«المصالحة الليبية» بعد القذافي... فصول من مداواة «جراح لم تلتئم»

رئيس «مجلس الأعيان» يرصد في كتابه «بين الرمال والملح» تفكيك «خصومات قديمة» عمّقتها السياسة

محمد المبشر رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» (الشرق الأوسط)
محمد المبشر رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» (الشرق الأوسط)
TT

«المصالحة الليبية» بعد القذافي... فصول من مداواة «جراح لم تلتئم»

محمد المبشر رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» (الشرق الأوسط)
محمد المبشر رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» (الشرق الأوسط)

«الهواء كان حينها معبأً برائحة الجثث المتروكة للعناد، وقد سبقتنا إليها الكلاب، جثا حسن عتيق موسى، (أحد أعضاء فريق المصالحة إلى سبها بالجنوب الليبي) قرب إحداها، مضيفاً بصوت يشبه البكاء: «هذه ليست حرباً، إنها خيانة لأبسط شروط الإنسانية».

في تلك الأثناء من سنوات تلت إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، كانت ليبيا لا تزال مثخنة بالجراح، الرصاص فوق الرؤوس، والشك لغة متبادلة لدى قطاعات واسعة، وجُل المدن من سبها جنوباً وحتى البيضاء شرقاً، خائفة من مصير مجهول. وسبها المعروفة بـ«عروس الجنوب» لم تكن حينها مدينة، «بل حنجرة مذبوحة تصرخ في صمت. النهار يسحب من الشوارع كما تسحب الروح من جسد يحتضر. والمنازل مغلقة، لا رغيف يخبز، ولا ضحكة تولد، فقط الكلاب تنبح، والرصاص يوزع أقدار الموت بعدالة باردة».

كانت هذه إحدى محطات فرق «المصالحة الوطنية»، التي عملت فور سقوط النظام السابق، على عصمة دماء المواطنين، كما رواها الشيخ محمد المبشِّر، رئيس «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة»، بوصفه شاهد عيان على وطن مزّقه النزاع: «يموت كل يوم، ويسحق حاضره» تحت عجلات الكره.

«بين الرمال والملح»

جمع المبشر في فصول كتابه «بين الرمال والملح» حكايات عن ليالٍ حالكات مرّت على بلده، وكيف جاب مع رفاقه مدناً عديدة يضمّدون الجراح، التي لم يندمل بعضها حتى الآن، في رحلة استهلّوها من زوارة والجميل اللتين فرقتهما التباينات السياسية، منطلقاً من «الوقوف على المسافة الصعبة بين الحياد الإيجابي، ورفض الانحياز إلى الباطل مهما تعددت وجوهه».

قدم المبشر في كتابه تشريحاً للوطن والمواطن (الشرق الأوسط)

يقول المبشر: «في شتاء لا يشبه الشتاءات، كانت ليبيا تمضي في يومها الثلاثمائة من عام لم ينته؛ كأن عام 2011 علّق نفسه في عنق البلاد، ويأبى أن يُطوى، كانت المدن كالعجائز تنام وتستفيق على كوابيس قديمة، وكل باب يُفتح أو يُطرق يثير رعب السؤال: هل عادت الحرب؟».

ويضيف المبشر: «كنا أول لجنة وساطة ومصالحة في غرب ليبيا، نتحرك بين المدن، وفي الجميل، كان اللقاء الأول في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته، حيث الشتاء قاسياً والقلوب أكثر برودة من الهواء؛ ما بين المدينتين خلاف لم تصنعه البنادق، بل موقف سياسي تراكم منذ بداية العام».

ويتابع المبشّر موضحاً: «حين وصلنا الجميل، كانت الأخبار تسبقنا؛ وفد من الجبل الأخضر يضم قرابة 150 شخصاً حضروا ليشاركوا في تضميد الجراح، حينها نهض الشيخ علي بشير الشيباني من (المطرد)، رجل يشبه شجرة الزيتون. كان لا يحمل ورقة، وقال: (جئنا لا نعاتب بل لنعانق، فإن لم نصلح بين الجيران فمن يصلح؟».

ليبيون يقفون على قبور ضحايا سقطوا في صراعات سابقة منتصف سبتمبر 2021 (أرشيفية من رويترز)

وتلا الشيباني إدريس يحيى البرعصي من (الجبل الأخضر)، وقال: «سلام الجيرة أغلى من النصر الذي يزرع الكراهية»، ثم أعقبه الشيخ محمد الكيلاني البوسيفي من (نسمة) بحديث عن الصلح، قبل أن نشد الرحال إلى زوارة في اليوم التالي.

زوارة «جريحة لا غاضبة»

يعكس حديث المبشّر وضعية زوارة، التي قال إنها كانت «جريحة لا غاضبة؛ وكأن أهلها ينتظرون سماع الحقيقة لا المزايدات». يقول: «بدأنا من هناك سلسلة جلسات طويلة مرهقة ومتقطعة لم تنته في ذلك العام، ولا في الذي بعده؛ لكن أول جسر وُضع في الجميل بدأت تسير عليه عروق الجيرة».

دبابة في ساحة رئيسية في مدينة بني وليد في ليبيا يوم 29 أكتوبر 2017 (أرشيفية من رويترز)

تقع الجميل جنوب مدينة زوارة، وتبعد عن العاصمة طرابلس 100 كيلومتر غرباً، وما بين المدينتين كان نتاج «خصومة قديمة» جددتها الانقسامات السياسية حيال «ثورة 17 فبراير (شباط)». حينذاك انخرط أبناء زوارة في صفوف «ثورة 17 فبراير»، فيما ظل قطاع واسع من الجميل على ولائهم لنظام القذافي، ما فجّر مواجهات مسلّحة بين مدنيين ومجموعات محلية، عقب انتصار «الثورة».

ما دوّنه المبشر في أسفاره بين المدن، لم يخلُ من رمزية ورسائل وطرح أسئلة عن الشخصية الليبية، وبشأن مدى صواب هذه التحركات. وملف الأزمة الليبية الذي تجوّل بين عواصم عربية وغربية، برعاية أممية بحثاً عن حل، ها هو يسافر في أوراق المبشِّر مع أحد أبناء الليبيين المهاجرين إلى «المريخ» لذات السبب، قبل أن يعود ثانية إلى الأرض.

النزاعات التي تفجرت عقب سقوط نظام القذافي عديدة، من بينها ما شهدته العلاقة بين مدينتي الأصابعة وغريان. وفي هذا السياق يقول المبشر: «ذهبنا لنطفئ حريقاً بين قبيلتين يطل من نوافذ البيوت. وفي الطريق عند بوابة الكليبة أوقفنا التوتر لا الحواجز، شباب من غريان عيونهم تتقد كأنها لم تُغمض منذ خريف 2011، وبنادق تتجه غرباً نحو الأصابعة، كان المكان يغلي دون نار، وكنا حينها ثمانية».

محتجون من طبرق خرجوا لساحات المدينة خلال التورة التي أطاحت بنظام القذافي (رويترز)

وتابع المبشّر قائلاً: «القذائف كانت تسقط قرب سيارتنا، لا تفرق بين من يحمل نية الإصلاح ومن يجرّ حقيبة الذخيرة، فنعود ونحتمي بالمسجد، لنشعر أننا عدنا أحياءً مؤقتين، نلتقط الأنفاس... وعند المغرب في غريان، وقفنا على قارعة الطريق أنا وأحمد المبروك، وشعبان العمياني، وبلا إنذار جاء الرصاص، ومرت قريباً من رؤوسنا طلقات مدافع الرشاشات (14.5)، وتحول الهواء إلى شظايا. ارتمينا في المسجد لا خوفاً بل لنعيد تعريف معنى البقاء... ومع بزوغ الفجر توقف الرصاص، لكن الثمن كان حاضراً؛ خسائر بشرية ومادية، ووجوه لم تعد كما كانت».

حرب ليست ككل الحروب

يروي المبشِّر أنه «منذ ذلك اليوم، لم تعد الحرب في ليبيا تشبه الحروب، بل كانت تنتقل كالمرض الجلدي، تبدّل مكانها، تغير شكلها، وكان فريق المصالحة - وأنا منهم - كمن يتعقب الجدري في زمن بلا أمصال».

مُنيت بعض جولات فرق المصالحة ببعض الخذلان أمام النار، التي اعتملت في القلوب، وكانت هذه فرصة ليسمع المبشِّر صوتاً من داخله يلومه، مدفوعاً بكثرة الإحباطات، إنه «المبشِّر الثاني» الذي رافقه كظله من سبها وحتى البيضاء يشير له باستحالة الحل.

لكن في لحظة ما بعد «ديالوج» طويل، يتوحد الراوي مع «قرينه»، يقول المبشر: «حين لم أعد من المبشر الثاني، بدأت أسمع ليبيا بصوتها الحقيقي. لا تطلب الإنقاذ ولكن تقول: افتح قلبك وسأبقى. ليبيا ليست للذين لا يخطئون، بل للذين رغم الأخطاء لا يقطعون الحبل».

الاحتجاجات التي أعقبت سقوط نظام القذافي جرت وراءها خصومات وخلافات سياسية بين مؤيدين ومعارضين للنظام البائد (رويترز)

في سبها، تجدد الاقتتال عام 2014 في ظل شتاء قاسٍ، يروي المبشر: «حينها كلفت الحكومة حاكماً عسكرياً على المدينة؛ كلفته لا لينقذ؛ بل ليقال إنها فعلت شيئاً؛ الوطن حينها كان يشبه حكومته، منهكاً بلا كهرباء... بلا وقود بلا لغة... القبيلة وحدها كانت تتكلم، وكلما خرس الوطن ازدادت فصاحتها».

ويضيف: «كنا خمسة، أنا، وزيدان قلاش وعبد الحفيظ اللطيف، وأيوب الشرع والراحل إمحمد الشرع، دخلنا مقر الحاكم العسكري، كان المكان أقرب إلى خيمة عزاء لا تزال تهرب من إعلان الحداد، جلسنا مع أطراف ثلاثة، كل طرف يتهم الآخر، وكل عين تحمل في بياضها تاريخاً من الدم».

ثم، وسط حالة من الصمت، قال أحد شيوخ سبها: «هناك جثتان مرميتان منذ أربعة أيام، ولا أحد يجرؤ على الاقتراب، القناص يقترب»... يقول المبشِّر، «دون تفكير واستجابة للإنسانية ذهبنا بعد تنسيق أنا وحسن العياط، وثلاثة رجال بسيارة إسعاف، دخلنا شارع الموت بصمت، وحين وصلنا كان الهواء برائحة الجثث المتروكة؛ وقد سبقتنا إليها الكلاب، ركع العياط قرب إحداها وقال بصوت مجهوش بالبكاء: (هذه ليست حرباً، هذه خيانة لأبسط شروط الإنسانية)».

«لم يطلق القناص رصاصته. ربما اختنق خلف منظاره، ربما تذكر أن له أماً تنتظر عشاءه، أو ربما أدرك أن الرصاصة الأخيرة لا تقتل... بل تدين»، هكذا يقول المبشِّر.

باتساع خريطة ليبيا تركت الحرب والخصومات عليها أثراً عليها، وكان على فرق المصالحة ملاحقتها ومداواة جراحها، من الأصابعة إلى الكفرة، ثم من طرابلس إلى القاهرة مروراً بتونس. يقول المبشر: «جلسنا مع المهجّرين والمهاجرين في مصر، رجال من طرابلس ومصراتة وبنغازي، أصواتهم كانت محمّلة بالاتهامات والحزن، بدأ الحوار حاداً ومتوتراً، أحد المهجّرين اتهم الوفد بالخيانة، لكننا تعلمنا أن نصغي أكثر مما نتحدث».

وتابع: «تدريجياً بدأ الحوار يلين؛ تحدثوا عن المدن التي تركوها، عن الأحياء التي فقدوها، وعن القادة الذين جعلوهم يفرون، وكل حكاية كانت تضيف ثقلاً نفسياً على الوفد، وتزيد شعورنا بالمسؤولية... لم تُحل المشاكل ولم تتوقف الحروب، لكننا كنا نحمل معنا فهماً أعمق، وإيماناً بأن المصالحة تبدأ بالحديث الصادق. عدنا إلى القاهرة نهاية 2018 عن طريق البر في وفد مكوَّن من 40 رجلاً، مررنا على مدن ليبية عدة عند الحدود. كانت دقات القلب تتصاعد وأوراق السفر بين أيدينا، فجأة ظهر رجال قبائل أولاد علي، يلوحون لنا من مسافة بعيدة يحملون الترحيب في أعينهم وأيديهم، تقدمهم عمدة السلوم وشيخها مرحباً: (أهلاً بكم، هنا داركم)».

لم ينس المبشِّر أن تحوي طيات كتابه تشريحاً للوطن والمواطن، مقدماً رؤية شارحة للشخصية الليبية، ومتسائلاً: «ما الذي يجعل الليبي ليبياً؟ هل هو الرمل الذي يحترق تحت قدميه، أم الملح الذي يخزنه جسده من بحر لم يشبع عطشه؟... هل هي القبيلة التي تعلمه الحذر؟ أم الغنيمة التي تجعله يتقن القنص ولو في زمن السلم؟ أم الدولة التي ما زال يراها شعاراً لا مؤسسة؟».

يلفت المبشِّر في كتابه «بين الرمال والملح» إلى أنه حين بدأت رائحة الدم تتسرب إلى أركان المدن، لم تتشكل لجان، ولم تُعقد مؤتمرات، بل كان هناك شيء آخر لا نستطيع وصفه بسهولة، إنه «الفزعة».

ينوه المبشر إلى أنه «حين يشعر الليبي بالخطر لا ينتظر دعوة، وحين يرى الدم لا يسأل عن تفاصيل، بل يتحرك بدافع أعمق من السياسة وأصدق من التحليل».

وينتهي المبشر قائلاً: «إن وجدت ميزان العدل، رأيت التنوع قوة، والشراكة ممكنة. وإن غاب أصبحت الصحراء محكمة والبنادق مُشرّعة، والقبيلة آخر دولة باقية».


مقالات ذات صلة

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

شمال افريقيا الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

من طرابلس إلى مصراتة طالب حقوقيون ليبيون بإطلاق الناشط المهدي عبد العاطي كما أهابوا بالنائب العام سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا شكشك مستقبلاً القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيريمي برنت (ديوان المحاسبة الليبي)

«الأزمات الدولية»: تهريب الوقود الليبي يبقي على «السلام» لكنه «يستنزف خزينة الدولة»

أفاد تقرير لمجموعة الأزمات الدولية، بأن «السلام الذي ساد في ليبيا بعد عام 2020 هشٌّ، ولكنه قائم، ويعتمد استمراره على استعداد الطرفين لتقاسم عائدات مبيعات النفط»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

ليبيا تؤكد «السيطرة الكاملة» على ناقلة الغاز الروسية المتضررة

أعلنت حكومة «الوحدة الوطنية» في غرب ليبيا الأربعاء السيطرة الكاملة على ناقلة الغاز الروسية المتضررة «أركتيك ميتاغاز» قبالة السواحل الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا لقاء برنت مع بلقاسم حفتر مساء الثلاثاء (السفارة الأميركية)

واشنطن تجدد دعمها لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية

جددت الولايات المتحدة الأميركية، الأربعاء، تأكيد دعمها لتوحيد الجيش الليبي، وذلك خلال محادثات أجراها القائم بأعمال السفارة الأميركية، جيرمي برنت.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة يصافح قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» قبل مأدبة إفطار في الزاوية (مكتب الدبيبة)

صراع «ميليشيات الزاوية» على النفوذ يضاعف التوترات في غرب ليبيا

مع كل موجة اشتباكات تندلع في مدينة الزاوية غرب ليبيا يتحدث خبراء أن «صراع النفوذ بين الميليشيات أصبح واقعاً يفاقم التوتر ويثير مخاوف السكان»

علاء حموده (القاهرة )

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.