انطلاق «الحوار المهيكل» برعاية أممية يفجّر جدلاً حاداً في ليبيا

تبدأ أولى جلساته الأحد وسط تساؤلات عن استعادة زخم «خريطة تيتيه»

مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه (البعثة الأممية)
مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه (البعثة الأممية)
TT

انطلاق «الحوار المهيكل» برعاية أممية يفجّر جدلاً حاداً في ليبيا

مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه (البعثة الأممية)
مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه (البعثة الأممية)

يترقب جُل الليبيين، الأحد في طرابلس، انطلاق أولى جلسات «الحوار المهيكل»، أحد أبرز مسارات خريطة الحل السياسي التي طرحتها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه قبل أربعة أشهر، وسط جدل واسع حول قدرته على إعادة الزخم للمسار الأممي المتعثر، بفعل خلافات وتعنت الأطراف المحلية.

وبعد تحركات مكثفة قادتها تيتيه أخيراً لتقريب وجهات النظر محلياً وإقليمياً، برزت مواقف ليبية متباينة عبر منصات التواصل الاجتماعي قبيل انطلاق الحوار؛ إذ أعلن الباحث السياسي، أحمد المهدوي، مقاطعة الجلسات التي تستمر يومين بعد تلقيه دعوة لحضورها، رافضاً ما سماه «مسار قد يُستغل لإعادة إنتاج الفشل، أو تجاوز إرادة الشعب».

نائبة المبعوثة الأممية في ليبيا ستيفاني خوري (حساب البعثة)

من جانبه، اختار وزير الصحة في الحكومة المكلفة من البرلمان (شرق)، عثمان عبد الجليل، مسار المتفائلين، إذ رأى في الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة «أملاً أخيراً»، و«اختباراً وطنياً مصيرياً لوحدة ليبيا ومستقبلها».

ويرى محللون أن هذا الجدل الليبي المتصاعد حول «الحوار المهيكل» يرتبط بغياب معايير واضحة لاختيار نحو 120 مشاركاً، وسط حديث عام عن النزاهة دون آليات محددة، مما أثار مخاوف من تأثير القوى المتنفذة، أو توظيف البعثة لشخصيات قريبة من رؤيتها.

ويزداد هذا الجدل، وربما الغموض، من منظور متابعين، مع عدم إلزامية مخرجات هذا الحوار المرتقب للأطراف السياسية الليبية، ومخاوف من تكرار فشل تجارب حوارات سابقة جرت في عواصم إقليمية ودولية، في مقابل ما بدا أنه دعم أميركي ودولي متنامٍ لهذا المسار الأممي.

رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

في هذا السياق، تأتي رؤية عضو المجلس الأعلى للدولة، علي السويح، الذي قال إن الدعم الدولي للخريطة الأممية «لا يزال شكلياً»، وحذر من أن «الحوار المهيكل قد يلقى مصير مبادرات سابقة لم تنهِ الانسداد السياسي»، متسائلاً عن «جدوى حوار غير ملزم لا يعالج الانقسام الحكومي؟».

وشدد السويح لـ«الشرق الأوسط» على أن ليبيا «تحتاج إلى توافق دولي جاد يدفع الأطراف المتنفذة شرقاً وغرباً للتعاطي مع الخريطة الأممية، بما يمهد للانتخابات، ويحدّ من نفوذ لوبيات الفساد»، حسب تعبيره.

ويُعد «الحوار المهيكل» أحد مسارات «الخريطة الأممية»، التي طرحتها تيتيه أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي لمعالجة الانقسام بين حكومتي طرابلس والشرق، ويركز على أربعة ملفات رئيسية هي: الحوكمة، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية، والأمن.

القائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر ونجله بالقاسم (الحكومة المكلفة من البرلمان)

وحسب السويح فإن هذه الملفات الأربعة «مشخَّصة منذ سنوات»، لكنه يعتقد أن «الحلول جرى تجاهلها»، منتقداً «غياب الشفافية» لعدم إعلان أسماء المشاركين. وحذر من أن «شبهة فساد واحدة» كفيلة بتقويض مصداقية الحوار، مؤكداً أيضاً أن الاكتفاء بـ«بيانات تهديد دون عقوبات» شجّع أطرافاً على عدم التعامل بجدية مع البعثة.

وفي ظل إخفاق مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» في التقدم بمسار القوانين الانتخابية، التي مثّل التوافق حولها المرحلة الأولى من «خريطة تيتيه»، بدأت البعثة توجيه الدعوات إلى الحوار المهيكل، وأعلنت أنه سيراعي التوازن الجغرافي، ويشمل النساء والشباب، والمجتمع المدني والبلديات والأحزاب والنقابات.

من اجتماع سابق لأعضاء المجلس الأعلى للدولة (المجلس)

ورغم أجواء عدم التفاؤل، فإن هناك من يعوّل على الحوار المهيكل بوصفه «منصة لتوسيع التشاور، وصياغة تفاهمات ليبية قد تعيد الزخم إلى الخريطة الأممية»، وهي رؤية المستشار السابق بالأمم المتحدة، إبراهيم قرادة، الذي استند في رؤيته إلى أن «إشراك طيف واسع من الفاعلين من الحزبيين والنشطاء، وممثلي البلديات المنتخبة، وغيرهم، سيحدّ من احتكار القوى المتصدرة للسلطة، والمستفيدة من الوضع القائم للعملية السياسية».

ومع عدم إلزامية مخرجات «الحوار المهيكل»، يرى قرادة في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن «توصيات محددة من شخصيات ليبية قد تخلق التفافاً شعبياً يدفع البعثة لاعتمادها»، محذراً من أن رفض القوى المتنفذة في المشهد الليبي قد «يعزز الشكوك حول تعطيل الانتخابات»، وقد يدفع البعثة إلى «تفعيل المادة 64 من الاتفاق السياسي الليبي لتشكيل مجلس تأسيسي جديد قصد إعداد الانتخابات، وتشكيل حكومة موحدة».

وتزداد التساؤلات الراهنة حول مشاركة ممثلين عن الشرق الليبي في الحوار، في ظل إعلان حكومة حماد، المدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، تعليق التعاون مع البعثة الأممية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

في هذا السياق يلفت قرادة، المدير التنفيذي لـ«المعهد الدولي للبحوث والدراسات» الليبية، إلى بيان «مجموعة الدول العشر الداعمة للمسار الأممي»، عاداً أن المؤشر الحقيقي لجدية المجتمع الدولي، خصوصاً واشنطن، هو «تبني مخرجات الحوار، وحث الأطراف الليبية على التفاعل مع الخريطة التي تستهدف إجراء انتخابات خلال 18 شهراً»، مبرزاً أن الحوار المهيكل «يهيئ المناخ للانتخابات، لكنه لا يتصدى لملف القوانين».

أما أستاذ القانون العام بجامعة طرابلس، الدكتور صالح المخزوم، فيتبني رؤية تقف على مسافة من معسكر المتفائلين والمتحفظين، إذ لا يستبعد «إمكانية أن يكسر الحوار حالة الجمود». وذهب إلى الاعتقاد أن جلساته قد «تمتد إلى نقاشات جوهرية، مثل اقتصاد الحرب، وتهريب الوقود، والرقابة على الإنفاق، في ظل مخاوف دولية، خصوصاً أميركية، من تسرب الأموال إلى شبكات التطرف». وعزا المخزوم، نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق، حديث تيتيه السابق عن عدم إلزامية تلك التوصيات إلى أنه «جاء لتجنب استفزاز مجلسي النواب والأعلى للدولة».

في المقابل، يؤكد المخروم أن «المعايير التي أعلنتها البعثة بشأن النزاهة والخبرة فضفاضة»، كما انتقد اشتراط البعثة على المشاركين العمل في إطار المصالحة الوطنية، معتبراً أن ذلك «قد يُستخدم لاستبعاد الشخصيات ذات المواقف النقدية تجاه الأطراف القائمة على العملية السياسية، ومنها البعثة الأممية».

وانتهى المخزوم إلى أن «البعثة قد تتمكن من إحباط أي محاولات لعرقلة الحوار، مستندةً إلى الدعم الأميركي الأخير، خصوصاً بعد فشل واشنطن في تشكيل حكومة موحدة بين سلطات الشرق والغرب، مما دفعها إلى العودة إلى دعم المسار الأممي بشكل كامل».


مقالات ذات صلة

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

شمال افريقيا الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

عقد الفريق الليبي المصغر، المعني بمناقشة الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية، اليوم الأربعاء في روما، أول اجتماعاته تحت رعاية بعثة الأممية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)

«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تسارع بعثة الأمم المتحدة إيقاع تحركاتها على مسارين متوازيين في محاولة لكسر حالة الجمود السياسي التي تخيم على ليبيا منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

نفى الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، خلال محاكمته، أن يكون قد تجاوب مع طلب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتسوية الملف القضائي لعبد الله السنوسي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

يترقب ليبيون، باهتمام متزايد، تطورات تصاعد أعمال العنف في مالي، لا سيما عقب سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» على مناطق استراتيجية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي في طرابلس (حكومة الوحدة)

ليبيا: «يمين الوزراء» يفجر خلافات الصلاحيات بين الدبيبة والمنفي

دخلت الخلافات الدستورية والقانونية بين رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي ورئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة منعطفاً جديداً.

خالد محمود (القاهرة)

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.


تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
TT

تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

أربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء، بعد أيام من تسجيلها مستويات أدنى وصلت إلى نحو 51 جنيهاً.

في الوقت ذاته تواصل السلطات الأمنية ملاحقة تُجار العملة؛ وأكدت وزارة الداخلية، الأربعاء، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

وذكرت في بيان أن جهودها أسفرت خلال 48 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه (490566 دولاراً)».

واستمر تذبذب سعر الدولار في مصر، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 54 جنيهاً، شهد تراجعاً إلى نحو 51 جنيهاً، ثم عاد للارتفاع الطفيف، حتى سجل 53 جنيهاً.

مخاوف من الأسعار

لكن تقلبات الدولار ما زالت تثير مخاوف الأُسر المصرية من قفزات أسعار السلع.

وقالت فاطمة أحمد، التي تقطن منطقة غمرة بالقاهرة: «ارتفاع الدولار تسبب في زيادة سلع كثيرة. وحتى لو حدث انخفاض للدولار تظل السلع مرتفعة؛ وعندما يرتفع مجدداً ترتفع معه الأسعار من جديد».

وقررت السيدة، التي تعمل في هيئة حكومية، تأجيل أي عملية شراء هذه الأيام، رغم احتياجها الشديد لسيارة تعتمد عليها في توصيل أبنائها إلى المدرسة والجامعة، فضلاً عن تنقلاتها هي وزوجها في وسائل المواصلات الخاصة التي تقتطع من ميزانية الأسرة شطراً كبيراً شهرياً.

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية - أ.ب)

يأتي هذا في ظل حديث حكومي متكرر بشأن الرقابة على الأسواق وضبطها بهدف ضمان توافر السلع ومواجهة أي ممارسات سلبية.

وأكد رئيس «جهاز حماية المستهلك»، إبراهيم السجيني، «استمرار رفع درجة الجاهزية واليقظة بقطاعات الجهاز كافة، وتكثيف الحملات الرقابية المفاجئة على الأسواق لمواجهة أي ممارسات غير منضبطة أو محاولات للغش التجاري».

وأضاف في إفادة لمجلس الوزراء، الأربعاء، بأن هناك «متابعة لحظية لحركة الأسواق والتعامل الفوري مع أي بلاغات أو شكاوى يتم رصدها».

وكانت الحكومة قد قررت، بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، وإرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية.

«ربكة الدولار»

ويرى أستاذ الاقتصاد محمد على إبراهيم، أن تقلبات الدولار تُربك الأسواق وحسابات جميع المتعاملين، وأن عدم استقرار سعر الصرف «له انعكاسات سيئة على قرارات المستثمرين، ولا يشجع على الاستثمار».

ويقول: «المستثمر يُدخِل الدولار في السوق بسعر معين، وعندما يُخرجه يفكر في تحقيق مكاسب بالتأكيد، وهذا لا يكون عنصر جذب للمستثمر الأجنبي الذي يقوم باستثمار حقيقي، وليس (الأموال الساخنة) التي يستفيد صاحبها من دخولها وخروجها».

أما خبير الإدارة المحلية، رضا فرحات، فيشير إلى أن الأسعار متأثرة بالتوترات الجيوسياسية بالمنطقة، ويرى أن تقلبات الدولار «شيء طبيعي، والدولار متوفر في البنوك، وصعد سعره قليلاً نتيجة مرونة سعر الصرف».

وشهدت مصر أزمة سابقة في العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات؛ ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 53 جنيهاً.

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» إن المستهلك يتأثر كثيراً بارتفاع الأسعار، «لأنه يتم الاستيراد من الخارج بسعر الصرف المرتفع، وبالتالي تسعير كل السلع يرتفع». وأضاف: «المستهلك طول الوقت متحسب لارتفاع أسعار الصرف الذي يقلل قدرته الشرائية ويخفّض مستوى معيشته، ويعيد توزيع الدخول على حساب أصحاب الدخول الثابتة؛ فالتجار يستفيدون، بينما المستهلك صاحب الدخل الثابت يتضرر».

وفي رأيه، فإن «ربكة الدولار» تعكس فجوة بين الصادرات والواردات، موضحاً: «الاعتماد طول الوقت على المستورَد يسبب فجوة دولارية في ظل تناقص الموارد الثابتة التي تعتمد عليها الدولة من أجل الدولار، فالسياحة تأثرت وقناة السويس أيضاً».

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت الماضي، إن «مصر تكبدت خسارة بنحو عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الهجمات على السفن في مضيق باب المندب، ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إليها، فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي؛ وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وهي تطمح إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

استنكر الميثاق من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للحراطين، وهم الأرقاء السابقون في موريتانيا، منع السلطات لهم من تنظيم المسيرة السنوية للمطالبة بحقوقهم وبمساواتهم، واعتبروه تراجعاً خطيراً في الحريات.

وقال رئيس الميثاق، يرب ولد نافع، في مؤتمر صحافي عقده قادة الميثاق، اليوم الأربعاء في نواكشوط، إن الميثاق متمسك بتنظيم مسيرته السنوية، ولا يرى بديلاً عنها أو عن رمزيتها، ويرفض مقترح وزارة الداخلية بتنظيم مهرجان داخل قاعة مغلقة بوصفه نشاطاً بديلاً عن المسيرة.

وأوضح ولد نافع، حسب «وكالة الأنباء الألمانية»، أن الميثاق دأب على تنظيم مسيرته منذ عام 2013، مشيراً إلى أن حجة الاحتقان الداخلي تعد كبتاً للحريات، وتراجعاً في مسار الممارسة الديمقراطية، على حد تعبيره. مضيفاً أن الميثاق سيواصل التعبير عن مطالبه في مختلف المحطات، وأكد أن المسيرة تمثل، في نظره، رمزية أساسية في عمله ومطالبه الحقوقية.

ويمثل الحراطين شريحة اجتماعية كبيرة عانت من ممارسة الرق والجهل والفقر والتهميش. وتطالب منظمات حقوقية بتحقيق العدالة الاجتماعية للأرقاء السابقين، وبالنهوض بهم في مختلف مناحي الحياة.