حراك سياسي في الجزائر مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية

دعوات إلى رفع القيود عن الصحافة والاستماع لانشغالات المواطنين

أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» منذر بودن خلال تجمع في جنوب الجزائر (إعلام حزبي)
أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» منذر بودن خلال تجمع في جنوب الجزائر (إعلام حزبي)
TT

حراك سياسي في الجزائر مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية

أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» منذر بودن خلال تجمع في جنوب الجزائر (إعلام حزبي)
أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» منذر بودن خلال تجمع في جنوب الجزائر (إعلام حزبي)

تشهد الساحة السياسية في الجزائر حراكاً لافتاً في ظل التحضير للانتخابات التشريعية والمحلية المقرر تنظيمها قبل نهاية النصف الأول من عام 2026. وتبرز في هذا السياق عودة تشكيلتَي المعارضة، «حزب العمال» و«جبهة القوى الاشتراكية»، بعد غيابهما عن الاستحقاقات السابقة.

وكثف رؤساء الأحزاب السياسية، في الأيام الأخيرة، تنقلاتهم عبر البلاد؛ فهم يجوبون الولايات، ويلتقون المناضلين والمتعاطفين، ويعيدون تنظيم هياكلهم المحلية لتعزيز وجودهم وحشد قواعدهم.

وركّز «التجمع الوطني الديمقراطي» الموالي لسياسات الحكومة، على التنمية في مناطق الجنوب، خلال تجمّع في تمنراست في أقصى الجنوب، حيث أكد أمينه العام، منذر بودن بأنه «سيدافع عن بناء مطار دولي في الولاية يكون قادراً على منافسة، بل وتجاوز، مطار العاصمة». وأشار إلى أن جميع الخطوط الجوية التي تربط أوروبا وأميركا الشمالية بأفريقيا، تعبر المجال الجوي لتمنراست، وهي ميزة يراها حاسمة لإنشاء مطار دولي بالولاية. ولفت بودن إلى اقتناء الخطوط الجوية الجزائرية طائرات جديدة، في المدة الأخيرة، مؤكداً على «ضرورة وضع برنامج خاص مدعوم من الحكومة لتوسيع أسطوله لربط تمنراست بجميع العواصم الأفريقية».

ودعا عبد الكريم بن مبارك أمين عام «حزب جبهة التحرير الوطني»، وهو الحزب الأول في البرلمان، خلال تجمع بغرب البلاد، إلى «تقوية الجبهة واليقظة الدائمة لمواجهة الخصومات الخارجية»، مناشداً الجزائريين «الالتفاف حول الخيارات السيادية للبلاد ومواقفها على الساحة الدولية».

وحسب بن مبارك، فإن البلاد «تتقدم بثقة نحو البناء والتنمية معتمدة على إمكاناتها الذاتية، وهذا التوجه يزعج أطرافاً معينة تسعى إلى زرع الشك حول الدولة ومؤسساتها»، من دون توضيح ما يقصد، ولكن كلامه جزء من سردية رسمية تحذّر من احتمال تعرض الدولة لمضايقات من الخارج، على أساس أن مواقفها من بعض الملفات «باتت مزعجة»، منها نزاع الصحراء والوضع في غزة منذ العدوان الإسرائيلي عليها عام 2023.

الأمين العام لـ«حزب جبهة التحرير الوطني» عبد الكريم بن مبارك خلال تجمع دعائي (إعلام حزبي)

رسائل سياسية إلى الخارج

وشدد بن مبارك على «التماسك الوطني»، مؤكداً أن «رسالتنا لمن يزعجهم حرصنا على سيادة قرارنا هي: جيشها متين ومؤسساتنا راسخة وشعبها موحد، وكلنا نشكل جسداً واحداً وقلباً واحداً». وندّد بن مبارك بـ«تصرفات جماعات إرهابية تنشط في الخارج تسعى للمساس بالوحدة الوطنية (...) وكل هذه المحاولات مصيرها الفشل»، في إشارة ضمنية إلى ما يسمى «حركة الحكم الذاتي في القبائل» التي أعلنت عن إطلاق «دولة مستقلة» في 14 ديسمبر (كانون الأول) 2025 بفرنسا.

من جهته، أكد فاتح بوطبيق، رئيس «حزب جبهة المستقبل» المتماشي مع خطط السلطة التنفيذية، في لقاء مع المناضلين بورقلة (800 كلم جنوب)، أن «الظرف الحالي يتطلب تكاتف جهود الجميع لبناء جزائر قوية»، مذكراً بأن المسؤولين الحكوميين «مطالبون بالوجود في الميدان للإصغاء إلى انشغالات المواطنين، خاصة في مناطق الجنوب التي تواجه تحديات متعددة». وأشار إلى «أهمية إدماج المزيد من الكفاءات الشابة في الخطط الاقتصادية جديدة».

ووفق فاتح بوطبيق، فإن حزبه مستعد للمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، «وسنقدم مقترحات عملية قادرة على المساهمة في تحسين الخدمة العمومية ودعم الاستثمار المحلي، بهدف الاستجابة إلى تطلعات المواطنين وتحسين معيشتهم».

رفع القيود عن الصحافة

أما رئيس حزب «صوت الشعب» الأمين عصماني، فدعا خلال مهرجان دعائي بوسط البلاد، إلى «إرساء إطار قانوني فعلي وعملي يضمن للصحافيين ممارسة مهنتهم في ظروف مناسبة»، في إشارة إلى مضايقات تتعرض لها وسائل إعلام وصحافيين، حيث أدان القضاء، الخميس الماضي، «عميد الصحافيين» سعد بوعقبة بالسجن 3 سنوات مع وقف التنفيذ بتهمة «الإساءة إلى رموز الثورة».

وفي مؤتمر صحافي عقده بعد نهاية التجمع، خاطب عصماني الصحافيين بقوله: «أنتم، بشكل أو بآخر، سلطة تنظيم الحياة السياسية، نحن في حاجة إلى نقدكم وتساؤلاتكم، وعلينا كسياسيين أن نضمن لكم وضعاً يليق بكم». وأبرز أن «طريق حرية الصحافة طويل، على رغم ما تحقق من مكاسب». وتابع: «صحيح أن الصحافة الجزائرية راكمت إنجازات عدة، غير أن صحافيينا في حاجة إلى مساحة أكبر من الحرية ليؤدوا مهامهم بكرامة ووفق الضوابط المهنية، من خلال نقل مختلف الآراء بكل حرية».

الأمينة العامة لـ«حزب العمال» لويزة حنون خلال اجتماع مع كوادر الحزب (إعلام حزبي)

بدورها، عرضت الأمينة العامة لـ«حزب العمال» لويزة حنون، على كوادر حزبها، ما دار بينها وبين الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائها به يوم 25 من الشهر الماضي، مؤكدة أنها ناقشت معه مشروع تعديل قانون الأحزاب السياسية، الذي انتقدته بعض الأحزاب بدعوى أنه «يقيد حريتها في النشاط».

وفي الشهر نفسه، ترأست اجتماعاً لأطر الحزب في شرق البلاد، حيث تم تقييم الوضع الاقتصادي، مع التأكيد على ضرورة تعزيز حضور الحزب ميدانياً والاستعداد الجيد للمواعيد السياسية القادمة.

أما «جبهة العدالة والتنمية» المعارضة، فشددت خلال اجتماع ترأسه زعيمها عبد الله جاب الله، على «رفض الغلق السياسي والإعلامي، والمطالبة برفع القيود عن الحريات وإطلاق سراح معتقلي الرأي». كما دعا جاب الله إلى «إعادة الاعتبار للعمل السياسي ودور الأحزاب، وإصلاح المنظومة القانونية للانتخابات بما يضمن نزاهتها ويمنح اللجنة المستقلة صلاحيات فعلية».

زعيم «حزب جبهة العدالة والتنمية» عبد الله جاب الله (إعلام حزبي)

وطالب جاب الله أيضاً بإصلاحات اقتصادية عاجلة «لمواجهة التضخم وتدهور القدرة الشرائية، وتحسين تسيير الاقتصاد الوطني». مع التأكيد على «ضرورة التحكم في قيمة الدينار كي تكون أي زيادات في الأجور ذات أثر حقيقي». داعياً مناضلي الحزب إلى تعزيز حضورهم الميداني استعداداً للاستحقاقات السياسية المقبلة.



حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».