت الأرضي منزلها في حدائق أكتوبر (جنوب القاهرة)، ما سيمكنها من استخدام باقات أرخص وأكبر مقارنة بالإنترنت الهوائي، حتى استيقظت على خبر زيادة أسعار الباقات في مصر، في وقت تعاني أسرتها المكونة من 4 أفراد، بينهم طفلان في المراحل التعليمية، من الغلاء في كل بنود ميزانيتها.

وارتفعت أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت في مصر بنسبة تراوحت بين 9 و15 في المائة، في نظام الباقات، بداية من الأربعاء، «مع ثبات سعر دقيقة الصوت للثابت وسعر دقيقة الصوت للمحمول، وأسعار كروت شحن الرصيد، وكذلك أسعار المحافظ الإلكترونية دون أي زيادة»، وفق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.

وبرر «جهاز الاتصالات المصري» الزيادات الأخيرة بـ«دعم استدامة تطوير خدمات الاتصالات، والعمل على تحسين جودة الخدمات المقدمة للمستخدمين في مختلف أنحاء الجمهورية».

متتالية الغلاء

ويرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس، أن زيادة الاتصالات ليست سوى جزء من متتالية الغلاء التي يتعامل معها المواطن المصري، ومن غير المتوقع أن تقف قريباً.

وقال النحاس لـ«الشرق الأوسط»، إن «شركات الاتصالات في مصر تتحدث عن هذه الزيادة منذ نهاية العام الماضي، أي أنها ليست مفاجئة، وما حدث أن دورها في جدول الزيادات (نظرياً) قد جاء، ليصبح الدور في المرحلة التالية على الأدوية».

وأضاف أن موجات الغلاء لن تتوقف طالما ظلت أسعار الطاقة عالمياً مرتفعة، لافتاً إلى أن الحكومة قد تضطر إلى تحريك سعر المحروقات مرة أخرى، إذا ظلت الأسعار العالمية تتجاوز 100 دولار للبرميل.

ويرى النحاس أن الزيادة الأخيرة الخاصة بخدمات الاتصالات «مبررة من حيث زيادة تكلفة الإنتاج، لكنها غير مبررة على مستوى الخدمة الرديئة في الإنترنت والشبكات بمصر».

إنفوغراف حكومي للإعلان عن زيادة أسعار خدمات الاتصالات (رئاسة مجلس الوزراء المصرية)

وكان بيان القومي للاتصالات أشار إلى أن الزيادة تأتي لـ«تمكين الشركات من زيادة استثماراتها في تحديث الشبكات، ورفع كفاءتها التشغيلية، والتوسع في بنيتها الأساسية، بما يواكب النمو المتزايد في الطلب على خدمات الاتصالات، والنمو المُطرِّد في معدلات استخدام خدمات الإنترنت، الذي بلغ 36 في المائة في الإنترنت الأرضي خلال عام، وهو ما يعكس تزايد الضغوط على الشبكات».

وبالنسبة لدعاء عطية (36 عاماً)، وهي باحثة في وزارة الأوقاف، وأم لطفلين، فإن الزيادة الجديدة لا تعني خدمة أفضل، وإنما «عبء أكبر على ميزانيتها»، قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن الإنترنت ليس رفاهية، فهي تعتمد عليه في عملها بشكل أساسي، خصوصاً بعدما أصبحت تعمل يوماً أسبوعياً من المنزل لتوفير الطاقة.

وأشارت، وهي تسكن في منطقة شبرا الخيمة (شمال القاهرة)، إلى أنها تعرف أطفالاً تركوا الدروس واعتمدوا على الفيديوهات لتوفير النفقات، وآخرين استبدلوا الدروس الحضورية بأخرى «أون لاين» لتوفير المواصلات، لكن «الآن بعد القرار، سيذهب ما وفرته أسرهم للزيادة في الفاتورة».

وكان الجهاز القومي للاتصالات، قد قرر إتاحة كافة المواقع الحكومية والتعليمية بشكل مجاني على شبكات الإنترنت الأرضي وشبكات التليفون المحمول حتى بعد نفاد الباقة، وفق بيانه الأربعاء.

مقر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (صفحة الجهاز على «فيسبوك»)

وانتقد عضو مجلس النواب (البرلمان) إيهاب منصور، الزيادة الأخيرة، متسائلاً عن الأدوار الرقابية التي يفترض أن تلعبها أجهزة مثل «جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية»، في تقييم أداء شركات الاتصالات والزيادة التي تقرها، خصوصاً مع سوء الخدمة.

إنترنت سيئ

وأضاف منصور، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «شخصياً يعيق الإنترنت السيئ والمتقطع باستمرار عملي النيابي وتواصلي مع المواطنين والرد على رسائلهم»، مشيراً إلى أنه يضطر لأن يركن سيارته ويقف على الرصيف لحضور اجتماعات أو تلقي اتصالات، في ظل سوء الشبكة.

وتابع قائلاً: «المواطن لم يعد قادراً على تحمل مزيد من الأعباء، حتى تضاف إليها زيادات فواتير الاتصالات والإنترنت».

وشهدت مصر ارتفاعاً في أسعار السلع والخدمات في مارس (آذار) الماضي، عقب قرار الحكومة زيادة أسعار المحروقات بنسبة تراوحت من 14 إلى 30 في المائة، لاحتواء آثار الحرب الإيرانية.

أرباح ضخمة

وقبل زيادة أسعار خدمات الاتصالات، كان إسلام محمد (32 عاماً) ينفق 2000 جنيه شهرياً من ميزانيته، ما يعادل نحو 10 في المائة من دخله، على بند الاتصالات فقط، خصوصاً أنه يعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات، لافتاً إلى أن «الزيادة الأخيرة غير مبررة، فنحن في مصر ندفع قيمة مرتفعة للغاية لشركات الاتصالات مقابل خدمة سيئة»، معتبراً أن الزيادة تعني «زيادة أرباح هذه الشركات على حساب المواطن».

ويتفق معه الخبير الاقتصادي وائل النحاس، قائلاً إنه «حتى لو زادت قيمة تشغيل الخدمة على شركات الاتصالات، بسبب أزمة الطاقة عالمياً وهو أمر لا خلاف عليه، لكن هذه الشركات تحقق أرباحاً ضخمة من بنود أخرى مثل المحافظ الإلكترونية، والتطبيقات، والمنصات، وغيرها، كان لا بد من محاسبة هذه الشركات بشفافية، وألا يكون الحل الأسهل تحميل المواطن العبء».


مقالات ذات صلة

التمسك الإسرائيلي بـ«التهجير» يلقى رفضاً مصرياً

العالم العربي شاحنات محمَّلة بالمساعدات الإنسانية على الجانب المصري من معبر رفح (أ.ف.ب)

التمسك الإسرائيلي بـ«التهجير» يلقى رفضاً مصرياً

أظهرت إسرائيل تمسكها بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة مع حديث وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن تنفيذ خطة «الهجرة الطوعية» في التوقيت والطريقة المناسبين.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا قيادات في حزب «مستقبل وطن» خلال توزيع هدايا على المواطنين في احتفالية بالإسكندرية بمناسبة عيد الأضحى (صفحة الحزب)

الأحزاب المصرية والمساعدات العينية… دور مثير للجدل

برز عيد الأضحى في مصر كمسرح مناسب لظهور النشاط الاجتماعي للأحزاب السياسية، سواء عبر تنظيم ساحات صلاة العيد وتوزيع الهدايا والعيديات، أو من خلال مبادرات اجتماعية

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)

السيسي يدعو رئيس إيران إلى تفادي «الحسابات الخاطئة»

الاتصال الهاتفي بين السيسي ونظيره الإيراني تناول الجهود المبذولة للتوصل إلى مذكرة تفاهم بين الجانبين الأميركي والإيراني.

وليد عبد الرحمن (القاهرة)
العالم العربي سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

تجدَّدت أزمة تكدُّس السودانيين العائدين من مصر أمام معبر «أرقين» الحدودي قبل إجازة عيد الأضحى، وتعدَّدت الشكاوى من قلة حافلات النقل ومضاعفة أسعارها.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي وإردوغان خلال لقائهما بالقاهرة في ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)

مصر وتركيا تشدّدان على «الأهمية القصوى» لدعم المفاوضات الأميركية - الإيرانية

شددت مصر وتركيا على «الأهمية القصوى» لدعم مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية، فضلاً عن «الارتكان إلى الحلول الدبلوماسية، والحوار سبيلاً وحيداً لخفض التصعيد».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

الأحزاب المصرية والمساعدات العينية… دور مثير للجدل

قيادات في حزب «مستقبل وطن» خلال توزيع هدايا على المواطنين في احتفالية بالإسكندرية بمناسبة عيد الأضحى (صفحة الحزب)
قيادات في حزب «مستقبل وطن» خلال توزيع هدايا على المواطنين في احتفالية بالإسكندرية بمناسبة عيد الأضحى (صفحة الحزب)
TT

الأحزاب المصرية والمساعدات العينية… دور مثير للجدل

قيادات في حزب «مستقبل وطن» خلال توزيع هدايا على المواطنين في احتفالية بالإسكندرية بمناسبة عيد الأضحى (صفحة الحزب)
قيادات في حزب «مستقبل وطن» خلال توزيع هدايا على المواطنين في احتفالية بالإسكندرية بمناسبة عيد الأضحى (صفحة الحزب)

مثل غيره من الأعياد والمناسبات الكبرى، يبرز عيد الأضحى في مصر كمسرح مناسب لظهور النشاط الاجتماعي للأحزاب السياسية، سواء عبر تنظيم ساحات صلاة العيد وتوزيع الهدايا و«العيديات»، أو من خلال مبادرات اجتماعية سبقت العيد بطرح لحوم وسلع غذائية وملابس بأسعار مدعمة، في مشهد يتكرر، خاصة في المواسم الدينية.

وشهدت محافظات عدة نشاطاً مكثفاً لأحزاب الأغلبية البرلمانية، مثل «مستقبل وطن» و«الجبهة الوطنية»، و«حماة الوطن»، التي تقول إن هذه التحركات تندرج ضمن «الدور المجتمعي»؛ بهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين، في حين يرى معارضون أنها «تمثل خلطاً بين العمل السياسي والعمل الخيري، ومحاولة لاكتساب الشعبية في ظل الضغوط الاقتصادية».

قيادي في حزب «حماة الوطن» خلال توزيع هدايا على المواطنين في احتفالية بمناسبة عيد الأضحى (صفحة الحزب)

وكان هناك حضور لافت لـ«مستقبل وطن» في محافظة الإسكندرية بشمال مصر في أول أيام عيد الأضحى، حيث نظم ساحات لصلاة العيد في أحياء كرموز والورديان واللبان والدخيلة، مع توزيع الهدايا والحلوى على الأطفال، بمشاركة واسعة من قيادات الحزب ونوابه.

كما شهدت محافظات الدلتا، من كفر الشيخ إلى دمياط، فعاليات مشابهة نظمتها كوادر «حماة الوطن» و«مستقبل وطن»، تضمنت توزيع الألعاب و«العيديات» على الأطفال، وتنظيم لقاءات مباشرة مع الأهالي.

وفي الصعيد، حرصت «الجبهة الوطنية» على الحضور في ساحات صلاة العيد بمحافظات عدة، بينها أسيوط، مع توزيع الهدايا و«العيديات» على الأطفال، في إطار إبراز الدور المجتمعي للحزب وتعزيز التواصل مع المواطنين.

وقبل حلول عيد الأضحى، أطلق حزب «مستقبل وطن» مبادرة «أضحى الخير 2026» لتوزيع اللحوم والمواد الغذائية على الأسر الأولى بالرعاية، إلى جانب مبادرة لبيع الملابس بأسعار مخفضة قبل العيد؛ في حين أعلن حزبا «الجبهة الوطنية» و«حماة الوطن» مبادرات مماثلة لطرح اللحوم والسلع الأساسية بأسعار مدعمة عبر منافذ ثابتة وأخرى متنقلة في عدد من المحافظات.

الظروف الاقتصادية

ويبدي قطاع من المواطنين ارتياحاً لهذه المبادرات التي لا تُعدّ الأولى من نوعها؛ إذ سبق أن كثفت الأحزاب نفسها أنشطتها خلال شهر رمضان وعيد الفطر الماضيين، عبر توزيع صناديق المواد الغذائية وحقائب رمضان واللحوم على الأسر الأكثر احتياجاً، ضمن حملات ومبادرات تحمل طابعاً خدمياً واجتماعياً.

قيادي في حزب «الجبهة الوطنية» خلال توزيع هدايا على الأطفال في أسيوط بمناسبة عيد الأضحى (صفحة الحزب)

ويرى منظمو هذه المبادرات أن الأحزاب تؤدي دوراً مطلوباً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، خاصة مع موجات الغلاء الأخيرة وارتفاع أسعار الوقود وما تبعها من زيادة في أسعار السلع واللحوم والأضاحي، حيث تراوحت الزيادات في بعض الأنواع بين 10 و22 في المائة مقارنة بالعام الماضي، واقترب سعر كيلوغرام اللحم البلدي من 500 جنيه في بعض المناطق.

وقال حسام الخولي، الأمين العام لـ«مستقبل وطن»، إن المبادرات التي ينظمها الحزب تستهدف «التخفيف عن المواطن البسيط في ظل الظروف الاقتصادية الحالية»، مؤكداً أن الحزب «جزء من الدولة المصرية»، وأن دعم المواطنين يمثل «واجباً وطنياً واجتماعياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن هذه المبادرات «لن يكون لها مبرر عندما تصل البلاد إلى مستوى أفضل من الرفاهية الاقتصادية»، مشيراً إلى أن الحزب يعمل على «حشد جهود رجال الأعمال في مبادرات منظمة تضمن عدالة التوزيع بدلاً من الجهود الفردية».

قيادي في حزب «مستقبل وطن» خلال توزيع مساعدات عينية قبل عيد الأضحى (الصفحة الرسمية للحزب)

وتهيمن الأحزاب الثلاثة على الكتلة الأكبر داخل البرلمان المصري بغرفتيه؛ إذ يسيطر «مستقبل وطن» على نحو 227 مقعداً في مجلس النواب، أي قرابة 40 في المائة، مقابل نحو 87 مقعداً لـ«حماة الوطن»، أي بنسبة 15 في المائة، و65 مقعداً لـ«الجبهة الوطنية»، أي 11 في المائة. أما في مجلس الشيوخ، فيتصدر «مستقبل وطن» بنحو 118 مقعداً، يليه «حماة الوطن» بنحو 72 مقعداً، ثم «الجبهة الوطنية» بنحو 45 مقعداً.

جدال حول دور الأحزاب

في المقابل، يرى معارضون أن هذه الأنشطة تعكس ابتعاد الأحزاب عن أدوارها السياسية الأساسية.

وقال أحمد بهاء الدين شعبان، رئيس «الحركة المدنية» المعارضة، لـ«الشرق الأوسط» إن المساعدات التي تقدمها بعض الأحزاب «تستهدف بالأساس كسب شعبية»، وإنها «تمثل تحولاً من العمل السياسي إلى أدوار أقرب للجمعيات الأهلية».

وأضاف: «الأحزاب يفترض أن تنشغل بتنشيط الوعي السياسي وصياغة السياسات القادرة على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بدلاً من الاكتفاء بتوزيع إعانات موسمية»، مشيراً إلى أن هذه المساعدات «لا تمثل حلاً حقيقياً للفقر بقدر ما تغطي على اتساعه».

وأبدى عماد جاد، نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» السابق، تحفظات مماثلة، عادَّاً أن لجوء الأحزاب الكبرى إلى توزيع مساعدات خلال الأعياد يمثل «خروجاً عن دورها الرئيسي».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المهمة الأساسية للأحزاب هي «طرح برامج سياسية تنحاز للمواطن البسيط وتساعده في الحصول على حقوقه الأساسية في الغذاء والسكن والتعليم والصحة»، مضيفاً أن الدور الأصيل للأحزاب يتمثل أيضاً في «تقديم نواب برلمانيين قادرين على محاسبة الحكومة ومراقبة أدائها، وليس الاكتفاء بأدوار خدمية موسمية».

واستطرد قائلاً: «إذا كانت الأحزاب ترغب في تقديم مساعدات للمواطنين، فمن الأفضل أن يكون ذلك عبر المبادرات الحكومية أو الجمعيات الأهلية، بدلاً من الظهور المباشر قبيل الأعياد بصورة موسمية تذكّر المواطن بوجودها».

وبين الرأيين، يبرز اتجاه ثالث يرى أن الإشكال لا يتعلق بتقديم الدعم نفسه، بل بمدى الشفافية وعدم استغلال هذه المساعدات لتحقيق مكاسب سياسية أو انتخابية. ويستند أصحاب هذا الطرح إلى نماذج دولية تسمح للأحزاب بأداء أدوار اجتماعية، مقابل وجود رقابة واضحة على التمويل وآليات الإنفاق، بما يمنع العمل الخدمي من أن يتحول أداةً للدعاية السياسية الموسمية، وهي رؤية مصطفى ثابت، الكاتب بصحيفة «الفجر» الإلكترونية.


19 ميناء و70 صومعة مطوَّرة... مصر تسعى للتحول «مركزاً دولياً للحبوب»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة قبل أيام (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة قبل أيام (الرئاسة المصرية)
TT

19 ميناء و70 صومعة مطوَّرة... مصر تسعى للتحول «مركزاً دولياً للحبوب»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة قبل أيام (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة قبل أيام (الرئاسة المصرية)

تدفع تحركات حكومية متواصلة في مصر نحو احتضان مركز عالمي لإمدادات الحبوب، وسط اضطرابات تواجهها السلاسل الغذائية مع كل تصعيد بالمنطقة.

وتستند تحركات مصر لتدشين ذلك المركز إلى موقعها المتميز ووجود 19 ميناء تجارياً وصوامع تم تطويرها وزيادة سعتها مؤخراً، وهو ما يراه خبراء اقتصاد تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، «توجهاً مصرياً للعب دور أكبر في استقرار الأمن الغذائي بالمنطقة وتأمين إمدادات العالم».

وفي تصريحات متلفزة الاثنين الماضي، قال عضو اتحاد الغرف التجارية بمصر، عمرو عبده، إن توجه الدولة لإنشاء مركز عالمي واستراتيجي لتخزين الحبوب «ضرورة حتمية» في ظل الاضطرابات والحروب الإقليمية المتلاحقة، لافتاً إلى أن شراكتها الاستراتيجية مع روسيا - أكبر مورد للحبوب بالعالم - تمنحها خبرات فنية وتقنيات حديثة في التخزين وتقليل الفاقد والرطوبة، إلى جانب تأمين واردات القمح بأسعار تنافسية.

ووفق ما ذكره وزير التموين شريف فاروق في لقاء مع وزيرة الزراعة بالاتحاد الروسي، أوكسانا لوت، في ختام المنتدى الدولي الخامس للحبوب الذي استضافته مدينة سوتشي من 20 إلى 23 مايو (أيار) الجاري؛ تستهدف مصر إنشاء «مركز لوجستي عالمي متكامل للحبوب والزيوت الصالحة للأكل، باعتباره أحد أهم المشروعات الاستراتيجية التي تستهدف تحويلها إلى محور إقليمي وعالمي لتخزين وتداول وتصنيع الحبوب والغذاء».

صوامع لتخزين حبوب القمح في محافظة القليوبية المصرية (رويترز)

وأكد الوزير أن موقع مصر الجغرافي الاستراتيجي، وما تشهده من تطوير واسع في الموانئ والمناطق الاقتصادية وشبكات النقل، يوفر فرصاً واعدة للشركات والمؤسسات الروسية للمشاركة في هذا المشروع، سواء من خلال الاستثمار المباشر أو نقل التكنولوجيا والخبرات المتقدمة في مجالات التخزين والنقل وإدارة الصوامع والخدمات اللوجستية.

«نقلة نوعية»

تضم مصر الآن 70 صومعة على مستوى محافظاتها، مصممة بأحدث الأساليب التقنية، في إطار مشروع قومي يهدف إلى زيادة السعة التخزينية للقمح والحبوب والحفاظ على احتياطي استراتيجي لتأمين احتياجات الدولة، وفق بيانات مجلس الوزراء.

ويرى الخبير الاقتصادي وعضو اللجنة الاستشارية الاقتصادية في مجلس الوزراء، مدحت نافع، أن مصر تمتلك إمكانيات كثيرة لتنفيذ ذلك المشروع، مشيراً إلى موقعها المتميز ووجود 19 ميناء تجارياً بها وصوامع تم تطويرها وزيادة سعتها، بخلاف بنية تحتية للتخزين وإمكانية أن تكون ترانزيت للتصدير.

وأشار إلى أن تحويل مصر لمركز إقليمي يحتاج إنفاقاً استثمارياً كبيراً على السعة التخزينية والرقمنة وتطوير شبكات النقل، وقال إن التحول «يبدو واقعياً في ظل شراكة مع روسيا، المصدّر الأكبر للحبوب».

بدوره، قال رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، خالد الشافعي، إن «توجه مصر نحو تأسيس مركز عالمي للحبوب من شأنه أن يحقق للبلاد نقلة نوعية وحضارية غير مسبوقة، لتلعب دوراً أكبر في تأمين سلاسل الإمدادات عالمياً، في ظل موقعها الجغرافي المتميز الذي يربط بين الشرق والغرب، وكونها البوابة الرئيسية للقارة الأفريقية».

وأكد أن «مصر تمتلك كل المقومات المؤهلة لتكون أكبر مركز لوجستي عالمي لتجارة الحبوب في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس»، التي قال إنها من أكثر المواقع ملاءمة وقدرة على النفاذ إلى مختلف أنحاء العالم.

مناقشات مستمرة

في 20 أبريل (نيسان) الماضي، عقد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي اجتماعاً لمتابعة مستجدات إنشاء مركز عالمي لتخزين وتوريد وتجارة الحبوب والزيوت، وسط تأكيد بأن دراسات فنية تُعَد لمناقشة الأمر بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وقيادات عدة دول، بهدف تعزيز التعاون في هذا المجال لتحقيق الأمن الغذائي.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي مجتمعاً بعدد من وزراء اللجنة الاقتصادية (أرشيفية - مجلس الوزراء)

وفي 26 أبريل، أعلنت الهيئة البحرية الروسية أن مساعد الرئيس الروسي ورئيس الهيئة البحرية، نيكولاي باتروشيف، ناقش خلال اجتماع في القاهرة مع وزير النقل المصري، كامل الوزير، آفاق إنشاء مركز للحبوب والطاقة في مصر، حسب ما نقلته شبكة «روسيا اليوم» وقتها.

وأضاف المسؤول الروسي أن بلاده، باعتبارها المصدر الأول للغذاء عالمياً، تنوي توجيه حصة كبيرة من صادراتها نحو جنوب آسيا وأفريقيا عبر الأراضي المصرية.

ويؤكد نافع أهمية ضخ استثمارات أجنبية كبيرة من دول عديدة في هذا المشروع باعتبارها ستكون مستفيدة منه، متوقعاً عوائد مالية كبيرة تقلل فاتورة الاستيراد المصري واضطرابات الأمن الغذائي بالعالم.

وقال الشافعي إن المشروع «واعد للغاية في حال توفرت النية الصادقة والتعاون المشترك لتفعيله، والعمل بشكل مستمر وفعال لتأسيسه وتوقيع الاتفاقيات اللازمة مع الدول المنتجة للحبوب»، لافتاً إلى أن الحبوب في الوقت الراهن تتطلب مناطق وملاذات آمنة لتخزينها وتداولها.

وأقر بوجود تحديات أمام المشروع، لكنه أضاف: «خطوات مصر في هذا الصدد وعلاقاتها قادرة على تجاوز تلك التحديات ونيل دعم دولي لرؤيتها في ألا تقتصر على كونها مركزاً لتجارة الحبوب فحسب، بل مركزاً تجارياً ولوجستياً عالمياً».


إلى أي مدى يسهم التحرك التركي في توحيد المؤسسة العسكرية الليبية؟

سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس - 2026» في غرب تركيا (وزارة الدفاع التركية - إكس)
سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس - 2026» في غرب تركيا (وزارة الدفاع التركية - إكس)
TT

إلى أي مدى يسهم التحرك التركي في توحيد المؤسسة العسكرية الليبية؟

سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس - 2026» في غرب تركيا (وزارة الدفاع التركية - إكس)
سرب طائرات يحلق خلال عمليات جوية ضمن مناورات «أفس - 2026» في غرب تركيا (وزارة الدفاع التركية - إكس)

بعد أكثر من عقد على الانقسام العسكري والأمني في ليبيا، أعادت المناورات العسكرية التي استضافتها تركيا مؤخراً، بمشاركة قوات من شرق البلاد وغربها، ملف توحيد المؤسسة العسكرية إلى واجهة المشهد العام، وسط تساؤلات بشأن مدى قدرة تحركات أنقرة على دفع هذا المسار المعقّد إلى الأمام.

وشهدت مناورات «أفس - 2026»، التي أُجريت بمدينة إزمير غرب تركيا في 21 مايو (أيار) الحالي، مشاركة 331 عنصراً من شرق ليبيا التابعين لـ«الجيش الوطني الليبي»، و171 عنصراً من قوات حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب البلاد، ضمن تدريبات ضمّت وفوداً عسكرية من نحو 30 دولة.

وتؤكد أنقرة في خطابها الرسمي، دعمها لفكرة «ليبيا واحدة وجيش واحد»، عبر تعزيز التنسيق والتدريب المشترك بين الأطراف الليبية.

المشير حفتر خلال حضوره مناورة «درع الكرامة 2» - 21 مايو (إعلام القيادة العامة)

وتلقى المشاركون الليبيون تدريبات في مجالات القوارب والزوارق، والألغام والعبوات الناسفة، والتحصينات، وعمليات القوات الخاصة، ووحدات الدعم الجوي والبري، والإسعافات الأولية، والعمليات البرمائية، وأنظمة الاتصالات والإلكترونيات العسكرية، إضافة إلى مهام البحث والإنقاذ في ساحات المعارك.

غير أن دوائر بحثية تركية ترى أن الحديث عن توحيد المؤسسة العسكرية الليبية بشكل كامل «لا يزال مبكراً». وقال المحلل السياسي التركي الدكتور جواد جوك، إن تركيا تسعى إلى دعم التوافق السياسي والعسكري بين الطرفين عبر قيادات عسكرية مقبولة من الجانبين، والعمل على تعزيز العلاقات بين معسكري بنغازي وطرابلس، موضحاً أن المناورات «تفتح قنوات تواصل مباشرة بين العسكريين الليبيين من الشرق والغرب، وتدعم فكرة التدريب الموحد، وبناء قدر من الثقة بين الطرفين».

وأضاف جوك، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن استضافة تركيا لمناورات «أفس - 2026» تمثل «خطوة مهمة للغاية»، لكونها المرة الأولى منذ الانقسام السياسي والعسكري عام 2014 التي تُجرى فيها مناورات خارج الأراضي الليبية بمشاركة قوات من الجانبين. وأشار في الوقت نفسه، إلى أن أهداف هذه المناورات «تبدو سياسية أكثر منها عسكرية»، في إطار سعي أنقرة إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، خصوصاً في الملف الليبي.

ضباط مشاركون في مناورات «أفس - 2026» بتركيا (رئاسة أركان قوات غرب ليبيا)

وتقول تركيا، إنها دربت أكثر من 23 ألف عسكري ليبي، لا سيما من قوات حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب البلاد، داخل مراكز تدريب في تركيا وليبيا، إلى جانب استمرار برامج الدعم المتعلقة بإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، ومكافحة التهريب والهجرة غير النظامية والإرهاب.

وجاءت هذه المناورات بعد تمرين «فلينتلوك - 2026» متعدد الجنسيات، الذي استضافته مدينة سرت الليبية وكوت ديفوار الشهر الماضي، بمشاركة قوات ليبية مشتركة من الشرق والغرب، وبدعم من القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم).

من جانبه، رأى المحلل العسكري الليبي محمد الترهوني، أن «هناك توافقاً دولياً متزايداً خلال الفترة الأخيرة بشأن ضرورة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية وإنهاء حالة الانقسام»، مشيراً إلى أن هذا المسار تدعمه، بحسب وصفه، «قوة عسكرية احترافية في الجيش الوطني الليبي».

وقال الترهوني، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة الغربية لا تضم حتى الآن تكويناً عسكرياً مماثلاً من حيث الهيكلة والانضباط، رغم وجود بعض الأطراف التي يمكن البناء عليها مستقبلاً لتشكيل مؤسسة عسكرية موحدة».

وبحسب رؤيته، فإن العائق الرئيسي في غرب ليبيا يتمثل في «وجود تيار الإسلام السياسي المدعوم من مفتي غرب البلاد الصادق الغرياني»، لافتاً إلى أن التكتلات المسلحة في مدينتي مصراتة والزاوية «ترفض بصورة كبيرة مشروع توحيد الجيش»، باعتبار أن ذلك «يعني نهاية نفوذ الميليشيات التي سيطرت خلال السنوات الماضية على موارد الدولة ومفاصل الحكم ومعيشة المواطنين».

جندي ليبي خلال عملية إنزال ضمن مناورة «درع الكرامة 2» في شرق ليبيا (إعلام القيادة العامة)

ولم تحظَ المناورات التركية باهتمام واسع من وسائل الإعلام التابعة لـ«الجيش الوطني» في شرق ليبيا، التي ركزت بصورة أكبر على مناورات «درع الكرامة 2» التي أُقيمت مؤخراً في شرق البلاد بمشاركة أكثر من 25 ألف جندي، في حين لاقت «أفس - 2026» اهتماماً ملحوظاً في غرب البلاد، خصوصاً مع مشاركة رئيس أركان قوات «الوحدة» الفريق أول صلاح الدين النمروش، على رأس وفد من الضباط الليبيين.

ووفق هذه المعطيات، يعتقد مدير المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية شريف بوفردة، أن المؤسسة العسكرية الليبية «لا تزال بعيدة عن التوحيد وفق المعايير المهنية والاحترافية». وعزا ذلك إلى «الخلل البنيوي القائم على مستوى تسلسل القيادة، وطبيعة العلاقة بين القيادات السياسية والعسكرية، فضلاً عن التباين في العقيدة العسكرية والمرجعية الشرعية بين الشرق والغرب».

وقال بوفردة لـ«الشرق الأوسط»، إن المكون العسكري الموجود حالياً في شرق وغرب ليبيا، يمثل «إطاراً لمؤسسة عسكرية» أكثر من كونه مؤسسة عسكرية مكتملة بالمعنى الاحترافي، مشيراً إلى أن الانقسام السياسي والأمني انعكس بصورة مباشرة على بنية التشكيلات المسلحة وآليات عملها.

وأضاف أن المناورات والتدريبات المشتركة؛ سواء عبر «فلينتلوك - 2026» أو التدريبات التي استضافتها تركيا، تستهدف أساساً تطوير بعض الوحدات العسكرية في المؤسستين بالشرق والغرب، وتهيئتها للعمل ضمن غرف عمليات مشتركة للتعامل مع ملفات أمنية وعسكرية محددة.

وخلص بوفردة إلى أن هذه الجهود تتركز بصورة رئيسية على مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومواجهة الإرهاب، والحد من الهجرة غير النظامية، عادّاً محاولات توحيد المؤسسة العسكرية لا تزال تصطدم بتحديات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز البعد العسكري وحده.