«المصالحة الليبية» بعد القذافي... فصول من مداواة «جراح لم تلتئم»

رئيس «مجلس الأعيان» يرصد في كتابه «بين الرمال والملح» تفكيك «خصومات قديمة» عمّقتها السياسة

محمد المبشر رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» (الشرق الأوسط)
محمد المبشر رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» (الشرق الأوسط)
TT

«المصالحة الليبية» بعد القذافي... فصول من مداواة «جراح لم تلتئم»

محمد المبشر رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» (الشرق الأوسط)
محمد المبشر رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» (الشرق الأوسط)

«الهواء كان حينها معبأً برائحة الجثث المتروكة للعناد، وقد سبقتنا إليها الكلاب، جثا حسن عتيق موسى، (أحد أعضاء فريق المصالحة إلى سبها بالجنوب الليبي) قرب إحداها، مضيفاً بصوت يشبه البكاء: «هذه ليست حرباً، إنها خيانة لأبسط شروط الإنسانية».

في تلك الأثناء من سنوات تلت إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، كانت ليبيا لا تزال مثخنة بالجراح، الرصاص فوق الرؤوس، والشك لغة متبادلة لدى قطاعات واسعة، وجُل المدن من سبها جنوباً وحتى البيضاء شرقاً، خائفة من مصير مجهول. وسبها المعروفة بـ«عروس الجنوب» لم تكن حينها مدينة، «بل حنجرة مذبوحة تصرخ في صمت. النهار يسحب من الشوارع كما تسحب الروح من جسد يحتضر. والمنازل مغلقة، لا رغيف يخبز، ولا ضحكة تولد، فقط الكلاب تنبح، والرصاص يوزع أقدار الموت بعدالة باردة».

كانت هذه إحدى محطات فرق «المصالحة الوطنية»، التي عملت فور سقوط النظام السابق، على عصمة دماء المواطنين، كما رواها الشيخ محمد المبشِّر، رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة»، بوصفه شاهد عيان على وطن مزّقه النزاع: «يموت كل يوم، ويسحق حاضره» تحت عجلات الكره.

«بين الرمال والملح»

جمع المبشر في فصول كتابه «بين الرمال والملح» حكايات عن ليالٍ حالكات مرّت على بلده، وكيف جاب مع رفاقه مدناً عديدة يضمّدون الجراح، التي لم يندمل بعضها حتى الآن، في رحلة استهلّوها من زوارة والجميل اللتين فرقتهما التباينات السياسية، منطلقاً من «الوقوف على المسافة الصعبة بين الحياد الإيجابي، ورفض الانحياز إلى الباطل مهما تعددت وجوهه».

قدم المبشر في كتابه تشريحاً للوطن والمواطن (الشرق الأوسط)

يقول المبشر: «في شتاء لا يشبه الشتاءات، كانت ليبيا تمضي في يومها الثلاثمائة من عام لم ينته؛ كأن عام 2011 علّق نفسه في عنق البلاد، ويأبى أن يُطوى، كانت المدن كالعجائز تنام وتستفيق على كوابيس قديمة، وكل باب يُفتح أو يُطرق يثير رعب السؤال: هل عادت الحرب؟».

ويضيف المبشر: «كنا أول لجنة وساطة ومصالحة في غرب ليبيا، نتحرك بين المدن، وفي الجميل، كان اللقاء الأول في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته، حيث الشتاء قاسياً والقلوب أكثر برودة من الهواء؛ ما بين المدينتين خلاف لم تصنعه البنادق، بل موقف سياسي تراكم منذ بداية العام».

ويتابع المبشّر موضحاً: «حين وصلنا الجميل، كانت الأخبار تسبقنا؛ وفد من الجبل الأخضر يضم قرابة 150 شخصاً حضروا ليشاركوا في تضميد الجراح، حينها نهض الشيخ علي بشير الشيباني من (المطرد)، رجل يشبه شجرة الزيتون. كان لا يحمل ورقة، وقال: (جئنا لا نعاتب بل لنعانق، فإن لم نصلح بين الجيران فمن يصلح؟».

ليبيون يقفون على قبور ضحايا سقطوا في صراعات سابقة منتصف سبتمبر 2021 (أرشيفية من رويترز)

وتلا الشيباني إدريس يحيى البرعصي من (الجبل الأخضر)، وقال: «سلام الجيرة أغلى من النصر الذي يزرع الكراهية»، ثم أعقبه الشيخ محمد الكيلاني البوسيفي من (نسمة) بحديث عن الصلح، قبل أن نشد الرحال إلى زوارة في اليوم التالي.

زوارة «جريحة لا غاضبة»

يعكس حديث المبشّر وضعية زوارة، التي قال إنها كانت «جريحة لا غاضبة؛ وكأن أهلها ينتظرون سماع الحقيقة لا المزايدات». يقول: «بدأنا من هناك سلسلة جلسات طويلة مرهقة ومتقطعة لم تنته في ذلك العام، ولا في الذي بعده؛ لكن أول جسر وُضع في الجميل بدأت تسير عليه عروق الجيرة».

دبابة في ساحة رئيسية في مدينة بني وليد في ليبيا يوم 29 أكتوبر 2017 (أرشيفية من رويترز)

تقع الجميل جنوب مدينة زوارة، وتبعد عن العاصمة طرابلس 100 كيلومتر غرباً، وما بين المدينتين كان نتاج «خصومة قديمة» جددتها الانقسامات السياسية حيال «ثورة 17 فبراير (شباط)». حينذاك انخرط أبناء زوارة في صفوف «ثورة 17 فبراير»، فيما ظل قطاع واسع من الجميل على ولائهم لنظام القذافي، ما فجّر مواجهات مسلّحة بين مدنيين ومجموعات محلية، عقب انتصار «الثورة».

ما دوّنه المبشر في أسفاره بين المدن، لم يخلُ من رمزية ورسائل وطرح أسئلة عن الشخصية الليبية، وبشأن مدى صواب هذه التحركات. وملف الأزمة الليبية الذي تجوّل بين عواصم عربية وغربية، برعاية أممية بحثاً عن حل، ها هو يسافر في أوراق المبشِّر مع أحد أبناء الليبيين المهاجرين إلى «المريخ» لذات السبب، قبل أن يعود ثانية إلى الأرض.

النزاعات التي تفجرت عقب سقوط نظام القذافي عديدة، من بينها ما شهدته العلاقة بين مدينتي الأصابعة وغريان. وفي هذا السياق يقول المبشر: «ذهبنا لنطفئ حريقاً بين قبيلتين يطل من نوافذ البيوت. وفي الطريق عند بوابة الكليبة أوقفنا التوتر لا الحواجز، شباب من غريان عيونهم تتقد كأنها لم تُغمض منذ خريف 2011، وبنادق تتجه غرباً نحو الأصابعة، كان المكان يغلي دون نار، وكنا حينها ثمانية».

محتجون من طبرق خرجوا لساحات المدينة خلال التورة التي أطاحت بنظام القذافي (رويترز)

وتابع المبشّر قائلاً: «القذائف كانت تسقط قرب سيارتنا، لا تفرق بين من يحمل نية الإصلاح ومن يجرّ حقيبة الذخيرة، فنعود ونحتمي بالمسجد، لنشعر أننا عدنا أحياءً مؤقتين، نلتقط الأنفاس... وعند المغرب في غريان، وقفنا على قارعة الطريق أنا وأحمد المبروك، وشعبان العمياني، وبلا إنذار جاء الرصاص، ومرت قريباً من رؤوسنا طلقات مدافع الرشاشات (14.5)، وتحول الهواء إلى شظايا. ارتمينا في المسجد لا خوفاً بل لنعيد تعريف معنى البقاء... ومع بزوغ الفجر توقف الرصاص، لكن الثمن كان حاضراً؛ خسائر بشرية ومادية، ووجوه لم تعد كما كانت».

حرب ليست ككل الحروب

يروي المبشِّر أنه «منذ ذلك اليوم، لم تعد الحرب في ليبيا تشبه الحروب، بل كانت تنتقل كالمرض الجلدي، تبدّل مكانها، تغير شكلها، وكان فريق المصالحة - وأنا منهم - كمن يتعقب الجدري في زمن بلا أمصال».

مُنيت بعض جولات فرق المصالحة ببعض الخذلان أمام النار، التي اعتملت في القلوب، وكانت هذه فرصة ليسمع المبشِّر صوتاً من داخله يلومه، مدفوعاً بكثرة الإحباطات، إنه «المبشِّر الثاني» الذي رافقه كظله من سبها وحتى البيضاء يشير له باستحالة الحل.

لكن في لحظة ما بعد «ديالوج» طويل، يتوحد الراوي مع «قرينه»، يقول المبشر: «حين لم أعد من المبشر الثاني، بدأت أسمع ليبيا بصوتها الحقيقي. لا تطلب الإنقاذ ولكن تقول: افتح قلبك وسأبقى. ليبيا ليست للذين لا يخطئون، بل للذين رغم الأخطاء لا يقطعون الحبل».

الاحتجاجات التي أعقبت سقوط نظام القذافي جرت وراءها خصومات وخلافات سياسية بين مؤيدين ومعارضين للنظام البائد (رويترز)

في سبها، تجدد الاقتتال عام 2014 في ظل شتاء قاسٍ، يروي المبشر: «حينها كلفت الحكومة حاكماً عسكرياً على المدينة؛ كلفته لا لينقذ؛ بل ليقال إنها فعلت شيئاً؛ الوطن حينها كان يشبه حكومته، منهكاً بلا كهرباء... بلا وقود بلا لغة... القبيلة وحدها كانت تتكلم، وكلما خرس الوطن ازدادت فصاحتها».

ويضيف: «كنا خمسة، أنا، وزيدان قلاش وعبد الحفيظ اللطيف، وأيوب الشرع والراحل إمحمد الشرع، دخلنا مقر الحاكم العسكري، كان المكان أقرب إلى خيمة عزاء لا تزال تهرب من إعلان الحداد، جلسنا مع أطراف ثلاثة، كل طرف يتهم الآخر، وكل عين تحمل في بياضها تاريخاً من الدم».

ثم، وسط حالة من الصمت، قال أحد شيوخ سبها: «هناك جثتان مرميتان منذ أربعة أيام، ولا أحد يجرؤ على الاقتراب، القناص يقترب»... يقول المبشِّر، «دون تفكير واستجابة للإنسانية ذهبنا بعد تنسيق أنا وحسن العياط، وثلاثة رجال بسيارة إسعاف، دخلنا شارع الموت بصمت، وحين وصلنا كان الهواء برائحة الجثث المتروكة؛ وقد سبقتنا إليها الكلاب، ركع العياط قرب إحداها وقال بصوت مجهوش بالبكاء: (هذه ليست حرباً، هذه خيانة لأبسط شروط الإنسانية)».

«لم يطلق القناص رصاصته. ربما اختنق خلف منظاره، ربما تذكر أن له أماً تنتظر عشاءه، أو ربما أدرك أن الرصاصة الأخيرة لا تقتل... بل تدين»، هكذا يقول المبشِّر.

باتساع خريطة ليبيا تركت الحرب والخصومات عليها أثراً عليها، وكان على فرق المصالحة ملاحقتها ومداواة جراحها، من الأصابعة إلى الكفرة، ثم من طرابلس إلى القاهرة مروراً بتونس. يقول المبشر: «جلسنا مع المهجّرين والمهاجرين في مصر، رجال من طرابلس ومصراتة وبنغازي، أصواتهم كانت محمّلة بالاتهامات والحزن، بدأ الحوار حاداً ومتوتراً، أحد المهجّرين اتهم الوفد بالخيانة، لكننا تعلمنا أن نصغي أكثر مما نتحدث».

وتابع: «تدريجياً بدأ الحوار يلين؛ تحدثوا عن المدن التي تركوها، عن الأحياء التي فقدوها، وعن القادة الذين جعلوهم يفرون، وكل حكاية كانت تضيف ثقلاً نفسياً على الوفد، وتزيد شعورنا بالمسؤولية... لم تُحل المشاكل ولم تتوقف الحروب، لكننا كنا نحمل معنا فهماً أعمق، وإيماناً بأن المصالحة تبدأ بالحديث الصادق. عدنا إلى القاهرة نهاية 2018 عن طريق البر في وفد مكوَّن من 40 رجلاً، مررنا على مدن ليبية عدة عند الحدود. كانت دقات القلب تتصاعد وأوراق السفر بين أيدينا، فجأة ظهر رجال قبائل أولاد علي، يلوحون لنا من مسافة بعيدة يحملون الترحيب في أعينهم وأيديهم، تقدمهم عمدة السلوم وشيخها مرحباً: (أهلاً بكم، هنا داركم)».

لم ينس المبشِّر أن تحوي طيات كتابه تشريحاً للوطن والمواطن، مقدماً رؤية شارحة للشخصية الليبية، ومتسائلاً: «ما الذي يجعل الليبي ليبياً؟ هل هو الرمل الذي يحترق تحت قدميه، أم الملح الذي يخزنه جسده من بحر لم يشبع عطشه؟... هل هي القبيلة التي تعلمه الحذر؟ أم الغنيمة التي تجعله يتقن القنص ولو في زمن السلم؟ أم الدولة التي ما زال يراها شعاراً لا مؤسسة؟».

يلفت المبشِّر في كتابه «بين الرمال والملح» إلى أنه حين بدأت رائحة الدم تتسرب إلى أركان المدن، لم تتشكل لجان، ولم تُعقد مؤتمرات، بل كان هناك شيء آخر لا نستطيع وصفه بسهولة، إنه «الفزعة».

ينوه المبشر إلى أنه «حين يشعر الليبي بالخطر لا ينتظر دعوة، وحين يرى الدم لا يسأل عن تفاصيل، بل يتحرك بدافع أعمق من السياسة وأصدق من التحليل».

وينتهي المبشر قائلاً: «إن وجدت ميزان العدل، رأيت التنوع قوة، والشراكة ممكنة. وإن غاب أصبحت الصحراء محكمة والبنادق مُشرّعة، والقبيلة آخر دولة باقية».


مقالات ذات صلة

«الوحدة» الليبية تتحرك لمعالجة أزمات الجنوب بـ«خطط عاجلة»

شمال افريقيا الزادمة خلال اجتماعه مع وزراء ومسؤولين بحكومة «الوحدة» لبحث أزمات الجنوب (منصة «حكومتنا»)

«الوحدة» الليبية تتحرك لمعالجة أزمات الجنوب بـ«خطط عاجلة»

وسط معاناة الجنوب الليبي الممتدة منذ سنوات، تقول حكومة «الوحدة» إنها «تسعى إلى إيجاد حلول جذرية ومستدامة لإعادة إعمار البنية التحتية هناك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من المظاهرات أمام مقر «مفوضية اللاجئين» بحي السراج بالعاصمة (أ.ف.ب)

«النواب» يرفض اتخاذ ليبيا «موطناً بديلاً» للمهاجرين غير النظاميين

حذر مجلس النواب الليبي على لسان لجنته للدفاع والأمن القومي «من مغبة اتخاذ أي إجراءات أو تبني أي مبادرات أو تستهدف تغيير البنية السكانية للمجتمع الليبي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من المظاهرات التي شهدتها طرابلس رفضاً لـ«توطين المهاجرين غير الشرعيين» (رويترز)

البعثة الأممية تدين دعوات العنف ضد موظفيها في ليبيا

نفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا صحة المزاعم المتداولة بشأن وجود برامج لتوطين المهاجرين بالبلاد، مؤكدة أن جميع الادعاءات بهذا الشأن «عارية من الصحة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر يتوسط قيادات عسكرية وحكومية خلال افتتاح مقر لجنة إعادة إعمار وسط البلاد ومنطقة الصابري في بنغازي (القيادة العامة)

حفتر يربط تحقيق «المعيشة الراقية» لليبيين بفرض الأمن

قال القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، المشير خليفة حفتر، إن بلده «ليس مكاناً للفوضى، أو التخريب، أو الإضرار بالمواطنين، بل يجب أن يعيش مواطنوه حياة راقية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من المحتجين بعد تجاوزهم الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية في جنزور غرب ليبيا (من مقطع فيديو)

ليبيون يقتحمون أسوار «البعثة الأممية» تنديداً بـ«توطين المهاجرين»

اقتحم ليبيون أغلبهم من فئة الشباب الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية في غرب ليبيا، تزامناً مع احتجاجات أخرى أمام مقر «مفوضية اللاجئين» وإغلاقه بسواتر رملية.

جمال جوهر (القاهرة)

توافق سوداني لإطلاق مسار سياسي يُنهي الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

توافق سوداني لإطلاق مسار سياسي يُنهي الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

سجّلت قوى سياسية ومدنية سودانية متباينة اختراقاً سياسياً مهماً، بتوصلها إلى رؤية مشتركة لإطلاق عملية سياسية تُمهّد لإنهاء الحرب، ووضع أسس انتقال سلمي للحكم الديمقراطي، عقب مداولات استمرت يومين.

وأصدرت هذه القوى، التي كانت يوماً تحت مظلة واحدة قبل أن تفرقها الحرب وتُباعد مواقفها، بياناً مشتركاً ضمّ «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة» (صمود) بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و«الكتلة الديمقراطية» الحليفة للجيش السوداني. وأكّد البيان أهمية وقف الحرب ضمن 3 مسارات؛ إنسانية وأخرى أمنية.

ويُعدّ هذا التوافق الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب؛ إذ يجمع بين قوى مناهضة للحرب، مثل تحالف «صمود»، و«الكتلة الديمقراطية» الداعية لاستمرارها.

وشارك في الاجتماعات وفد من تحالف «تأسيس» وهو من أذرع «الدعم السريع»، غير أنه لم يكن ضمن الاتفاق بسبب اعتراضات بعض أعضاء «الكتلة الديمقراطية».ورجّح مراقبون أن تكون مشاركة «الكتلة الديمقراطية» في الاجتماع جاءت بضوء أخضر من قادة الجيش السوداني. كما تمت الموافقة على استبعاد التيار الإسلاموي ممثّلاً في حزب «المؤتمر الوطني» المعزول من أي مشاركة في العملية السياسية.


توافق سوداني على وضع أسس انتقال سياسي للحكم الديمقراطي

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

توافق سوداني على وضع أسس انتقال سياسي للحكم الديمقراطي

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

حققت قوى سياسية ومدنية سودانية متباينة اختراقاً سياسياً مهماً بعد توصلها إلى رؤية مشتركة لإطلاق عملية سياسية تمهد لإنهاء الحرب، ووضع أسس انتقال سلمي نحو الحكم المدني الديمقراطي، عقب مداولات استمرت عدة أيام.

وأصدرت هذه القوى، التي كانت يوماً تحت مظلة واحدة قبل أن تفرقها الحرب وتباعد مواقفها، بياناً مشتركاً ضم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و«الكتلة الديمقراطية» الحليفة للجيش السوداني، و«حزب البعث العربي الاشتراكي»، إلى جانب أحزاب وقوى سياسية أخرى وشخصيات ومنظمات مدنية ونسوية وشبابية.

وأكد البيان توافق الأطراف على مسار سياسي جديد يهدف إلى تحقيق سلام شامل وإنهاء الحرب، ووضع أسس حل سلمي يحافظ على وحدة السودان وسيادته. ويُعد هذا التوافق الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023؛ إذ يجمع بين قوى مناهضة للحرب (تحالف صمود) و«الكتلة الديمقراطية» التي تُعد أكبر تحالف سياسي داعم للجيش السوداني.

وسلمت القوى السودانية، فجر الجمعة، «الآلية الخماسية» الدولية، التي تضم الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد)، مسودة الرؤية التي تم التوصل إليها بالإجماع.

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية خلال اجتماعات سابقة في نيروبي (تحالف صمود)

وجاء الاتفاق بعد تعذر انعقاد الاجتماع الرسمي الذي دعت إليه «الآلية الخماسية»؛ ما دفع القوى السياسية والمدنية إلى الانخراط في مشاورات جانبية مكثفة للتوافق على أسس عملية سياسية جديدة. وقالت القوى الموقعة إن هذا التوافق يعكس إرادة سياسية ومدنية مشتركة لوضع حد للاقتتال، وفتح الطريق أمام تسوية سلمية شاملة.

وشاركت في الاجتماعات إلى جانب الكتلة الديمقراطية، وتحالف صمود، تحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، إلا أن المفاوضات التي جرت كانت بين الكتلة الديمقراطية وتحالف «صمود»، حيث رفض أعضاء في الكتلة الديمقراطية الجلوس مع وفد «تأسيس».

وشدد البيان المشترك على ضرورة تصميم عملية سياسية متكاملة تتصدر أولوياتها معالجة الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب، وتوسيع الفضاء المدني، وتهيئة المناخ اللازم لإنجاح الحوار الوطني. كما أكد أهمية المحاسبة على جرائم الحرب وتحقيق العدالة الجنائية والعدالة الانتقالية لمعالجة الآثار الاجتماعية والنفسية التي خلفها النزاع.

لجنة لصياغة الأجندة

واتفقت الأطراف على تشكيل لجنة تحضيرية لا يتجاوز عدد أعضائها 40 عضواً وعضوة، تمثل مختلف أطراف العملية السياسية، مع مراعاة التعدد السياسي والتوازن الجغرافي والتمثيل الاجتماعي والمهني والنسوي والشبابي، فضلاً عن تمثيل المتأثرين بالحرب من النازحين واللاجئين.

وستتولى اللجنة تحديد أطراف العملية السياسية، وفق معايير متوافق عليها، وصياغة أجندة الحوار ومبادئ الحل السياسي ومرتكزاته، والإشراف على إجراءات تهيئة المناخ، إضافة إلى وضع منهجية الحوار، وتحديد زمان ومكان انعقاده وتنسيق العلاقة مع الوسطاء والضامنين الإقليميين والدوليين.

وتتضمن الرؤية 3 مسارات متزامنة للعملية السياسية. ففي المسار الإنساني، دعت القوى إلى فك الحصار عن المدن والمعسكرات في دارفور وكردفان وغيرها من المناطق المتضررة، وفتح الممرات الآمنة لإيصال المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، مع التزام الأطراف المتحاربة بتسهيل عمل المنظمات الإنسانية دون قيود.

البرهان أعلن قبل أيام إطلاق حوار سياسي شامل وسط توقعات بأنه لم يمانع مشاركة قوى موالية له في اجتماعات أديس أبابا (فيسبوك)

أما في المسار الأمني، فقد اشترطت التوصل إلى وقف إنساني لإطلاق النار يستند إلى بنود «إعلان جدة»، وتحت رقابة إقليمية ودولية وأممية، بالتزامن مع انطلاق العملية السياسية، بما يمهد للوصول إلى وقف دائم وشامل لإطلاق النار.

وفي المسار السياسي، نصت الرؤية على إطلاق حوار سوداني شامل بين القوى السياسية والمدنية لمعالجة جذور الأزمة الوطنية والوصول إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس للتحول المدني الديمقراطي.

كما دعت الوثيقة إلى اتخاذ إجراءات لبناء الثقة قبل بدء العملية السياسية، تشمل إطلاق سراح المحتجزين والأسرى والمختطفين، وإنشاء آليات للبحث عن المفقودين، وإلغاء الإجراءات التعسفية ضد القوى المدنية والسياسية، وضمان حرية النشاط السياسي والمدني، ووقف المحاكمات المرتبطة بالحرب ذات الطابع السياسي.

وأكد المشاركون في اجتماعات أديس أبابا، يومي الأربعاء والخميس، على استبعاد حزب المؤتمر الوطني المعزول وواجهاته التنظيمية من أي مشاركة في العملية السياسية المقبلة، بوصفه أحد الثوابت التي حظيت بإجماع واسع بين الأطراف المشاركة.

وأكد المشاركون في الاجتماعات التي جرت في أديس أبابا، يومي الأربعاء والخميس، على إبعاد حزب المؤتمر الوطني المعزول بثورة 2018، وواجهاته التنظيمية من أي مشاركة في العملية السياسية.

ولا يستبعد على نطاق واسع أن يكون مشاركة «الكتلة الديمقراطية» في اجتماع أديس أبابا، وما تم التوصل من توافق، كان بإيعاز من من قادة الجيش السوداني.

ومن بين المبادئ التي تضمنتها الرؤية التأكيد على وحدة السودان وسيادته، والربط بين المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية ضمن حزمة متكاملة تقود إلى إنهاء الحرب، واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي.

أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين (إكس)

وكانت «الآلية الخماسية» قد دعت القوى السودانية، بما في ذلك تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» المرتبط بـ«قوات الدعم السريع»، إلى اجتماع استكشافي يهدف إلى تقريب وجهات النظر، وفتح مسار سياسي جديد لإنهاء النزاع المستمر في البلاد. وبحث إمكانية تشكيل آلية موحدة للمساهمة في جهود وقف الحرب، والتفاوض بشأن الترتيبات الانتقالية، تمهيداً لإطلاق حوار سياسي شامل بين السودانيين.

وقال مبارك أردول، رئيس «التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية» وأحد أبرز قيادات «الكتلة الديمقراطية»، إن المشاورات التي جرت في أديس أبابا تمثل خطوة كبيرة منذ اندلاع الحرب، مشيراً إلى أن المشاركين توصلوا إلى موقف مشترك بشأن اللجنة التحضيرية للعملية السياسية والبيان الختامي، مع التمسك برفض مشاركة تحالف «تأسيس» في العملية السياسية.

وتضم «الكتلة الديمقراطية» عدداً من الحركات المسلحة والقوى السياسية، من أبرزها «حركة العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم، و«حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«مؤتمر البجا»، و«الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل»، إلى جانب مكونات سياسية أخرى.

من جانبه، قال الأمين العام لحزب «الأمة» القومي، الواثق البرير، إن لقاء أديس أبابا استهدف التوافق على أسس وآليات التحضير لعملية سياسية سودانية شاملة، مؤكداً تمسك حزبه برفض عودة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية إلى المشهد السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.


مقترح تطبيق «الدعم النقدي» في مصر يثير مخاوف وانتقادات واسعة

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء)
اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء)
TT

مقترح تطبيق «الدعم النقدي» في مصر يثير مخاوف وانتقادات واسعة

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء)
اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي الخميس (مجلس الوزراء)

لا يزال مقترح تطبيق نظام «الدعم النقدي» في مصر يثير انتقادات لدى قطاعات من المستفيدين، وسط مخاوف من حرمان «الفئات الأولى بالرعاية» من «الدعم الحكومي».

وأكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي «بدء تطبيق منظومة الدعم النقدي» في بلاده «اعتباراً من العام المالي المقبل، الذي سيبدأ في يوليو (تموز) العام الحالي»، وقال في مؤتمر صحافي، مساء الخميس، إن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي».

ورهن خبراء نجاح المقترح الجديد بـ«توافر قاعدة بيانات دقيقة لـ(الفئات الأولى بالرعاية)»، إلى جانب «آلية رقابية تضمن حصول المستحقين على الدعم الحكومي، وتحديث البيانات بشكل دقيق حتى لا تُستبعد فئات مستحقة».

وتطبق الحكومة منظومة لدعم السلع الضرورية منذ عقود طويلة، بهدف خفض نفقات المعيشة لـ«الفئات الأولى بالرعاية»، ويحصل المواطن على السلع المدعمة من خلال منظومة البطاقات التموينية.

وتشكو الحكومة باستمرار من الأعباء الاقتصادية لمنظومة الدعم على الموازنة العامة، خصوصاً بعد التوسع في السلع المدعمة خلال السنوات الماضية.

وبحسب رئيس الوزراء المصري، فإن «بدء تطبيق نظام الدعم النقدي بداية من العام المالي المقبل، سيشكّل نقلة نوعية في أسلوب تقديم الدعم للمواطنين»، وقال إن حكومته «تركز على معالجة أوجه القصور في منظومة الدعم الحالية، بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية، والاستفادة القصوى من الموارد المخصصة للدعم».

وأشار مدبولي، الخميس، إلى أن المقترح الجديد لنظام الدعم النقدي سيعتمد على «تقسيم المستحقين إلى عدة شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي»، وقال إن «الفئات (الأكثر احتياجاً) ستحصل على أعلى قيمة من الدعم النقدي، في حين تحصل الشرائح (الأقل احتياجاً) على مبالغ أقل وفق نظام تدريجي يحقق العدالة في التوزيع».

وأكد مدبولي أن هدف حكومته «توجيه الجزء الأكبر من الدعم للفئات (الأشد احتياجاً)، بما يضمن تحقيق أكبر أثر اجتماعي ممكن من الأموال التي تخصصها الدولة لهذا الملف»، وقال إن «الحكومة تعمل على تصميم آلية تضمن استمرار الدعم بصورة عادلة ومتوازنة مع مراعاة المتغيرات الاقتصادية المختلفة».

و«رفعت الحكومة قيمة الدعم والحماية الاجتماعية في الموازنة الجديدة للدولة التي ستطبق بداية من يوليو المقبل إلى 832.3 مليار جنيه»، وفق وزارة المالية (الدولار يساوي 51.7 جنيه).

الحكومة تدرس التحول إلى نظام «الدعم النقدي» بدلاً من «العيني» (وزارة التموين)

وكيل «لجنة الخطة والموازنة» بمجلس النواب مصطفى سالم، يرى أن «الحديث عن حوكمة ملف الدعم وضمان وصوله للمستحقين الحقيقيين من الأهداف الإيجابية»، غير أنه أشار إلى أن «التحول للنظام النقدي يحتاج إلى دراسات واستعدادات مستفيضة لضمان تحقيق هدفه بالفعل».

وأوضح سالم لـ«الشرق الأوسط» أن «النظام النقدي يحتاج إلى قاعدة بيانات دقيقة بأسماء المستحقين للدعم، مع نظام مميكن يضمن وصول الدعم لـ(الفئات الأولى بالرعاية)»، وقال إن «الحكومة لم تعلن أي إجراءات بشأن المنظومة الجديدة»، مشيراً إلى أنه من الأفضل «التطبيق التدريجي لبعض فئات الدعم، وفي محافظات معينة، لضمان تلافي أي أخطاء قد تثير غضب المواطنين».

وأبدى متابعون على منصات التواصل الاجتماعي، الجمعة، مخاوفهم من تطبيق «الدعم النقدي»، وانتقدوا مقترح الحكومة في هذا الشأن، وطالبوا بـ«استمرار النظام القديم (الدعم السلعي) مع زيادته بصورة أكبر بدلاً من إلغائه».

ويستفيد نحو 68 مليون مواطن من منظومة الدعم التمويني بمصر، حسب وزارة التموين.

وبحسب الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، فإن «هناك مخاوف من آليات تطبيق الدعم النقدي»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التحدي الأساسي أمام الحكومة هو توفير منصة تجمع كل شرائح المستحقين للدعم»، إلى جانب «آلية دقيقة للرقابة على إجراءات توزيع الدعم النقدي».

الحكومة المصرية تشكو باستمرار من الأعباء الاقتصادية لمنظومة الدعم على الموازنة (وزارة التموين)

ويرى بدرة أن «القبول المجتمعي بالمنظومة الجديدة مرهون بشكل أساسي بإجراءات تطبيقها بشكل آمن ودقيق دون أخطاء تؤدي لاستبعاد مستحقين للدعم». ويقول إنه «يجب توافر مجموعة من الضوابط لإنجاح التحول للدعم النقدي، تتضمن تحديد فئة المستحقين للدعم، ومن سيحصل عليه، هل الأسرة أو كل فرد على حدة، وقيمته... ».

وتعمل الحكومة بصورة شبه يومية لإنهاء الدراسات الخاصة بملف التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، بحسب مصطفى مدبولي، قائلاً إن «هذا الملف يخضع لمناقشات موسعة مع مختلف الجهات المختصة والخبراء لضمان الوصول إلى أفضل آلية للتنفيذ»، وأضاف أنه «يتم دراسة كافة الملاحظات والآراء المطروحة بشأن الدعم النقدي، خاصة ما يتعلق بتأثيرات التضخم، وكيفية الحفاظ على القوة الشرائية للمستفيدين».

في حين عدّ الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن مقترح الحكومة تطبيق الدعم النقدي «ضرورة في ظل الأعباء الاقتصادية التي تواجهها البلاد»، مشيراً إلى أن «الحكومة في حاجة لتحرير الدعم من الموازنة العامة كإصلاحات اقتصادية مطلوبة من المؤسسات الدولية التي من بينها صندوق النقد الدولي».

ويضيف النحاس لـ«الشرق الأوسط» أن «الحكومة ستضطر إلى خفض عدد المستحقين للدعم مع تطبيق النظام النقدي»، حسب قوله.