ترحيب سوداني بجهود الرئيس ترمب وولي العهد السعودي لوقف الحرب

الإسلاميون يرحبون بحذر و«الدعم السريع» يرهن السلام بحلول جذرية

TT

ترحيب سوداني بجهود الرئيس ترمب وولي العهد السعودي لوقف الحرب

الأمير محمد بن سلمان والرئيس دونالد ترمب خلال حضورهما منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي في واشنطن الأربعاء (رويترز)
الأمير محمد بن سلمان والرئيس دونالد ترمب خلال حضورهما منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي في واشنطن الأربعاء (رويترز)

رحَّب السودانيون باحتفاء لافت بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي أعلن فيها استجابته لطلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بإلقاء ثقله الرئاسي لوقف الحرب في السودان، وتأكيده على الانخراط «شخصياً» في جهود وقف القتال وإحلال السلام في البلاد، وعدُّوها تعزيزاً للمبادرات الدولية، ومبادرة الآلية الرباعية لوقف الحرب. وجاء الترحيب من مجلس السيادة الانتقالي ورئاسة الحكومة السودانية التي تتخذ من بورتسودان مقراً مؤقتاً لها، وقيادة «الدعم السريع»، وحكومة «تأسيس» الموالية لها وتتخذ من نيالا عاصمة، إلى جانب القوى السودانية المختلفة بما فيها التي كانت تنادي باستمرار الحرب.

تصريحات ترمب

جاءت هذه المواقف إثر تصريحات الرئيس دونالد ترمب، الأربعاء، التي كشف فيها عن أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، طلب منه «الانخراط بقوة في ملف السودان»، وقوله إنه لم يكن يخطط مسبقاً للتدخل في هذه الأزمة، قبل لقائه ولي العهد. وأشار ترمب إلى أن ولي العهد «يود أن أقوم بشيء قوي جداً له علاقة بالسودان». رغم أن السودان لم يكن مدرجاً في حساباته، وقال: «كنت أظنه مجرد أمر مجنون وخارج عن السيطرة».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث في منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي الأربعاء (واس)

وأوضح ترمب أن الأمير محمد بن سلمان ذكَّره باهتماماته بوقف الحروب في العالم وبالأزمة السودانية خصوصاً بصفتها واحدة من هذه الحروب المروعة، بقوله: «أنت تتحدث عن الكثير من الحروب، لكن هناك مكاناً على الأرض يسمى السودان، وما يحدث هناك فظيع». وتابع: «كنت أنظر للوضع في السودان بأنه عشوائي، بلا حكومة، لكن ولي العهد السعودي شرح له عمق ثقافة وتاريخ السودان».

وأكد ترمب في خطابه أمام منتدى الاستثمار السعودي - الأميركي، الأربعاء، شروعه الفوري في تولي الملف شخصياً، موجهاً الحديث للأمير محمد بن سلمان: «لقد بدأنا بعد نحو 30 دقيقة من شرحك لنا، إيلاء الأهمية الكبرى لهذا الموضوع»، وأضاف أنه بدأ ينظر للسودان بطريقة مختلفة، بعد وصف ولي العهد المهمة له بأنها «أعظم شيء يمكن أن تفعله... سيكون أعظم مما قمت به حتى الآن».

وعاد الرئيس الأميركي بتأكيد اهتمامه بالوضع السوداني على منصة «تروث سوشيال» وكتب قائلاً: «إن السودان، أصبح أكثر الأماكن عنفاً على وجه الأرض، ويعاني من أكبر أزمة إنسانية». وأضاف: «طلب مني قادة عرب ومن أنحاء العالم، خاصة الأمير محمد بن سلمان، أن أستخدم قوة ونفوذ الرئاسة لوضع حد فوري لما يحدث في السودان». وأشار ترمب إلى أن «السودان حضارة وثقافة عظيمة، لكنها للأسف ساءت، ومع ذلك يمكن إصلاحها من خلال تعاون وتنسيق الدول... سنعمل مع السعودية والإمارات ومصر وشركاء آخرين في الشرق الأوسط لإنهاء هذه الفظائع».

البرهان يرحب

وفور انتهاء خطاب ترمب أبدى رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ترحيبه السريع بتصريحات الرئيس ترمب، وكتب على منصة «إكس»: «شكراً سمو الأمير محمد بن سلمان، شكراً الـرئيس دونالد ترمب». وبعدها بساعات أصدر مجلس السيادة الذي يترأسه البرهان، بياناً صحافياً، أعلن فيه ترحيب الحكومة السودانية التي تتخذ من بورتسودان عاصمة بـ«جهود المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة، من أجل إحلال السلام العادل والمنصف في السودان».

وشكر البيان للبلدين «اهتمامهما وجهودهما المستمرة من أجل إيقاف نزيف الدم السوداني»، وأعلن استعداد الحكومة للانخراط الجاد معهما من أجل تحقيق السلام الذي ينتظره شعب السودان. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سونا)، أن رئيس الوزراء كامل إدريس، أبدى هو الآخر ترحيبه بجهود المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة لإحلال السلام المستدام في السودان، وتأكيده الاستعداد التام للانخراط الجاد معهما من أجل السلام والأمن والاستقرار.

«الدعم السريع» تؤيد

أما معسكر «قوات الدعم السريع»، فقد أبدى ترحيبه بتصريحات الرئيس الأميركي، حسب ما جاء في منشور رسمي على قناة «واتساب» بتوقيع وزير شؤون مجلس الوزراء في حكومة «تأسيس» الموالية لـ«قوات الدعم السريع». وأبدى إبراهيم الميرغني، ترحيبه بما جاء في خطاب ترمب، «وإلقاء ثقله الرئاسي لوقف الحرب، والعمل مع دول الرباعية، وفق مبادرتها التي أكدت على استبعاد الحركة الإسلامية، والمؤتمر الوطني، (أنصار النظام السابق) والمجموعات المتطرفة، من أي عملية سياسية تحدد مستقبل السودان، ووجه شكره لولي العهد لوضعه الأزمة السودانية ضمن أجندة المباحثات السعودية - الأميركية».

أما مستشار قائد «قوات الدعم السريع» الباشا طبيق، فقد رحب هو الآخر بالتصريحات الأميركية. وقال في حسابه على منصة «إكس»: «لا يرفض السلام إلا تجار الحروب ومصاصو دماء الشعوب»، وأضاف متحفظاً: «أي سلام لا يذهب إلى تشخيص جذور الأزمة السودانية، ويضع لها حلولاً جذرية، ولا يؤسس لدولة تقوم على حقوق المواطنة والعدالة والمساواة، ولا يضع أساساً لجيش مهني جديد، بعيد عن الهيمنة السياسية، ويتولى حماية حدود البلاد، لن يكون إلا امتداداً لدائرة الحروب ودوامة الصراع».

ويأتي موقف «الدعم السريع» متسقاً مع ما أعلنته في وقت سابق بترحيبها بمبادرة الرباعية ومقترح الهدنة الإنسانية، في مقابل تحفظ الجيش وحلفائه لذلك وإعلانهم الاستمرار في القتال، وفق تصريحات رسمية.

زخم جديد

أما القوى المدنية المناهضة للحرب، فقد أبدت تفاؤلها بأن يؤدي الموقف الأميركي الجديد لوقف القتال في البلاد. وأبدى التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك ترحيبه بالتصريحات الأميركية، وعدّ في بيان فوري، تولي الرئيس ترمب شخصياً متابعة ملف وقف الحرب في السودان، استجابة لطلب ولي العهد السعودي «مؤشراً على عودة الاهتمام الدولي الجادّ الذي يمكن أن ينهي المأساة بإيقاف وإنهاء الحرب عبر ترتيبات ذات مصداقية».

رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك زعيم تيار «صمود» (رويترز)

ورأى التحالف أن التطور الجديد يمكن أن «يضيف زخماً لمسار الرباعية»، وأنه يمكن أن يدفع بقوة نحو هدنة إنسانية عاجلة، «توقف استهداف المدنيين وتتيح وصول الإغاثة، وتعيد فتح الطريق أمام عملية سياسية جادة تضع البلاد على مسار سلام شامل ومستدام». بيد أن 1«صمود» رهن أي تقدم في ملف إيقاف الحرب، بمواجهة مباشرة مع القوى التي تعمل على إطالة أمد الحرب، وفي مقدمتها «الحركة الإسلامية، وبقايا النظام السابق»، الذين وصفهم بأنهم «يحرضون على استمرار القتال.. لإعادة إنتاج سلطتهم على حساب حياة السودانيين والسودانيات». ودعا التحالف المدني الشعب السوداني وقواه المدنية لمواصلة الضغط على أطراف الحرب، من أجل الانخراط في «تفاوض مسؤول يقدم مصلحة المواطنين على الحسابات العسكرية الضيقة».

وضع حد لمسار العنف

أما «حزب الأمة القومي»، أحد أكبر الأحزاب السياسية، فقد وصف التصريحات بأنها «خطوة إيجابية، تعزز المساعي الدولية لإنهاء معاناة شعبنا، ووضع حد لمسار العنف والدمار الذي يهدد وحدة البلاد ومستقبلها». وفي بيان رسمي صادر عنه، أشاد الحزب عالياً بالجهود الصادقة والمقدرة التي يبذلها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ودول المبادرة الرباعية الدولية، وجميع «الدول الشقيقة والصديقة التي تعمل بإخلاص من أجل وقف الحرب واستعادة السلام». وأكد «أهمية التنفيذ الكامل لبيان الرباعية الدولية»، بصفته «خريطة طريق بناءة وشاملة» تمهد الطريق لتوافق وطني شامل، «ينتج منه مشروع وطني يعيد تأسيس الدولة السودانية على مبادئ ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة».

رئيس «حزب الأمة» فضل الله برمة ناصر (أ.ف.ب)

وسار حزب المؤتمر السوداني في الاتجاه ذاته، عادَّاً تولي الرئيس ترمب ملف وقف الحرب في السودان، خطوة إيجابية لتكثيف الاهتمام الدولي بملف السودان ودعم الجهود المبذولة لوقف القتال. وأشاد بجهود ولي العهد السعودي، وتأكيد الرئيس الأميركي، بمواصلة العمل في إطار دول الرباعية الدولية، معلناً دعمه الكامل لخريطة الطريق الصادرة عنها في 12 سبتمبر (أيلول) الماضي، وقال مؤكداً: «لن نألو جهداً، لتسريع الجهود، لإقرار هدنة إنسانية عاجلة، توقف استهداف المدنيين وتسمح بوصول الإغاثة، وتهيئ لعملية سياسية ذات مصداقية تؤسس لسلام مستدام وتحول مدني وديمقراطي». وجدد الحزب دعوته لأطراف الحرب بـ«التجاوب مع مبادرات وقف الحرب، وتحكيم صوت العقل، والانخراط في تفاوض جاد ينهي الصراع ويعيد الاستقرار للسودان». أما التجمع الاتحادي، وهو أحد الأحزاب الرئيسة المكونة لتحالف «صمود»، فقد أشار إلى أن الولايات المتحدة والسعودية بصفتهما «طرفين أصيلين في الرباعية»، سيسهم في دعم جهودها من أجل هدنة إنسانية تفتح الباب لوقف إطلاق النار في السودان.

شروط للإسلاميين

ومن جانبها، عبرت «الحركة الإسلامية السودانية» عن ترحيبها في موقف التقت فيه مع الآخرين، مشيدة بدور ولي العهد السعودي، لكنها وضعت شروطاً لنجاح المهمة الجديدة.

الأمين العام للحركة الإسلامية في السودان علي أحمد كرتي (فيسبوك)

وقالت في بيان موقَّع باسم أمينها العام علي أحمد كرتي: «نثمن ونشكر المسعى الحميد المبارك لولي العهد» بكونه قد اتخذ «موقف القائد المسؤول في أرض الحرمين، ليُوصل صوت الحق، ويجلو الحقائق». وقالت إنها «تمد إليه أيديها بيضاء في المضي قدماً نحو حفظ كرامة أهل السودان، وتحقيق قيم العدالة والسلام والأمن والأمان»، بيد أنها اشترطت كف أيدي خصومها، الذين أطلقت عليهم «العابثين والمتطفلين، والمتطلعين إلى النيل من السودان وتقسيم أرضه وسرقة موارده وإذلال شعبه».

وتعهد كرتي بالوقوف في صف الحق والعدل، لـ«تحقيق تطلعات الشعب وصيانة كرامته والحفاظ على أمنه وسلامته».


مقالات ذات صلة

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الرئاسة المصرية)

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

لقاء مصري أميركي على مستوى رئاسي استخباراتي عالي المستوى، احتضنته القاهرة وسط تصعيد بمنطقة الشرق الأوسط، وأزمات متواصلة بالسودان وقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

تصاعد «حرب المُسيَّرات» في السودان تزامناً مع تقدم الجيش بمحور كردفان

أعلن الجيش السوداني إسقاط «مسيرة معادية» في ولاية شمال كردفان، فيما قالت منصات «الدعم السريع» إن مسيراتها هاجمت مدينتي الأبيض وعطبرة.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

خاص اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

دخل السودان منعطفاً جديداً مع التراجع الحاد في سعر صرف عملته الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه، في بعض تعاملات السوق الموازية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)

الحرب والجفاف والأسعار تفاقم خطر المجاعة

يواجه الموسم الزراعي الحالي في السودان أخطاراً متزايدة، بسبب تأخر هطول الأمطار وشحها في مناطق واسعة، بجانب نقص مياه الري وانقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا 
العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)

قطاع الصحة في السودان للنهوض من تحت الأنقاض

بدأت مستشفيات كبرى في الخرطوم تستعيد نشاطها تدريجياً مع عودة السكان وانحسار المعارك عن أجزاء واسعة من العاصمة السودانية، فيما لا تزال الصورة أكثر قتامة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
TT

10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)

انهار منجم للذهب في شمال السودان، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص، وإصابة 21 على الأقلّ، بحسب ما أفاد اثنان من الناجين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم (الأحد)، عقب عمليات إسعاف في الليل.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، اعتمد الطرفان في تمويل جهدهما الحربي بشكل كبير على قطاع الذهب، وفق الأمم المتحدة، إلى جانب دعم أطراف خارجية.

وقد بدأت آبار في منطقة تعدين أوني، شمال السودان، بالقرب من الحدود المصرية، تنهار أمس.

وبحلول صباح اليوم، «تمّ انتشال 10 جثث و21 مصاباً»، بحسب أحد الناجين، الذي كان يعمل في الموقع، وطلب عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية.

وقال ناجٍ آخر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب كذلك عدم الإفصاح عن هويته، إن «الحفر يتمّ بالآليات المتوفّرة في المنجم ومن الناس الشغّالين».

وأفاد الناجيان بأن عمليات البحث ما زالت متواصلة، فيما يُخشى العثور على مزيد من الضحايا.

وألحق النزاع ضرراً كبيراً بالاقتصاد السوداني، الذي كان ضعيفاً أصلاً، وخسر عدد كبير من السودانيين عملهم، ما دفع كثيرين إلى ممارسة عمليات خطيرة للتنقيب عن الذهب.

وتجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية، أو في مناجم متوقفة عن العمل.

ويقوم عمّال المناجم بالتنقيب بأيديهم وباستخدام أدوات بدائية مقابل أجور يومية زهيدة.

وداخل المناجم، وكثيرة منها غير مجهّزة، يستخلص العاملون شذرات الذهب من الكتل الصخرية، ما يعرضهم لمواد كيميائية خطرة، مثل السيانيد الذي يتسبب في انتشار الأمراض.

وتتكرّر انهيارات المناجم في أنحاء السودان. وفي مناطق سيطرة الجيش في شمال وشرق البلاد، يتسلل العمّال إلى داخل المناجم المتوقفة عن العمل أملاً في أجور يومية زهيدة.

والأسبوع الماضي، قُتل 82 شخصاً على الأقل، وأصيب العشرات في انهيار منجم في منطقة كردفان.

حتى قبل أن تهدّد الحرب ملايين السودانيين بالجوع، كان التعدين يوفّر العمل لأكثر من مليوني شخص، وفق بيانات القطاع.

ويعدّ السودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، من أبرز منتجي الذهب في القارة، وسجل العام الماضي أعلى مستوى للإنتاج في 5 أعوام، بلغ 70 طناً، وفق البيانات.

لكن المسؤولين يقولون إن معظم الذهب يُهرب عبر حدود السودان، بما في ذلك عبر تشاد وجنوب السودان ومصر، قبل وصوله إلى دول في الخليج، ولا سيما الإمارات، ثاني أكبر مصدر للذهب في العالم.

وفي يوليو (تموز)، حظر الاتحاد الأوروبي بيع ونقل وتصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، نظراً لاستخدام هذه المواد في تجارة الذهب غير النظامية.

وحذّرت الأمم المتحدة مراراً من أن طرفي الحرب يحققان مكاسب مالية من السيطرة على موارد البلاد، وأن «اقتصاد الحرب» هو ما يُبقي الصراع مستمراً.


«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
TT

«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)

كشف تحرُّك رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، المفاجئ نحو المحكمة الجنائية الدولية، بشأن «خلية تخريبية» متهمة باستهداف منشآت حيوية في طرابلس، عن تباين جديد داخل المؤسسات الليبية، في وقت تتمسك فيه وزارة الدفاع التابعة لحكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بالتحقيقات المحلية الراهنة، وتنفي «وجود أي توجُّه للتفاوض بشأن القضية».

وقال المنفي -في بيان مساء السبت- إن ليبيا «تقدمت عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، من خلال وزارة الخارجية وبالتنسيق مع وزارة الدفاع، بطلب إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، للحصول على دعم فني وتقني وقانوني، وتعزيز التعاون في التحقيقات الجارية».

وأشار إلى أن الطلب يستند إلى الإعلان الذي قدمته ليبيا بموجب المادة 12/ 3 من نظام روما، مضيفاً أن «السلطات أبدت استعدادها لتوسيع نطاق التعاون وفقاً للمادة 15، بشأن إحالة الوقائع والمعلومات ذات الصلة».

وكانت حكومة «الوحدة» قد أعلنت في السادس من سبتمبر (أيلول) الجاري تفكيك «خلية تخريبية» منظمة، تضم 5 عناصر ليبيين وأجانب، تورطت في هجمات بالمُسيَّرات الانتحارية، استهدفت خزانات النفط في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء الزاوية. وقالت إن وزارة الدفاع «أحبطت مخططات أخرى كانت على وشك التنفيذ، في مقدمتها استهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس، إلى جانب منشآت حيوية وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية».

جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

وبشأن التحقيقات الأولية الجارية مع الخلية، أوضح المنفي أنها أظهرت استهداف خزانات وقود ومحطات كهرباء في إطار «خطة إرهابية موسعة» تستهدف البنية التحتية المدنية، لافتاً إلى أن التقييم القانوني للسلطات الليبية المختصة يعتبر هذه الأفعال -حسب طبيعتها- جرائم قد ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية»، وهي جرائم تدخل ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية، وفق نظام روما الأساسي.

تعهُّد بـ«الإفصاح»

وتوجه المنفي، الأحد، إلى مدينة نيويورك الأميركية، في زيارة رسمية تستمر أياماً عدة، للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقال قبل سفره إن أجهزة الأمن و«هيئة السلامة الوطنية» تمكنتا من الحد من هذه العمليات «التخريبية» وإجهاض بعضها؛ مشيراً إلى تورط «عناصر أجنبية يحملون جنسيات دول أعضاء في اتفاقية روما، وليبيين يحملون جنسيات وجوازات سفر أخرى».

ولم يذكر في بيانه ما إذا كانت المحكمة الجنائية الدولية قد قبلت الطلب، أو بدأت أي إجراء بشأنه، كما لم ترُد المحكمة على طلب للتعليق على هذه الخطوة.

في المقابل، قالت وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية»: «إن التحقيقات في قضية الخلية التخريبية مستمرة بهدف كشف جميع المتورطين والجهات المرتبطة بها».

وبينما نفت من حيث المبدأ «وجود أي توجه للتفاوض بشأن هذه القضية مع أي طرف كان»، أكدت التزامها بالإفصاح عن نتائج التحقيقات للرأي العام فور استكمالها.

استهداف البنية التحتية

وشهدت العاصمة طرابلس ومدينة الزاوية في الآونة الأخيرة عمليات استهدفت منشآت نفطية وكهربائية، بينها خزانات وقود ومحطات كهرباء.

وقال المجلس الرئاسي إن العمليات «كانت جزءاً من خطة أوسع تستهدف البنية التحتية المدنية»، وإن الأجهزة الأمنية و«هيئة السلامة الوطنية» تمكنتا من احتواء بعضها، والحيلولة دون وقوع خسائر أكبر.

وحسب مراقبين محليين، يضع تحرك المنفي الملف في إطار القانون الجنائي الدولي، بعدما قال المجلس الرئاسي إن الهجمات على خزانات الوقود ومحطات الكهرباء «قد ترقى -وفق التقييم القانوني للسلطات المختصة- إلى جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية، بينما تتعامل وزارة الدفاع مع القضية بوصفها ملفاً أمنياً يخضع للتحقيق الوطني».

ويأتي الإعلان عن التحقيقات والتحرك أمام المحكمة الجنائية الدولية في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني انقساماً بين مؤسسات ومراكز قوى متنافسة، بما في ذلك استمرار الخلافات حول المسؤوليات الأمنية والقضائية.

تباين المواقف

ولم يتضح بعد ما إذا كان التحرك الذي أعلنه المجلس الرئاسي سيؤدي إلى دور مباشر للمحكمة الجنائية الدولية في التحقيقات، أو ما إذا كانت السلطات الليبية ستواصل معالجة القضية من خلال أجهزتها الوطنية.

ويتابع الشارع الليبي تطورات المسألة باهتمام بالغ؛ خصوصاً مع تداعيات الهجمات على الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والوقود، وما خلَّفته من مخاوف بشأن أمن المنشآت الحيوية واستقرار المناطق المتضررة.

وبرز الانشغال الشعبي بتطورات ما بات يعرف باسم «خلية طرابلس» على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث عبَّر كثيرون عن مخاوفهم من تكرار استهداف خزانات الوقود ومحطات الكهرباء، معتبرين أن مثل هذه العمليات تمس حياة المواطنين مباشرة، وتفاقم أزمة الخدمات التي يعانون منها أصلاً.

وانقسمت الآراء حول لجوء المجلس الرئاسي إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ فبينما رأى فريق أن الخطوة ضرورية لملاحقة العناصر الأجنبية وضمان عدم الإفلات من العقاب، اعتبر آخرون أنها قد تفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو تسييس الملف على حساب التحقيقات الوطنية.

وأثار التباين بين بيان المنفي وموقف الحكومة نقاشاً حول غياب التنسيق بين المؤسسات، وتساؤلات بشأن قدرة الدولة على التعامل الموحد مع التهديدات الأمنية.

وبرزت أصوات تطالب بالشفافية الكاملة ونشر نتائج التحقيقات بسرعة، وأخرى تدعو إلى تجنب تحويل القضية إلى ساحة للصراع السياسي؛ كما ظهرت دعوات متكررة لحماية المنشآت الحيوية وتعزيز الإجراءات الأمنية، مع تحذيرات من أن استمرار الانقسام الرسمي قد يضعف الثقة الشعبية في قدرة المؤسسات على مواجهة مثل هذه الخلايا.


طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت

مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
TT

طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت

مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)

في إطار تعزيز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت، حققت مصر طفرة في موانئها أخيراً، فضلاً عن تنفيذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط.

وأكد وزير النقل المصري كامل الوزير أن «خطة تطوير النقل البحري تستهدف تحويل الموانئ إلى مراكز لوجستية متكاملة، وتطوير الموانئ على البحرين الأحمر والمتوسط، وإنشاء 5 موانئ جديدة ليصل الإجمالي إلى 19 ميناءً تجارياً».

وقال في إفادة رسمية، الأحد، خلال الاحتفال بـ«اليوم البحري العالمي» الذي أقيم بمدينة الإسكندرية، إن مصر «تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تنموية متكاملة تربط موانئ البحرين الأحمر والمتوسط ومحور قناة السويس بالموانئ الجافة والمناطق الصناعية والزراعية والتعدينية، عبر شبكة السكك الحديدية وشبكة القطار الكهربائي السريع والطرق الحرة والسريعة، بما يسهم في خفض زمن التداول والتكلفة، ويعزز تنافسية الاقتصاد المصري، ويربط مصر بدول الخليج والمشرق العربي وأفريقيا وشمال وشرق ووسط أوروبا وآسيا».

وبدوره، أكد رئيس «هيئة قناة السويس» أسامة ربيع، أن «القناة آمنة وحركة الملاحة بها منتظمة، وخدماتها تعمل بكفاءة، ومرشديها على أعلى مستويات الأداء والجاهزية»، وأشار خلال الاحتفالية، إلى أن «الاضطرابات والمتغيرات التي طرأت على الساحة الدولية بشكل عام، ومجتمع التجارة بشكل خاص برهنت على أهمية قناة السويس في تأمين سلاسل الإمداد العالمية»، ورسخت «مكانتها الرائدة عالمياً». كما أثبتت «بما لا يدع مجالاً للشك، عدم وجود طريق بديل ومستدام لقناة السويس، في ظل ما تتمتع به القناة من أعلى مستويات الأمان والسلامة البحرية».

وزير النقل المصري خلال احتفالية «اليوم البحري العالمي» بالإسكندرية الأحد (هيئة قناة السويس)

خبير النقل الدولي أسامة عقيل، تحدث عن الطفرة التي حققتها الموانئ المصرية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «ما شهدته الموانئ المصرية من تطوير حقق أعلى معايير الكفاءة وفق المحددات الدولية، حيث كان معظمها قبل التطوير يعاني من ضعف الإمكانات، ولا تتوافر المعدات التكنولوجية اللازمة من أوناش وغيرها، فضلاً عن زيادة زمن الشحن أو التفريغ، وعدم وجود وسائل نقل خارجية سريعة من شاحنات أو قطارات، وكذا عدم وجود مساحات مخصصة للتخزين»، مؤكداً أن «كل هذه المشكلات تم تجاوزها في خطط التطوير، وأصبحت الموانئ المصرية مؤهلة وفق المعايير العالمية، لتصبح مراكز لوجستية متكاملة تدعم حركة التجارة العالمية».

ويشير عقيل، إلى أن «الطفرة التي حققتها الموانئ المصرية ستجني مزيداً من الثمار بعدما تتوقف حروب المنطقة، فالسلام بالمنطقة سيعزز دور هذه الموانئ أكثر».

طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت (هيئة ميناء دمياط)

وأوضح وزير النقل، الأحد، أن «الموانئ المصرية حققت طفرة في 2025، حيث بلغ تداول البضائع 233 مليون طن بزيادة 12 في المائة، وتداول الحاويات 11.1 مليون حاوية بنمو 25 في المائة مقارنة بالعام السابق رغم الظروف الجيوسياسية بالمنطقة».

مدير مركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» أيمن عبد الوهاب، تطرق إلى ما وصفه بـ«الأثر السياسي للطفرة التي حققتها الموانئ المصرية»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «بجانب المكاسب الاقتصادية، فإن فاعلية الموانئ المصرية تمنح القاهرة نفوذاً سياسياً كبيراً ومكانةً دوليةً لتصبح فاعلاً في معادلات المستقبل، بما يضيف قوة جديدة إلى ثقلها السياسي والإقليمي الحالي».

وحسب رأي عبد الوهاب، فإن «الصراعات والمواجهات العسكرية الإقليمية والدولية تؤكد أهمية ما تقدمه مصر من بدائل آمنة لحركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، بما يمنحها قوة سياسية تعزز حضورها الحالي في القضايا الدولية والإقليمية كافة».

وخلال إفادته، الأحد، أكد رئيس «هيئة قناة السويس»، أن التقارير الملاحية أظهرت «تحسناً في معدلات الملاحة بالقناة»، حيث شهدت خلال أغسطس (آب) الماضي «عبور 1358 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 68.3 مليون طن»، محققة إيرادات قدرها 567.1 مليون دولار، وذلك في مقابل عبور 1070 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 45.2 مليون طن بإيرادات قدرها 326 مليون دولار خلال أغسطس من العام الماضي، بنسب زيادة قدرها 27 في المائة في أعداد السفن، و51.1 في المائة في الحمولات الصافية، و56.7 في المائة للإيرادات.