«المصالحة الليبية» بعد القذافي... فصول من مداواة «جراح لم تلتئم»

رئيس «مجلس الأعيان» يرصد في كتابه «بين الرمال والملح» تفكيك «خصومات قديمة» عمّقتها السياسة

محمد المبشر رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» (الشرق الأوسط)
محمد المبشر رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» (الشرق الأوسط)
TT

«المصالحة الليبية» بعد القذافي... فصول من مداواة «جراح لم تلتئم»

محمد المبشر رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» (الشرق الأوسط)
محمد المبشر رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» (الشرق الأوسط)

«الهواء كان حينها معبأً برائحة الجثث المتروكة للعناد، وقد سبقتنا إليها الكلاب، جثا حسن عتيق موسى، (أحد أعضاء فريق المصالحة إلى سبها بالجنوب الليبي) قرب إحداها، مضيفاً بصوت يشبه البكاء: «هذه ليست حرباً، إنها خيانة لأبسط شروط الإنسانية».

في تلك الأثناء من سنوات تلت إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، كانت ليبيا لا تزال مثخنة بالجراح، الرصاص فوق الرؤوس، والشك لغة متبادلة لدى قطاعات واسعة، وجُل المدن من سبها جنوباً وحتى البيضاء شرقاً، خائفة من مصير مجهول. وسبها المعروفة بـ«عروس الجنوب» لم تكن حينها مدينة، «بل حنجرة مذبوحة تصرخ في صمت. النهار يسحب من الشوارع كما تسحب الروح من جسد يحتضر. والمنازل مغلقة، لا رغيف يخبز، ولا ضحكة تولد، فقط الكلاب تنبح، والرصاص يوزع أقدار الموت بعدالة باردة».

كانت هذه إحدى محطات فرق «المصالحة الوطنية»، التي عملت فور سقوط النظام السابق، على عصمة دماء المواطنين، كما رواها الشيخ محمد المبشِّر، رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة»، بوصفه شاهد عيان على وطن مزّقه النزاع: «يموت كل يوم، ويسحق حاضره» تحت عجلات الكره.

«بين الرمال والملح»

جمع المبشر في فصول كتابه «بين الرمال والملح» حكايات عن ليالٍ حالكات مرّت على بلده، وكيف جاب مع رفاقه مدناً عديدة يضمّدون الجراح، التي لم يندمل بعضها حتى الآن، في رحلة استهلّوها من زوارة والجميل اللتين فرقتهما التباينات السياسية، منطلقاً من «الوقوف على المسافة الصعبة بين الحياد الإيجابي، ورفض الانحياز إلى الباطل مهما تعددت وجوهه».

قدم المبشر في كتابه تشريحاً للوطن والمواطن (الشرق الأوسط)

يقول المبشر: «في شتاء لا يشبه الشتاءات، كانت ليبيا تمضي في يومها الثلاثمائة من عام لم ينته؛ كأن عام 2011 علّق نفسه في عنق البلاد، ويأبى أن يُطوى، كانت المدن كالعجائز تنام وتستفيق على كوابيس قديمة، وكل باب يُفتح أو يُطرق يثير رعب السؤال: هل عادت الحرب؟».

ويضيف المبشر: «كنا أول لجنة وساطة ومصالحة في غرب ليبيا، نتحرك بين المدن، وفي الجميل، كان اللقاء الأول في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته، حيث الشتاء قاسياً والقلوب أكثر برودة من الهواء؛ ما بين المدينتين خلاف لم تصنعه البنادق، بل موقف سياسي تراكم منذ بداية العام».

ويتابع المبشّر موضحاً: «حين وصلنا الجميل، كانت الأخبار تسبقنا؛ وفد من الجبل الأخضر يضم قرابة 150 شخصاً حضروا ليشاركوا في تضميد الجراح، حينها نهض الشيخ علي بشير الشيباني من (المطرد)، رجل يشبه شجرة الزيتون. كان لا يحمل ورقة، وقال: (جئنا لا نعاتب بل لنعانق، فإن لم نصلح بين الجيران فمن يصلح؟».

ليبيون يقفون على قبور ضحايا سقطوا في صراعات سابقة منتصف سبتمبر 2021 (أرشيفية من رويترز)

وتلا الشيباني إدريس يحيى البرعصي من (الجبل الأخضر)، وقال: «سلام الجيرة أغلى من النصر الذي يزرع الكراهية»، ثم أعقبه الشيخ محمد الكيلاني البوسيفي من (نسمة) بحديث عن الصلح، قبل أن نشد الرحال إلى زوارة في اليوم التالي.

زوارة «جريحة لا غاضبة»

يعكس حديث المبشّر وضعية زوارة، التي قال إنها كانت «جريحة لا غاضبة؛ وكأن أهلها ينتظرون سماع الحقيقة لا المزايدات». يقول: «بدأنا من هناك سلسلة جلسات طويلة مرهقة ومتقطعة لم تنته في ذلك العام، ولا في الذي بعده؛ لكن أول جسر وُضع في الجميل بدأت تسير عليه عروق الجيرة».

دبابة في ساحة رئيسية في مدينة بني وليد في ليبيا يوم 29 أكتوبر 2017 (أرشيفية من رويترز)

تقع الجميل جنوب مدينة زوارة، وتبعد عن العاصمة طرابلس 100 كيلومتر غرباً، وما بين المدينتين كان نتاج «خصومة قديمة» جددتها الانقسامات السياسية حيال «ثورة 17 فبراير (شباط)». حينذاك انخرط أبناء زوارة في صفوف «ثورة 17 فبراير»، فيما ظل قطاع واسع من الجميل على ولائهم لنظام القذافي، ما فجّر مواجهات مسلّحة بين مدنيين ومجموعات محلية، عقب انتصار «الثورة».

ما دوّنه المبشر في أسفاره بين المدن، لم يخلُ من رمزية ورسائل وطرح أسئلة عن الشخصية الليبية، وبشأن مدى صواب هذه التحركات. وملف الأزمة الليبية الذي تجوّل بين عواصم عربية وغربية، برعاية أممية بحثاً عن حل، ها هو يسافر في أوراق المبشِّر مع أحد أبناء الليبيين المهاجرين إلى «المريخ» لذات السبب، قبل أن يعود ثانية إلى الأرض.

النزاعات التي تفجرت عقب سقوط نظام القذافي عديدة، من بينها ما شهدته العلاقة بين مدينتي الأصابعة وغريان. وفي هذا السياق يقول المبشر: «ذهبنا لنطفئ حريقاً بين قبيلتين يطل من نوافذ البيوت. وفي الطريق عند بوابة الكليبة أوقفنا التوتر لا الحواجز، شباب من غريان عيونهم تتقد كأنها لم تُغمض منذ خريف 2011، وبنادق تتجه غرباً نحو الأصابعة، كان المكان يغلي دون نار، وكنا حينها ثمانية».

محتجون من طبرق خرجوا لساحات المدينة خلال التورة التي أطاحت بنظام القذافي (رويترز)

وتابع المبشّر قائلاً: «القذائف كانت تسقط قرب سيارتنا، لا تفرق بين من يحمل نية الإصلاح ومن يجرّ حقيبة الذخيرة، فنعود ونحتمي بالمسجد، لنشعر أننا عدنا أحياءً مؤقتين، نلتقط الأنفاس... وعند المغرب في غريان، وقفنا على قارعة الطريق أنا وأحمد المبروك، وشعبان العمياني، وبلا إنذار جاء الرصاص، ومرت قريباً من رؤوسنا طلقات مدافع الرشاشات (14.5)، وتحول الهواء إلى شظايا. ارتمينا في المسجد لا خوفاً بل لنعيد تعريف معنى البقاء... ومع بزوغ الفجر توقف الرصاص، لكن الثمن كان حاضراً؛ خسائر بشرية ومادية، ووجوه لم تعد كما كانت».

حرب ليست ككل الحروب

يروي المبشِّر أنه «منذ ذلك اليوم، لم تعد الحرب في ليبيا تشبه الحروب، بل كانت تنتقل كالمرض الجلدي، تبدّل مكانها، تغير شكلها، وكان فريق المصالحة - وأنا منهم - كمن يتعقب الجدري في زمن بلا أمصال».

مُنيت بعض جولات فرق المصالحة ببعض الخذلان أمام النار، التي اعتملت في القلوب، وكانت هذه فرصة ليسمع المبشِّر صوتاً من داخله يلومه، مدفوعاً بكثرة الإحباطات، إنه «المبشِّر الثاني» الذي رافقه كظله من سبها وحتى البيضاء يشير له باستحالة الحل.

لكن في لحظة ما بعد «ديالوج» طويل، يتوحد الراوي مع «قرينه»، يقول المبشر: «حين لم أعد من المبشر الثاني، بدأت أسمع ليبيا بصوتها الحقيقي. لا تطلب الإنقاذ ولكن تقول: افتح قلبك وسأبقى. ليبيا ليست للذين لا يخطئون، بل للذين رغم الأخطاء لا يقطعون الحبل».

الاحتجاجات التي أعقبت سقوط نظام القذافي جرت وراءها خصومات وخلافات سياسية بين مؤيدين ومعارضين للنظام البائد (رويترز)

في سبها، تجدد الاقتتال عام 2014 في ظل شتاء قاسٍ، يروي المبشر: «حينها كلفت الحكومة حاكماً عسكرياً على المدينة؛ كلفته لا لينقذ؛ بل ليقال إنها فعلت شيئاً؛ الوطن حينها كان يشبه حكومته، منهكاً بلا كهرباء... بلا وقود بلا لغة... القبيلة وحدها كانت تتكلم، وكلما خرس الوطن ازدادت فصاحتها».

ويضيف: «كنا خمسة، أنا، وزيدان قلاش وعبد الحفيظ اللطيف، وأيوب الشرع والراحل إمحمد الشرع، دخلنا مقر الحاكم العسكري، كان المكان أقرب إلى خيمة عزاء لا تزال تهرب من إعلان الحداد، جلسنا مع أطراف ثلاثة، كل طرف يتهم الآخر، وكل عين تحمل في بياضها تاريخاً من الدم».

ثم، وسط حالة من الصمت، قال أحد شيوخ سبها: «هناك جثتان مرميتان منذ أربعة أيام، ولا أحد يجرؤ على الاقتراب، القناص يقترب»... يقول المبشِّر، «دون تفكير واستجابة للإنسانية ذهبنا بعد تنسيق أنا وحسن العياط، وثلاثة رجال بسيارة إسعاف، دخلنا شارع الموت بصمت، وحين وصلنا كان الهواء برائحة الجثث المتروكة؛ وقد سبقتنا إليها الكلاب، ركع العياط قرب إحداها وقال بصوت مجهوش بالبكاء: (هذه ليست حرباً، هذه خيانة لأبسط شروط الإنسانية)».

«لم يطلق القناص رصاصته. ربما اختنق خلف منظاره، ربما تذكر أن له أماً تنتظر عشاءه، أو ربما أدرك أن الرصاصة الأخيرة لا تقتل... بل تدين»، هكذا يقول المبشِّر.

باتساع خريطة ليبيا تركت الحرب والخصومات عليها أثراً عليها، وكان على فرق المصالحة ملاحقتها ومداواة جراحها، من الأصابعة إلى الكفرة، ثم من طرابلس إلى القاهرة مروراً بتونس. يقول المبشر: «جلسنا مع المهجّرين والمهاجرين في مصر، رجال من طرابلس ومصراتة وبنغازي، أصواتهم كانت محمّلة بالاتهامات والحزن، بدأ الحوار حاداً ومتوتراً، أحد المهجّرين اتهم الوفد بالخيانة، لكننا تعلمنا أن نصغي أكثر مما نتحدث».

وتابع: «تدريجياً بدأ الحوار يلين؛ تحدثوا عن المدن التي تركوها، عن الأحياء التي فقدوها، وعن القادة الذين جعلوهم يفرون، وكل حكاية كانت تضيف ثقلاً نفسياً على الوفد، وتزيد شعورنا بالمسؤولية... لم تُحل المشاكل ولم تتوقف الحروب، لكننا كنا نحمل معنا فهماً أعمق، وإيماناً بأن المصالحة تبدأ بالحديث الصادق. عدنا إلى القاهرة نهاية 2018 عن طريق البر في وفد مكوَّن من 40 رجلاً، مررنا على مدن ليبية عدة عند الحدود. كانت دقات القلب تتصاعد وأوراق السفر بين أيدينا، فجأة ظهر رجال قبائل أولاد علي، يلوحون لنا من مسافة بعيدة يحملون الترحيب في أعينهم وأيديهم، تقدمهم عمدة السلوم وشيخها مرحباً: (أهلاً بكم، هنا داركم)».

لم ينس المبشِّر أن تحوي طيات كتابه تشريحاً للوطن والمواطن، مقدماً رؤية شارحة للشخصية الليبية، ومتسائلاً: «ما الذي يجعل الليبي ليبياً؟ هل هو الرمل الذي يحترق تحت قدميه، أم الملح الذي يخزنه جسده من بحر لم يشبع عطشه؟... هل هي القبيلة التي تعلمه الحذر؟ أم الغنيمة التي تجعله يتقن القنص ولو في زمن السلم؟ أم الدولة التي ما زال يراها شعاراً لا مؤسسة؟».

يلفت المبشِّر في كتابه «بين الرمال والملح» إلى أنه حين بدأت رائحة الدم تتسرب إلى أركان المدن، لم تتشكل لجان، ولم تُعقد مؤتمرات، بل كان هناك شيء آخر لا نستطيع وصفه بسهولة، إنه «الفزعة».

ينوه المبشر إلى أنه «حين يشعر الليبي بالخطر لا ينتظر دعوة، وحين يرى الدم لا يسأل عن تفاصيل، بل يتحرك بدافع أعمق من السياسة وأصدق من التحليل».

وينتهي المبشر قائلاً: «إن وجدت ميزان العدل، رأيت التنوع قوة، والشراكة ممكنة. وإن غاب أصبحت الصحراء محكمة والبنادق مُشرّعة، والقبيلة آخر دولة باقية».


مقالات ذات صلة

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

شمال افريقيا مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التقى رئيس حكومة «الوحدة» الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في 17 أبريل الحالي (الرئاسة التركية)

تركيا تؤكد دعمها لليبيا لإنجاح العملية السياسية وتعزيز التعاون العسكري

أكدت تركيا دعمها للعملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة في ليبيا، مع الاستمرار في تقديم الدعم العسكري لحكومة «الوحدة» الوطنية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا المنفي وتيتيه خلال لقاء بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي)

ليبيا: «الرئاسي» و«الدولة» يرفضان «حواراً مصغراً» برعاية أممية

استبق محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى مجلس الأمن الدولي بتوجيه رسالة وصفها بأنها «شديدة اللهجة».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة ولافروف خلال محادثات على هامش «منتدى سياسي» بأنطاليا التركية السبت الماضي (مكتب الدبيبة)

روسيا تعزّز انخراطها بين أفرقاء ليبيا بالتوازي مع تنامي الدور الأميركي

تعزّز روسيا في الآونة الأخيرة انخراطها بين الأفرقاء الليبيين عبر تكثيف تحركاتها الدبلوماسية وفتح قنوات تواصل مع الفاعلين السياسيين والعسكريين

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع المنفي وخوري في طرابلس (مكتب المنفي)

ليبيا: المنفي يشدد على الالتزام بمسار انتخابي محدد زمنياً

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي على ضرورة أن تُبنى أي مبادرة تتعلق بالأزمة السياسية في بلده على أساس المرجعيات القانونية والدستورية القائمة

خالد محمود (القاهرة)

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.


مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
TT

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)
مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط، بعدما تحولت نقطةً متكررة لإنقاذ المهاجرين وانتشال الضحايا، في مشهد يعكس تصاعد المخاطر التي تحيط بمحاولات الوصول إلى «الحلم الأوروبي» عبر قوارب متهالكة تفتقر لأبسط شروط السلامة.

وأعلنت رئاسة الأركان البحرية التابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي، الأربعاء، عن إنقاذ 106 مهاجرين غير نظاميين، كانوا على متن قاربين في عرض البحر الأبيض المتوسط، بعد تعرضهم لظروف إنسانية بالغة الصعوبة.

وضمت المجموعة مهاجرين من جنسيات متعددة، بينها اليمن والسودان وبنغلاديش، إضافة إلى عدد من النساء، حيث جرى نقلهم إلى جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في طبرق، قبل أن تتولى فرق الهلال الأحمر تقديم الإسعافات الأولية والدعم الإنساني اللازم لهم.

وحمّلت السلطات الليبية شبكات تهريب البشر، أو ما وصفتهم بـ«العصابات الإجرامية» مسؤولية هذا الحوادث، مشيرة إلى أنها تدفع بالمهاجرين نحو البحر في قوارب خشبية أو مطاطية بدائية، غير صالحة للإبحار لمسافات طويلة، في رحلات غالباً ما تنتهي بالموت أو الفقدان قبل بلوغ شواطئ «الحلم الأوروبي»، الذي يطاردهم من دول النزاع والفقر.

جثة مهاجر غير نظامي لحظة انتشالها في شاطئ بمدينة طبرق الليبية الثلاثاء (الهلال الأحمر الليبي)

ولم تكن هذه هي عملية الإنقاذ الأولى في محيط طبرق خلال الفترة الأخيرة؛ إذ شهدت المنطقة سلسلة متواصلة من هذه العمليات. فقد أعلن الهلال الأحمر الليبي، الثلاثاء، تقديم مساعدات إنسانية لـ41 مهاجراً من جنسيات مختلفة بعد إنقاذهم من رحلة بحرية شاقة في عرض المتوسط، وسط تزايد البلاغات عن قوارب تواجه أعطالاً، وظروفاً خطيرة أثناء محاولتها الوصول إلى أوروبا.

كما سبق ذلك إعلان آخر يوم الاثنين عن إنقاذ 36 مهاجراً غير نظامي، 23 مصرياً و13 سودانياً، إضافة إلى نساء وأطفال دون السن القانونية، في مشهد يعكس حجم المعاناة التي يعيشها المهاجرون في رحلات محفوفة بالمخاطر، حيث يتحول السعي وراء «الحلم الأوروبي» تجربةً إنسانية قاسية، تختلط فيها الهجرة بالألم والموت المحتمل.

ويلحظ طارق لملوم، مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، أن مناطق شرق ليبيا، لا سيما طبرق، باتت تشهد في الآونة الأخيرة موجة خروج ملحوظة لقوارب الهجرة غير النظامية، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن بعض هذه القوارب يتم اعتراضها وإعادتها، في حين ينجح بعضها الآخر في مواصلة الرحلة.

ناجون من أحد قوارب الموت في مدينة طبرق الليبية (الهلال الأحمر الليبي)

وتعيد هذه التطورات التأكيد على أن ليبيا ما زالت تمثل أحد أهم ممرات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، وما تبعه من حالة انقسام أمني وسياسي سمحت بازدهار شبكات التهريب عبر السواحل والصحراء.

وحسب أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة، فقد بلغ عدد المهاجرين، الذين جرى اعتراضهم وإعادتهم إلى الأراضي الليبية منذ بداية عام 2026 نحو 4407 مهاجرين، بينهم 181 خلال أسبوع واحد فقط، في مؤشر على استمرار محاولات الوصول إلى «الحلم الأوروبي»، رغم تصاعد المخاطر البحرية. وتقدر المنظمة أن مئات المهاجرين فقدوا حياتهم، أو اختفوا في مسارات وسط البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة.

في غضون ذلك، لا تزال شواطئ طبرق تستقبل المزيد من الجثث بعد غرق قارب مهاجرين قبالة سواحلها السبت، أسفر عن مصرع ستة أشخاص على الأقل وإنقاذ أربعة آخرين. ومنذ ذلك الحادث، تتوالى عمليات انتشال الجثث على فترات متقطعة، حيث تم العثور على 12 جثة، من بينها مهاجرون مصريون وسودانيون.

ووفق أحدث بيانات «مصفوفة تتبع النزوح» للفترة الممتدة من نوفمبر (تشرين الثاني) إلى ديسمبر (كانون الأول) 2025، فقد سُجل وجود 939638 مهاجراً في ليبيا، وهو أعلى رقم منذ بدء عمليات الرصد، ويمثل زيادة مقارنة بالتقديرات السابقة.

إلا أن رئيس «جهاز مكافحة الهجرة»، في شرق ليبيا، اللواء صلاح الخفيفي، قال في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» إن الأرقام الرسمية المتاحة لدى السلطات في شرق ليبيا، تشير إلى أن «مراكز الاحتجاز تستوعب نحو 7 آلاف مهاجر غير نظامي، وقد تم ترحيل 41 ألف شخص العام الماضي».

وتعيد هذه الحوادث المتكررة تسليط الضوء على المفارقة القاسية، التي يعيشها آلاف المهاجرين، بين حلم الوصول إلى «الحلم الأوروبي»، وبين واقع بحري شديد الخطورة، تتحول فيه الرحلة من أمل بالنجاة مواجهةً مفتوحةً مع الموت في عرض المتوسط.