انطلاق «الحوار المهيكل» برعاية أممية يفجّر جدلاً حاداً في ليبيا

تبدأ أولى جلساته الأحد وسط تساؤلات عن استعادة زخم «خريطة تيتيه»

مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه (البعثة الأممية)
مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه (البعثة الأممية)
TT

انطلاق «الحوار المهيكل» برعاية أممية يفجّر جدلاً حاداً في ليبيا

مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه (البعثة الأممية)
مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه (البعثة الأممية)

يترقب جُل الليبيين، الأحد في طرابلس، انطلاق أولى جلسات «الحوار المهيكل»، أحد أبرز مسارات خريطة الحل السياسي التي طرحتها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه قبل أربعة أشهر، وسط جدل واسع حول قدرته على إعادة الزخم للمسار الأممي المتعثر، بفعل خلافات وتعنت الأطراف المحلية.

وبعد تحركات مكثفة قادتها تيتيه أخيراً لتقريب وجهات النظر محلياً وإقليمياً، برزت مواقف ليبية متباينة عبر منصات التواصل الاجتماعي قبيل انطلاق الحوار؛ إذ أعلن الباحث السياسي، أحمد المهدوي، مقاطعة الجلسات التي تستمر يومين بعد تلقيه دعوة لحضورها، رافضاً ما سماه «مسار قد يُستغل لإعادة إنتاج الفشل، أو تجاوز إرادة الشعب».

نائبة المبعوثة الأممية في ليبيا ستيفاني خوري (حساب البعثة)

من جانبه، اختار وزير الصحة في الحكومة المكلفة من البرلمان (شرق)، عثمان عبد الجليل، مسار المتفائلين، إذ رأى في الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة «أملاً أخيراً»، و«اختباراً وطنياً مصيرياً لوحدة ليبيا ومستقبلها».

ويرى محللون أن هذا الجدل الليبي المتصاعد حول «الحوار المهيكل» يرتبط بغياب معايير واضحة لاختيار نحو 120 مشاركاً، وسط حديث عام عن النزاهة دون آليات محددة، مما أثار مخاوف من تأثير القوى المتنفذة، أو توظيف البعثة لشخصيات قريبة من رؤيتها.

ويزداد هذا الجدل، وربما الغموض، من منظور متابعين، مع عدم إلزامية مخرجات هذا الحوار المرتقب للأطراف السياسية الليبية، ومخاوف من تكرار فشل تجارب حوارات سابقة جرت في عواصم إقليمية ودولية، في مقابل ما بدا أنه دعم أميركي ودولي متنامٍ لهذا المسار الأممي.

رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

في هذا السياق، تأتي رؤية عضو المجلس الأعلى للدولة، علي السويح، الذي قال إن الدعم الدولي للخريطة الأممية «لا يزال شكلياً»، وحذر من أن «الحوار المهيكل قد يلقى مصير مبادرات سابقة لم تنهِ الانسداد السياسي»، متسائلاً عن «جدوى حوار غير ملزم لا يعالج الانقسام الحكومي؟».

وشدد السويح لـ«الشرق الأوسط» على أن ليبيا «تحتاج إلى توافق دولي جاد يدفع الأطراف المتنفذة شرقاً وغرباً للتعاطي مع الخريطة الأممية، بما يمهد للانتخابات، ويحدّ من نفوذ لوبيات الفساد»، حسب تعبيره.

ويُعد «الحوار المهيكل» أحد مسارات «الخريطة الأممية»، التي طرحتها تيتيه أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي لمعالجة الانقسام بين حكومتي طرابلس والشرق، ويركز على أربعة ملفات رئيسية هي: الحوكمة، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية، والأمن.

القائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر ونجله بالقاسم (الحكومة المكلفة من البرلمان)

وحسب السويح فإن هذه الملفات الأربعة «مشخَّصة منذ سنوات»، لكنه يعتقد أن «الحلول جرى تجاهلها»، منتقداً «غياب الشفافية» لعدم إعلان أسماء المشاركين. وحذر من أن «شبهة فساد واحدة» كفيلة بتقويض مصداقية الحوار، مؤكداً أيضاً أن الاكتفاء بـ«بيانات تهديد دون عقوبات» شجّع أطرافاً على عدم التعامل بجدية مع البعثة.

وفي ظل إخفاق مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» في التقدم بمسار القوانين الانتخابية، التي مثّل التوافق حولها المرحلة الأولى من «خريطة تيتيه»، بدأت البعثة توجيه الدعوات إلى الحوار المهيكل، وأعلنت أنه سيراعي التوازن الجغرافي، ويشمل النساء والشباب، والمجتمع المدني والبلديات والأحزاب والنقابات.

من اجتماع سابق لأعضاء المجلس الأعلى للدولة (المجلس)

ورغم أجواء عدم التفاؤل، فإن هناك من يعوّل على الحوار المهيكل بوصفه «منصة لتوسيع التشاور، وصياغة تفاهمات ليبية قد تعيد الزخم إلى الخريطة الأممية»، وهي رؤية المستشار السابق بالأمم المتحدة، إبراهيم قرادة، الذي استند في رؤيته إلى أن «إشراك طيف واسع من الفاعلين من الحزبيين والنشطاء، وممثلي البلديات المنتخبة، وغيرهم، سيحدّ من احتكار القوى المتصدرة للسلطة، والمستفيدة من الوضع القائم للعملية السياسية».

ومع عدم إلزامية مخرجات «الحوار المهيكل»، يرى قرادة في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن «توصيات محددة من شخصيات ليبية قد تخلق التفافاً شعبياً يدفع البعثة لاعتمادها»، محذراً من أن رفض القوى المتنفذة في المشهد الليبي قد «يعزز الشكوك حول تعطيل الانتخابات»، وقد يدفع البعثة إلى «تفعيل المادة 64 من الاتفاق السياسي الليبي لتشكيل مجلس تأسيسي جديد قصد إعداد الانتخابات، وتشكيل حكومة موحدة».

وتزداد التساؤلات الراهنة حول مشاركة ممثلين عن الشرق الليبي في الحوار، في ظل إعلان حكومة حماد، المدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، تعليق التعاون مع البعثة الأممية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

في هذا السياق يلفت قرادة، المدير التنفيذي لـ«المعهد الدولي للبحوث والدراسات» الليبية، إلى بيان «مجموعة الدول العشر الداعمة للمسار الأممي»، عاداً أن المؤشر الحقيقي لجدية المجتمع الدولي، خصوصاً واشنطن، هو «تبني مخرجات الحوار، وحث الأطراف الليبية على التفاعل مع الخريطة التي تستهدف إجراء انتخابات خلال 18 شهراً»، مبرزاً أن الحوار المهيكل «يهيئ المناخ للانتخابات، لكنه لا يتصدى لملف القوانين».

أما أستاذ القانون العام بجامعة طرابلس، الدكتور صالح المخزوم، فيتبني رؤية تقف على مسافة من معسكر المتفائلين والمتحفظين، إذ لا يستبعد «إمكانية أن يكسر الحوار حالة الجمود». وذهب إلى الاعتقاد أن جلساته قد «تمتد إلى نقاشات جوهرية، مثل اقتصاد الحرب، وتهريب الوقود، والرقابة على الإنفاق، في ظل مخاوف دولية، خصوصاً أميركية، من تسرب الأموال إلى شبكات التطرف». وعزا المخزوم، نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق، حديث تيتيه السابق عن عدم إلزامية تلك التوصيات إلى أنه «جاء لتجنب استفزاز مجلسي النواب والأعلى للدولة».

في المقابل، يؤكد المخروم أن «المعايير التي أعلنتها البعثة بشأن النزاهة والخبرة فضفاضة»، كما انتقد اشتراط البعثة على المشاركين العمل في إطار المصالحة الوطنية، معتبراً أن ذلك «قد يُستخدم لاستبعاد الشخصيات ذات المواقف النقدية تجاه الأطراف القائمة على العملية السياسية، ومنها البعثة الأممية».

وانتهى المخزوم إلى أن «البعثة قد تتمكن من إحباط أي محاولات لعرقلة الحوار، مستندةً إلى الدعم الأميركي الأخير، خصوصاً بعد فشل واشنطن في تشكيل حكومة موحدة بين سلطات الشرق والغرب، مما دفعها إلى العودة إلى دعم المسار الأممي بشكل كامل».


مقالات ذات صلة

«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

شمال افريقيا من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)

«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

قالت منظمة الإنقاذ الألمانية غير الحكومية «سي ووتش» إنها أقامت دعاوى جنائية ضد خفر السواحل الليبي أمام المحاكم الإيطالية، والألمانية.

«الشرق الأوسط» (تونس-روما)
شمال افريقيا المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي ينفتح على أطياف ليبية عديدة خشية «إقصائه» من المشهد السياسي

يسعى محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، إلى تعضيد موقفه السياسي عبر تكثيف لقاءاته بأطياف سياسية واجتماعية متباينة تحوطاً لتفعيل مقترح أميركي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع المسار الاقتصادي لـ«الحوار المهيكل» في ليبيا يوم الاثنين (البعثة الأممية)

واشنطن تدعو لتسريع العملية السياسية في ليبيا لإنجاز الانتخابات

تدفع واشنطن باتجاه تحريك العملية السياسية المجمدة في ليبيا، في وقت قالت البعثة إن المسار الاقتصادي لـ«الحوار المُهيكل» سيبدأ صياغة «وثيقة المخرجات».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا «الهلال الأحمر» الليبي يقدم الدعم لمهاجرين غير نظاميين تم انتشالهم من البحر يوم الاثنين (المكتب الإعلامي للهلال)

بعد 3 أيام في البحر… إنقاذ «مهاجرين» من الغرق قبالة طبرق الليبية

قالت جمعية «الهلال الأحمر» الليبي فرع طبرق إن قوات خفر السواحل في شرق ليبيا أنقذت قارباً كان على متنه مهاجرون من مصر والسودان وبنغلاديش.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي خلال «منتدى لمكافحة الفساد» في العاصمة الليبية طرابلس يوم الأحد (مكتب المنفي)

المنفي يؤكد رفض أي «مبادرات» تُطيل الانقسام الليبي

تمسك رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، الأحد، برفضه لما وصفه بمبادرات «إطالة عمر الانقسام»، داعياً إلى «العودة إلى الشعب والاحتكام إلى إرادته الحرة».

خالد محمود (القاهرة )

تونس: سجن رئيس سابق لهيئة مكافحة الفساد بتهمة «الفساد»

شوقي الطبيب (غيتي)
شوقي الطبيب (غيتي)
TT

تونس: سجن رئيس سابق لهيئة مكافحة الفساد بتهمة «الفساد»

شوقي الطبيب (غيتي)
شوقي الطبيب (غيتي)

أصدر قاضٍ بالقطب القضائي المالي في تونس، الثلاثاء، حكماً يقضي بسجن المحامي والرئيس السابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب، لاتهامه بارتكاب مخالفات إدارية، وفق ما ذكره محامون ووسائل إعلام محلية لوكالة الصحافة الألمانية.

وشوقي الطبيب هو عميد سابق للمحامين بتونس، وكان قد شغل منصب رئيس هيئة مكافحة الفساد في 2016 حتى تاريخ تجميد أعمالها، بعد إعلان الرئيس قيس سعيد التدابير الاستثنائية في البلاد في 25 من يوليوز (تموز)2021.

ويحقق القضاء معه في جرائم ترتبط بالإدارة والتزوير في أثناء توليه منصبه في الهيئة، كما يلاحَق أيضاً في قضية أخرى منفصلة لاتهامات بفساد مالي.

كان الطبيب قد خضع للإقامة الجبرية لمدة 40 يوماً بين شهري سبتمبر (أيلول) وأغسطس (آب) 2021. في المقابل، تقول هيئة الدفاع عنه إنه يواجه «قضايا كيدية وسياسية» بسبب انتقاداته حكم الرئيس قيس سعيد. كما أعلنت في وقت سابق أنّه تمت مجدداً إحالة الطبيب إلى التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي من أجل تهم «التدليس من موظف عمومي، ومسك واستعمال مدلس، وإذاعة مضمون مكتوب للغير من دون رخصة من صاحبه».

وأضافت الهيئة، في بيان لها، أنه «بالاطلاع على الملف، اتضح أنّه يتعلق بشكاية كيدية تقدم بها سنة 2020 وكيل شركات مساهم فيها رئيس حكومة أسبق، تعهد العميد الطبيب خلال اضطلاعه بمسؤولية رئاسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالتقصي في شبهات تضارب مصالح، واستغلال نفوذ تعلقت به»، معقبةً بأنّ هذا الملف هو الثالث الذي تتم فيه إحالة شوقي الطبيب إلى القضاء خلال المدة الأخيرة.

كما ذكرت هيئة الدفاع أنه «تم منع السفر على شوقي الطبيب من طرف قاضي التحقيق في ملف مشابه منذ 8 يناير (كانون الثاني) 2024، لكن لم يتم إلى اليوم سماعه وتلقي دفاعه»، مشيرةً إلى أنه «في المقابل صدر قرار آخر بالتحقيق في مكاسبه، فضلاً عن إخضاعه خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2021 للإقامة الجبرية، مما ألحق ضرراً كبيراً بمصالحه المهنية، نتيجة الوصم الذي نتج عن ذلك»، حسبما جاء في نص البيان.


«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
TT

«سي ووتش» تقاضي خفر السواحل الليبي أمام القضاءين الألماني والإيطالي

من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)
من عملية سابقة لإنقاذ مهاجرين سريين قِبَل سواحل ليبيا (إ.ب.أ)

قالت منظمة الإنقاذ الألمانية غير الحكومية «سي ووتش» إنها أقامت دعاوى جنائية ضد خفر السواحل الليبي أمام المحاكم الإيطالية، والألمانية، تتهمه فيها بممارسة العنف، وإطلاق النار، وأعمال قرصنة في البحر، داعية إلى إنهاء التعاون الأوروبي معه، بحسب أوردته تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية». وتستند دعاوى المنظمة إلى حادثة اعتراض عنيفة تعرضت لها سفينة الإنقاذ التابعة لها «سي ووتش5»، في 26 من سبتمبر (أيلول) الماضي، أثناء عملية إنقاذ لـ66 شخصاً بسبب مناورات خطيرة، وإطلاق نار من قبل زورق ليبي، رغم أن العملية جرت في المياه الدولية، وبموجب القانون الدولي، وفق ما أشارت إليه. وتابعت المنظمة موضحة أن الزورق المهاجم لم ينسحب إلا بعد وصول طائرة تابعة للوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، وأشارت في بيان نشرته على موقعها الرسمي إلى حادثة أخرى، وقعت يوم 24 أغسطس (آب) الماضي أيضاً 2025، كاشفة عن أن خفر السواحل الليبي أطلق النار على سفينة الإنقاذ «أوشن فايكنج»، التابعة لمنظمة «إس أو إس ميديتيراني» غير الحكومية لمدة 20 دقيقة. وتطالب «سي ووتش»، ضمن الدعاوى المرفوعة، السلطات في إيطاليا وألمانيا بإنهاء جميع أشكال التعاون مع خفر السواحل الليبي، لأنه يتحمل في تقديرها مسؤولية مباشرة، من خلال إضفاء الشرعية على القوات المتورطة في العنف، ودعمها. وبحسب المنظمة أيضاً، فقد قررت الحكومة الألمانية في 2025 السماح للجيش الألماني بتدريب خفر السواحل الليبي، بينما قدمت الحكومة الإيطالية زورقاً جرى استخدامه في إحدى حوادث الاعتراض ضد سفن الإنقاذ. وأودعت المنظمة الشكاوى في الوقت الذي تحتجز فيه سفينتا إنقاذ تابعتان لها، «سي ووتش 5» و«أورورا» في إيطاليا لرفضهما التواصل مع خفر السواحل الليبي في عمليات الإنقاذ في البحر.


موريتانيا: الموالاة والمعارضة تتبادلان تهمة «تعطيل الحوار»

جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا: الموالاة والمعارضة تتبادلان تهمة «تعطيل الحوار»

جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)
جانب من لقاء سابق بين الرئيس الموريتاني وائتلاف المعارضة في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

رفض حزب «الإنصاف»، الحاكم في موريتانيا، اتهامه من طرف حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)» المعارض بعرقلة الحوار الوطني، بعد عقد جلسات تحضيرية لإطلاقه. وقال الحزبُ الحاكم إن الجلسات جرى تعليقها بطلب من حزب «تواصل».

ويأتي تبادل الاتهامات بين أكبر حزبين في البلاد ليثير الشكوك حول إمكانية تنظيم حوار وطني، سبق أن دعا له الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني من أجل تهدئة الساحة الداخلية، في ظلِّ تصاعد التوتر في المحيط الإقليمي، والتقلبات في الساحة الدولية.

ويعد حزب «الإنصاف» الحاكم، أكبر حزب في البلاد، حيث يسيطر وحده على قرابة ثلثي مقاعد البرلمان، ويهيمن بذلك على النسبة الكبرى من مقاعد الحكومة، أما حزب «تواصل»، الذي يرتبط بحركة الإخوان المسلمين، فهو أكبر أحزاب المعارضة وأكثرها تمثيلاً في البرلمان، ويتولَّى زعامة مؤسسة المعارضة الديمقراطية.

عرقلة الحوار

خلال الأسابيع الماضية عقد ممثلون عن الطيف السياسي في موريتانيا جلسات مغلقة؛ بهدف تحديد النقاط التي ستناقَش في الحوار، وتحديد موعد ثابت له، ثم آلية لتنفيذ النتائج التي سيسفر عنها، لكن هذه الجلسات سرعان ما توقفت؛ بسبب خلاف حاد حول نقطة تتعلق بالولايات الرئاسية.

من اجتماع سابق لقادة المعارضة في موريتانيا (الشرق الأوسط)

واتهمت المعارضة معسكر الأغلبية الرئاسية بالسعي إلى نقاش تعديل دستوري، سيفضي إلى منح الرئيس الحالي إمكانية الترشُّح لولاية رئاسية ثالثة عام 2029، وهو ما عدّته خطاً أحمر، أما أحزاب الأغلبية فقد رفضت هذه التهمة، وشدَّدت على أنَّ المأموريات تأتي على هامش الإصلاح المؤسسي، وقالت إن المعارضة تسعى للتأويل من أجل عرقلة الحوار.

وعقد المكتب السياسي لحزب «تواصل» المعارض، الاثنين اجتماعاً، أكد في ختامه أنَّ موريتانيا تعيش «ظرفاً وطنياً بالغ الحساسية»؛ بسبب ما سماه «تفاقم أزمة المحروقات، وتعاظم الضغوط المعيشية على المواطنين، في ظلِّ عجز حكومي وفشل في إدارة الأزمة».

وأدان الحزب «الطريقة المرتبكة والمرتجلة التي أدارت بها السلطة أزمة المحروقات»، وحمَّل الحكومة «المسؤولية الكاملة عن موجة الغلاء، التي تضرب البلاد»، داعياً إلى «التراجع الفوري عن السياسات التي أثقلت كاهل المواطنين، وجعلتهم يتحملون وحدهم النصيب الأوفر من تبعات الأزمة».

وفيما يتعلق بالوضع السياسي، قال الحزب المعارض إنه «يحمِّل أحزاب الموالاة المسؤولية المباشرة عن تعطيل الحوار، وافتعال مطبات؛ بغية إفشال أي فرصة لبناء مسار سياسي توافقي، يخدم المصلحة الوطنية»، مشدداً على أنَّ «أي حوار لا تتوفر له ضمانات الجدية والالتزام المسبق بمخرجاته، لن يكون سوى مضيعة للوقت، وتكريس للأزمة القائمة»، داعياً في السياق ذاته إلى «الارتقاء بالتنسيق بين قوى المعارضة إلى مستوى الفعل المشترك، وبناء موقف موحد قادر على فرض التوازن المطلوب في المشهد السياسي».

رد التهمة

رداً على تصريحات حزب «تواصل»، قال حزب «الإنصاف» الحاكم، (الاثنين)، إنه «متمسك بخيار الحوار الوطني»، وأكد أنَّ «تعليق الحوار تمَّ بطلب من حزب (تواصل)، ولأسباب تفتقر إلى الوجاهة»، مشيراً إلى أنَّ هذا الطلب جاء «خلافاً لما عبَّر عنه داخل قاعة النقاش عددٌ من قادة أحزاب المعارضة، الذين دعوا إلى مواصلة المسار الحواري».

الرئيس الموريتاني حسم الجدل بخصوص ترشُّحه لولاية ثالثة (الرئاسة)

وبخصوص اتهامه بالسعي لتعديل الدستور ونقاش مواد الولايات الرئاسية خلال الحوار، قال الحزب الحاكم إن الأغلبية الرئاسية «قدَّمت ورقةً سياسيةً اتسمت بالجدية والانفتاح والمسؤولية، واضعةً المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار».

في السياق ذاته، قال الحزب إنه «يرفض بشكل قاطع التأويلات المغلوطة، التي استند إليها البعض، بخصوص الرسالة الموجهة إلى منسِّق الحوار»، في إشارة إلى الفقرة المتعلقة بالإصلاح المؤسسي، والتي تضمَّنت عبارة «المأموريات».

وأشار الحزب الحاكم إلى أنَّه «يثمن المقاربة الشاملة، التي اعتمدها صاحب الفخامة، من خلال إتاحة حوار لا يستثني طرفاً ولا يقصي موضوعاً». وشدَّد على أنَّ الرئيس ولد الغزواني «ليس طرفاً في هذا الحوار، بل ضامن له وميسر لمساره». وذلك في إشارة إلى سعي أطراف في المعارضة لتدخل الرئيس من أجل إزالة العقبات المتعلقة بجدول أعمال الحوار، خصوصاً النقطة المتعلقة بالمأموريات الرئاسية، ورغم أنَّ ولد الغزواني حسم الجدل بخصوص ترشحه شخصياً لولاية رئاسية ثالثة، فإنه رفض التدخل في جدول أعمال الحوار ليضيف أو يحذف أي نقطة.

مستعدون للعودة

وأكد حزب «الإنصاف» أن «محاولات تعطيل الحوار أو التشكيك فيه ليست وليدة اللحظة، بل تندرج ضمن ممارسات معروفة، تسعى من خلالها بعض الأطراف إلى عرقلة أي مسار توافقي، خدمةً لحسابات ضيقة لا تمت بصلة للمصلحة الوطنية».

وفي اتهام ضمني لحزب «تواصل»، قال حزب «الإنصاف» في بيانه: «من غير المقبول أن تنخرط بعض التشكيلات السياسية في أدوار لا تنسجم مع طبيعتها، من خلال توفير غطاء لمثل هذه السلوكيات»، وذلك في إشارة إلى مساعي تعطيل الحوار.

ودعا حزب «الإنصاف» الأقطاب والتشكيلات السياسية كافة إلى «الاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في هذه المرحلة الدقيقة، من خلال العمل على تشجيع شركائها وحلفائها على الانخراط الإيجابي في مسار الحوار، بدل الانجرار وراء مواقف التعطيل أو التردد».

وخلص الحزب إلى تأكيد أنه «من غير المنطقي محاولة إقناع الرأي العام بأنَّ الأغلبية الرئاسية يمكن أن تكون عائقاً أمام حوار دعا إليه رئيس الجمهورية»، وجدَّد الحزب «استعداده الكامل للدخول في أي مشاورات جادة، واستئناف الجلسات التحضيرية للحوار».